واحة الثقافة 3 .. لماذا فشلت الأوبرا فى فك عقدة كهرباء «مشروع المليار جنيه»؟
- تركيب المحطة لم يكن كافيًا لبدء التشغيل والربط مع الشبكة ظل أكثر تعقيدًا
- المشروع احتاج لمحطة تتكون من 3 محولات بإجمالى قدرة 4.5 ميجاوات
- استكمال المرافق فى فترة لمياء زايد لم يكن كافيًا للافتتاح بسبب نقص التجهيزات
- وصول الكهرباء لم يحسم جاهزية جميع المنشآت لاستقبال الجمهور
بعد نحو 30 عامًا من بداية مشروع «واحة الثقافة» بمدينة 6 أكتوبر، لا تزال المنشآت تنتظر لحظة التشغيل الفعلى، رغم أن السنوات الأخيرة شهدت تحريك عدد من الملفات التى ظلت عالقة لفترات طويلة، فالمشروع لم يصل بعد إلى مرحلة العمل واستقبال الجمهور، ولا تزال هناك احتياجات وأعمال وتكاليف إضافية قبل أن يتحول إلى مجمع ثقافى يعمل بكامل طاقته، كما كشفت التفاصيل التى تناولناها فى الموضوعين السابقين على صفحات «حرف».
لكن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت تطورًا مختلفًا فى واحد من أكثر ملفات المشروع تعقيدًا، وهو ملف المرافق، خصوصًا الكهرباء والمياه، فخلال هذه الفترة تعاقب على رئاسة دار الأوبرا المصرية ثلاثة رؤساء قبل تكليف رضا الوكيل برئاسة الدار، وكان لكل إدارة دور مختلف فى تحريك هذا الملف.
من خالد داغر بدأت مرحلة فك الاشتباك مع ملف الكهرباء، ثم جاءت لمياء زايد لتتابع توريد وتركيب محطة الكهرباء، قبل أن يستكمل علاء عبدالسلام إجراءات التغذية الفعلية والتنسيق مع الجهات المختلفة.

خالد داغر.. محطة بلا تغذية
عندما تولى الدكتور خالد داغر رئاسة دار الأوبرا المصرية فى فبراير ٢٠٢٣ بقرار من وزيرة الثقافة الدكتورة نيفين الكيلانى آنذاك، خلفًا للدكتور مجدى صابر، كانت «واحة الثقافة» أمام أحد الملفات التى احتاجت إلى حسم مباشر، وهو ملف الكهرباء.

كان المشروع يحتاج إلى محطة كهرباء تتكون من ٣ محولات بإجمالى قدرة ٤.٥ ميجاوات، إلى جانب لوحات الخلايا والموزعات ولوحات الجهد المنخفض، وهى تجهيزات أساسية حتى تصبح المنشآت قادرة على الحصول على التغذية الكهربائية اللازمة.
وهنا لم يكن الحديث عن مجرد توصيل عداد كهرباء إلى مبنى، وإنما عن تجهيز بنية كهربائية تخدم مشروعًا يضم مجموعة من المنشآت والقاعات والمبانى، وبالتالى فإن حسم هذا الملف كان مرتبطًا بقدرة المشروع مستقبلًا على الانتقال من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة التشغيل.
وفى عهد «داغر» بدأت مرحلة جديدة فى التعامل مع الملف، من خلال إعداد مقايسات الكهرباء والتعامل بصورة مباشرة مع شركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء، بدلًا من ترك الملف لشركة مقاولات تتولى تنفيذه بالكامل.
وأُعدت مقايسات الكهرباء فى أكتوبر ٢٠٢٣، بقيمة بلغت نحو ٢٠ مليون جنيه لمهمات محطة الكهرباء، و٣ ملايين جنيه لمقايسة التغذية بالتيار، ليصل إجمالى المقايسات الخاصة بهذا الجانب إلى نحو ٢٣ مليون جنيه.
ونقلت هذه الخطوة الملف من دائرة الانتظار إلى مرحلة التعاقد والتنفيذ، وبدأت معها إجراءات تجهيز محطة الكهرباء، التى تمثل أحد الشروط الأساسية لاستكمال البنية التحتية للمشروع.
