الأحد 28 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

المداح الأعظم.. هوامش على عالم ياسين التهامى

حرف

- كتبت عن التهامى بقلبى وليس بعقلى.. وهى المرة الأولى والوحيدة التى فعلت فيها ذلك

- لا يفارق التهامى وهو ينشد ساحة ربه يترك نفسه إليه كله فيفوز بكله

- يمثل حالة صوفية وجدانية صافية شفافة وتجد فى حفلاته المسلم والمسيحى

قبل أيام كان الشيخ ياسين التهامى ينشد فى إحدى حفلاته بسوهاج، ولأنه لا ينام إلا قليلًا، فقد شعر بإرهاق شديد، ألمت به وعكة صحية عابرة، اضطر على إثرها لتركه مسرحه الذى هو مملكته. 

بعد دقائق رأيت صورته وهو يغادر الحفل، انزعجت، تواصلت على الفور مع أحمد ابنه وأمين سره، طمأننى عليه قائلًا: لا تقلق.. الشيخ بخير. 

أيام وأنا أتواصل معه، سمعت صوته، فهدأت روحى، وطابت نفسى، وقلت له: بيننا دائمًا موعد لن نخلفه. 

رأيت مظاهرة حب حقيقية من مريدى الشيخ الذين لا يتصورون مسارح الإنشاد بدونه، فتأكدت من صدق المحبة. 

فكرت أن أكتب شيئًا عن الشيخ ياسين، حاولت، لكننى عدت إلى أوراقى معه، وأخرجت مقدمة كتابى «ياسين التهامى.. أسرار عميد دولة المداحين» التى أعيد نشرها هنا. 

أردت أن أستعيد بعضًا من أيامى معه.. وأردتكم أن تعرفوا بعضًا من أسرار الشيخ الذى يعتبره مريدوه «قبلة المحبين». 

لست من مجاذيب الشيخ ياسين التهامى.

قد تكون هذه بداية غير موفقة. 

فما الذى يجعلك تستمع إلى ما أقوله عمن لم يجذبنى إليه كما جذبك؟ 

وما الذى يجعلك تنصت إلى من يضع بينك وبينه سورًا وحدًا وحاجزًا يمنعك من أن تخلص لما تراه أنت إذا كنت من مريدى الشيخ.

أو حتى إذا كنت ممن يعبرون بجواره دون أن يتوقفوا طويلًا أمامه، وأعتقد أن هذا صعب... فمَن منّا لم يقتحمه الشيخ ياسين ويترك فيه أثرًا ولو صغيرًا حتى لو كان يسمعه لأول مرة؟ 

وما الذى يجعلك تنفق بعضًا من وقتك فى تتبع قصة الشيخ ياسين عند من يكتبها وهو يعترف لك من البداية بأنه ليس مجذوبًا هائمًا فى طرقات المداح الأعظم؟ 

وما الذى يجعلك تنصت إلىّ، وأنت لا تنصت إلا إليه؟ 

فلا شىء يغريك بعد اعترافى لمتابعة الكتابة.. رغم أننى يجب أن أغريك وأحمسك وأجعلك متشوقًا ولو من باب حيلة الكتابة التى تراوغ جمهورها، حتى تجعلهم يقبلون عليها. 

ولأننى لا أريد أن أتحايل عليك- على الأقل هذه المرة- ولأن الشيخ ياسين التهامى ليس هو من ندخل إلى بيته من باب الحيلة، فسأقول أنا لك بعضًا من القصة الكبيرة التى تجمع بينى وبينه. 

أنا لست مجذوبًا... لكنى مأخوذ بالشيخ ياسين... ذلك الأخذ الذى لا يمنع فيه الإعجاب من الوصول إلى شاطئ حقيقة هذا الرجل وفض سره وحدود ما يمثله فى حياتنا. 

عين المجذوب كليلة... لا تعين صاحبها على أن يرى بوضوح، وأنا أريدك أن ترى معى أسطورة هذا الزمان- وهو كذلك بالفعل- بما يستحق... أن تدخل عالمه من بابه الملكى الذى يمنحك نفسه دون أن تجد أمامك ما يحجبه عنك، أو يحول بينك وبينه. 

أعرف أن اعترافى بأننى لست من مجاذيب الشيخ ياسين التهامى يمكن أن يغضب الملايين من مريديه، هؤلاء «الذكرية» الذين يتمايلون فى وصلات متتابعة على نغمات إنشاده، الذى هو قبس من السماء اختصه الله به فحافظ عليه، فارتقى به فى درجات السموات العلا، دون أن يحجبه شىء أو يصده أحد.

كان هذا ما جرى. 

فعلى كثرة ما نشر التهامى من عطر فى موالد آل البيت، وأمام العتبات المقدسة، وفى الحفلات الخاصة، إلا أننى لم أتوقف عنده طويلًا. 

كنت أعتبر حالة التماهى معه تلك التى يظهرها من يطلقون على أنفسهم مجاذيب الشيخ ياسين بالنسبة لىّ مستفزة، خاصة أن كثيرين ممن يدّعون وصلًا به لا يعرفون معانى الكلمات التى يشدو بها، والتى ينتزعها انتزاعًا من كتب وأسفار أشعار أقطاب الصوفية الكبار، وعلى رأسهم مولانا عمر بن الفارض الذى يعتبره التهامى هاديه ومرشده والآخذ بيده إلى حيث السمو والصفاء الروحى.

