رد الهجوم الإخوانى .. النقاش للجندى: طه حسين لم يكن أبدًا ملحدًا
فى مايو 1977 صدر عدد مجلة «الهلال» يحمل على غلافه صورة لطه حسين، وعنوان «طه حسين فى قفص الاتهام»، وداخل العدد كتب رجاء النقاش مقالًا مطولًا احتل 34 صفحة من صفحات العدد، خصصه لرد هجوم أنور الجندى على العميد.

بدأ رجاء مقاله بقوله: قضية الشهر هى هذا الكتاب الذى صدر ليهاجم طه حسين أعنف الهجوم، بل إن هذا الكتاب الجديد يعتبر مذبحة كاملة لطه حسين، فهو يتهمه بعنف فى دينه وأدبه ووطنيته وعروبته وأخلاقه.
ففى مارس 1976 كانت قد مرت خمسون عامًا على ظهور كتاب «فى الشعر الجاهلى»، وهو الكتاب الذى أثار عاصفة فكرية عنيفة لم يشهد العصر الحديث مثيلًا لها فى ميدان الفكر العربى.
وفى أواخر العام 1976 ظهر كتاب جديد بعنوان «طه حسين فى ميزان الإسلام» للأستاذ أنور الجندى، وفى هذا الكتاب تجديد وتوسيع لمعركة «فى الشعر الجاهلى».
فأنور الجندى- كما يقول رجاء- يعود إلى ترديد الاتهامات التى تعرض لها طه حسين عند إصدار هذا الكتاب، وعلى رأس هذه الاتهامات أنه ملحد، ويطعن فى الإسلام، ويتهم القرآن الكريم بالكذب والتناقض مع الحقائق العلمية.
ويضيف رجاء: على أن الأستاذ أنور الجندى لا يكتفى بترديد ما ثار ضد طه حسين عند صدور كتابه من اتهامات عنيفة، بل يتوسع فى اتهامه إلى أبعد حدود، ويجعل من كتابه الجديد مذبحة له، وحملة شاملة على فكره كله، وعلى مواقفه وآرائه كلها، دون الاقتصار على محاسبة طه حسين من خلال كتابه «فى الشعر الجاهلى» وحده.
ويقول رجاء: طه حسين عند أنور الجندى متهم فى كل كتبه، وهو فى عبارة بسيطة كان متآمرًا على الإسلام، ملحدًا، مؤمنًا بالفكر المادى «الشيوعى» عميلًا للصهيونية، يفضل مصالحها على مصالح أمته، تلميذًا للمستشرقين الطاعنين على الإسلام والعاملين على هدمه، مرددًا لآرائهم ووجهات نظرهم المختلفة، بل لقد أشار الكاتب إلى اتهام خطير، وهو أن طه حسين مرتد عن الإسلام، وأنه أعلن ارتداده عن الإسلام واعتنق المسيحية فى إحدى كنائس فرنسا.
كانت هذه هى مجمل الاتهامات التى وجهها أنور الجندى إلى طه حسين، وهى أخطر «عريضة اتهام» ظهرت فى المكتبة العربية ضد العميد، سواء فى حياته أو بعد موته، فلا تكاد صفحة واحدة من هذا الكتاب تخلو من هجوم عنيف حاد واتهام بأقسى التهم وأعنفها على الإطلاق.
ويرى رجاء أن حملة أنور الجندى ضد طه حسين فى العام ١٩٧٦ ليست فى حقيقتها موجهة إلى العميد وحده- فقد مات الرجل وانتهى- ولكنها موجهة بالدرجة الأولى إلى الذين آمنوا بآرائه ومنهجه الفكرى فى وطننا العربى، وهم كثيرون، ومن هنا كان من الضرورى مواجهة هذه الحملة ضد طه حسين لكى نعرف ما فيها من الحق والباطل.

المقال كاملًا منشور فى مجلة الهلال، لكننى سأتوقف فقط عند بعض الاتهامات التى تتعلق بكتاب طه حسين «فى الشعر الجاهلى» وتفنيد رجاء لها.