كما ارتبط هذا المسار بجانب مالى، إذ تشير تقديرات مرتبطة بالملف إلى أن تنفيذ الأعمال بصورة مباشرة مع شركة الكهرباء كان أقل تكلفة من إسنادها إلى شركة مقاولات، وهو ما جعل طريقة إدارة ملف المرافق جزءًا من عملية البحث عن حلول لمشروع ظل لعقود يعانى من تراكم الملفات.
لكن «داغر» لم يستمر حتى النهاية، بعد إنهاء تكليفه بالمنصب، لينتقل الملف إلى إدارة جديدة كانت أمامها محطة كهرباء دخلت بالفعل فى مسار التنفيذ، لكنها لم تكن قد وصلت بعد إلى مرحلة التغذية الفعلية.
وهنا تظهر طبيعة المشروعات الممتدة لسنوات طويلة؛ فالرئيس الجديد لا يبدأ بالضرورة من نقطة الصفر، وإنما يتسلم ملفات بدأت فيها إجراءات وتعاقدات، ويصبح التحدى هو الحفاظ على تسلسلها حتى لا تعود مرة أخرى إلى نقطة البداية.

لمياء زايد.. دوامة المقايسات
فى بداية عام ٢٠٢٤، تولت الدكتورة لمياء زايد رئاسة دار الأوبرا المصرية، وانتقل إليها ملف محطة الكهرباء بعد التعاقد على مهماتها فى الفترة السابقة، وخلال عهدها تم توريد مهمات محطة الكهرباء فى ٣٠ مارس ٢٠٢٤، ثم بدأت أعمال التركيب والمتابعة مع شركة الكهرباء، لينتقل المشروع من مرحلة الأوراق والمقايسات إلى وجود المعدات المطلوبة على الأرض.

وهذه المرحلة كانت مختلفة عن المرحلة السابقة؛ فالمطلوب لم يعد فقط إنهاء الإجراءات المالية والتعاقدية، وإنما متابعة تنفيذ ما تم التعاقد عليه، والتأكد من وصول المهمات وتركيبها، تمهيدًا للانتقال إلى الخطوة التالية.
لكن تركيب المحطة لم يكن كافيًا لبدء التشغيل، إذ ظلت هناك مرحلة أكثر تعقيدًا تتمثل فى ربطها بشبكة الكهرباء وتنفيذ مسار التغذية، وهو ما احتاج إلى إجراءات جديدة مع جهاز مدينة ٦ أكتوبر والجهات الحكومية المختلفة، وبالتوازى، بدأ تحريك ملف المياه من خلال إجراءات التعاقد مع جهاز مدينة ٦ أكتوبر، وتركيب عدادات المياه الخاصة بخطين، أحدهما بقطر ٤ بوصات والآخر بقطر ٢ بوصة.
وهنا تتضح نقطة مهمة فى مسار المشروع: فالمرافق لم تكن ملفًا واحدًا يمكن إغلاقه بإجراء منفرد، وإنما مجموعة من الملفات المتوازية، وكل منها يحتاج إلى جهات وإجراءات وتوقيتات مختلفة، فالكهرباء تحتاج إلى محطة ومهمات وتغذية وتصاريح ومسار، بينما المياه تحتاج إلى تعاقدات ورسوم وتوصيلات وعدادات، وغيرها من الخدمات التى يجب أن تكون موجودة حتى تصبح المنشآت قابلة للتشغيل. وبذلك شهدت فترة لمياء زايد تقدمًا فى ملفى الكهرباء والمياه، إلا أن استكمال المرافق لم يكن كافيًا وحده لاقتراب المشروع من التشغيل، إذ ظلت هناك أعمال مرتبطة بالمبانى والتجهيزات والتشغيل تحتاج إلى استكمال وتمويل.
وهذه النقطة تحديدًا مهمة لفهم ما جرى فى «واحة الثقافة»: إنجاز المرفق لا يساوى اكتمال المشروع، لكنه يزيل واحدة من العقبات التى كانت تحول دون الوصول إلى مرحلة التشغيل.