كان السؤال الذى أرّقنى دون أن يقلقنى هو: كيف يستطيع الشيخ أن يُحدث كل هذا التأثير فى جمهور لا يفقه كثيرًا من الكلمات التى ينشدها، وهل يمكن أن ينفعل الإنسان بما لا يفهم ولا يعى ولا يدرك؟ 

جذبتنى إليه تلك الآه الطويلة التى يطلقها فيستجيب لها من يستمعون إليه بآهات خارجة من القلب ومعبرة عن حالة الغرق التى لا يريدون منها إنقاذًا ولا نجاة.

حيرنى الشيخ معه... لكننى لم أستسلم لحيرتى. 

أخذنى من تلابيب روحى... لكننى لم أترك روحى بين يديه يصيغها على هواه.

سعيت خلفه فى بعض موالده. 

وقفت وسط الآلاف من جمهوره. 

الزحام خانق. 

لا تستطيع أن تمسك بنفسك لتتركها فى مراقى التأمل. 

فهذا يدفعك إلى الأمام. 

وهذا يؤخرك إلى الخلف. 

وهذا يدوس على قدميك دون انتباه ودون أسف. 

رائحة العرق خانقة. 

وأنفاس البشر تطاردك حتى تجد نفسك مجبرًا على الرحيل. 

لا مكان هنا لتأمل.. ولا مساحة لوجد.. ولا فرصة لحوار الروح الذى سعيت خلفه. 

توقفت أمام الذين يهيمون ويتيهون به، أشفقت عليهم قليلًا، لكننى تركتهم فى حمى منشدهم، لعله يملك علاجهم، أو لعلهم يطيبون على يديه، فما دخلى أنا فيما يدور بينه وبينهم؟

سألت نفسى: ما الذى يحدث إذن؟ 

كان الحل أن أنزع نفسى من قيود العقل، أتحرر من أسوار التفكير، وأترك القلب وشأنه، لأعرف إلى أين يقودنى هذا الشيخ المسكون بسحره الخاص.. وألقه الذى لا ينطفئ إلا ليتجدد.. ووجده الذى يحيط بك من كل مكان فيغمرك حتى لا ترى غيره أحدًا. 

وكان لا بد أن تبدأ الرحلة بينى وبينه.

فى العام ٢٠٠٧ عرضت دور السينما فيلم «استغماية» للسيناريست والمخرج عماد البهات. 

لم يكن هناك على الشاشة نجوم كبار من أصحاب الأسماء الكبيرة التى يمكن لها أن تشيل الفيلم بلغة السوق. 

كان ياسين التهامى هناك.. وما جذبنى إليه أنه كان هناك وحده. 

لم يشغلنى شىء من أحداث الفيلم.. فيومها أخذنى ياسين التهامى بمقطع قصير من أنشودة طويلة، لم يمنحه الفيلم فرصة أن يكملها، فقد ذهبوا إليه ليأخذوا منه ما يريدونه هم، لا ما يريده هو، وكان كريمًا معهم، فلم يمانع ولم يمتنع. 

سمعت التهامى بقلبى لا بعقلى: «رب أنعم بتطهير الفؤاد من الهوى/ وجد لى بتوفيق ومنة/ أنا إن كان جسمى عن جنابك قاطع/ فروحى نور من جمالك متكئ». 

رحت فى كلماته، فشدنى إليه أكثر: «فى البعد لوعة/ وفى القرب رحمة/ وفى الوصل راحة إذا الحب منيتى». 

لم أنتبه لقليل أو كثير فى الفيلم، خرجت لأبحث عن هذه الكلمات التى شعرت بأنه اقتطعها من الجنة، فوجدتها تبدأ بـ: ما حيلتى والعجز غاية قوتى/ وأمرى جميع تحت حكم المشيئة/ فخلصنى... خلصنى من أسر الطبيعة/ واهدنى بنورك يا الله وواصل قطيعتى/ خلصنى... خلصنى. 

حصلت على المقطع الذى أنشده التهامى فى «استغماية»، وجعلت منه رنة تليفونى المحمول، فقد راق لىّ أن تكون كلماته تلك رفيقة لى فى كل وقت. 

أدركت وقتها أن لكل سر مفتاحًا واحدًا، وكانت هذه الكلمات هى المفتاح الذى فضضت به سر الشيخ ياسين التهامى، لم يكن ما قاله فقط هو الذى جذب القلب، ولكنها كانت الروح التى تحمل كلماته ونغماته، تعبر بها كل الحدود لتستقر فى الوجدان.

بدأت صورة الشيخ ياسين الحقيقية تلك المخبوءة تحت جلده تتجسد أمامى، فالمداح العظيم الذى يسعى إليه جمهوره كى يرتاح على مرفأه، يبحث هو عن خلاصه. 

وكان السؤال الذى يراوغنى بشأنه هو: من أى شىء يريد التهامى أن يتخلص.. ولماذا يلح على الله أن يخلصه.. أى ثقل يحمله على كتفيه ويريد أن يزيحه ليستريح؟ 

بعد سنوات وأنا أطالع حوارًا صحفيًا أجرته جريدة الوفد مع ياسين التهامى، توقفت عند إجابته عن سؤال: هل تستمتع بصوتك مثلما يستمتع به جمهورك العريض؟ 

قال التهامى: أشعر بأن إنسانًا غيرى مَن أنشد، أنا أبحث عن ياسين بداخلى، ودائمًا أردد «من أنا؟». 

احتفظت بنسخة من الحوار بين أوراقى، وكنت كلما عدت إلى أرشيفى أسأل بنفسى: حقًا مَن يكون هذا الرجل؟ 

بالصدفة كنت أجاور صديقًا وجدته يستمع إلى ياسين التهامى وهو ينشد: يا ملهمى من أنت/ أنت تعرف من أنا/ أنا فيك أحيا منذ بدءكا كانا/ ولا شىء يفصل بيننا/ فغرامنا فيه اختلطنا مهجة وكيانا/ غيبت عنك لفترة فرأيتنى/ فعرفت أن لقاءنا قد حانا/ الحب وحدنا فصرنا نبضة/ مضى بها عبر الحياة كلانا/ قيل كان الحب قبل البشر/ حيث لا شغل ولا قيد ولا صور/ هامت الأرواح من غير حذر/ فى جمال لاح يوما واستتر/ يا رب ضلّت الألباب بل زاغ البصر/ عين سر مس قلبًا فاستعر/ وانجلى فى أينما/ فاشهد وقر ظاهر دوما بخير أو بشر. 

طلبت من صديقى أن يمرر لى هذا المقطع، فاستبدلت على تليفونى المحمولى رنة «رب أنعم بتطهير الفؤاد من الهوى» به... وقلت لنفسى لماذا يسأل التهامى: من أنا؟ وهو ينشد هذا الكلام، فهل بعد أن يقول هذا لا يزال حائرًا؟ 

بحثت عن صاحب الكلمات، فوجدتها الشاعرة الكبيرة علية الجعار، لكننى لم أشعر لحظة بأن هذه الكلمات كلماتها، فالله وحده أعلم بحالها، استقر عندى أنها كلمات تليق بالتهامى الذى منحها من روحه، وصرخ بها فى محاولته الكبرى للبحث عن نفسه. 

قهرتنى ملاحظة صديق عن كلمات «يا ملهمى»، عاب علىّ إعجابى بها، وتلهفى على سماعها الدائم بصوت التهامى. 

قال لى: ما يقوله يضعه فى خانة من يتجرأون على الله، فكيف يقول وهو فى حضرته: أنا فيك منذ بدءكا كانا، إنه بذلك من أنصار الحلول والاتحاد، فالله يحل فيه، ثم يتحد معه، هذا رجل يضع نفسه بما قاله فى مرتبة الإله. 

لم يزعجنى ما قاله الصديق الذى رأيته يسلم عقله لمن يقرأون الحياة من على سطحها المزيف، وشغلنى حال ياسين الذى جذبه إلى هذه الكلمات فأنشدها، وبدأت أدرك أننى لست أمام منشد يأخذ من الإنشاد حرفة له، بل أمام حالة روحية خاصة تستحق عناء البحث خلفها. 

لسنوات وأنا أسعى وراء التهامى. 

فى فبراير ٢٠٠٩ كنت أطالع حوارًا صحفيًا مع المطرب الشعبى حكيم، الذى كان وقتها قد تحول إلى أسطورة، استطاع أن يضبط المزاج العام على ما يقدمه، للدرجة التى تعامل معه البعض على أنه طليعة جيل جديد فى الغناء الشعبى. 

وقتها كان حكيم يحتل السوق بأى ألبوم جديد يصدره، وكان المطربون يعملون له ألف حساب، بل كانوا يحاولون ضبط مواعيد صدور ألبوماتهم على حركته ونشاطه هو، فلم يكن أحد يجرؤ على منافسته. 

سأله محاوره: من هو المطرب الذى تعمل له حسابًا بعد إصدار ألبوم جديد؟ 

كانت إجابة حكيم مفاجأة بالنسبة لى، قال: أعمل حسابًا للشيخ ياسين التهامى، رغم أنه يقدم «ذكرًا» إلا أن هذا الرجل يقلقنى جدًا. 

كنت أحتفظ بما يُنشر عنه قدر الإمكان.. ولم يكن عندى تصور معين لما يمكننى أن أفعله بأرشيفه. 

وكنت أبحث عن قصائده- وأصبح الأمر يسيرًا عندما أصبح واحدًا من ملوك اليوتيوب والسوشيال ميديا- دون أن أعرف إلى أى طريق يمكن أن تقودنى هذه الحالة الروحية التى يُدخلنى فيها كل مرة أسمعه فيها، لكننى كنت أعرف أننى على موعد معه.

متى يأتى هذا الموعد، أو على أى شكل سيكون؟

لم أكن أعرف.. كل ما كنت أعرفه أنه حتمًا سيكون هناك طريق يجمعنا. 

فى العام ٢٠٢٠ كنت أستكمل مشروعى ثلاثيتى «الله فى مصر» و«القرآن فى مصر» بالحلقة الثالثة منها «الرسول فى مصر»، وكان قد حاصرنى الشيخ ياسين التهامى المداح الأعظم للنبى صلى الله عليه وسلم، فعدت إلى أوراقى ليكون من بين موضوعاتى عن الرسول فى مصر. 

كان من الطبيعى أن أكتب عما قدمه التهامى من مديح فى حب النبى، صلى الله عليه وسلم، لكننى وجدت نفسى وأنا فى حضرة النبى أميل إلى من يمدحه كثيرًا، وجدتها فرصة لأقترب من سره. 

وأعترف هنا بأننى كتبت عن التهامى بقلبى وليس بعقلى.. وهى المرة الأولى والوحيدة التى فعلت فيها ذلك. 

وأعترف هنا أيضًا بأننى وجدتنى منجذبًا إليه ومجذوبًا به.. وهو ما جعلنى أتأمل حالته. 

بعد أن فرغت من حالى معه أدركت أننى لا يمكننى الحكم على مريدى الشيخ ياسين، هؤلاء الذين يرحلون خلفه فى كل مكان، وهل يتوقفون عند كلماته يتأملونها ويسبحون فى بحارها التى بلا ضفاف فيستمتعون بها؟ أم أنهم يغرقون فى روحانيات صوته ورحابات نغماته؟ يحلقون إلى جواره وهو يسبح فى سماوات من صفاء، تحفه الملائكة، ويفرح به النبى، صلى الله عليه وسلم، ويمنحه الله التوفيق فى كل مرة يطل فيها منشدًا. 

