العجل فى الميكروباص.. متى تتوقف الكاميرات المتوحشة عن التصوير العشوائى؟
- أؤمن بأن الإصلاح لا يأتى بالفضح العام
فى قاعة المحاضرات بكلية الإعلام جامعة القاهرة سألنا الأستاذ الدكتور فاروق أبوزيد عن الحد الذى يجب أن يتوقف عنده الصحفى عن متابعة أخبار المشاهير؟
كنا طلابًا، حماسنا بلا حدود، وانطلاقنا بلا قيود، ورغبتنا فى تغيير العالم لا تقف أمامها سدود.
كنا نعتقد أن كل شىء متاح ومباح.. ومستباح أيضًا.
قال له أحدنا: من حق الصحفى أن يتابع المشاهير فى كل حالاتهم، كل ما يتعلق بهم من حقه، أليس هؤلاء المشاهير من يمنحهم الناس نجوميتهم؟، فمن حقهم إذن أن يعرفوا عنهم كل شىء، وأليس الصحفى هو من ينقل الحقيقة إلى الناس؟ إذن من الطبيعى أن ينشر كل شىء يقع تحت يده.
كان الدكتور فاروق أبوزيد- وقتها كان عميدًا للكلية- بارعًا فى استيعاب حماسنا وانطلاقنا ومدركًا لرغبتنا فى تغيير العالم وتشكيله كما نشاء، تمهل قليلًا، ثم سألنا سؤالًا آخر.
قال: لو أن أحدكم وجد لاعبًا شهيرًا من لاعبى المنتخب يسهر فى مكان عام، فهل من حقه تصوير هذا اللاعب ونشر صورته؟
قلنا له: طبعًا من حقنا تصويره ونشر الصورة وفورًا؟
نظر إلينا الدكتور نظرة من يعارض ما نقول، وقال: التصوير من حق الصحفى بالطبع، لكنه حق مقيد وليس مطلقًا أبدًا.
وبدأ فى شرح وجهة نظره، قال: لو أن هذا اللاعب كان موجودًا فى مكان من أماكن السهر وعنده فى اليوم التالى مباراة مهمة مع فريقه، فمن حق الصحفى تصويره وانتقاد وجوده فى هذا المكان، لأن سهره يمكن أن يؤثر على مستواه، ولأن هذا تقصير فى حق جمهوره، فمن حق الناس أن يعرفوا ما يفعله، ويدينوه ويحاسبوه عليه، بل يستوجب هذا عقابه، لكن إذا كان موجودًا مع عائلته يقضى وقتًا خاصًا، فليس من حق أحد أن يصوره أو ينشر شيئًا عنه، لأن فى هذا اقتحام لخصوصيته واعتداء على حياته الخاصة.
تذكرت هذا النقاش بيننا وبين أستاذنا العميد وأنا أتابع واقعة تصوير زميلنا المصور الصحفى حسن عبدالفتاح لمحمد صلاح وهو جالس مع ابنته مكة فى أحد الأماكن العامة.
كثيرون لا يعرفون حسن عبدالفتاح الآن، وكان طبيعيًا أن يتساءل الصحفيون: هل هو مصور صحفى، أم أنه واحد ممن يحملون هاتفًا محمولًا يسلط عدسة كاميرته على عباد الله فى كل مكان، يلتقط صورًا عشوائية، لينشرها على صفحته ليحصد الإعجابات ويزيد الريتش؟
كان حسن عبدالفتاح نجم نجوم التصوير فى التسعينيات وسنوات الألفية الأولى، بل كان هناك من يلقبه بـ«بابارتزى مصر»، وكان معه فريق كبير من المصورين يعملون معه، يجمعون الصور من المناسبات الخاصة والاحتفالات العامة، وكان عبدالفتاح نفسه علامة مهمة من علامات أفراح الكبار، للدرجة التى كنا نقول إن الفرح الذى لا يصوره حسن عبدالفتاح، فكأنه لم يكن.
لحسن عبدالفتاح قصة درامية طويلة، وأعتقد أن الكاتب الكبير وحيد حامد استلهم بعضًا من قصة حياته، ونسجها فى مسلسله الرائع «بدون ذكر أسماء»، وهو المسلسل الذى صوّر قصة صعود بائع بسبوسة شاب حتى أصبح أشهر مصور صحفى فى مصر.
