الجمعة 16 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

فتنة «المميز».. أجنحة بـ7500 جنيه للمتر تفجر خلافات معرض الكتاب

حرف

- اتحاد الناشرين يعترض على التكلفة المعلنة وأعضاؤه أول الحاجزين!

مع اقتراب انطلاق الدورة الـ58 من معرض القاهرة الدولى للكتاب، المقرر إقامتها فى يناير 2027، يبرز الجدل حول تكلفة المشاركة، بعدما أعلنت الهيئة المصرية العامة للكتاب عن فتح باب الحجز أمام دور النشر المصرية والعربية، متضمنًا إتاحة أجنحة مميزة بسعر 7500 جنيه للمتر المربع، وفقًا لما أورده اتحاد الناشرين المصريين.

تتيح هذه الآلية للناشرين اختيار مواقع أجنحتهم داخل المعرض بعيدًا عن القرعة العلنية، مقابل تكلفة أعلى من الأسعار المقررة للأجنحة التى توزع من خلالها.

فى حين يعترض اتحاد الناشرين المصريين على هذه الأسعار، باعتبارها أعباء مالية إضافية على دور النشر، تبرز مفارقة أخرى تتمثل فى حجز عدد من أعضاء مجلس إدارته أجنحة مميزة، رغم اعتراض الاتحاد على الفكرة والأسعار المقررة لها.

وتفتح هذه المفارقة باب التساؤل حول طبيعة موقف الاتحاد، وما إذا كان اعتراضه ينصب على مبدأ الأجنحة المميزة نفسه، أم على تكلفتها، ومدى اتساق الموقف المعلن باسم الناشرين مع اختيارات بعض أعضاء مجلس إدارته.

 

الأجنحة المميزة ليست فكرة جديدة على معرض القاهرة الدولى للكتاب، إذ سبق تطبيقها خلال دورتين ماضيتين، وشهدت إقبالًا من ناشرين راغبين فى اختيار مواقع محددة لأجنحتهم بدلًا من انتظار نتائج القرعة العلنية.

تقوم الفكرة على منح الناشر حرية اختيار موقع جناحه، انطلاقًا من أن مكان العرض قد يؤثر فى وصول القراء إلى الإصدارات، وفرص التعريف بالكتب وتحقيق المبيعات، خاصة فى معرض يستقبل أعدادًا كبيرة من الزوار.

لكن هذه الميزة ترتبط بتكلفة أعلى، إذ أعلن اتحاد الناشرين عن أن سعر المتر المربع فى الأجنحة المميزة يبلغ ٧٥٠٠ جنيه، وهو ما أثار اعتراضه على الآلية المطبقة فى الدورة المقبلة.

ولا تتوقف نفقات المشاركة عند إيجار المساحة، بل تشمل تجهيز الجناح، ونقل الكتب، وإعداد المواد الدعائية، وتوفير العمالة اللازمة طوال فترة المعرض، ما يجعل تكلفة المشاركة أحد الاعتبارات الأساسية فى حسابات دور النشر، خاصةً الصغيرة والمتوسطة.

من هنا، يمتد النقاش إلى اختلاف الإمكانات المالية بين الناشرين، وقدرة كل دار على تحمل تكلفة إضافية مقابل اختيار موقع بعينه، مقارنة بالاكتفاء بالأجنحة التى تخصص عبر القرعة.

من جهته، أصدر اتحاد الناشرين المصريين، برئاسة فريد زهران، بيانًا أعلن فيه اعتراضه على أسعار الأجنحة المميزة، مؤكدًا أن حماية مصالح أعضائه وتخفيف الأعباء المالية عنهم من أولوياته، إلى جانب الحفاظ على مشاركة الناشرين المصريين فى المعرض.

وأوضح الاتحاد أن مجلس إدارته ناقش التحديات الاقتصادية التى تواجه صناعة النشر، وما تتحمله دور النشر من تكاليف متزايدة، مشددًا على أهمية تقديم دعم مباشر للناشرين المصريين، باعتبار المعرض أحد أهم منافذ توزيع الكتب وتحقيق الإيرادات بالنسبة إلى عدد كبير من المؤسسات العاملة فى المجال.

وأشار إلى عقد اجتماع مع وزير المالية لبحث آليات دعم الدولة للمعرض، وتوفير دعم مادى للناشرين المصريين، إلى جانب عرض الصعوبات التى تواجه صناعة النشر، وتأكيد ضرورة مساندة الناشرين بدلًا من تحميلهم أعباء مالية إضافية.