بدأ رجاء النقاش فى تفنيد الاتهامات التى وجهها أنور الجندى لطه حسين، بسؤال: هل كان طه حسين ملحدًا؟
ويقول عن ذلك: الاتهام الأول الذى وجهه أنور الجندى إلى طه حسين هو اتهامه بالإلحاد، فهو يكرر هذا الاتهام على صفحات كتابه مرات متعددة بصورة مختلفة، فهو تارة يقول عن طه حسين «ص ١٧٩» إنه صاحب مؤامرات متعددة على القرآن ومحاولاته متكررة لإثارة الشبهات حوله، وينقل اتهامات لطه حسين فى عقيدته، بما يوحى أنه يوافق على هذه الاتهامات.

فمن ذلك ما نقله الجندى عن إسماعيل أدهم «صفحة ١٧٥» من الكتاب، حيث يقول إسماعيل أدهم عن طه حسين: إنه ثائر على الأديان ملحد.
ويقول الجندى تعليقًا على كلمات إسماعيل أدهم: هذا ما أورده أحد أعوان طه حسين على نفس الطريق وليس من خصومه وهو يكشف عن خبيئة الرجل- أى طه حسين- التى حاول إخفاءها وراء كتاباته الماكرة.
ومعنى تعليق أنور الجندى على كلمات إسماعيل أدهم بوضوح تام أنه يرى أن طه حسين ملحد.
ويسأل رجاء: ما معنى الإلحاد؟
ويجيب: المعنى الواضح المحدد للإلحاد هو إنكار وجود الله.
ويعود ليسأل: فهل أنكر طه حسين وجود الله؟

ويبدأ الإجابة من جديد: لو راجعنا كتابات طه حسين من أولها إلى آخرها فلن نجد شيئًا يدل على هذا الإنكار، ونحن لا نملك محاسبة طه حسين إلا على ما أعلنه فى كتاباته الموجودة بين أيدينا، وليس من حقنا حتى من الناحية الدينية الخالصة، أن نتهم إنسانًا بالإلحاد وإنكار وجود الله، دون أن يكون لدينا دليل محدد، والإسلام بالذات ينهى نهيًا كاملًا عن اتهام المسلمين فى دينهم بغير دليل واضح.
ويضيف رجاء: وليس دليلًا على طه حسين أن يقول عنه شخص آخر إنه «ملحد»، وهذا ما فعله أنور الجندى عندما اعتمد على قول إسماعيل أدهم بأن طه حسين «ملحد»، وحجته فى ذلك أن إسماعيل أدهم تلميذ من تلاميذ طه حسين، ولا بد- تبعًا لذلك- أن يكون قد عرفه على حقيقته ووصفه وصفًا موضوعيًا بغير قصد للإساءة إليه.
يشير رجاء بفساد استدلال أنور الجندى، فإسماعيل أدهم لم يكن من تلاميذ طه حسين، فلا هو درس فى الجامعة على يديه، ولا كان معروفًا بأنه من تلاميذه فى الفكر والأدب أو من المقربين إليه فى هذا المجال، ومعروف أنه ألف كتابًا بعنوان «لماذا أنا ملحد؟» و كان يفخر بإلحاده، ولعله أراد أن يكسب شيئًا من التأييد المعنوى لدعواه بأن يقول: إن طه حسين ملحد أيضًا.
ويسأل النقاش الجندى: كيف تعتمد على مثل هذا الكاتب فى اتهام طه حسين بالإلحاد؟ وكيف سمح لك ضميرك بأن تتهم مسلمًا آخر بالإلحاد، خاصة أن هذا المسلم هو مفكر كبير بحجم طه حسين؟
اتهم أنور الجندى طه حسين كذلك بأنه يهاجم القرآن.
وفى هذا قال رجاء: اعتمد الجندى على رأى قديم لطه حسين فى القرآن، وذلك عندما أراد إدانته واتهامه بالخروج على الدين، وهذا الرأى هو الذى يقول فيه طه حسين من كتابه «فى الشعر الجاهلى» ما يتعلق بقصة إبراهيم وإسماعيل، وهو ما دفع أنور الجندى إلى اتهامه بأنه متآمر على القرآن وأنه يصفه «بالكذب».