كبر حسن كما كبر كل أبناء جيله، لم يصبح هو الأشهر، لا يزال يمارس مهنته التى يحبها، لكن ما فعله مع محمد صلاح كان زلة كبيرة من زلاته.. وكلنا لنا زلات.
التقط حسن صورة لمحمد صلاح وهو يجلس مع ابنته مكة فى أحد الأماكن العامة، وكتب تعليقًا غير لائق عليها، ثم عاد عندما عرف أنها ابنته ليكتب تعليقًا لطيفًا.
كتب حسن فى التعليق الأول: اتفرجوا على فخر العرب محمد صلاح، إمبارح كان سهران مع واحدة زى ما أنتم شايفين، اللى كل الناس بتقول عليه إنه محترم ومتواضع، أقسم بالله خاب أملى فيه، مفكرتش فى سمعتك ولا فكرت الناس هتقول إيه؟.. بس هنقول إيه غير إن الفقر لكم حشمة.
وفى التعليق الثانى كتب يقول: النجم العالمى محمد صلاح بصحبة ابنته مكة فى أحد المطاعم فى الساحل الشمالى، ويظهر صلاح وهو يحتضن ابنته مكة ومعه باقى أفراد أسرته، حيث يقضون رحلة استجمام وإجازة فى أحد الفنادق الكبرى فى الساحل الشمالى.
يمكننا أن نعتبر ما كتبه حسن عبدالفتاح- حاولت تصحيح أخطائه اللغوية- خطأ من مصور صحفى كبير، فقد كتب التعليق الأول قبل أن يتحقق أو يسأل أو يقوم بعمله المفروض عليه من البحث والتدقيق، وعندما عرف عاد ليصحح ما كتبه، لكننى أعتقد أن ما حدث يكشف عن قضية أكبر وأهم، ربما تتجاوز ما كان يقوله لنا الدكتور فاروق أبوزيد.
لو طبقنا ما قاله الأستاذ العميد سنكتشف أن حسن تجاوز القواعد المهنية، فمحمد صلاح كان فى إجازة خاصة بعيدًا عن عمله الذى يرتبط به جمهوره، ومن حقه أن يستمتع بوقته دون أن يقتحم خصوصيته أحد.
لكن ما جرى يخرج من هذه المساحة الضيقة ويدخل بنا إلى عالم جديد نعيشه الآن، ولم يدركه السيد العميد، بل لم يكن ليتصور أن يحدث فى يوم من الأيام، وهو عصر يمكن أن نسميه «عصر توحش الكاميرات».
لقد لعبت التكنولوجيا أدوارًا كثيرة فى حياتنا، منحتنا من فضلها ما يسر حياتنا، وبالنسبة لنا نحن الصحفيين أعطتنا ما سهل عملنا وجعله أبسط وأسرع، لكنها كانت فى الوقت نفسه نكبة كبيرة على حياة الناس، بل كانت وسيلة من وسائل الفضح العام، وهو فضح دفع ثمنه كثيرون أفرادًا وأسرًا.
منذ سنوات انتشر فيديو لمدرسة فى إحدى مدارس المنصورة وهى ترقص على مركب نيلى فى القاهرة، كانت فى زيارة إلى القاهرة مع بعض طلابها وزملائها، وأثناء الرحلة النيلية رقصت، فقام أحدهم بتصويرها، ورفع الفيديو على شبكات التواصل الاجتماعى، وفى ساعات قليلة تحولت الرقصة التى كانت تخص عددًا قليلًا من الأفراد إلى حدث يخص الرأى العام كله، وفى هذه اللحظة تعامل معها الناس على أنها فضيحة وبدأوا محاكمة المدرسة محاكمة أخلاقية، فما كان ينبغى لها أن تفعل ما فعلته.