ونبّه الاتحاد إلى أن ملف أسعار الأجنحة نوقش أكثر من مرة بالتنسيق مع مسئولى الهيئة المصرية العامة للكتاب، وبحضور رئيس الهيئة، مؤكدًا رفضه فرض زيادات إضافية على أسعار أجنحة الناشرين المصريين.

غير أن هذا الموقف يواجه مفارقة تستحق التوقف عندها، إذ حجز عدد من أعضاء مجلس إدارة الاتحاد أجنحة مميزة فى المعرض، رغم اعتراض الاتحاد على هذه الآلية.

يثير ذلك تساؤلًا حول كيفية التوفيق بين الموقف الذى يتبناه المجلس باسم الناشرين، والاختيارات التى يتخذها بعض أعضائه بصفتهم ناشرين مشاركين فى المعرض. فإذا كان الاعتراض يتعلق بارتفاع التكلفة، فإن حجز هذه الأجنحة يطرح سؤالًا حول ما إذا كان الخلاف يدور حول الأسعار أم حول مبدأ إتاحة اختيار المواقع مقابل تكلفة إضافية.

ولا يعنى الحجز فى حد ذاته وجود مخالفة، لكنه يضع الموقف المعلن للاتحاد أمام اختبار يتعلق بوضوح مطالبه وحدود اعتراضه، خاصة أن الناشرين أنفسهم قد تختلف حساباتهم وقدرتهم على تحمل التكلفة.

وتظل تفاصيل حجوزات أعضاء مجلس الإدارة، ومساحات الأجنحة التى اختاروها، والأسعار التى تمت على أساسها، من النقاط المهمة لاستكمال الصورة بشأن هذه المفارقة.

من بين النقاط التى استند إليها اتحاد الناشرين فى اعتراضه، تأكيده أن تخصيص الأجنحة المميزة وتحديد أسعارها لم يحظيا بموافقة اللجنة الاستشارية العليا للمعرض، مشيرًا إلى أن ممثلى الناشرين وعددًا من أعضاء اللجنة أبدوا اعتراضهم على تخصيص هذه الأجنحة مقابل مبالغ مرتفعة.

ويرى اتحاد الناشرين أن موقفه يستهدف تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين الناشرين، وعدم تحميلهم تكاليف إضافية فى ظل الظروف الاقتصادية التى تمر بها صناعة النشر.

فى المقابل، تظل الأجنحة المميزة متاحة ضمن ترتيبات الحجز المعلنة للدورة المقبلة، بينما يواصل الاتحاد مطالبته بإعادة النظر فى الأسعار، وفقًا لما ورد فى بيانه.

ويعكس هذا الجانب من الخلاف اختلافًا فى تقدير تكلفة المشاركة وآثارها، بين من يرى أن دفع مبلغ إضافى مقابل اختيار الموقع يمنحه فرصة أفضل لتسويق إصداراته، ومن يفضل الاعتماد على القرعة تجنبًا لتحمل نفقات أعلى.

وأشار اتحاد الناشرين المصريين إلى ورود أنباء عن حجز عدد كبير من الناشرين أجنحة مميزة بمساحات كبيرة وفقًا للأسعار المعلنة، معتبرًا أن ذلك قد يؤثر فى مسار التفاوض بشأن إعادة النظر فى الأسعار.

ويكشف هذا التطور عن تباين حسابات دور النشر. فبينما ترى بعض المؤسسات أن اختيار موقع محدد استثمار يستحق الإقدام عليه، قد تجد دور أخرى أن التكلفة الإضافية لا تتناسب مع إمكاناتها المالية أو حجم إنتاجها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى دور النشر الصغيرة والمتوسطة، التى تسعى إلى التعريف بإصداراتها والوصول إلى قراء جدد، لكنها قد لا تمتلك الإمكانات نفسها المتاحة للمؤسسات الأكبر.

ومع ذلك، لا يعنى اختلاف أسعار الأجنحة بالضرورة أن دور النشر الأقل قدرة مالية ستفقد فرصها فى الوصول إلى الجمهور. كما أن اختيار موقع مميز لا يضمن وحده تحقيق مبيعات أعلى، فالأمر يرتبط أيضًا بطبيعة الإصدارات، وقوة التسويق، واهتمامات القراء، وحركة الزوار داخل المعرض.

وتزداد أهمية هذا التباين مع وجود أعضاء بمجلس إدارة الاتحاد بين الناشرين الذين حجزوا أجنحة مميزة، إذ يكشف ذلك عن اختلاف الحسابات حتى داخل الدائرة التى تمثل الناشرين وتعلن الدفاع عن مصالحهم.