كل أحوال الشيخ ياسين تتجلى فى أحوال مريديه.

يعرف أن الكلمات التى يختارها من دواوين أقطاب الصوفية الكبار صعبة على جمهوره.

يعرف أن هناك آلافًا من جمهوره لا يعرفون القراءة والكتابة، قد لا يفهمون الكلمات.. لكنه يعرف أنهم يشعرون بها، لذلك لا يلتزم أحيانًا بنصوص الكلمات، يضيف إليها ويحذف منها، يدمج بينها، يرتجل، يصوغها كما يحسها فى اللحظة التى يلتقى فيها بقلوب مستمعيه.

لكن يظل السؤال الذى يراوغ الشيخ ياسين التهامى ويراوغنا، وهو: لماذا وصل؟ 

قد تكون فى سيرته التى حاولت أن أتقصى أثرها محاولة للإجابة عن هذا السؤال.

لكن قبل السيرة.. تأتينا الإشارات التى لا يخطئها عقل.. ولا تمر على قلب دون أن يستوقفها.. ولا تقر فى وجدان إلا وتزلزله.. ولا تحيط بروح إلا وتخلعها من مكانها. 

فأنت قبل أن تعرف الشيخ ياسين.. لست أنت بعد أن تعرفه. 

وصل ياسين التهامى، لأنه يعرف نفسه جيدًا.

عندما يقف أمام الآلاف الذين ينتظرونه، يدرك أنه ليس مؤديًا للكلمات، بل هو روح تستشعر كل كلمة، لا تخرج إلا بعد أن تمر على قلبه، يشعر بأنه يتجلى، لأنه يلقى قصائده بكله.

صدقته عندما قال: «أنا لا أنشد.. أنا أسبح فى عالم ربانى». 

سألوه وكان ضيفًا على محطة إذاعية فرنسية عن سر الكلمات التى ينشدها من الشعر الصوفى، فأوجز ما لديه ببيت الشعر الذى يقول: «تزين ألفاظه معانيه.. وألفاظه زائنات المعانى». 

يدرك هو جيدًا ما الذى يملكه بين يديه، يتطلع إلى وجوه شعرائه، الذين لا ينزلهم فى قلبه منزل الشعراء أبدًا، فهم عنده لسان حال الصدق الإنسانى النادر.

ووصل ياسين التهامى أيضًا، لأنه يعرف جمهوره جيدًا.

الحقيقة أنه لا يسميهم جمهورًا أبدًا.

يروق له أن ينظر إليهم كمحبين وهو خادمهم. 

من عاداته قبل أن يصعد إلى مسرحه فى الحفلات أو الموالد أو حتى وهو يسير فى الشارع أن يُقبّل يد المحبين والمجاذيب.

المجذوب الكبير يأخذ بيد المجاذيب.. ولا تسأله عن ذلك، لأنه مثلهم.. هو منهم وهم منه. 

عندما يبدأ فى الإنشاد يذوب فيهم، يلمحهم وهم يقفون على بابه فيأخذ بأيديهم. 

وقف على مسرح الأوبرا الكبير، وقبل أن يبدأ فى الإنشاد وجد أن أنوار القاعة لا تساعده على رؤية جمهوره، فطلب منهم أن يضيئوا الأنوار، لأنه لا يستطيع أن ينشد دون أن يراهم ويستمد من وجوههم المدد. 

يصعد التهامى بأحبابه إلى حدود الذوبان، لا يضيق بمن يفقد السيطرة على نفسه، فهل تعرفون محبًا يضيق بأحوال مَن يحب.

ووصل الشيخ ياسين التهامى أيضًا لأنه بالفعل لا يفصل بين نفسه وبين محبيه.

هل تابعته بعد أن ينتهى من حفلاته؟ 

إذا حاولت أن تفعل ذلك، ستجده ينتحى جانبًا ليبكى، يظل طوال إنشاده يختزن شجنه، وبعد أن يختلى بنفسه، يفيض بكاؤه، فلا يتحمله قلبه، فيطلق الحرية للدموع لتغسل القلب.

تنتقل حالته إلى مستمعيه، لا يفعلون مثله، يتركون أنفسهم لبكاء متصل، تنظر فى وجوههم، فلا تقدر على أن تفرق بين حبات الدموع وحبات العرق.

يمكنك- كما يفعل كثيرون- أن تختصر الشيخ ياسين فى توصيف عابر، شيخ المداحين أو عميد المداحين أو سلطان المنشدين، أو بلبل الصعيد أو كروانه.

اسمح لىّ أن أقول لك إنك بذلك تظلمه.

يمكن أن ألتمس لك العذر، لأنك تنظر له على أنه مداح فقط، والمداح فى قاموسك وقاموسنا جميعًا هو من ينشد فى محبة النبى ويرجو رضا آل بيته.

عندما تفتش فى دفاتر ياسين ستجد الأمر يختلف ذاك الاختلاف الذى صهره وصنعه وشكّله بما لا يتصور أحد... وربما بما لا يتحمل أيضًا. 

لا يفارق التهامى وهو ينشد ساحة ربه، يترك نفسه إليه كله، فيفوز بكله، يقف بين يديه يُحدثه ويستمع منه، فتشعر بأنك تستمع إلى حوار بين عبد يذوب ورب يتوب. 