ويضيف رجاء: هذه العبارة التى كتبها طه حسين عن القرآن لا يمكن لمسلم أن يوافقه عليها، ولا شك أنها خطأ صريح واضح فى حق الإسلام والقرآن الكريم، وقد اعترف طه حسين بهذا الخطأ اعترافًا كاملًا، وذلك عندما أعاد طبع كتابه وحذف منه هذه الفقرة، ألا يعنى ذلك أن طه حسين قد أدرك خطأه، وعدل عنه؟، إن الله يقبل التوبة، ألا يريد أنور الجندى أن يقبل من طه حسين توبته، أليس من صميم الخلق الإسلامى الصحيح قبول التوبة والعدول عن الخطأ.
ويشير رجاء النقاش إلى مسألة أخرى أثارتها كلمات طه حسين عن القرآن، وهى الكلمات التى حذفها من كتابه بعد الطبعة الأولى.
هذه المسألة هى «هل يجوز استخدام القرآن الكريم كمرجع علمى؟
يقول رجاء: فى اعتقادى هذا موقف غير صحيح، ذلك أن العلوم الإنسانية المختلفة متغيرة والمعلومات التى يعرفها العقل الإنسانى قابلة للتعديل، والقرآن قائم على أسس ثابتة لا تغيير فيها، لأنه يتحدث عن المشاكل الجوهرية للحياة والإنسان، وهى مشاكل عامة لا تقبل التعديل والمراجعة، وهناك ميدان علمى لا مجال للمناقشة فى أن «القرآن» هو مرجعه الأول والأساسى، وهو القانون أو «الشريعة الإسلامية»، بالإضافة إلى الفروض والعبادات، ذلك أن القرآن هنا مبادئ وقوانين وقواعد محددة لا مجال للتعديل فيها.
ويضيف رجاء: وفى اعتقادى أن هذا هو «جوهر» ما كان طه حسين يقصد إليه فى كتابه «فى الشعر الجاهلى» ومن بعده «الأدب الجاهلى» ولكنه- دون شك- أساء وأخطأ التعبير عن فكرته كل الخطأ أما جوهر الفكرة فهو سليم من الناحية العلمية والناحية الدينية، وجوهر الفكرة هو أنه لا يجوز لنا استخدام القرآن كمرجع من مراجع «علم التاريخ» الذى يحدد تاريخ حاكم من الحكام، أو أسرة من الأسر، أو شعب من الشعوب.. إن رسالة القرآن أكبر من ذلك وأشمل و أعمق.
وعليه- وكما يرى رجاء- فإن القول بأن طه حسين متآمر على القرآن قول لا يستند إلى دليل سليم، فقد أخطأ طه حسين فى التعبير عن رأيه واعتذر عن ذلك بحذف العبارات التى أخطأ فيها من الطبعة الثانية للكتاب، ومن حق الإنسان أن يخطئ، وإن كان من واجبه أن يعتذر عن خطئه ويغيره، وقد استخدم طه حسين حقه فى الخطأ، والتزم بواجبه فى تعديل الخطأ.
ويرصد رجاء النقاش المؤامرات الأخرى التى قام بها طه حسين على القرآن، والتى يرددها الجندى، ويصفها بأنها جميعًا من هذا القبيل.
يقول الجندى فى «صفحة ١٧٢»: إن طه حسين يتحدث عن الحروف الأوائل فى بعض السور، ويقول: هل لهذه الحروف معنى مستقل بذاته أو هى أشياء يجب أن يقف عندها العقل ويوكل أمرها إلى الله كما يقول الفقهاء.
ويسأل رجاء: ما الذى يجده أنور الجندى من التآمر فى هذا الكلام الذى يقوله طه حسين عن أوائل بعض الصور مثل «آلم.. آلر.. يس.. حم»؟ إن كلام طه حسين هنا علمى، وليس فيه ما يتناقض مع الدين أو يسىء إلى القرآن الكريم فى شىء، كذلك عندما يقول طه حسين: إن لفظة سورة أخذت من سورة العبرية بمعنى سلسلة.
