الثلاثاء 28 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الفرضية المستحيلة.. كيف وصل طه حسين إلى إنكار قصة إبراهيم وإسماعيل؟

حرف

كان طه حسين يسير فى طريق دراسته، يسعى إلى استجلاء حجية الشعر المنسوب إلى الجاهلية على الحياة المجتمعية خلالها. 

لم ينكر طه أنه كانت هناك حياة جاهلية، لكنه أنكر أن يمثلها الشعر الذى يسمونه الشعر الجاهلى. 

يقول: إذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرؤ القيس والنابغة والأعشى وزهير، لأنى لا أثق بما ينسب إليهم، وإنما أسلك إليها طريقًا أخرى، وأدرسها فى نص لا سبيل إلى الشك فى صحته. 

كان طه حسين يقصد بالنص الذى لا سبيل إلى الشك فى صحته هو القرآن الكريم. 

يقول: القرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلى، فنصه ثابت لا سبيل إلى الشك فيه، أدرسها فى القرآن، وأدرسها فى شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبى وجادلوه، وفى شعر الشعراء الآخرين الذين جاءوا بعده ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التى ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام، بل أدرسها فى الشعر الأموى نفسه، فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة فى الأدب ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية، فحياة العرب الجاهليين ظاهرة فى شعر الفرزدق وجرير والأخطل والراعى أكثر من ظهورها فى هذا الشعر الذى ينسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر بن أبى حازم. 

يعترف طه حسين بغرابة ما يقول، فكيف يكون القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية، لكنه يؤكد أنها بديهية حين نفكر فيها قليلًا، فليس من اليسير أن نفهم أن الناس قد أعجبوا بالقرآن حين تليت عليهم آياته إلا أن تكون بينهم وبينه صلة، هى الصلة التى توجد بين الأثر الفنى البديع وبين الذين يعجبون به حين يسمعونه أو ينظرون إليه. 

ويدلل طه على صحة فكرته بأنه ليس من اليسير أن نفهم أن العرب الذين قاوموا القرآن وناهضوه وجادلوا النبى فيه لم يكونوا يفهمونه ويقفون على أسراره ودقائقه، وليس من اليسير بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدًا كله على العرب، فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه، ولا آمن به بعضهم ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر، إنما كان القرآن جديدًا فى أسلوبه، جديدًا فيما يدعو إليه، جديدًا فيما شرّع للناس من دين وقانون، ولكنه كان كتابًا عربيًا، لغته هى اللغة العربية الأدبية التى كان يصطنعها الناس فى عصره، أى فى العصر الجاهلى. 

ويضيف العميد: فى القرآن رد على الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من الوثنية، وفيه رد على اليهود، وفيه رد على النصارى، وفيه رد على الصابئة والمجوس، وهو لا يرد على يهود فلسطين، ولا على نصارى الروم، ومجوس الفرس، وصابئة الجزيرة وحدهم، وإنما يرد على فرق العرب كانت تمثلهم فى البلاد العربية نفسها، ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطر، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه، وضحوا فى سبيل تأييده ومعارضته الأموال والحياة. 

ويسأل طه حسين: أفترى أحد يحفل بى لو أنى أخذت أهاجم البوذية أو غيرها من هذه الديانات التى لا يدين بها أحد فى مصر؟ ولكنى أغيظ النصارى حين أهاجم النصرانية، وأهيج اليهود حين أهاجم اليهودية، وأغضب المسلمين حين أهاجم الإسلام، ولا أكاد أعرض لواحد من هذه الأديان حتى أجد مقاومة الأفراد ثم الجماعات، ثم مقاومة الدولة نفسها تمثلها النيابة والقضاء، لأنى أهاجم ديانات مختلفة ممثلة فى مصر يؤمن بها المصريون وتحميها الدولة المصرية. 

ويخرج من ذلك إلى أنه كان هكذا الحال حين ظهر الإسلام. 

هاجم الوثنيين فعارضه الوثنيون، وهاجم اليهود فعارضه اليهود، وهاجم النصارى فعارضه النصارى، ولم تكن هذه المعارضة هينة ولا لينة، وإنما كانت تُقدر بمقدار ما كان لأهلها من قوة ومنعة وبأس فى الحياة الاجتماعية والسياسية. 