علاء عبدالسلام.. توصيل التيار
تولى الدكتور علاء عبدالسلام رئاسة دار الأوبرا، ليجد ملف «واحة الثقافة» فى مرحلة مختلفة؛ فلم يعد التحدى الأساسى إعداد مقايسة أو توريد المحولات، وإنما إيصال التغذية الكهربائية فعليًا إلى المشروع.
وهنا دخل جهاز مدينة ٦ أكتوبر فى قلب المشهد، إلى جانب شركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء، إذ احتاج تنفيذ مسار التغذية إلى استخراج التصاريح اللازمة للحفر وقطع الطريق والتنسيق مع عدد من الجهات والشركات التى تتقاطع أعمالها مع المسار.

وشمل ذلك شركة الغاز، والشركة المصرية للاتصالات، والإدارة العامة لمرور الجيزة، إلى جانب جهاز المدينة وشركة الكهرباء، وبعد استيفاء الإجراءات واستخراج التصاريح، بدأت أعمال الحفر الخاصة بمسار التغذية، بما فى ذلك الأعمال التى تتقاطع مع الطريق والمنشآت القائمة، وصولًا إلى محطة الكهرباء وتجهيزها للتغذية من الشبكة.
وهنا تحولت المسألة إلى عملية تنسيق واسعة بين أكثر من جهة، لأن تنفيذ مسار واحد للمرافق داخل منطقة عمرانية قائمة لا يعتمد على قرار جهة واحدة، وإنما يحتاج إلى استيفاء متطلبات الجهات التى قد تتأثر أعمالها بالحفر أو مسار الكابلات والتغذية.
وفى عهد «عبدالسلام» وصلت الأعمال إلى مرحلة أكثر تقدمًا، حيث تم توصيل التغذية الكهربائية إلى «واحة الثقافة» فى عام ٢٠٢٦ من خلال خطين، ويمثل وصول التيار خطوة مهمة فى ملف المرافق، لكنه لا يعنى أن المشروع أصبح جاهزًا للافتتاح؛ فالكهرباء واحدة من حلقات التشغيل، بينما لا تزال هناك أعمال وتجهيزات واحتياجات تمويلية أخرى مرتبطة بتحويل المنشآت إلى مجمع ثقافى يعمل بكامل طاقته.
3 إدارات وملف واحد
على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، انتقل ملف «واحة الثقافة» بين ثلاث إدارات متعاقبة لدار الأوبرا المصرية، وشهد مع كل إدارة مرحلة مختلفة من مراحل استكمال المرافق.
بدأ خالد داغر بتحريك ملف الكهرباء وإعداد المقايسات والتعاقد على مهمات المحطة، ثم تابعت لمياء زايد مرحلة التوريد والتركيب، بالتوازى مع تحريك ملف المياه، قبل أن يستكمل علاء عبدالسلام إجراءات التغذية والتصاريح والتنسيق مع الجهات المعنية حتى وصول التيار الكهربائى إلى المشروع فى عام ٢٠٢٦، وبذلك أصبحت محطة الكهرباء والمرافق الأساسية فى وضع أكثر تقدمًا مما كانت عليه قبل سنوات، لكن هذا التقدم لا يعنى اكتمال المشروع.
فبعد نحو ثلاثة عقود من بدء «واحة الثقافة»، لا تزال المسافة قائمة بين استكمال بعض عناصر البنية الأساسية وبين التشغيل الفعلى.
وصول الكهرباء والمياه، رغم أهميته، لا يحسم وحده جاهزية جميع المنشآت لاستقبال الجمهور، ولا يلغى الأعمال والتجهيزات والاحتياجات المالية الأخرى التى لا يزال المشروع بحاجة إليها.
كما أن طول الفترة الزمنية التى استغرقها المشروع يجعل مسألة الصيانة وإعادة تقييم بعض الأعمال المنفذة جزءًا من التحدى الحالى، خصوصًا أن بعض المنشآت التى انتهت أعمالها فى مراحل سابقة تحتاج إلى مراجعة قبل التشغيل، وهو ما يضيف أعباء جديدة إلى مشروع لم يغلق ملفه المالى والفنى بعد.
وهنا لا يصبح السؤال فقط عن «ما الذى تم إنجازه؟»، وإنما أيضًا عن «ما الذى يحتاج إلى استكمال أو إعادة معالجة؟».
