المطاردة المتجددة.. لعبة الدين والسياسة فى محاكمة طه حسين
صدر الكتاب إذن، أخرجه طه حسين من ضيق قاعة الدرس إلى المجال العام، أصبحت فكرته فى متناول الجميع، وهى فكرة أعتقد أن العميد كان يريد من ورائها تحريك العقل، ربما أكثر من الوصول إلى حقيقة علمية ثابتة.
كان طه حسين يحرث أرضًا جديدة، ويبذر فيها بذورًا جديدة.
فى تحقيقات النيابة أشار طه حسين نصًا أنه كمسلم لا يرتاب فى وجود إبراهيم وإسماعيل وما يتصل بهما مما جاء فى القرآن، ولكنه كعالم مضطر إلى أن يذعن لمناهج البحث، فلا يسلم بالوجود العلمى التاريخى لإبراهيم وإسماعيل.
هذه هى القضية التى أرادها طه حسين وفى الغالب لم يلتفت إليها من راحوا يطاردونه باتهامات تخرجه من الإسلام، وتضع فوق رأسه وصمة الإلحاد.
فى مقاله المهم الذى دافع فيه رجاء النقاش عن طه حسين ونشره فى مجلة الهلال عدد مايو ١٩٧٧، ضد الهجوم المتجدد عليه، وهو ما سنأتى عليه بعد ذلك، أشار إلى أن العميد كان يمثل منذ ظهوره عاصفة فكرية عنيفة.

فطبقًا لرجاء فإن طه حسين كان يثير الجدل الحاد حول شخصه وآرائه فى كل مكان يذهب إليه وفى كل موضوع يتحدث فيه، ويكفى أن نلقى نظرة سريعة عامة حول ميادين الصراع التى ارتبط بها حتى ندرك أنه كان «ظاهرة» فريدة من نوعها فى الفكر العربى كله منذ أقدم العصور إلى الآن، فهناك مفكر يصطدم بالمؤسسات الرسمية ولكنه يستطيع أن يكسب عطف الرأى العام، وهناك مفكر يصطدم بالرأى العام ولكنه يستطيع أن يكسب تأييد المؤسسات الرسمية، ولكن طه حسين اصطدم بالرأى العام، واصطدم برجال الدين، واصطدم برجال السياسة، وكانت حياته الفكرية صراعًا دائمًا متصل الحلقات.
وحتى يدلل رجاء على ما يذهب إليه، فهو يشير إلى أن طه حسين اصطدم مع الأزهر فى بداية حياته العلمية، وقد قضى فى الأزهر ست سنوات «١٩٠٢ – ١٩٠٨»، كانت كلها معارك متصلة مع شيوخه، وانتهى به الأمر إلى أن يخرج من الأزهر مطرودًا مغضوبًا عليه، وأن يهاجم الأزهر هجومًا عنيفًا فى صحيفة «الجريدة» التى كان يحررها لطفى السيد، ثم ينتهى إلى الجامعة المصرية ابتداءً من سنة ١٩٠٨، وكانت الجامعة آنذاك لا تزال جامعة أهلية.
وفى سنة ١٩٢٦ يصطدم طه حسين مع مجلس النواب المصرى، وذلك بعد صدور كتابه «فى الشعر الجاهلى».
فقد تقدم النائب عبدالحميد البنان إلى مجلس النواب باقتراح ينص على ما يلى:
أولًا: مصادرة كتاب طه حسين «فى الشعر الجاهلى» بمناسبة ما جاء فيه من تكذيب القرآن واتخاذ ما يلزم لاسترداد المبلغ المدفوع إليه من الجامعة ثمنًا لهذا الكتاب.
ثانيًا: إلغاء وظيفة طه حسين فى الجامعة، وذلك بتقرير عدم الموافقة على الاعتماد المخصص لها.
وكان هذا الاقتراح الذى تقدم به النائب عبد الحميد البنان متصلًا بجهد آخر قام به نفس النائب حيث تقدم إلى النيابة فى ١٤ سبتمبر سنة ١٩٢٦ ببلاغ ضد طه حسين، وكانت النيابة قد حققت مع طه حسين بالفعل فى ١٩ أكتوبر سنة ١٩٢٦، وكان المحقق هو محمد نور رئيس نيابة مصر فى ذلك الوقت.
وقد تكرر هجوم المجالس النيابية على طه حسين فى سنوات ١٩٣١ و١٩٣٢ و١٩٣٣.
واصطدم طه حسين بوزارة إسماعيل صدقى سنة ١٩٣٣، فأصدر وزير معارف صدقى وهو حلمى عيسى قرارًا بنقل طه حسين من الجامعة إلى العمل مفتشًا للغة العربية فى وزارة المعارف.