فأما وثنية قريش فقد أخرجت النبى من مكة ونصبت له الحرب واضطرت أصحابه إلى الهجرة، وأما يهودية اليهود فقد ألبت عليه وجاهدته جهادًا عقليًا وجدليًا، ثم انتهت إلى الحرب والقتال، وأما نصرانية النصارى فلم تكن معارضتها للإسلام إبان حياة النبى قوية، لأن البيئة التى ظهر فيها النبى لم تكن نصرانية، إنما كانت وثنية فى مكة يهودية فى المدينة، ولو ظهر النبى فى الحيرة أو فى نجران للقى من نصارى هاتين المدينتين مثل ما لقى من مشركى مكة ويهود المدينة. 

ويرى طه حسين أن القرآن حين يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات، إنما يتحدث عن العرب وعن نحل وديانات ألفوها، فهو يبطل منها ما يبطل، ويؤيد منها ما يؤيد، وعليه فما أبعد الفرق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية فى هذا الشعر الذى يضاف إلى الجاهليين والبحث عنها فى القرآن. 

فالشعر الذى يضاف إلى الجاهليين- كما يخبرنا طه حسين- يظهر حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الدينى القوى والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس، والمسيطرة على الحياة العملية. 

ويتساءل طه: أليس عجيبًا أن يعجز الشعر الجاهلى كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين؟ 

ثم يقف عند القرآن ليقول: أما القرآن فيمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال، فإذا رأوا أنه قد أصبح قليل الغناء لجأوا إلى الكيد، ثم إلى الاضطهاد، ثم إلى إعلان الحرب التى لا تبقى ولا تذر. 

ويضع العميد أمامنا قضية منطقية عندما يقول: أفتظن أن قريشًا كانت تكيد لأبنائها وتضطهدهم وتذيقهم ألوان العذاب ثم تخرجهم من ديارهم ثم تنصب لهم الحرب وتضحى فى سبيلها بثروتها وقوتها وحياتها لو لم يكن لها من الدين إلا ما يمثله هذا الشعر الذى يضاف إلى الجاهليين؟.

ويجيب على سؤاله: كلا.. كانت قريش متدينة قوية الإيمان بدينها، ولأجل هذا الدين جاهدت وضحت، وقل مثل ذلك فى اليهود، وقل مثله فى أولئك وهؤلاء من العرب الذين جاهدوا النبى عن دينهم. 

وعليه- كما يؤكد طه- فالقرآن إذن أصدق تمثيلًا للحياة الدينية عند العرب من هذا الشعر الذى يسمونه الجاهلى. 

ويضيف: ولكن القرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها، وإنما يمثل شيئًا آخر غيرها لا نجده فى الشعر الجاهلى، يمثل حياة عقلية قوية، وقدرة على الجدال والخصام أنفق القرآن فى جهادها حظًا عظيمًا. 

وحتى يعزز طه حسين رؤيته، فإنه يسأل: أليس القرآن قد وصف أولئك الذين كانوا يجادلون النبى بقوة الجدال والقدرة على الخصام والشدة فى المحاورة؟ فيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون؟. 

ويجيب: كانوا يتجادلون فى الدين وفيما يتصل به من المسائل المعضلة التى ينفق الفلاسفة فيها حياتهم دون أن يوفقوا إلى حلها، فى البعث والخلق، فى إمكان الاتصال بين الله والناس، فى المعجزة وما إلى ذلك، ولا أظن أن قومًا يجادلون فى هذه الأشياء جدالًا يصفه القرآن بالقوة ويشهد لأصحابه بالمهارة يعانون من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة، بحيث يمثلهم هذا الشعر الذى يضاف إلى الجاهليين. 

ينفى طه حسين عن القوم كل ذلك، يقول: لم يكونوا جُهالًا ولا أغبياء ولا غلاظًا ولا أصحاب حياة خشنة جافية، وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة. 