ماذا ينتظر رضا الوكيل؟
مع تولى رضا الوكيل رئاسة دار الأوبرا المصرية، تنتقل المسئولية إلى مرحلة مختلفة؛ فلم يعد التحدى مرتبطًا بمرفق واحد فقط، وإنما بالتعامل مع الصورة الكاملة للمشروع: ما تم إنجازه، وما لم يكتمل، وما يحتاج إلى إعادة معالجة، وما يتطلب تمويلًا إضافيًا.

فالإدارة الجديدة تتسلم مشروعًا قطعت فيه بعض ملفات البنية الأساسية شوطًا كبيرًا، لكنها فى الوقت نفسه تواجه باقى الاحتياجات التى تفصل «واحة الثقافة» عن التشغيل.
وهذا يعنى أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد استكمال أعمال متفرقة، وإنما تحتاج إلى ترتيب الملفات وفق الأولوية: ما الذى يمنع التشغيل؟ وما الذى يمكن تأجيله؟ وما الذى يحتاج إلى تدخل فنى؟ وما التكلفة المطلوبة لاستكمال المشروع؟ وكيف يمكن الحفاظ على المنشآت التى ظلت لسنوات بين التنفيذ والانتظار؟
وهنا يصبح السؤال الرئيسى أمام الإدارة الجديدة هو كيفية الانتقال من مرحلة استكمال الملفات المتراكمة إلى مرحلة التشغيل الفعلى، بما يضمن جاهزية المنشآت والتجهيزات والمرافق اللازمة لفتح المشروع أمام الجمهور.
فـ«واحة الثقافة» قطعت خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة فى ملف المرافق، بعد سنوات طويلة من التعثر، لكن هذه الخطوات لا تمثل نهاية الرحلة.
الانتقال إلى التشغيل
قصة «واحة الثقافة» خلال السنوات الأخيرة تكشف عن أن المشروع لم يكن يواجه مشكلة واحدة يمكن حلها بقرار واحد، وإنما سلسلة من الملفات المتشابكة.
بدأت أزمة الكهرباء من المقايسات والتعاقد، ثم انتقلت إلى توريد المهمات وتركيبها، وبعد ذلك إلى التصاريح ومسار التغذية والتنسيق مع الجهات المختلفة، وصولًا إلى وصول التيار فى ٢٠٢٦.
وبالتوازى، تحرك ملف المياه، بينما بقيت ملفات أخرى مرتبطة بالمبانى والتجهيزات والتشغيل فى انتظار الاستكمال.
لذلك فإن وصول الكهرباء لا ينبغى أن يُقرأ باعتباره نهاية قصة «واحة الثقافة»، وإنما باعتباره محطة جديدة داخل مشروع ما زال يحتاج إلى إنهاء بقية مراحله.
وبعد ثلاثة عقود تقريبًا من بداية المشروع، أصبح السؤال أكثر تحديدًا من أى وقت مضى: ماذا تبقى حتى تفتح «واحة الثقافة» أبوابها فعلًا؟، الإجابة لن تتعلق بمرفق واحد، وإنما بحصر كامل لما تم إنجازه وما تبقى، وتحديد تكلفة الاستكمال، ومعالجة الملاحظات الفنية، وتجهيز المنشآت للتشغيل، ثم وضع برنامج واضح يحول المشروع من حالة «منشآت ومرافق» إلى «مجمع ثقافى يعمل ويستقبل الجمهور».
فى النهاية، ترك كل رئيس من الرؤساء الثلاثة خطوة فى هذا الملف؛ خالد داغر حرك ملف الكهرباء ووضعه على مسار التنفيذ، ولمياء زايد تابعت توريد وتركيب محطة الكهرباء بالتزامن مع تحريك ملف المياه، بينما استكمل علاء عبدالسلام إجراءات التغذية والتصاريح والتنسيق مع الجهات المختلفة حتى وصل التيار إلى المشروع فى ٢٠٢٦.
أما «واحة الثقافة» نفسها، فما زالت تنتظر لحظة النهاية؛ اللحظة التى لا يكون فيها السؤال عن محطة أو مرفق أو مبنى، وإنما عن مشروع ثقافى مكتمل الأركان، جاهز بالفعل لفتح أبوابه أمام الجمهور.