وأنا أناقش هذه الواقعة، قفزت فى رأسى فكرة أنه لو لم يقم أحد بتصوير هذه الرقصة ورفع الفيديو الخاص بها على السوشيال ميديا، ما كان حدث شىء، وما كان أحد عرف ما حدث، بل كانت هذه الرقصة ستظل أمرًا خاصًا بالمدرسة وزملائها الذين كانوا معها.. وغالب الظن أنهم لم يستنكروا ما فعلته، بل كانوا سعداء به.
تكرر الأمر معى منذ أيام.
كنت ضيفًا على أحد البرامج الحوارية المسائية، ووجدت معد البرنامج يسألنى عن رأيى فى الفيديوهات التى انتشرت على السوشيال ميديا لرقص طالبات الثانوية العامة التى تسجل فرحتهن بنهاية الامتحانات.
اعتقدت أنه يريدنا أن نتحدث عن فرحة البنات وتعبيرهن العفوى البسيط عن نهاية رحلة معاناة مع الثانوية العامة، لكننى فهمت أنه يدين هذا الرقص متأثرًا بالتعليقات التى صاحبت هذه الفيديوهات أثناء نشرها.
قلت إننى لا أرى فى هذه الفيديوهات شيئًا خارجًا عن الطبيعى أبدًا، فمن المعروف أن طلاب الثانوية العامة، أولادًا وبناتًا، يعبرون عن فرحتهم بنهاية الامتحانات، وأحيانًا تكون هناك مبالغة فى الاحتفال، ولا أقصد أن الرقص مهما كان شكله أو درجته يدخل فى مساحة المبالغة، لأننا شعب يحتفل بالرقص فى مختلف مناسباتنا.
لم أرَ فى رقص المُدرسة فى الرحلة النيلية جريمة، كما لم أرَ فى رقص البنات أمام لجان الثانوية العامة جريمة.
الجريمة التى رأيتها هى فى فعل مَن قام بالتصوير، وفى مَن قام برفع الفيديوهات على شبكات التواصل الاجتماعى.
الجريمة أننا أخرجنا فعلًا عاديًا متكررًا يحدث كل يوم من إطاره الضيق وسياقه الخاص إلى إطار أوسع وسياق عام، فتحول من فعل يخص أصحابه وحدهم إلى فعل فى متناول دائرة أكبر من دوائر الرأى العام، ولأن هذه الدائرة اعتادت أن يكون لها رأى وتشارك فى التعليق على كل شىء، أصبح الفعل محلًا لتقييم وقبول ورفض، ولأننا لم يعد يعجبنا شىء، وأصبحنا جلادين، فقد قمنا بدور القاضى الذى يحكم بالإعدام الاجتماعى على كل من يطلع على المسرح.
مثل هذه الوقائع وغيرها دفعتنى لأن أتبنى مبادرة أطالب خلالها بأن نتوقف عن التصوير العشوائى.
فليس معنى أن لديك كاميرا فى هاتفك المحمول، أنه أصبحت لديك سلطة تصور من خلالها كل ما تراه فى الشارع ويخص الناس، وليس معنى اعتقادك أن لديك سلطة التصوير، أنك تملك سلطة رفع الفيديوهات أو الصور التى تقوم بتصويرها على السوشيال ميديا، فتصبح متاحة للجميع، بما يحمل ذلك من إمكانية إدانة من قمت بتصويرهم، وهى إدانة فى الغالب لا تقوم على أساس صحيح.
إن الصورة التى تلتقطها لا يمكنها أن تنقل الحقيقة، والفيديو الذى تقوم بتصويره لا يمكن أبدًا أن يقول لنا ما يحدث، فالصورة تنقل لنا زاوية واحدة ثابتة من الحدث، والفيديو لا يمكنه أن يحيط بكل ما يحدث فى المكان، فهناك دائمًا أشياء تكون بعيدة عن زاوية الصورة وعدسة الكاميرا، ولذلك فمن يحكمون على الصور والفيديوهات التى يطالعونها على صفحاتهم تكون أحكامهم ناقصة، لأنهم لا يملكون المعلومات الكافية أو الدقيقة عنها.
لقد تعامل البعض مع مبادرتى على أننى لا أريد لأحد أن يصور شيئًا على الإطلاق، وأننى أحاول مصادرة حرية الناس فى أن يقوموا بما يريدون، وأننى بذلك أحول دون كشف جرائم كثيرة ومخالفات عديدة تقع فى الشارع وتلتقطها الكاميرات، وبذلك فإننى أفوت على المجتمع فرصة أن يقاوم المخالفات التى تحدث والجرائم التى تقع.
إننى أعترف بأن الكاميرات التى تمارس التصوير العشوائى فى الشوارع يمكن أن تكون عاملًا مهمًا من عوامل ضبط إيقاع الحياة العامة فى مصر، وأعرف أننا لا يمكننا أن نواجه أو نقاوم التصوير العشوائى، فما دام الناس يملكون تليفونات محمولة بها كاميرات مستعدة للقنص فى كل وأى وقت، فإنهم لن يتوقفوا أبدًا عن ممارسة ما يعتبرونه حقهم.
لقد أوقعت الكاميرات مخالفين للقوانين، وهؤلاء لم يتلصص عليهم أحد ويصورهم على حين غفلة، بل كانوا هم من قاموا بتصوير أنفسهم.
وراجعوا ما حدث فى واقعة العجل والميكروباص.
طبقًا لبيان وزارة الداخلية، ففى إطار كشف ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعى تضمن قيام قائد سيارة أجرة «ميكروباص» باستخدام السيارة فى غير الغرض المرخصة له وتحميل رأس ماشية بالبحيرة، بالفحص أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقطع الفيديو والقائم على تصويره «مزارعان مقيمان بدائرة مركز شرطة أبوالمطامير» وبحوزتهما رأس الماشية، وبمواجهتهما أقرا بقيامهما بتصوير المقطع على سبيل المزاح خلال شهر يونيو المنقضى حال عودتهما عقب شراء رأس الماشية من إحدى الأسواق بدائرة مركز شرطة أبوحمص، كما أمكن تحديد وضبط السيارة الظاهرة بمقطع الفيديو «سارية الترخيص» وقائدها «سائق- مقيم بدائرة مركز شرطة أبوالمطامير» وبمواجهته أيد ما سبق. تم التحفظ على السيارة واتخاذ الإجراءات القانونية.
البيان كاشف عن رغبة الناس فى المزاح بأى وكل شىء، وعن رغبتهم كذلك فى توثيق كل لحظاتهم حتى لو كانت مخالفة.
فى الأرياف وعلى طرقها يمكنك أن تجد مثل هذا المشهد يتكرر، نقل عجل صغير فى سيارة ميكروباص، ولم يكن أحد يتعامل معه على أنه مخالفة، رغم أنه مخالفة صريحة للمادة ٧٤ من قانون المرور، فالسيارة مرخصة «نقل ركاب- سرفيس» وليس لها أن تنقل حيوانات، وتصل عقوبة هذه المخالفة إلى سحب رخصة السيارة لـ٣ شهور.
كان يمكن أن يمر هذا المشهد دون ضجة ولا عقوبة، لكن الكاميرا أسهمت فى فضحه، ووجد من فعلوا ذلك أنفسهم ضحايا لرغبتهم فى المزاح.
إننى لا أتحدث عن ذلك ولا أتوقف أمامه، فهو أعراض جانبية للظاهرة الأخطر، وهى تغول الكاميرات على حياة الناس وتصويرها وفضحها.
وحتى لا يتشنج البعض معتبرًا أن ما أقوله ضد حرية الرأى والتعبير والتصوير، فلا أقل من أن يتم تقديم الفيديوهات التى يعتقد الناس أن بها مخالفات وجرائم إلى الجهات المسئولة، سواء فى وزارة الداخلية أو مكتب النائب العام، ويكون لهذه السلطات الفصل فيها.
إذا أردنا أن نصلح هذا المجتمع فلا بد أن نسهم جميعًا فى ذلك وبشكل إيجابى، لكن الإصلاح لا يأتى بالفضح العام، خاصة أن من يحاولون الإصلاح من خلال التصوير العشوائى يهرسون فى طريقهم أفرادًا وأسرًا لا ذنب لها.. فهل نستمر فى ذلك أم نتوقف؟
أتمنى أن نتوقف ونقدم العقل على ما سواه.. فبالعقل وحده ترتقى الأمم.