ومن بين ما يمسك به طه حسين أيضًا وبفضل القرآن، أن ما استقر عن العرب قبل الإسلام أنهم كانوا أمة معتزلة تعيش فى صحرائها لا تعرف العالم الخارجى، ولا يعرفها العالم الخارجى. 

على عكس ذلك، وكما يقول طه حسين: يحدثنا القرآن بأن العرب كانوا على اتصال قوى بمن حولهم من الأمم، ألم يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسمت فيها العرب إلى حزبين مختلفين: حزب يساند أولئك وحزب يناصر هؤلاء، أليس فى القرآن سورة تسمى سورة الروم، وسيرة النبى تحدثنا أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلى بلاد الحبشة، وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوزوا الحيرة إلى بلاد الفرس، وتجاوزوا الشام وفلسيطن ومصر. 

يخلص طه حسين من ذلك إلى أن العرب لم يكونوا معتزلين، ولم يكونوا على غير دين، ولم يكونوا جهالًا ولا غلاظًا، بل كانوا أصحاب علم ودين، وأصحاب ثروة وقوة وبأس، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة متأثرة بها مؤثرة فيها، فما أخلفهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية لا أمة جاهلة همجية. 

يسأل طه: كيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر فى أمة جاهلة همجية؟. 

يبنى طه حسين على فكرته من أن الشعر الجاهلى لا يمثل لنا حياة الجاهليين، فهو كذلك بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية فى العصر الذى يزعم الرواة أنه قيل فيه. 

ويقول: الشعر الجاهلى لا يمثل اللغة الجاهلية، ولنجتهد فى تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هى، أو ما إذا كانت فى العصر الذى يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلى هذا قيل فيه، أما الرأى الذى اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية منازلهم الأولى فى اليمن، وعدنانية منازلهم الأولى فى الحجاز. 

وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله، فُطروا على العربية فهم العاربة، وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابًا، كانوا يتكلمون لغة أخرى هى العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العاربة فمحت لغتهم الأولى من صدورهم، وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة، وهم متفقون على أن هذه العدناينة المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم، وهم يروون حديثا يتخذونه أساسًا لكل هذه النظرية، خلاصته أن أول من تكلم العربية ونسى لغة أبيه كان إسماعيل بن إبراهيم. 

يستند طه حسين على البحث الحديث، الذى يقول إنه أثبت أن هناك خلافًا قويًا بين لغة حمير «وهى العرب العاربة» ولغة عدنان «وهى العرب المستعربة»، وقد روى عن أبى عمرو بن العلاء أنه كان يقول: ما لسان حمير بلساننا.. ولا لغتهم بلغتنا. 

يقول: البحث الحديث أثبت خلافًا جوهريًا بين اللغة التى كان يصطنعها الناس فى جنوب البلاد العربية، واللغة التى كانوا يصطنعونها فى شمال هذه البلاد، ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف فى اللفظ وفى قواعد النحو والتصريف أيضًا، وإذن فلا بد من حل هذه المسألة. 

فإذا كان أبناء إسماعيل- كما يذهب طه- قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة، فكيف بعد ما بين اللغة التى كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التى كان يصطنعها العرب المستعربة، حتى استطاع أبوعمرو بن العلاء أن يقول إنهما لغتان متمايزتان، واستطاع العلماء المحدثون أن يثبتوا هذا التمايز بالأدلة التى لا تقبل شكًا ولا جدالًا، والأمر لا يقف عند هذا الحد، فواضح جدًا لكل من له إلمام بالبحث التاريخى عامة وبدرس الأساطير والأقاصيص، خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة فى عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية. 

على هذه النظرية بنى طه حسين ما اعتبره ناقدوه طعنًا فى القرآن وإساءة إلى الرسول واستهانة بالدين.

يقول طه حسين: للتوارة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوارة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى، فضلًا عن إثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة، ونحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعًا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوارة من جهة أخرى، وأقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو هذا العصر الذى أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويبنون فيه المستعمرات. 