وهذا الصدام مع الأزهر، ومع المجالس النيابية، ومع الأجهزة الرسمية لم يكن هو نهاية الصراعات فى حياة طه حسين، فقد اصطدم مع الرأى العام العربى بعنف، فقامت المظاهرات الشعبية ضده عدة مرات، ويكفى أن نذكر هنا نموذجين من هذه المظاهرات الشعبية التى خرجت تهاجم طه حسين وتهتف بسقوطه:
ففى ٣١ أكتوبر ١٩٢٦ خرجت مظاهرات من الأزهر ضد طه حسين، وفى وثيقة من وثائق البوليس السياسى فى مصر، وصف تفصيلى للمظاهرة هذا نصه:
فى الساعة ١١ بعد انتهاء الحصة الثانية وقف المدعو محمد محمد الأسمر ومعه الشيخ الفقى والشيخ محمد محسن والى، وهم من طلبة السنة الرابعة قسم عالى الأزهر، وقال أولهم سيروا بنا أيها الطلبة نحو المشهد الحسينى لنعلم الرأى العام هناك غضبتنا على الملحدين لأن المولد يجمع كثيرًا من طبقات المصريين، فصفق له الحاضرون وحبذوا فكرته وخرجوا جميعًا قاصدين هذه الجهة، وعند خروجهم من باب الأزهر هتفوا قائلين ليسقط طه حسين، ليسقط عبد العزيز فهمى، ليسقط البندارى، وما زالوا كذلك حتى وصلوا إلى سيدنا الحسين، وهناك اشترى بعضهم أعدادًا من جريدة السياسة وهتفوا وهى فى أيديهم بسقوط الجريدة، ثم مزق كل منهم جريدته وداسها بقدمه، وكان مأمور قسم الجمالية بمصر بهذه المنطقة فقبض عليهم وأحالهم إلى قسم الجمالية ومعهم الشيخ عوض عبد العال والشيخ أحمد عبد المجيد.

والإشارة فى هذا التقرير إلى عبد العزيز فهمى الذى كان رئيسًا لحزب الأحرار الدستوريين، وكامل البندارى وكيل الديوان الملكى، وكانا مؤيدين لطه حسين، ولجريدة السياسة التى كان طه حسين يكتب فيها.
ومما يدل أيضًا على ثورة الرأى العام ضد طه حسين هذه البرقية التى أرسلها بعض المواطنين الذين سموا أنفسهم باسم «العلماء والأعيان والتجار»، والتى وجهوها إلى نواب الأمة فى ٥ يناير ١٩٢٧، وهذا هو نص البرقية:
«إذا كذبنا القرآن مرضاة لطه حسين وصيانة الائتلاف، فلا غرابة فى هدم الباقى من أحكام الدين وهى الأوقاف، كفى بلاءً يا نواب الأمة المسلمة، هل ينوى لنا دين جديد قبل الإجهاز على ديننا القديم، ويشاع أن المشاريع اللادينية أجمع ستنفذ فى وزارة الائتلاف بإيعاز حزب وأعضاء حزب، كان المراد أن نحارب حماية الله لا حماية الأعداء. فنستغيث بجلالة الملك وبالعلماء وبالأمة وبالبرلمان».
ويسأل رجاء النقاش: ماذا يعنى هذا الصراع فى حياة طه حسين؟
ويجيب رجاء: هذه الوقائع التى تثبت لنا أن طه حسين عاش فى صراع دائم منذ أن دخل الأزهر سنة ١٩٠٢ وحتى بعد وفاته سنة ١٩٧٣ تقودنا إلى النتائج التالية:
أولًا: كان طه حسين يعلن آراءه بجرأة وشجاعة وحيوية دون أن يحسب حسابًا للقوى التى سوف تغضب منه أو تثور عليه.
ثانيًا: أن العاصفة التى أثارها طه حسين لا تزال مستمرة حتى الآن، ذلك لأن آراءه ما زالت موجودة، وما زالت موضع المناقشة والأخذ والرد، وهى دليل على أن العاصفة التى أثارها طه حسين فى حياتنا الفكرية ما زالت قائمة بما فيها من عنف وقوة.
ثالثًا: أن الاتهامات التى تعرض لها طه حسين كانت متنوعة، فبعضها متصل بالعقيدة الدينية، وبعضها متصل بالوطنية، وبعضها متصل بالأدب والثقافة، وبعضها يتصل بالتربية والتعليم، وهذا كله يكشف عن خصوبة وتنوع فى شخصية طه حسين.
رابعًا: يمكننا أن نقول إن طه حسين قد أسهم مساهمة كبيرة فى صياغة العقل العربى المعاصر، وفى صياغة نظم التعليم فى المدارس والجامعات فى مصر والوطن العربى كله، أى أن طه حسين ما زال بأفكاره المختلفة حيًا ومؤثرًا فى الإنسان العربى، ومن هنا فلا بد من مناقشة آرائه حتى نعرف ما تركه طه حسين من آثار صائبة وآثار خاطئة فى عقولنا إلى اليوم.