هل جربت أن تستمع إليه وهو يقول: حبى لمولاى أضنانى وأسقمنى/ فكيف أشكو إلى مولاى مولائى/ إنى لأرمقه والقلب يعرفه/ فما يترجم عنه غير إيمائى/ يا ويح روحى من روحى فوا أسفى/ على مُناى فإنى أصل بلوائى/ كأننى غريق تبدو أنامله/ تغوثا وهو ف بحر من الماء/ وليس يعلم ما لاقيت من أحد/ إلا الذى حل منى فى سويدائى/ ذاك العليم بما لاقيت من دنف/ وفى مشيئته موتى وإحيائى. 

وحتى تدرك حاله كله مع ربه، لا بد أن تسمعه وهو يقول: أنت الذى حزت كل أين/ بحيث لا أين أنت/ فلو كان للأين منك أين فيعلم الأين أين أنت/ ولو كان للوهم فيك وهم/ فيعلم الوهم كيف أنت/ أحطت علمًا بكل شىء/ وكل شىء أراه أنت: ففى فنائى فنا فنائى/ وفى فنائى لا إله إلا أنت. 

وعندما ينشد التهامى تجد النبى، صلى الله عليه وسلم، حاضرًا أبدًا فى ساحاته. 

لكنه يختلف عنده بتجلياته عليه عن حضوره فى ساحات كل المنشدين. 

لا يتحدث ياسين التهامى كثيرًا عن النبى صلى الله عليه وسلم، وإن كان اسمه لا يفارق لسانه، فعندما تجلس إلى جواره ستجده لا يتوقف عن الصلاة عليه وطلب المدد منه. 

لكنه لا يعبر عن حبه له أو تجلياته معه، كما يفعل الآخرون أو يدعون. 

لم يخبرنا أبدًا بأنه زاره فى المنام، وقال له وأعاد عليه كما يفعل الآخرون، يكتفى فقط بأن يعبر عن هذا الحب فى لياليه التى لا تنقطع، وربما لهذا نصدقه ونسعى وراءه، وننظر له على أنه المداح الأعظم ليس فى تاريخ مصر فقط ولكن فى تاريخ الإنسانية كلها.

يجمع التهامى بين حبه لله وتشفعه بالنبى محمد صلى الله عليه وسلم، فيضع نفسه فى جملة مفيدة بينهما، استمع إليه وهو ينشد من قلبه: أجرنا.. أجرنا.. يا رب أجرنا/ أجرنا فإن النار عذابها صعب/ غثنى فإنى من عذابك خائف/ بأحمد أجرنى إذا عظم الخطب. 

قبل أن يضع كلماته بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم يستحضره، يدعوه ليكون جليسًا للذاكرين، وعندما يتحول المحبون أمام التهامى إلى كتلة واحدة يظهر النبى صلى الله عليه وسلم أمامه، فيراه بعين قلبه وعشق روحه وصدق وجده. 

ينظر إليه وحده.

يتحدث معه وحده.

ينشد له وحده.

ولا يهدأ إلا عندما يطمئن إلى أنه رضى عنه وعن كل ما قاله فى حقه، فالتهامى لا ينشد سوى الراحة، ولا راحة للمحب إلا بجوار حبيبه. 

وعندما تقلب أكثر فى أوراقه، ستجده مجذوبًا ومنجذبًا لكل آل البيت، ما يربط بينه وبينهم شىء خاص به وحده.

لا يزال حتى الآن يحرص على زيارة أضرحتهم، والبقاء فيها بقدر ما يستطيع.

يقرأ فى رحابهم القرآن الكريم.

يحدثهم ويسمعهم.

يطلب منهم المدد فى طريقه الطويل الذى لا يقدر على أن يسلكه وحده.

ما يميز ياسين التهامى عن غيره أنه يسعد بوجوده إلى جوار آل البيت تلك السعادة الخالصة المطلقة التى لا يبتغى من وراها إلا إياها.. ولذلك فإحياء لياليهم ليس جزءًا من حياته.. بل رسالة حياته كلها. 

استمع إليه وهو يقول إن كل واحد من آل البيت له طعم وجو وروحانية خاصة به. 

يميل إلى السيدة نفيسة، يشعر أنها الأقرب إليه، لكنها لا تحول بينه وبين السيدة زينب. 

وعندما يصادف سيدنا الحسين يجد نفسه فى «حالة وجد»، جعلته يجاوره ولا يرضى به بديلًا. 

وفى كل مكان يتوجه إليه تسبقه روحه إلى الولى الذى يأخذ بعضًا من نور النبى بين جنبيه، ويحتفظ به فى قبره.

فى كثير مما قاله التهامى يتداخل ما يقوله عن آل البيت وما ينشده فى حق أولياء الله الصالحين، فكلهم ينتمون لنور النبى، صلى الله عليه وسلم. 

اسمعه وهو يقول: إن عد أهل التقى يا روحى كانوا أئمتهم/ أو قيل من خير أهل الأرض؟ قيل: هم. 

واسمعه وهو يقول: هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا/ فليس لى معدل عنهم وإن عدلوا/ إنى وإن فتتوا فى حبهم كبدى/ باقٍ على ودهم راضٍ بما فعلوا. 

وأنصت إليه وهو يقول: أسأل الشمس عنكم كلما طلعت/ وأسأل البرق عنكم كلما لمع/ أنتم حياتى إن شاهدتكم روحى حضرت/ ولو حجبتم تغيب الروح عن جسدى/ أمر على الأبواب من غير حاجة/ لعلى أراكم أو أرى من يراكم. 

وتألم معه وهو يتألم: عيونى تناجيكم وفى خلجاتها/ تباريح صب ضاق عن حملها البر/ وفيها دموع أنا ذبت من غليانها/ تثاقل لما جف عن حملها البحر/ حرام عليكم أن ترونى معذبًا/ على الأرض ملقى قد بكا الصخر. 

