الثلاثاء 28 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

نار العقل المقدسة.. رسالة طه حسين فى الشعر الجاهلى: لن يفيدكم ما أكتب إلا إذا كنتم أحرارًا

حرف

فى العام 1925 عُين طه حسين أستاذًا لتاريخ آداب اللغة العربية، ومن بين ما اهتم به كان دراسة وتدريس الشعر الجاهلى.

وفى العام 1926 – أى قبل مائة عام – جمع عميد الأدب العربى محاضرات ألقاها على طلابه فى كتاب أطلق عليه اسم «فى الشعر الجاهلى» وصدر عن دار الكتب المصرية، وهو الكتاب الذى كان ولا يزال منطلقًا لتناول طه حسين بما لا يليق، وهو تناول تداخلت فيه السياسة بأغراضها وفساد الفكر بأمراضه ونقاء التنوير بمحاولاته لتخليص منظومتنا الفكرية مما لحق بها من تشوهات.

أثار الكتاب زوبعة هائلة جعلت من طه حسين هدفًا للهجوم والتشكيك فى عقيدته والنيل من إيمانه، وأكاد أجزم أن كثيرين ممن يرسمون صورة سلبية لطه حسين بسبب هذا الكتاب لم يقرؤوه، ولم يدرسوا جيدًا ما جاء فيه.

وبعد مرور مائة عام على صدور الكتاب وعلى المعركة، أرى أنه من المفيد أن نستعيد بعضًا مما جرى فى الكتاب وله.

وأعتقد أننا فى حاجة إلى قراءة المقدمة التى كتبها طه حسين لكتابه، ففيها دليلنا إلى ما كان يريده.

يدخل طه حسين إلى كتابه من باب أنه بحث جديد فى تاريخ الشعر العربى، لم يألفه الناس عندنا من قبل، ويكاد يثق بأن فريقًا من الناس سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقًا آخر سيزورون عنه ازورارًا، ولكنه على سخط أولئك وازورار هؤلاء يريد أن ينشر هذا البحث، أو بعبارة أصح يريد أن يقيده، فقد أذاعه قبل ذلك حين تحدث به إلى طلابه فى الجامعة، وليس سرًا ما يتحدث به إلى أكثر من مائتين من الطلاب.

ويجزم طه: لقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعًا ما أعرف أنى شعرت بمثله فى تلك المواقف المختلفة التى وقفتها من تاريخ الأدب العربى، وهذا الاقتناع القوى هو الذى يحملنى على تقييد هذا البحث ونشره فى هذه الفصول، غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور، وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قومًا وشق على آخرين فسيرضى هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم فى حقيقة الأمر عُدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد.

يبدأ طه فى تفصيل ما أراده من هذه المحاضرات التى جمعها فى كتابه.

فقد تناول الناس مسألة القديم والجديد، واشتد فيها اللجاج بينهم، وخيل إلى بعضهم أنه يستطيع أن يقضى فيها بين المختصمين، ولكنه يعتقد أن المختصمين أنفسهم لم يتناولوا المسألة من جميع أطرافها، فهم لم يكادوا يتجاوزون فنون الأدب التى يتعاطاها الناس من نثر وشعر، والأساليب التى تُصطنع فى هذه الفنون والمعانى والألفاظ التى يعمد إليها الكاتب أو الشاعر حين يريد أن يتحدث إلى الناس بعواطف نفسه أو نتائج عقله.

إلا أن للمسألة وجهًا آخر لا يتناول الفن الكتابى أو الشعرى، وإنما يتناول البحث العلمى عن الأدب وتاريخ الفنون.

ويحدد طه حسين فى تقديمه لكتابه أننا بين اثنتين:

إما أن نقبل فى الأدب وتاريخه ما قال القدماء، لا نتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدار اليسير الذى لا يخلو منه كل بحث والذى يتيح لنا أن نقول: أخطأ الأصمعى أو أصاب، ووفق أبو عبيدة أو لم يوفق، واهتدى الكسائى أو ضل الطريق.

وإما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث.

بين هذين الموقفين المتناقضين ما الذى يريده طه حسين؟.

يقول: لست أريد أن أقول البحث، وإنما أريد أن أقول الشك، أريد ألا نقبل شيئًا مما قاله القدماء فى الأدب وتاريخه إلا بعد بحث وتثبت إن لم ينتهيا إلى اليقين، فقد ينتهيان إلى الرجحان.

والفرق بين هذين المذهبين – كما يقول طه حسين – فى البحث عظيم، فهو الفرق بين الإيمان الذى يبعث على الاطمئنان والرضا، والشك الذى يبعث على القلق والاضطراب وينتهى فى كثير من الأحيان إلى الإنكار والجحود.