أحدث طه حسين الأثر الذى يريده، خضع لتحقيقات النيابة التى حفظت التحقيق معه لقناعتها أنه لم يكن سيئ النية فيما كتبه، وبعد ذلك أراح المختلفين معه، عندما أصدر كتابه «فى الأدب الجاهلى» فى العام ١٩٢٧ وصدره بقوله: «هذا كتاب السنة الماضية، حذفت منه فصلًا وأثبت مكانه فصلًا وأضيفت إليه فصول، وغيرت عنوانه بعض التغيير، وأنا أرجو أن أكون قد وُفقت فى هذه الطبعة الثانية إلى حاجة الذين يريدون أن يدرسوا الأدب العربى عامة والجاهلى خاصة من مناهج البحث وسبل التحقيق فى الأدب وتاريخه، وهو على كل حال خلاصة ما يُلقى على طلاب الجامعة فى السنتين الأولى والثانية فى كلية الآداب».
ترك طه حسين كتابه «فى الشعر الجاهلى» وراءه، وراح يستكمل مشواره الفكرى، لكنه ومنذ ظهر الكتاب وهو لا يزال مطاردًا.
بعد صدوره مباشرة صدرت كتب عديدة تنقده وتنقضه، وكان من بينها «نقض كتاب الشعر الجاهلى» لشيخ الأزهر محمد الخضر حسين، و«تحت راية القرآن: الرد على الشعر الجاهلى» لمصطفى صادق الرافعى، و«نقد كتاب الشعر الجاهلى» لمحمد فريد وجدى، و«مصادر الشعر الجاهلى» لناصر الدين الأسد، و«نقض مطاعن فى القرآن» لمحمد أحمد عرفة.

لا يمكننى الطعن فى منطلقات وتوجهات أصحاب هذه الكتب، لكن عندما ظهرت جماعة الإخوان وتمكنت وأصبحت منتشرة فى طول البلاد وعرضها، أخذت من طه حسين هدفًا لها، اعترضت عليه كثيرًا، ولفقت وقائع عديدة كان طرفًا فيها مع حسن البنا، ثم كان ما فعله أنور الجندى بكتابه «طه حسين فى ميزان الإسلام» الذى صدر فى العام ١٩٧٦، بمناسبة مرور خمسين عامًا على صدور «فى الشعر الجاهلى» على وجه التقريب.

نشأ أنور الجندى فى أحضان الإخوان، تحتفى به الجماعة، وتتعامل معه على أنه مفكر كبير ومدافع عن الإسلام.
لم يكن أنور الجندى مدافعًا عن الإسلام، ولكنه كان مدافعًا عن الإخوان ومشروعها، وكان من بين هذا الدفاع هجومه على طه حسين، ليس لشخص العميد فقط، ولكن لأنه كان يمثل تيارًا تنويريًا التمكين له يمكن أن يقضى تمامًا على الجماعات المتطرفة وعلى رأسها جماعة الإخوان.
وقد يكون هذا هو سبب إصدار الجندى لكتابه «طه حسين فى الميزان» لشحن الأجيال الجديدة ضده.
كان هدف الجندى واضحًا، فقد لخص طه حسين بالنسبة له فى نقاط محددة، وكان منطلقها الأساسى كتاب فى الشعر الجاهلى، فطه عند الجندى يبدو لنا على النحو التالى:
أولًا: آراء طه حسين فى كتاب الشعر الجاهلى تعارضت مع أصول الإسلام ومفاهيمه فأحدثت ضجة ضخمة واسعة المدى فى الجامعة والأزهر والصحافة.
ثانيًا: هاجم طه حسين الرأى العام عن طريق الشك الفلسفى وإثارة قضايا الدين والحضارة والفكر على نحو بدا معارضًا للأصالة العربية الإسلامية من خلال دعوة جريئة إلى طرح نظريات الفكر الغربى فى مختلف المجالات.
ثالثًا: سار طه حسين فى هذا الطريق لم يتخلف عنه حتى نهاية حياته فترك ركامًا من الأبحاث والدراسات فى حاجة إلى إعادة النظر فيها على ضوء الإسلام.
رابعًا: يلح طه حسين إلحاحًا شديدًا على أنه يصدر عن الفكر الإسلامى ويشارك فيه بأبحاثه عن القرآن وهامش السيرة وتاريخ الصحابة والفتنة الكبرى، وقد جرى فى أبحاثه المختلفة مجرى كتاب الغرب واعتمد أساليبهم ومناهجهم فى دراسة أدب العرب وتاريخ الإسلام.
خامسًا: اكتسب طه حسين شهرة واسعة وأنتج إنتاجًا غزيرًا وكان له نشاطه الواسع فى مجال الجامعة ووزارة المعارف بالإضافة إلى مجاله فى الصحافة والتأليف.
سادسًا: كتاب الجندى كما يقول يود من خلاله أن يضىء الطريق إلى فهمه بتقديم الوقائع والوثائق المتصلة بحياته وفكره على النحو العلمى الصحيح حتى يجىء الحكم عليه منصفًا عادلًا غير مشوب بشىء من التحامل أو التحيز.
جاب أنور الجندى إنتاج طه حسين كله وجهز عريضة اتهام له.
يقول عنه: كان أقسى ما كتبه طه حسين هو تكذيب القرآن وإنكار نبوة إبراهيم وإسماعيل، ثم صمت صمتًا شديدًا إزاء الزوبعة العاصفة التى قامت وأسرع فغادر البلاد حتى تهدأ، ولم تكد تمر شهور حتى كان حديثه عن تأثير الوثنية واليهودية والنصرانية فى الشعر العربى وادعاؤه أن لليهود أثرًا فى الأدب العربى، وهى محاولة خطيرة لها دلالتها متصلة بإنكار إبراهيم وإسماعيل، ولم يمضِ طويل وقت حتى كتب مقاله عن الدين والعلم، وقال فيه: ظهر تناقض كبير بين نصوص الكتب الدينية وبين ما وصل إليه العلم، وقال إن الدين لم ينزل من السماء وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها، ثم كان فى نفس العام بحثه عن الضمائر فى القرآن الذى ألقاه فى مؤتمر المستشرقين، وفيه حاول تفسير القرآن تفسيرًا خاطئًا، وفى نفس الوقت كانت دراساته فى كلية الآداب عن القرآن واستقدام «كازنوفا» ليحدث شباب مصر المسلم عن القرآن ويثير الشبهات حول المكى والمدنى وأثر النصرانية فى مكة وأثر اليهودية فى المدينة.
لا يتوقف الجندى عند هذا الحد، بل يهيل التراب على رأس طه حسين، فيقول: ولم تمر إلا سنوات قليلة حتى أثار طه حسين شبهة تحريق العرب لمكتبة الإسكندرية ونشر بحث المستشرقين فى اتهام المسلمين بإحراقها وحمل على أحمد زكى باشا شيخ العروبة عندما حاول الدفاع عن المسلمين، وفى هذه السنوات كانت محاولة اتهام القرن الثانى الهجرى بأنه عصر شك ومجون من خلال دراسته لعدد من الشعراء الماجنين أمثال بشار وأبى نواس ومحاولة تصوير العصر كله من خلال قلة من الزنادقة مغضيًا عن أثر عشرات العلماء والفقهاء والدعاة والمصلحين.
رسم أنور الجندى صورة للدكتور طه حسين بأنه لم يكن هذا الرجل الذى لا يجد حرجًا من معارضة الفكر الإسلامى لآرائه، وعندما أحس طه حسين أنه أصبح فى موقف لا يحسد عليه كتب على هامش السيرة وانتقل إلى معسكر الوفد، وحاول بذلك خداع البسطاء بأنه يكتب عن سيرة الرسول، ولم يلبث أن دعا إلى الفرعونية ودعا إلى الأخذ بالحضارة الغربية حلوها ومرها، ما يحمد منها وما يعاب، فى كتابه «مستقبل الثقافة».
يضع أنور الجندى أمامنا هدفه من الهجوم على طه حسين.
فهو يرى أن اسم طه حسين يدوى بالشهرة وبالحديث وبالنقد وبالمعارضة وكان من حوله كوكبة من أوليائه يصورونه بصورة العميد والقائد والزعيم والمفكر والعبقرى، ومن ورائه مجموعة ضخمة من كتاب الغرب ومستشرقيه يذودون عنه ويكتبون له ويترجمون آثاره، وجاءت أجيال جديدة لم ترَ هذه المعارك التى خاضها ضده كثيرون، ولكنها رأت رجلًا يوصف بأنه عميد الأدب تحاط آراؤه بهالة من التبريز والدوى.
تحرك أنور الجندى ليهدم طه حسين إذن، ولم يفعل ذلك لوجه الله ولا لمصلحة الإسلام، ولكن لمصلحة جماعته، هذا رغم أنه لم يكن الكاتب النزيه وهذه قصة أخرى يمكن لنا أن نرويها فى سياق آخر.
كتاب أنور الجندى يؤكد أن متابعة طه حسين مستمرة، لكن الله يقيد لهذا المفكر العملاق من يدافع عنه، مرة فى النيابة، ومرات من خلال من يسيرون على طريقه.