وحتى تقف على ما وقف عليه التهامى من حال مع آل البيت، ومن يسير فى ركابهم، يكفيك ما قاله: يا آل بيت النبى/ إليكم تذل النفس وهى عزيزة/ وليست تذل النفس إلا لمن تهوى. 

يمكنك أن تراجعنى الآن.. فإذا كان هذا هو حال ياسين بالنسبة لى، فكيف أستنكر النظر إليه على أنه مداح الرسول، وهو الهائم فيه وفى آل بيته وفى من يجاوره ويجاورهم؟ 

هنا لا بد من وضع بعض النقاط اللازمة على بعض الحروف الضرورية. 

فياسين ليس مجرد منشد أو مداح.

هو عندى المداح الأعظم.. لأننى أنظر إليه بالمعنى الأكبر الذى يتفق عليه أقطابه الكبار. 

فالمداح هو الذى يعيش حالة الخضوع الكاملة لله، وهو من يتضرع بين يديه، من يتذلل له ليقبل كل ما يفعله وما يقوله.

لا أنكر على مداحين آخرين ما يفعلونه أو يقولونه عن أنفسهم، لكننى عندما تتبعت خطوات ياسين التهامى وجدت أنه صوفى حقيقى، لا يأخذ من الصوفية وسيلة للتكسب، ولا يتعامل مع الأشعار الصوفية على أنها أداته ليحقق الشهرة والثروة والبقاء.

تصوف ياسين التهامى، فسمت روحه، ولذلك لا تلتفتوا كثيرًا لهذا الرجل الطيب الذى يرتدى جلبابًا وعمامة صعيدية، التفتوا أكثر للروح التى تحركه فيتحرك بها.

يحاول هو متواضعًا أن يقول إنه دخل عالم المديح بالصدفة البحتة.

لا تصدقوه أبدًا فى ذلك.. فهو من بين من صنعهم الله على عينه.. كتبه عنده فى لوحه المحفوظ واحدًا من الرافعين ذكر الله والمادحين نبيه والمتغنين بمكارم آل بيته.

يقول أهلنا الطيبون عمن يحارون فى تفسير من منحهم الله فضله، إن الله صرف لهم. 

ويعتبر أهلنا من الصوفيين الكبار أن من ينعم الله عليه بما يعجز البشر عن فهمه أو إدراكه أنه «ممنوح»، وعند أقطاب صوفيين آخرين أنه «منفوح»، منحه الله أو نفحه بسر يتكشف أمام الناس دون أن يعرفوا له نهاية أو يدركوا له قرارًا.

لو رأيت الشيخ ياسين التهامى جالسًا بين أصدقائه، أو يسير فى الشارع، أو حتى وهو يجلس على المسرح قبل أن يقف منتصبًا ليلتقى جمهوره، ستتخيله رجلًا عاديًا جدًا، لكن ما إن ينفرد بجمهوره فى ساحته الروحية التى يعدها بنفسه حتى يتحول إلى كائن أسطورى، لا تعرف على وجه التحديد من أين يأتى بكل هذه القوة والحيوية والروحانية والجاذبية. 

وأنا أفتش فى أرشيفه، عثرت على قصاصة صحفية لحوار معه، توقفت عند العنوان الذى يلخص الحالة كلها بالنسبة لى.

قال التهامى: أنا أخاف من ياسين التهامى الذى يسكننى.

هل أمسك الرجل بما هو عليه؟

أعتقد أنه كان موفقًا تمامًا فيما قاله، فالذى جلس أمام الصحفى يتحدث معه، هو المواطن البسيط ابن أسيوط الذى يعمل فى الإنشاد، الذى كان مطلوبًا منه أن يتحدث عن الغول الجبار الذى يظهر على المسرح، وكانت مفاجأة أن يقول التهامى ذلك عن رفيقه الذى يسكنه، فهو يخاف منه ولا يعرف على وجه التحديد فى أى طريق سيأخذه.

عندما أستعيد ما قاله- ربما بشكل عابر- عن نفسه، أقول لنفسى: ما أسهل أن تكون منشدًا! لكن ما أصعب أن تكون ياسين التهامى! 

أحدثَ ما كتبته عن الشيخ ياسين أثرًا لم أكن أتوقعه.

أدركت وقتها أن مريديه يتعقبون كل ما ينشر عنه، يتفاعلون معه، كل منهم يقرأه على طريقته. 

وجدت إجماعًا عليه قل أن أجده على غيره. 

فالناس يختلفون لمجرد الاختلاف، لكنهم عندما يقفون على عتبة ياسين يسلمون أنفسهم إلى حالهم معه وحاله معهم، وهو الحال الذى صنعه على عينه ورعاه بقلبه وأحاطه بروحه. 

ما لم أتوقعه أن يصل ما كتبته عن الشيخ ياسين إليه. 

لا أحدثكم عن وصوله إلى عقله بعد أن يقرأه.. بل عن وصوله إلى قلبه فيدق باب السر الذى لا يصل إليه أحد إلا بإذنه، وهو لا يأذن لأحد. 

وجدت من يحدثنى من لندن، قال لى: أنا من محبى الشيخ ياسين، وكنت أتحدث إليه، وهو يستأذنك فى أن يتصل بك. 

توقفت قليلًا عند «يستأذنك فى أن يتصل بك».. وسألت نفسى: ما كل هذا الأدب؟.. فالشيخ ياسين الذى تتطلع إليه الملايين، وتنتظر منه كلمة يقولها حتى وهو يمر من أمامهم، يستأذننى فى أن يتحدث. 