فالمذهب الأول يدع كل شىء حيث تركه القدماء لا يناله بتغيير ولا تبديل ولا يمسه فى جملته وتفصيله إلا مسًا رفيقًا.

أما المذهب الثانى فيقلب العلم القديم رأسًا على عقب، ويخشى طه إن لم يمحُ أكثره أن يمحو منه شيئًا كثيرًا.

يدخل طه حسين إلى صلب قضيته قائلًا: لندع هذا النحو من الكلام العام ولنوضح ما نريد أن نقوله بشىء من الأمثلة، فبين أيدينا مسألة الشعر الجاهلى نريد أن ندرسها وننتهى فيها إلى الحق.

فأما أنصار القديم فالطريق أمامهم واضحة معبدة، والأمر عليهم سهل يسير، أليس قد أجمع القدماء من علماء الأمصار فى العراق والشام وفارس ومصر والأندلس على أن طائفة كثيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام، وقالت كثيرًا من الشعر؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء أنفسهم على أن لهؤلاء الشعراء مقدارًا من القصائد والمقطوعات حفظه عنهم رواتهم وتناقله عنهم الناس، حتى جاء عصر التدوين فدُوّن فى الكتب وبقى منه ما شاء الله أن يبقى إلى أيامنا؟.

وإذا كان العلماء قد أجمعوا على هذا كله، فرووا لنا أسماء الشعراء وضبطوها ونقلوا إلينا آثار الشعراء وفسروها، فلم يبق إلا أن نأخذ عنهم ما قالوا راضين به مطمئنين إليه، فإذا لم يكن لأحدنا بد أن يبحث وينقد ويحقق فهو يستطيع هذا دون أن يجاوز مذهب أنصار القديم.

فالعلماء قد اختلفوا فى الرواية بعض الاختلاف وتفاوتوا فى الضبط بعض التفاوت، فلنوازن بينهم ونرجح رواية على رواية ولنؤثر ضبطًا على ضبط، ولنقل: أصاب البصريون وأخطأ الكوفيون، أو وفق المبرد ولم يوفق ثعلب.

ويرى طه حسين أنه علينا أن نذهب فى الأدب وفنونه مذهب الفقهاء فى الفقه بعد أن أغلق باب الاجتهاد، هذا مذهب أنصار القديم، وهو المذهب الذائع فى مصر، وهو المذهب الرسمى أيضًا، مضت عليه مدارس الحكومة وكتبها ومناهجها على ما بينها من تفاوت واختلاف، ولا ينبغى أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة فى الأدب، ولا هذا النحو من التأليف الذى يقسم التاريخ الأدبى إلى عصور، ويحاول أن يدخل فيه شيئًا من الترتيب والتنظيم، فذلك كله عناية بالقشور والأشكال لا يمس اللباب ولا الموضوع، فما زال العرب ينقسمون إلى بائدة وباقية، وإلى عاربة ومستعربة، وما زال أولئك من جرهم وهؤلاء من ولد إسماعيل، وما زال امرؤ القيس صاحب «قفا نبط» وطرفة صاحب «لخولة أطلال» وعمرو بن كلثوم صاحب «ألا هبى» وما زال كلام العرب فى جاهليتها وإسلامها ينقسم إلى شعر ونثر، والنثر ينقسم إلى مرسل ومسجوع، إلى آخر هذا الكلام الكثير الذى يفرغه أنصار القديم فيما يضعون من كتب وما يلقون على التلاميذ والطلاب من دروس.

ويرى طه حسين أن هؤلاء لم يغيروا فى الأدب شيئًا، وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئًا وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء وأغلقوا على أنفسهم فى الأدب باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء فى الفقه والمتكلمون فى الكلام.

ويرى طه فى أنصار الجديد قولًا آخر.

فالطريق أمامهم معوجة ملتوية، تقوم فيها عقبات لا تكاد تُحصى، وهم لا يكادون يمضون إلا فى أناة وريث هما إلى البطء أقرب منهما إلى السرعة، ذلك أنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان واطمئنان، أو هم لم يرثوا هذا الإيمان والاطمئنان، فقد خلق الله لهم عقولًا تجد من الشك لذة وفى القلق والاضطراب رضا، وهم لا يريدون أن يخطوا فى تاريخ الأدب خطوة حتى يتبينوا موضعها، وسواء عليهم وافقوا القدماء وأنصار القديم أم كان بينهم أشد الخلاف.

فأنصار الجديد- كما يقول طه- لا يطمئنون إلى ما قاله القدماء، وإنما يلقونه بالتحفظ والشك، ولعل أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئنانًا، فهم يريدون أن يدرسوا مسألة الشعر الجاهلى فيتجاهلون إجماع القدماء على ما أجمعوا عليه، ويتساءلون: أهناك شعر جاهلى؟ فإذا كان هناك شعر جاهلى فما السبيل إلى معرفته؟ وما هو؟ وما مقداره؟ وبم يمتاز عن غيره؟ ويمضون فى طائفة من الأسئلة يحتاج حلها إلى روية وأناة وإلى جهود الجماعات العلمية لا إلى جهود الأفراد، وهم لا يعرفون أن العرب ينقسمون إلى باقية وبائدة، وعاربة ومستعربة، ولا أن أولئك من جرهم، وهؤلاء من ولد إسماعيل، ولا أن امرأ القيس وطرفة وابن كلثوم قالوا هذه المطولات، ولكنهم يعرفون أن القدماء كانوا يرون ذلك، ويريدون أن يتبينوا أكان القدماء مصيبين أم مخطئين؟.

ويشير طه حسين إلى أن النتائج اللازمة لهذا المذهب الذى يذهبه المجددون عظيمة جليلة الخطر، فهى إلى الثورة الأدبية أقرب منها إلى أى شيء آخر، وحسبنا أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينًا، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه.

ويؤكد طه أنه ليس حظ هذا المذهب منتهيًا عند هذا الحد، بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرًا.

فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ، وهم قد ينتهون إلى الشك فى أشياء لم يكن يُباح الشك فيها.

ديكارت
ديكارت

وهم بين اثنين: إما أن يجحدوا أنفسهم ويجحدوا العلم وحقوقه فيريحوا ويستريحوا، وإما أن يعرفوا لأنفسهم حقها ويؤدوا للعلم واجبه، فيتعرضوا لما ينبغى أن يتعرض له العلماء من الأذى ويحتملوا ما ينبغى أن يحتمل العلماء من سخط الساخطين.

كان طه حسين يعرف جيدًا ما هو مقدم عليه، ولذلك يرسم صورة لرد الفعل الذى يتوقعه من نشر بحثه على عامة الناس.

يقول: لست أزعم أنى من العلماء، ولست أتمدح بأنى أحب أن أتعرض للأذى، وربما كان الحق أنى أحب الحياة الهادئة المطمئنة وأريد أن أتذوق لذات العيش فى دعة ورضا، ولكنى مع ذلك أحب أن أفكر، وأحب أن أبحث، وأحب أن أعلن إلى الناس ما أنتهى إليه بعد البحث والتفكير، ولا أكره أن آخذ نصيبى من رضا الناس عنى أو سخطهم علىّ حين أعلن إليهم ما يحبون أو يكرهون.

حدد طه منهجه فى كتابه بقوله: إذن لأعتمد على الله، ولأحدثك بما أحب أن أحدثك به فى صراحة وأمانة وصدق، ولأجتنب فى هذا الحديث هذه الطرق التى يسلكها المهرة من الكتاب ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا فى رفق وأناة وشيء من الاحتياط كثير.

ويخبرنا طه حسين بما سيفعله فى كتابه.

يقول: وأول شيء أفجؤك به فى هذا الحديث هو أنى شككت فى قيمة الشعر الجاهلى وألححت فى الشك، أو قل ألحّ علىّ الشك، فأخذت أبحث وأفكر وأقرأ وأتدبر، حيث لم ينتهِ بى هذا كله إلى شيء إن لم يكن يقينًا فهو قريب من اليقين، ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرًا جاهليًا ليست من الجاهلية فى شىء، وإنما هى منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهى إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد أشك فى أن ما بقى من الشعر الجاهلى الصحيح قليل جدًا لا يمثل شيئًا ولا يدل على شيء، ولا ينبغى الاعتماد عليه فى استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلى.

وفى الوقت الذى يقدر طه حسين النتائج الخطيرة لهذه النظرية، فإنه لا يتردد فى إثباتها وإذاعتها، ولا يضعف عن أن يعلن إلى القراء أن ما يقرأونه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس فى شيء، وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين.

ويزعم طه حسين مع هذا كله أن العصر الجاهلى القريب من الإسلام لم يضع، ونستطيع أن نتصوره تصورًا واضحًا قويًا صحيحًا، ولكن بشرط ألا نعتمد على الشعر، بل على القرآن من ناحية والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى.

ويتساءل طه حسين: كيف انتهى به البحث إلى هذه النظرية الخطيرة؟.

ويجيب: لكى أجيب إجابة مقنعة يجب أن أتحدث فى طائفة مختلفة من المسائل التى تنتهى كلها إلى نتيجة واحدة، فيجب أن أتحدث عن الحياة السياسية الداخلية للأمة العربية بعد ظهور الإسلام ووقوف حركة الفتح، وما بين هذه الحياة وبين الشعر من صلة، ويجب أن أتحدث عن حال أولئك الناس الذين غُلبوا على أمرهم بعد الفتح فى بلاد فارس وفى الشام والجزيرة والعراق ومصر، وما بين هذه الحال وبين لغة العرب وآدابهم من صلة، ويجب أن أتحدث عن نشأة العلوم الدينية واللغوية وما بينها وبين اللغة والأدب من صلة، ويجب أن أتحدث بعد هذا عن المسيحية وما كان لها من الانتشار فى بلاد العرب قبل الإسلام وما أحدثت من تأثير فى حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية، وما بين هذا كله وبين الأدب العربى والشعر العربى من صلة، ثم يجب أن أتحدث عن مؤثرات خارجية عملت فى حياة العرب قبل الإسلام، وكان لها أثر قوى جدًا فى الشعر العربى الجاهلى وفى الشعر العربى الذى انتحل وأضيف إلى الجاهليين، وهذه المباحث كلها ستنتهى إلى تلك النظرية التى قدمتها، وهى أن الكثرة المطلقة مما نسميه الشعر الجاهلى ليست من الشعر الجاهلى فى شىء.

ويضيف طه حسين: ولكنى مع ذلك لن أقف عند هذه المباحث، لأنى لم أقف عندها فيما بينى وبين نفسى بل جاوزتها، وأريد أن أجاوزها إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها، ذلك هو البحث الفنى واللغوى، وهو ما ينتهى بنا إلى أن هذا الشعر الذى يُنسب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين، لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء، ولا أن يكون قد قيل أو أذيع قبل أن يظهر القرآن، وسينتهى بنا هذا البحث إلى نتيجة غريبة، وهى أنه لا ينبغى أن يُستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما ينبغى أن يُستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله.

ما يريد طه حسين أن يقوله هو أن هذه الأشعار لا تثبت شيئًا ولا تدل على شيء، ولا ينبغى أن تُتخذ وسيلة إلى ما اتخذت إليه من علم بالقرآن والحديث، فهى إنما تُكلفت واخترعت اختراعًا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه

ويختم طه حسين مقدمة كتابه بقوله: فإذا انتهينا من هذه الطرق كلها إلى غاية واحدة هى هذه النظرية التى قدمتها، فسنجتهد فى أن نبحث عما يمكن أن يكون شعرًا جاهليًا حقًا، وأنا أعترف منذ الآن بأن هذا البحث عسير كل العسر، وبأنى أشك شكًا شديدًا فى أنه قد ينتهى إلى نتيجة مرضية، ومع ذلك فسنحاوله.

لا يتركنا طه حسين عند هذه النقطة بمفردنا، بل يفصل لنا منهجه فى بحثه ونظريته التى يصفها بأنها خطيرة.

يقول: أحب أن أكون واضحًا جليًا وأن أقول للناس ما أريد أن أقول دون أن أضطرهم إلى أن يتأولوا ويتمحلوا ويذهبوا مذاهب مختلفة فى النقد والتفسير والكشف عن الأغراض التى أرمى إليها، فأنا أريد أن أريح الناس من هذا اللون من ألوان التعب، وأن أريح نفسى من الرد والدفع والمناقشة فيما لا يحتاج إلى مناقشة، أريد أن أقول إنى سأسلك فى هذا النحو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما يتناولون من العلم والفلسفة، وأريد أن أصطنع فى الأدب هذا المنهج الفلسفى الذى استحدثه «ديكارت» للبحث عن حقائق الأشياء فى أول هذا العصر الحديث، والناس جميعًا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هى أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالى الذهن مما قيل فيه خلوًا تامًا، والناس جميعًا يعلمون أن هذا المنهج الذى سخط عليه أنصار القديم فى الدين والفلسفة يوم ظهر، قد كان من أخصب المناهج وأقومها وأحسنها أثرًا، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تجديدًا، وأنه قد غير مذاهب الأدباء فى أدبهم والفنانين فى فنونهم، وأنه هو الطابع الذى يمتاز به هذا العصر الحديث.

ويضيف طه: فلنصطنع هذا المنهج حين نريد أن نتناول أدبنا العربى القديم وتاريخه بالبحث والاستقصاء، ولنستقبل هذا الأدب وتاريخه وقد برأنا أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل، وخلصنا من كل هذه الأغلال الكثيرة الثقيلة التى تأخذ أيدينا وأرجلنا ورؤوسنا فتحول بيننا وبين الحركة الجسيمة الحرة، وتحول بيننا وبين الحركة العقلية الحرة أيضًا.