وفى محاولة لتفسير ما يذهب إليه العميد، يقول: نعلم أن حروبًا عنيفة نشبت بين هؤلاء اليهود المستعمرين وبين العرب الذين كانوا يقيمون فى هذه البلاد، وانتهت بشىء من المسالمة والملاينة ونوع من المخالفة والمهادنة، فليس ببعيد أن يكون هذا الصلح الذى استقر بين المغيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة التى تجعل العرب واليهود أبناء أعمام، لا سيما وقد رأى أولئك وهؤلاء أن بين الفريقين شيئًا من التشابه غير قليل، فأولئك وهؤلاء ساميون. 

والشىء الذى لا شك فيه- كما يذهب طه- أن ظهور الإسلام وما كان من الخصومة العنيفة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب، قد اقتضى أن تثبت الصلة الوثيقة المتينة بين الدين الجديد وبين الديانتين القديمتين: ديانة النصارى واليهود، وهى صلة ثابتة واضحة، فالقرآن والتوارة والأناجيل كلها ترمى إلى التوحيد، ولكن هذه الصلة الدينية معنوية عقلية يحسن أن تؤيدها صلة أخرى مادية ملموسة بين العرب وأهل الكتاب. 

سأل العميد: ما الذى يمنع أن تستغل هذه القصة- قصة إبراهيم وإسماعيل- القرابة المادية بين العرب العدنانية واليهود؟. 

لا يجيب طه حسين على السؤال بطريقة مباشرة، لكنه يحاول تبرير طرحه للسؤال. 

يقول: كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول هذه الأسطورة فى القرن السابع للمسيح، فقد كانت فى أول هذا القرن قد انتهت إلى حظ من النهضة السياسية والاقتصادية ضمن لها السيادة فى مكة وما حولها وبسط سلطانها المعنوى على جزء غير قليل من البلاد العربية الوثنية، وكان مصدر هذه النهضة وهذا السلطان أمرين: التجارة التى كانت تصطنعها فى الشام ومصر وبلاد فارس واليمن وبلاد الحبشة، والدين الذى كان يتجسد فى الكعبة التى تجتمع حولها قريش ويحج إليها العرب المشركون فى كل عام، وتبسط على نفوس هؤلاء العرب المشركين نوعًا من السلطان قويا، ويجعلون منها رمزًا لدين قوى يريد أن يقف فى سبيل انتشار اليهودية من ناحية والمسيحية من ناحية أخرى. 

كانت قريش من وجهة نظر طه حسين بحكم نهضة التجارة ونهضة الدين تحاول أن توحيد العرب فى وحدة سياسية وثنية مستقلة تقاوم تدخل الروم والفرس والحبشة، ودياناتهم فى البلاد العربية. 

يميل طه حسين إلى الثقة فى تصوره، يقول: إذا كان هذا حقًا- ونحن نعتقد أنه حق- فمن المعقول جدًا أن تبحث هذه المدينة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخى قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التى تتحدث عنها الأساطير، وإذن فليس ما يمنع قريشًا من أن تقبل هذه الأسطورة التى تفيد بأن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها لها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس ابن بريام صاحب طروادة. 

لم يكن طه حسين قاصدًا قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إذن. 

صحيح أنه يقول إن قصة إبراهيم وإسماعيل حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام، واستغلها الاسلام لسبب دينى، وقبلتها مكة لسبب دينى وسياسى أيضًا. 

لكنه لم يطرق باب القصة لسبب دينى ولكن لسبب لغوى وأدبى. 

يقول: نستطيع أن نقول إن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التى كانت تتكلمها العدنانية واللغة التى كانت تتكلمها القحطانية فى اليمن، إنما هى كالصلة بين اللغة العربية وأى لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة، وإن قصة العاربة والمستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم، كل ذلك حديث أساطير لا خطر له ولا غناء عنه. 

ويقول أخيرًا: إن النتيجة لهذا البحث أن هذا الشعر الذى يسمونه الجاهلى لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحًا، ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئًا كثيرًا من الشعر الجاهلى قومًا ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التى كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن، التى كان يقول عنها أبوعمرو بن العلاء: إن لغتها مخالفة للغة العرب، والتى أثبت البحث الحديث أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية.