ملحق خاص..
صرخة طه حسين الضائعة.. 100 عام على معركة «فى الشعر الجاهلى» (ملف)
- أثار الكتاب زوبعة هائلة جعلت من طه حسين هدفًا للهجوم والتشكيك فى عقيدته والنيل من إيمانه
- الكثرة المطلقة مما نسميه شعرًا جاهليًا ليست من الجاهلية فى شىء
- كان القدماء عربًا يتعصبون للعرب أو كانوا عجمًا يتعصبون على العرب فلم يبرأ علمهم من الفساد
- قصة إبراهيم وإسماعيل حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب دينى وقبلتها مكة لسبب دينى وسياسى أيضًا
- العرب لم يكونوا معتزلين ولم يكونوا على غير دين ولم يكونوا جهالًا ولا غلاظًا
- ورود اسمى إبراهيم وإسماعيل فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى
- الاتهامات التى تعرض لها طه حسين كانت متنوعة فبعضها متصل بالعقيدة الدينية وبعضها متصل بالوطنية
- من هاجموا طه حسين اتهموه بتكذيب القرآن فى أخباره عن إبراهيم وإسماعيل
- طه حسين عاش فى صراع دائم منذ أن دخل الأزهر سنة 1902 وحتى بعد وفاته سنة 1973
- الأزهر اتهم طه حسين بأنه ألف كتابًا كذب فيه القرآن صراحة وطعن فيه على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى نسبه الشريف
- طه حسين شكك فى القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها
- الشعر الجاهلى بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية فى العصر الذى يزعم الرواة أنه قيل فيه
- طه حسين قال بعدم إنزال القراءات السبع المجمع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعًا
- المبلغون ادعوا أن طه حسين تعدى بالتعريض بنسب النبى صلى الله عليه وسلم والتحقير من قدره
- من هاجموه قالوا إنه أنكر أن للإسلام أولية فى بلاد العرب وإنه دين إبراهيم
- طه حسين عند أنور الجندى متهم فى كل كتبه وهو فى عبارة بسيطة كان متآمرًا على الإسلام
- «جوهر» ما كان طه حسين يقصد إليه أنه لا يجوز لنا استخدام القرآن كمرجع من مراجع «علم التاريخ»
- الاتجاه المادى فى تفكير طه حسين لا يبرر اتهامه بالخروج عن الإسلام وهو ليس إلا مفكرًا إسلاميًا مجددًا
لم يكن الدكتور طه حسين مفكرًا، بل كان هو المفكر
الوصف يليق به، ما أنجزه خلال رحلته الفكرية منذ عشرينيات القرن العشرين وحتى وفاته فى 28 أكتوبر 1973 يجعلنا ننظر إليه على أنه من وضع بذرة الإعلاء من شأن العقل، جعل منه وسيلته لنقد ما توارثناه، مستهدفًا الوصول إلى حياة أرقى أكثر تحضرًا ومصالحة مع الواقع.
ويكتسب طه حسين جدارة المفكر كوصف لأنه دفع ثمن أفكاره، دخل معارك لا قِبل لأحد بها، تعرض لما تعجز الجبال عن حمله، وفى كل مرة كان يخرج منتصرًا.
هذا العام 1926 تمر مائة عام على معركته الأشهر التى تفجرت على هامش صدور كتابه «فى الشعر الجاهلى» الذى كان دراسة فى علم اللغة، إلا أن هناك من حمل الكتاب وصنع منه سيفًا أراد به قطع رقبة العميد، بعد اتهامه بأنه كافر يعادى الإسلام ويطعن فى القرآن ويسىء إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم.

لم يكن فى كتاب طه حسين شىء من هذا.
بل كان واضحًا وهو يدافع عن كتابه عندما أدلى بحديث إلى مجلة «الأنفور مسيون» الفرنسية ترجمه ونشره الدكتور محمد حسين هيكل فى صحيفة السياسة بتاريخ 26 مايو 1926 قال: ليس فى كتابى كلمة يمكن أن تؤول ضد الدين، والعبارة الوحيدة التى يمكن أن أنتقد من أجلها تضع النصوص المقدسة بعيدة عن قسوة المباحث التاريخية.
وعندما ثارت الضجة حول الكتاب وكان لا يزال فى إجازته الصيفية فى أوروبا أرسل بخطاب إلى مدير الجامعة أحمد لطفى السيد، قال له فيه.
حضرة صاحب العزة الأستاذ مدير الجامعة المصرية، أتشرف بأن أرفع إلى عزتكم ما يأتى:
كثر اللغط حول الكتاب الذى أصدرته منذ حين باسم «فى الشعر الجاهلى»، وقيل إنى تعمدت فيه إهانة الدين والخروج عليه، وإنى أعلم الإلحاد فى الجامعة، وأنا أؤكد لعزتكم أنى لم أرد إهانة الدين ولم أخرج عليه، وما كان لى أن أفعل ذلك، وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأنا الذى جاهد ما استطاع فى تقوية التعليم الدينى فى وزارة المعارف، حين كلفت بالعمل فى لجنة هذا التعليم، يشهد بذلك معالى وزير المعارف وأعوانه الذين شاركونى فى هذا العمل، وأؤكد لعزتكم أن دروسى فى الجامعة خلت خلوًا تامًا من التعرض للديانات، لأنى أعرف أن الجامعة لم تنشأ لمثل هذا، وأنا أرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا البيان من تشاءون وتنشروه حيث تشاءون، وأن تقبلوا تحيتى الخالصة وإجلالى العظيم.

التوقيع: طه حسين فى 12 مايو 1926.
لقد خدم طه حسين الإسلام كما لم يفعل أحد، كان مجتهدًا عظيمًا، وكان مؤمنًا حقيقيًا، بل كان معتصمًا بالروح التى يحملها بين جنبيه، وليس أدل على ذلك من وصيته بأن يحفر على قبره هذا الدعاء النبوى الذى كان أثيرًا إلى قلبه قريبًا من لسانه: اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض، لك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض، ولك الحمد، أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت.. أنت إلهى لا إله إلا أنت.
غير أن ما يحزننى ويحزن الكثيرين أن طه حسين وقبل أن يغادر دنيانا كان محبطًا، فى حوار أخير له مع الكاتب والباحث والمفكر غالى شكرى، قال: إن البلد لا يزال متخلفًا وفقيرًا ومريضًا وجاهلًا، نسبة الأمية كما هى، ونسبة المثقفين تتناقص بسرعة تدعو للانزعاج، يخيل إلى أن ما كافحنا من أجله هو نفسه لا يزال يحتاج إلى كفاحكم وكفاح الأجيال المقبلة بعدكم، أودعكم بكثير من الألم وقليل من الألم.
لكن وحتى لا يضيع ما قدمه طه حسين طوال حياته، فإننا نعيد مرة أخرى تفاصيل معركته الأولى، حتى نتعلم وحتى نتذكر أن العقل هو الطريق الوحيد للخروج من مأزقنا الحضارى.
هذا احتفاء خاص بطه حسين الرجل والقضية بعد مرور مائة عام على معركة العقل الكبرى فى تاريخنا الحديث.