ويزيدنا طه حديثًا عن منهجه: نعم.. يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربى وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين، يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمى الصحيح، فإذا لم ننسَ قوميتنا وديننا وما يتصل بهما فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف، وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين، وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا؟.

يصف طه حسين ما جرى، يقول: كان القدماء عربًا يتعصبون للعرب، أو كانوا عجمًا يتعصبون على العرب، فلم يبرأ علمهم من الفساد، لأن المتعصبين للعرب غلوا فى تمجيدهم وإكبارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم، ولأن المتعصبين على العرب غلوا فى تحقيرهم وإصغارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضًا، وكان القدماء المسلمون مخلصين فى حب الإسلام، فأخضعوا كل شيء لهذا الإسلام وحبهم إياه، ولم يعرضوا لمبحث علمى ولا لفصل من فصول الأدب أو لون من ألوان الفن إلا من حيث إنه يؤيد الإسلام ويعزه ويعلى كلمته، فما لاءم مذهبهم أخذوه، وما نافره انصرفوا عنه انصرافًا.

أما القدماء من غير المسلمين يهودًا أو نصارى أو مجوسًا أو ملحدين أو مسلمين فى قلوبهم مرض وفى نفوسهم زيغ – كما يرى طه – فتأثروا فى حياتهم العلمية بمثل ما تأثر به المسلمون الصادقون، تعصبوا على الإسلام ونحوا فى بحثهم نحو الغض منه والتصغير من شأنه، فظلموا أنفسهم وظلموا الإسلام وأفسدوا العلم وجنوا على الأجيال المقبلة.

يقول طه: لو أن القدماء استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلوبهم وأن يتناولوا العلم على نحو ما يتناوله المحدثون، لا يتأثرون فى ذلك بقومية ولا عصبية ولا دين ولا ما يتصل بهذا كله من الأهواء، لتركوا لنا أدبًا غير الأدب الذى نجده بين أيدينا، ولأراحونا من هذا العناء الذى نتكلفه الآن، ولكن هذه طبيعة الإنسان لا سبيل إلى التخلص منها.

ويضيف: لو أن الفلاسفة ذهبوا فى الفلسفة مذهب «ديكارت» منذ العصور الأولى، لما احتاج «ديكارت» إلى أن يستحدث منهجه الجديد، وبعبارة أدنى إلى الإيجاز: لو أن الإنسان خُلق كاملًا لما احتاج إلى أن يطمح إلى الكمال.

يخلص طه حسين من ذلك إلى أنه سيدع لوم القدماء على ما تأثروا به فى حياتهم العلمية مما أفسد عليهم العلم، وسيجتهد فى ألا يتأثر كما تأثروا، وفى ألا يفسد العلم كما أفسدوه، قرر أن يدرس الأدب العربى غير حافل بتمجيد العرب أو الغض منهم، ولا مكترث بنصر الإسلام أو النعى عليه، ولا معنىً بالملاءمة بينه وبين نتائج البحث العلمى والأدبى، ولا وجل حين ينتهى به البحث إلى ما تأباه القومية أو تنفر منه الأهواء السياسية أو تكرهه العاطفة الدينية.

ويختم طه حسين حديثه عن منهجه بقوله: إن نحن حررنا أنفسنا إلى هذا الحد فليس من شك فى أننا سنصل ببحثنا العلمى إلى نتائج لم يصل إلى مثلها القدماء، وليس من شك فى أننا سنلتقى أصدقاء سواء اتفقنا فى الرأى أو اختلفنا فيه، فما كان اختلاف الرأى فى العلم سببًا من أسباب البغض، إنما الأهواء والعواطف هى التى تنتهى بالناس إلى ما يفسد عليهم الحياة من البغض والعداء، فأنت ترى أن منهج «ديكارت» هذا ليس خصبًا فى العلم والفلسفة والأدب فحسب، وإنما هو خصب فى الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضًا، وأنت ترى أن الأخذ بهذا المنهج ليس حتمًا على الذين يدرسون العلم ويكتبون فيه وحدهم، بل حتم على الذين يقرأون أيضًا، وأنت ترى أنى غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين لا يستطيعون أن يبرأوا من القديم ويخلصوا من أغلال العواطف والأهواء حين يقرأون العلم أو يكتبون فيه ألا يقرأوا هذه الفصول.. فلن تفيدهم قراءتها إلا أن يكونوا أحرارًا حقًا.