غرام فى الكرنك.. تامر عبدالمنعم: قدمت محمود رضا وفريدة فهمى لجمهور 2026
- استعنت بالعناصر التى خرجت من مركز تدريب فرقة رضا
- توصلت لصيغة تسمح بحضور بطلىّ الفيلم الشهير داخل العرض
- اعتبرت الحفاظ على روح الفيلم أمانة يجب أن ألتزم بها
- صنعت حالة إبهار بصرى وتقنى للتواصل مع «جيل السوشيال»
منذ اللحظة الأولى لعرضه على خشبة مسرح البالون، نجح العرض الغنائى الاستعراضى «غرام فى الكرنك» فى استعادة بريق أحد أهم الأعمال التى ارتبطت بتاريخ فرقة رضا للفنون الشعبية، مقدمًا تجربة مسرحية تمزج بين الحنين إلى التراث وروح الحداثة التى تخاطب جمهور اليوم.
عمل الفنان تامر عبدالمنعم، رئيس البيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية، ومخرج العرض، على إضافة لمسات فنية مبتكرة لإضفاء حالة من الاختلاف والنوستالجيا على العرض ليتمكن من جذب شرائح مختلفة من الجمهور.
وفى حواره مع «حرف»، يتحدث تامر عبدالمنعم عن أسباب اختياره هذا العمل تحديدًا، والتحديات التى واجهته فى نقله من شاشة السينما إلى خشبة المسرح، ورؤيته للمسرح الاستعراضى ومستقبله داخل المؤسسات الثقافية المصرية، فضلًا عن رهانه على الشباب، ودور التكنولوجيا الحديثة فى صناعة حالة الإبهار التى لاقت إشادة واسعة من الجمهور.

■ ما الذى دفعك لاختيار «غرام فى الكرنك» تحديدًا لإعادته إلى خشبة المسرح بعد مرور عقود على الفيلم الأصلى؟
- لا يوجد أعظم من أن يكون لدينا فيلم استعراضى مهم مثل «غرام فى الكرنك»، الذى قُدم عام ١٩٦٧ وأصبح واحدًا من أهم الأفلام الاستعراضية المصرية، ليس فقط لقيمته الفنية الكبيرة، وإنما أيضًا لطبيعته الخاصة كعمل ارتبط بوجدان الجمهور المصرى والعربى.
الفيلم يمثل علامة بارزة فى تاريخ فرقة رضا للفنون الشعبية، ويضم عددًا كبيرًا من الرقصات والاستعراضات المتنوعة التى أصبحت جزءًا من التراث الفنى المصرى، ومن هذا المنطلق جاءت فكرة تحويله إلى عرض مسرحى؛ لأن العمل فى الأصل يحمل كل المقومات التى تسمح له بالعودة إلى الجمهور فى شكل جديد، مع الحفاظ على قيمته ومكانته التاريخية.

■ ما أبرز التحديات التى واجهتك؟
- التحدى الأكبر كان يتمثل فى كيفية تقديم فيلم سينمائى مشهور على خشبة المسرح، وكيف يمكننى أن أستخدم لغة السينما داخل المسرح دون أن أفقد خصوصية أى منهما.
كان هناك سؤال أساسى يشغلنى: كيف سيظل محمود رضا وفريدة فهمى بطلى الفيلم وبطلى العرض المسرحى فى الوقت نفسه، رغم أنهما غير موجودين على المسرح؟ هذا الأمر كان تحديًا حقيقيًا بالنسبة لى.
حاولت البحث عن صيغة تسمح باستمرار حضورهما الرمزى داخل العرض، ومن هنا جاءت فكرة «ماكينة السينما» الموجودة على المسرح، والتى سمحت لى بالربط بين الفيلم الأصلى والعرض الجديد، وجعلت العمل أشبه بحوار مستمر بين السينما والمسرح.
■ كيف حافظت على روح الفيلم الأصلى وفى الوقت نفسه قدمت رؤية جديدة تناسب جمهور اليوم؟
- الحفاظ على روح الفيلم كان بالنسبة لىّ أمانة يجب أن ألتزم بها، لا يمكن أن أتعامل مع عمل بهذا الحجم والتاريخ دون احترام هويته الأصلية، لكن فى الوقت نفسه كان لا بد من تقديم رؤية جديدة تتناسب مع عام ٢٠٢٦ وتخاطب الأجيال الحالية.
نحن نتعامل اليوم مع جيل «السوشيال ميديا»، وهو جيل يمتلك أدوات مشاهدة مختلفة وسرعة كبيرة فى الحكم على الأعمال الفنية، لذلك كان لا بد من تقديم حالة من الإبهار البصرى والتقنى تجعله يقبل على المسرح ويستمتع بما يراه.
إذا لم يشعر هذا الجيل بالإبهار فلن يأتى إلى المسرح من الأساس، وبالتالى لن تنجح التجربة، لذلك كان التحدى الحقيقى هو المزج بين الأمانة للتراث والقدرة على مخاطبة الجمهور المعاصر.

■ اعتمدت فى العرض على عدد كبير من الوجوه الشابة، ما فلسفتك وراء هذا الاختيار؟
- كنت بحاجة إلى أعداد كبيرة من المؤدين والراقصين، ولذلك استعنت بالعناصر التى خرجت من مركز تدريب فرقة رضا، وهو مشروع كنا نعمل عليه منذ ما يقرب من ثمانية أشهر.
فى الوقت نفسه لم أتخل عن أصحاب الخبرة من نجوم الفرقة الأساسيين، بل حرصت على المزج بين الأجيال المختلفة، هذا التوازن بين الشباب والخبرة منح العرض طاقة كبيرة، وأتاح الفرصة لظهور وجوه جديدة قادرة على حمل الراية واستكمال مسيرة الفرقة فى المستقبل.

■ لماذا قررت توزيع شخصيتى محمود رضا وفريدة فهمى على أكثر من مؤدٍ بدلًا من تجسيدهما من خلال ممثلين محددين؟
- كان من الصعب أن أحمّل راقصًا واحدًا أو راقصة واحدة مسئولية تجسيد شخصية بحجم محمود رضا أو فريدة فهمى طوال العرض، لذلك قررت توزيع الشخصيتين على أكثر من مؤدٍ.
كان لدى ثلاثة مؤدين يجسدون شخصية محمود رضا، وثلاث مؤديات يجسدن شخصية فريدة فهمى، وقد ظهر ذلك بوضوح فى مشهد «المترونوم»، حيث تبدأ راقصة فى أداء المشهد، ثم تتوقف الحركة ويُظلم المسرح لتكمل راقصة أخرى المشهد مع راقص آخر، ثم تتواصل الفكرة من خلال دخول مؤدين جدد.
من خلال هذا البناء البصرى أردت أن أوصل رسالة واضحة للجمهور منذ اللحظة الأولى، وهى أن فريدة فهمى ليست شخصًا واحدًا فقط، وإنما تمثل روح الفرقة كلها، وأن محمود رضا أيضًا ليس فردًا بعينه بل هو حاضر فى جميع أفراد الفرقة الذين يحملون فكره وتراثه.

■ كيف تم تطوير الاستعراضات والرقصات لتناسب المسرح الحديث مع الحفاظ على الهوية المصرية التى اشتهرت بها فرقة رضا؟
- عملية التطوير تمت من خلال المدربين الذين عملوا على إعادة صياغة الاستعراضات بما يتناسب مع طبيعة الأداء المسرحى وليس الأداء أمام الكاميرا.
فى الوقت نفسه حافظنا على التصميمات الأساسية التى وضعها محمود رضا، كما استعنا بعدد من الحركات التى ابتكرها بنفسه، لكن تم توظيفها مسرحيًا بما يتلاءم مع طبيعة العرض الحى.
كان من المهم بالنسبة لى ألا أفقد هوية فرقة رضا التى يعرفها الجمهور، ولذلك حافظنا على الروح الأصلية للحركات والاستعراضات التى ارتبطت باسم محمود رضا وفريدة فهمى، مع تقديمها بشكل يناسب العصر الحالى.
■ ما الدور الذى لعبته التقنيات الحديثة من إضاءة ومؤثرات بصرية فى تحقيق حالة الإبهار التى أشاد بها الجمهور؟
- فى الحقيقة كانت التقنيات الحديثة هى العمود الفقرى الذى استند إليه العرض كله، فبدون الديكورات المتحركة، وبدون الإضاءة المصممة بعناية، وبدون المؤثرات البصرية الحديثة، ما كانت التجربة لتصل إلى الجمهور بالشكل نفسه.
كنت حريصًا على أن تكون الإضاءة ذات طابع دافئ قريب من روح السينما، وأن تساعد فى إبراز شاشة العرض وأجواء الحكى والسرد المرتبطة بالفيلم الأصلى.
كما أن حركة الديكورات وتغير المشاهد بصورة مستمرة أسهمت فى خلق حالة من الإدهاش البصرى، وهو أمر كان ضروريًا حتى يظل الجمهور متفاعلًا مع العرض طوال مدته.