قلت لمحدثى: الشيخ يتحدث فى أى وقت؟ 

دقائق قليلة ووجدت الشيخ ياسين يحدثنى بفرط محبته وفيض رقيه الذى يغمرك به بأقل كلمات، لم يتحدث كثيرًا، لكننى شعرت بأننى أعرفه من سنين رغم أن هذه هى المرة الأولى التى نتحدث فيها، تواعدنا على لقاء، وأنا أسأل نفسى: ما الذى جاء بهذا الرجل الأسطورى إلى ساحتى.. وما الذى قادنى إلى ساحته؟ 

لأيام وأنا أتساءل: ما الذى قلته ولمس روح الشيخ؟ 

ما الذى قرأه بين سطورى فجذبه للدرجة التى قال لى فيها إنه وبعد أكثر من خمسين عامًا يكتب فيها عنه كثيرون لم يشعر بما شعر به وهو يمر بين السطور ويتوقف أمام الكلمات؟ 

بعد شهور وجدتنى على موعد مع صوت الشيخ ياسين مرة أخرى. 

ورغم أنه لم يتحدث عن شىء يخصه، فإنه كشف لى دون أن يقصد عن كل ما يخصه. 

كانت الحكومة قد خففت إجراءات الإغلاق بعد انحسار الموجة الأولى لفيروس كورونا، وعادت بعض الفعاليات، لكن كان الطريق لا يزال مغلقًا أمام الحفلات والليالى التى يحييها المداحون والمنشدون. 

قال لى الشيخ: أنا لا أطلب شيئًا لنفسى، فقد مَنّ الله علىّ من خيره ما يعصمنى من أن أسأل أحدًا شيئًا، لكننى أتحدث عن الآلاف الذين يعملون فى محبة أسيادنا، الذين يقيمون الموالد والليالى، ويتعيشون منها، وهؤلاء ليسوا المداحين ولا المنشدين ولكن كل من يتصل بهم ولو بقدر يسير، وعدم إقامة الليالى جعل كثيرين يقفون على حافة العوز أجارنا الله جميعًا منه. 

قلت له: ما رأيك أن نتحدث معًا ونطرح القضية من خلال برنامجى؟ 

قال لى: لا أريد أن يعتقد أحد أن الشيخ ياسين يريد شيئًا لنفسه.. فأنا فعلًا لا أريد شيئًا، ولكنى أتحدث عمن أعتبرهم أمانة فى عنقى، ولا بد أن يكون هناك من يتحدث بلسانهم. 

أدركت ما يقوله الشيخ، فهو يفكر فى أهل الطريق الذى يسير فيه، ولا أكثر من ذلك. 

أخذت المبادرة، تحدثت، ونبهت.. وتركت الأمر لمن بأيديهم القرار، فقد كان ما يجرى على الأرض أكبر منا جميعًا. 

وقتها وضعت يدى على ملمح عظيم من ملامح الشيخ ياسين 

فالمداح الذى يتغنى بفناء من يحب فى ذات حبيبه، يجسد المعنى أمامى.. فهو يفنى فى أحبابه، فيطلب لهم ما لا يطلبه لنفسه. 

عندما بدأ الشيخ ياسين يحتل بداخلى مساحة خاصة، بدأت فى التفكير فى الكتابة الموسعة عنه، وبدأت كما أبدأ هذه فى الكتابات التى أتصدى لها، جمعت أرشيفه كله من بين بطون الصحف والمجلات، وجلست أستمع لكل ما يتاح أمامى من قصائده التى أنشدها منذ بداياته البعيدة.

لدىّ سر يخص الشيخ ياسين كنت أحتفظ به. 

لكن ولأن هذا الكتابة تسعى إلى فض خزائن الأسرار الكبرى، فلا مانع من أن أفصح لكم عنه. 

دعانى الشيخ ياسين إلى اللقاء. 

كان لديه حفل فى مهرجان محكى القلعة- الأربعاء ١٨ أغسطس ٢٠٢١-، لا أنكر أننى فرحت بالدعوة، فمن منا لا يتوق إلى لقاء من تلتقى عنده الأرواح، لكننى فى اللحظة الأخيرة قررت ألا أذهب، تعللت بينى وبين نفسى ببعض ما يشغلنى وهو كثير. 

لكننى سأعترف لكم بالسبب الذى دفعنى لأن أغيب عنه، وجدت نفسى أتهيب لقاءه، أو بمعنى أدق، كنت أرى أننى لست مستعدًا بعد لهذا اللقاء، فهذا الرجل الذى يحمل فى داخله كل هذه الطاقة الروحية، لا بد أن أكون قادرًا عليها وعليه، وإلا فإن اللقاء سيكون عابرًا، وأنا لا أحب اللقاءات العابرة. 

أعترف لكم بأننى هربت من اللقاء، أو أننى كنت أسعى إلى تأجيله، فربما تعيننى الأيام عليه، ولم أكن أعرف أن الأقدار تدخر لى لقاءً تثبت لى به أن هناك ما يجمعنا معًا، حتى ولو لم أعثر عليه أو أضع يدى على ملامحه. 

وحتى لا أترك الخيط يفلت من بين يدى، قررت أن أرسل بتحية إلى الشيخ على الهواء مباشرة، ففى حلقة برنامجى التى تلت الحفل بيومين فقط، عرضت جزءًا من ليلته فى محكى القلعة، وقلت: من هنا أبعث بتحية إلى مداح الرسول الأعظم فى هذا الزمان، فالشيخ ياسين التهامى يمثل حالة صوفية وجدانية صافية شفافة، تجد فى حفلاته المسلم والمسيحى يتجاوران وينفعلان به ومعه بنفس الانفعال، فهو رمز من رموز التسامح الذى نحتاجه فى حياتنا المعقدة المتشابكة.