ومن أبرز المخاوف التى طرحها اتحاد الناشرين المصريين أن ارتفاع تكلفة استئجار الأجنحة قد ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أسعار الكتب المطروحة للجمهور.

وتدخل تكاليف المشاركة فى المعارض ضمن حسابات التشغيل والتسويق لدى بعض دور النشر، وقد تدفع زيادة المصروفات المؤسسات إلى إعادة النظر فى أسعار بعض إصداراتها أو خطط إنتاجها وتوزيعها.

لكن انتقال الزيادة فى تكلفة الجناح إلى سعر الكتاب ليس نتيجة حتمية، إذ يتوقف على عوامل متعددة، من بينها تكاليف الطباعة والورق والتحرير والتوزيع، وسياسات التسعير لدى كل دار نشر، وقدرتها على استيعاب المصروفات الإضافية.

ومع ذلك، فإن زيادة الأعباء المالية قد تضغط على بعض المؤسسات، بما يؤثر فى قدرتها على توسيع إنتاجها أو الحفاظ على أسعار مناسبة للقراء، خاصة إذا تزامنت مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الأخرى.

وتتجاوز هذه المسألة الحسابات التجارية إلى بعدها الثقافى. فإتاحة الكتب بأسعار مناسبة تظل عنصرًا مهمًا فى توسيع قاعدة القراءة، وتعزيز قدرة الجمهور على الوصول إلى المعرفة.

ومن ثم، فإن الحفاظ على مصالح الناشرين يرتبط أيضًا بالحفاظ على الدور الثقافى والتنويرى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، باعتباره منصة رئيسية لدعم الكتاب المصرى والتعريف بالإنتاج الفكرى والثقافى.

يؤكد اتحاد الناشرين المصريين، فى بيانه، تقديره للجهود المبذولة فى تنظيم المعرض، وتمسكه فى الوقت نفسه بحقوق الناشرين ومصالحهم المهنية والاقتصادية، معلنًا استمرار التواصل مع مسؤولى الهيئة المصرية العامة للكتاب والجهات المعنية بوزارة الثقافة، سعيًا إلى إعادة النظر فى الأسعار والوصول إلى حلول تحقق مصالح الأطراف المعنية.

ويظل جوهر الخلاف مرتبطًا بكيفية الموازنة بين إتاحة خيارات متعددة للناشرين الراغبين فى اختيار مواقع أجنحتهم، وبين تخفيف الأعباء المالية عن دور النشر التى ترى أن الأسعار المعلنة تمثل تكلفة إضافية لا تتناسب مع ظروفها.

فى حين قد توفر الأجنحة المميزة فرصة تسويقية لبعض الناشرين، فإن اختلاف القدرات المالية يجعل قرار الحجز متفاوتًا من دار إلى أخرى، وفقًا لحجمها وطبيعة إصداراتها وتقديرها للعائد المتوقع من اختيار موقع محدد.

ولم يتضمن بيان الاتحاد إعلانًا عن حل نهائى للخلاف أو التوصل إلى اتفاق جديد بشأن الأسعار، بل أكد استمرار متابعة الملف والتواصل مع الجهات المعنية، مع إطلاع الأعضاء على ما يستجد بشأنه.

ومع اقتراب معرض القاهرة الدولى للكتاب ٢٠٢٧، تبقى قضية الأجنحة المميزة واحدة من الملفات المطروحة على طاولة العلاقة بين الهيئة المصرية العامة للكتاب واتحاد الناشرين المصريين، فى ظل اختلاف وجهات النظر بشأن الأسعار وآلية المشاركة.

وبين اعتراض الاتحاد على التكلفة المعلنة، وإقبال عدد من الناشرين على حجز أجنحة مميزة، ومفارقة وجود أعضاء بمجلس إدارته بين الحاجزين، يظل السؤال الأبرز متعلقًا بطبيعة الاعتراض وحدوده، ومدى اتساق المواقف المعلنة مع قرارات أصحابها.

ولا يقاس نجاح الدورة الـ٥٨ بحجم المشاركة أو عدد الأجنحة والفعاليات وحدها، وإنما أيضًا بقدرتها على دعم تنوع دور النشر والإصدارات، والحفاظ على حضور الكتاب المصرى، وتوسيع فرص وصول الجمهور إلى المعرفة، بما يعزز مكانة المعرض بوصفه أحد أهم الأحداث الثقافية فى مصر والمنطقة العربية.