■ كيف تم التعامل مع الموسيقى والأغنيات الأصلية عند إعادة تسجيلها وتقديمها بصيغة جديدة؟
- قمنا بإعادة تسجيل الموسيقى والأغنيات بالكامل بالتعاون مع المايسترو محمود صادق، وهو واحد من أبرز الموزعين الموسيقيين.
كان الهدف من ذلك هو تقديم جودة صوتية تتناسب مع إمكانيات العصر الحالى، لأن طبيعة التسجيلات القديمة تختلف كثيرًا عن الإمكانيات المتاحة اليوم.
لذلك أعدنا العزف والتسجيل من جديد، مع الحفاظ على روح الموسيقى الأصلية، لكن بقوة صوتية وإنتاجية قادرة على الوصول إلى الجمهور المعاصر بالشكل المطلوب.

■ ما الرسالة التى أردت إيصالها للجمهور من خلال هذا العمل؟
- الرسالة الأساسية هى أن نحافظ على هويتنا وتراثنا الفنى، أنا مصرى، ومن الطبيعى أن أقدم فنًا يعبر عن الهوية المصرية.
لا يمكن أن نتخلى عن تراثنا أو نستبدله بنماذج لا تشبهنا، لذلك حرصت على الالتزام بالأزياء والملابس والتفاصيل البصرية التى ارتبطت بأعمال محمود رضا وفريدة فهمى.
هذه العناصر ليست اختراعات جديدة منى، وإنما هى جزء أصيل من التراث الفنى الذى تركه لنا هؤلاء الرواد، وكان من واجبى أن أحافظ عليه وأقدمه للأجيال الجديدة.

■ بعد النجاح الذى حققه «غرام فى الكرنك»، هل تفكر فى إعادة تقديم أعمال استعراضية مصرية كلاسيكية أخرى؟
- بعد نجاح «نوستالجيا»، وهو نوع مختلف من المسرح الاستعراضى، ثم نجاح «غرام فى الكرنك»، أصبحت أفكر بالفعل فى إمكانية استكمال هذا الخط الفنى.
لكننى لا أعتقد أننى سأعيد تقديم أعمال بعينها لأن «غرام فى الكرنك» يمثل العمل الأشهر والأكثر ارتباطًا بفرقة رضا.
ما أفكر فيه حاليًا هو البحث عن مشروع ثالث يمكن أن يشكل مع «نوستالجيا» و«غرام فى الكرنك» نوعًا من الثلاثية الفنية التى تعيد الاهتمام بالمسرح الاستعراضى، وهو نوع من المسرح لا يحظى بالاهتمام الذى يستحقه.

■ ما أهمية تقديم عروض تستلهم التراث المصرى فى وقت يشهد انفتاحًا واسعًا على الثقافات العالمية؟
- أى مؤسسة للفنون الشعبية والاستعراضية يجب أن تنطلق من تراثها وهويتها، لكن مع تقديم هذا التراث بروح حديثة.
الفكرة ليست فى تكرار الماضى كما هو، وإنما فى إعادة تقديمه بشكل معاصر يحقق التواصل مع الجمهور الحالى.
كما أن هناك فهمًا خاطئًا لدى البعض لطبيعة المسرح الاستعراضى، إذ يعتقدون أنه مجرد مسرحية تتخللها أغنيات أو بعض الرقصات، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا.
فى التقنية التى أعمل بها يكون الاستعراض هو الأساس، وتأتى الموسيقى والحركة فى المقدمة، ثم تُبنى عليها بقية العناصر، وهذا يختلف عن المسرح الدرامى التقليدى الذى يكون فيه الممثل هو العنصر الرئيسى وتلحق به باقى العناصر الفنية.

■ كيف ترى مستقبل العروض الاستعراضية داخل المؤسسات الثقافية المصرية خلال السنوات المقبلة؟
- أرى أن المؤسسات الثقافية المصرية يجب أن تعمل على ترسيخ هويتها مع تطوير أدواتها فى الوقت نفسه.
أنا ضد فكرة الاكتفاء بتقديم الأعمال الكلاسيكية كما هى دون معالجة جديدة. يمكن أن نستفيد من شكسبير أو موليير أو غيرهما من كبار الكتاب، لكن المهم هو كيفية تقديم معالجة معاصرة تخاطب أجيال اليوم.
علينا أن نصل إلى جمهور قد لا يعرف شيئًا عن تاريخنا الفنى أو رموزه الكبرى، هناك أجيال كاملة لم تكن تعرف محمود رضا أو فريدة فهمى، لكن عندما شاهدت «غرام فى الكرنك» بدأت تتعرف إليهما وإلى تجربتهما.
وهذا فى رأيى هو الدور الحقيقى للمؤسسات الثقافية: أن تحافظ على الذاكرة الفنية الوطنية، وأن تقدمها للأجيال الجديدة فى صورة حديثة وقادرة على المنافسة.