ويعيب النقاش على الجندى فهمه، ويحاول أن يشرح له ما يقوم به طه حسين، يقول: إن اللغة التى نزل بها القرآن الكريم هى اللغة العربية، واللغة العربية متأثرة باللغات الأخرى، كما تأثرت اللغات الأخرى باللغة العربية أبلغ التأثر، واللغة العربية تحمل عددًا من الألفاظ التى تمتد أصولها إلى لغات أخرى مثل «استبرق، وسندس»، فهل فى ذلك ما يسىء إلى القرآن فى شىء،؟ ثم إن هذا اللون من البحث هو بحث لغوى معروف تمامًا عند العرب باسم فقه اللغة، ومعروف عند الغربيين باسم «الفيولوجيا» أو «علم اللغة»، فماذا فى هذا العلم الذى يبحث عن أصول الألفاظ والتأثرات المتبادلة بين اللغات ما يسىء إلى القرآن الكريم؟
وينقل رجاء من كتاب أنور الجندى تهمة أخرى لطه حسين، وهى التهمة التى لا تقل خطرًا عن تهمة الإلحاد، وإن كانت تتناقض معها، فهو يقول إنه ارتد عن الإسلام واعتنق المسيحية، وعن ذلك يقول النقاش: إذا صح ما يقوله أنور الجندى من ارتداد طه حسين عن الإسلام إلى المسيحية، فإن ذلك يناقض اتهام طه حسين بالإلحاد، فالمسيحيون مؤمنون بالله وهم غير ملحدين.
وعلى نفس الخط يرد رجاء النقاش عن طه حسين اتهام أنور الجندى له بأنه كان شيوعيًا.
فالجندى يتهم طه حسين بأنه من دعاة المادية أو الجبرية وأنه من أنصار الشيوعية، وهو الاتهام الذى جاء فى مواضع كثيرة فى كتاب الجندى.
يقول الجندى فى «صفحة ٤٩»: إن طه حسين هو أول من أدخل مفهوم الجبر إلى الفكر الإسلامى.
ويعلق الجندى على قول طه حسين: والفرد إنما هو فى وجوده المادى أثر اجتماعى وظاهرة من ظواهر الاجتماع، بقوله: إن طه حسين يذهب فى هذا مذهب الفلسفة المادية والماركسية.
وعلى هذه التهمة يرد رجاء، يقول: هذه نماذج من الاتهام الجديد الذى يوجهه أنور الجندى إلى طه حسين، أى الاتهام بأنه مادى، ماركسى، شيوعى، وكلمة «الجبرية» التى يشير إليها الجندى هى ما نسميه فى الاصطلاح الحديث باسم «الحتمية»، وقد كان الملك فاروق أيضًا- مثل الجندى- يتهم طه حسين بأنه شيوعى، وعندما رشحه النحاس وزيرًا للمعارف فى وزارة الوفد الأخيرة اعترض الملك قائلًا: إن طه حسين شيوعى، وأصر النحاس على دخول طه حسين الوزارة ورضخ الملك.
والاتهام بالشيوعية يحوم حول طه حسين- كما يرى رجاء- منذ وقت طويل، لعدد من الأسباب التى ذكر أنور الجندى واحدًا منها فقط، فطه حسين متهم بالشيوعية لأنه دعا إلى المساواة وتكاثر الفرص أمام أبناء مصر عندما كان وزيرًا للمعارف فى وزارة الوفد الأخيرة «١٩٥٠- ١٩٥٢» حيث نادى طه حسى بندائه المعروف: التعليم كالماء والهواء حق للجميع، فهل فى هذا الاتجاه ما يمكن وصفه بالشيوعية؟
وكعادته الناقدة يبحث رجاء النقاش عن حقيقية اتهام طه حسين بالشيوعية من قبل الإسلاميين والإخوان، ويبدأ فى شرح وجهة نظره، يقول:
تعرض طه حسين للاتهام بالشيوعية لسبب أخطر يزعج أنور الجندى وغيره من المفكرين الإسلاميين المحافظين، فطه حسين فى دراساته الإسلامية اهتم دائمًا بإبراز عنصرين رئيسيين:
العنصر الأول هو أن الإسلام كان يدافع دائمًا عن حقوق المظلومين، وأن العديد من المسلمين الأوائل كانوا من الفقراء والبؤساء والمغلوبين على أمرهم اجتماعيًا، وقد انضم هؤلاء إلى ركب الدعوة الإسلامية أملًا فى العدل الذى حققه لهم المجتمع الإسلامى ونادت به المبادئ الإسلامية، وهذا هو ما يكشفه لنا طه حسين بوضوح فى كتابه «الوعد الحق».
العنصر الثانى الذى اهتم به طه حسين فى دراساته الإسلامية هو العنصر الاقتصادى، فقد أبرز طه حسين دور العامل الاقتصادى فى تطور المجتمع الإسلامى، خاصة فى دراسته المهمة لعصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان فى كتابه «الفتنة الكبرى».
هذا الاهتمام بالعامل الاقتصادى عند طه حسين يزعج الباحثين الإسلاميين المحافظين أشد الإزعاج.
والحقيقة أن موقف طه حسين الإسلامى أكثر عمقًا وأصالة من موقف هؤلاء المفكرين الذين يريدون منا أن ننظر للإسلام على أنه «دين روحى» وكفى.
إن إسلام طه حسين هو الإسلام الصحيح.
إنه الإسلام الذى يدرك أن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- هو نبى العدالة والكرامة الإنسانية لكل فرد، وهذه الكرامة التى لا تتحقق إلا بالمساواة السليمة بين الناس.
إن العدالة الاجتماعية فى الإسلام حقيقة كبرى تقوم عليها كل المبادئ الأساسية فى الإسلام، وطه حسين هو واحد من أكبر دعاة العدالة الاجتماعية فى الفكر الإسلامى المعاصر وهذه هى غلطته وجريمته عند المفكرين المحافظين من أمثال أنور الجندى.
جريمته أنه يريد مجتمعًا إسلاميًا عادلًا، لا تفرقة فيه بين الناس.
جريمته أنه يريد مجتمعًا إسلاميًا يجد فيه كل إنسان رغيف خبزه ومدرسته وبيته وعلاجه.
جريمته أنه يرى اهتمام الإسلام بالعامل الاقتصادى فى بناء المجتمع وبناء الفرد، ويرى أن الاقتصاد الإسلامى هو اقتصاد العدالة والمساواة، وليس اقتصاد الظلم والاستغلال والتفرقة بين الناس.
ويتوقف رجاء النقاش عند استنكار أنور الجندى للنزعة المادية فى تفكير طه حسين، فهو يعتبر أن المادية خطأ من وجهة نظر الإسلام، ويراها عيبًا وعارًا وخروجًا على الدين، وأنها احتكار للماركسية وغيرها من المدارس الفكرية الوضعية الغربية، وكل فكر مادى لا بد أن يكون نابعًا من الماركسية وغيرها من مدارس الفكر الغربى برباط كامل ووثيق، ومعنى هذا أن الإسلام لا علاقة له بالفكر المادى، وأنه ديانة روحية خالصة.
ويشير رجاء إلى أن الاتجاه المادى فى تفكير طه حسين لا يبرر هذا اتهامه بالخروج عن الإسلام، وليس طه حسين هنا إلا مفكرًا إسلاميًا مجددًا يريد أن ينهض بالفكر الإسلامى وبالمسلمين وينتقل بهم من ظلام التخلف إلى أنوار العصر الحديث، ويتيح لهم بالفكر المستنير أن يسيطروا على حياتهم المادية سيطرة سليمة.
ويضيف: الاتجاه المادى فى منهج طه حسين الفكرى ليس خطأ، وليس مناقضًا للمنهج الإسلامى الصحيح، وإذا كان هذا المنهج المادى قد اتفق مع بعض مناهج الفكر الغربى الحديث، فليس ذلك جريمة، وهو أمر طبيعى، ولا بد أن يكون هناك لقاء بين تفكيرنا الجديد وبين المناهج الأوروبية الحديثة، فالمناهج الأوروبية الحديثة قد ساعدت فى خلق المجتمع الغربى المتقدم، ومن الضرورى أن نستفيد من هذه المناهج فى صياغة حياتنا الجديدة، وفى دراسة ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، وإذا كانت المناهج المادية فى أوروبا قد ارتبطت بالإلحاد فى عدد من المدارس الفكرية، فليس من الضرورى أن نأخذ المنهج المادى مرتبطًا بالإلحاد وإنكار وجود الله، وهذا هو ما فعله طه حسين، لقد استفاد من المادية الغربية دون أن يربط بين هذه المادية وبين الإلحاد، وقد وجد طه حسين فى نظرته المادية إلى الحياة والإنسان والتاريخ ودعا إلى فهمه والاستفادة منه على أوسع نطاق.