عقدت العزم أن ألتقى الشيخ، وجلست أنتظر دعوة منه كنت أعرف أنها حتما ستأتى بعد أن قررت أن أقترب، ليس من أجل ما أكتب، ولكن من أجل ما أريد أن أعرف. 

وقد حدث ما انتظرته.. وعندما حدث أيقنت أننى كنت أنتظره منذ سنوات طويلة. 

تعرف موالد آل البيت وأولياء الله الصالحين بالشيخ ياسين. 

ويعرف ياسين بموالد آل البيت وأولياء الله الصالحين. 

فمنذ ما يقرب من خمسين عامًا يولى المريدون وجوههم شطر الموالد وشطر ياسين، لم يكن يتصور يومًا أن تأتى الليلة الكبيرة لأى مولد من موالد السادة ولا يقف منشدًا ومداحًا ومحبًا وهائمًا وعاشقًا.. ويعلم الله وحده كيف مرت عليه الأيام بعد قرار إلغاء الموالد بسبب جائحة كورونا. 

قبل يوم واحد من الليلة الكبيرة لمولد السيد البدوى بطنطا- وكان قد تم إلغاؤه- وجد التهامى نفسه يفتتح معرض فن تشكيلى، لوحاته مستوحاة من قصائده، بالقرب من السيد البدوى، فشعر بأن الله لم يكسر بخاطره، بل عوضه بما يريد.. أن يكون قريبًا ممن يحب.. أو حتى كان محرومًا من أن ينشد بين يديه وفى ساحته. 

قبلها بأيام وجدتنى أشعر به يقتحم علىّ خيالى وتركيزى، وحتى أقطع الطريق على التفكير فيما لا أستوعبه وأحيانًا لا أصدقه، بادرت أنا بالاتصال به، لم يكن لدىّ شىء أقوله له.. ادعيت أنى أريد أن أطمئن عليه وعلى صحته، لكنه فاجأنى بالدعوة إلى معرض الفن التشكيلى.. وقبل أن أجيب الدعوة التى أنتظرها، وجدته يقول لى: هذه المرة سأراك. 

ذهبت، وعندما صافحته، شعرت بأن هذه ليست المرة الأولى التى أراه فيها. 

إحساس لا يمكننى تفسيره احتلنى تمامًا.. رأيت فى عينيه شيئًا من هذا.. لكننا لم نفصح عما يدور داخلنا. 

كنت متخوفًا من حديث من يعرفونه عنه. 

قالوا لى: الشيخ ياسين لا يتحدث كثيرًا، لن يفتح لك قلبه، لن يحكى عما جرى، لأنه يعتبر أن شيئًا لم يحدث على يديه، بل كله بتوفيق من الله ومنة. 

جلست إلى جواره، وقبل أن أسأل.. تحدث. 

كانت الأقدار رفيقة بى لدرجة لم أتصورها، فقد بدأ الشيخ ياسين كلامه من النقطة التى أعتقد أننا فيها تلاقينا.. هو بما فعل.. وأنا بما عرفت. 

قال لى: تعرف.. أنا فيه لغز وجودى يحيرنى طوال حياتى؟ 

دون أن أسأله.. فقط نظرت فى عينيه.. وكانت النظرات كافية، فقال: لغز.. لغز يا أخى.. ما أنا فيه لغز كبير، دائمًا أسأل نفسى عما تجده أمامك الآن. 

نظر الشيخ ياسين إلى من يلتفون به يحيطونه باهتمامهم ومحبتهم ورغبتهم فى السلام عليه والتصوير معه وتقبيل رأسه. 

قال: فى أى مكان أذهب إليه فى مصر أو فى أى دولة من دول العالم أجد هذا المشهد أمامى لا يتغير.. وبدلًا من أن أتفاعل مع ما أراه، أخلع نفسى منه تمامًا، وأقول: لماذا أنا؟ 

لم يكن ما قاله الشيخ ياسين مفاجئًا لى.. المفاجأة كانت فيما لم يقله، أو تردد فى أن يقوله، ولما فاض على روحه باح به. 

قال لى: تخيل أننى وأنا جالس مع نفسى بعيدًا عن الناس أجدنى أقول: أنت مين يا ياسين.. قول لى أنت مين؟ 

حاولت أن أسيطر على إحساسى بالشيخ الذى قرر أن يحدثنى عن حيرته وقلقه. 

لكنه ودون أن يلتفت إلىّ قرر أن يكمل، قال: أنا لا أنام.. صدقنى لا أنام إلا عندما يهدنى التعب.. ياسين الذى يسكننى لا يدعنى أهنأ بحالى.. يبحث عنى وأنا أبحث عنه.. ياسين الذى بداخلى هذا يا أخى جبار.. أخاف أن أتركه يخرج للناس، كل ما أفعله أننى أحاول أن أكبح جماحه، عله يرتدع، وهو ما يكلفنى راحتى.. كل راحتى. 

وأنا أسير إلى جواره، كنت أشهده وهو يقهر ياسين الذى يسكنه ولا يعرفه غيره. 

من يسير بجوارى هو الفقير إلى الله، عندما يتحدث عن نفسه يقول «الفقير» ثم يكمل ما يريد أن يقوله، لكن من جاء لتكريمه وافتتاح معرض فنى تشكيلى من وحى قصائده وإنشاده هو ياسين الآخر الذى يحاصره الفقير، مستعينًا على ذلك بالله. 

سمعته وهو يقول: الله إنى أستغيث بك منى.. اللهم إنى أستعيذ بك منى.. اللهم أعنى علىّ.. اللهم لا تتركنى لنفسى.. اللهم هوّن يا رب.. يا رب لا تشغلنا بسواك. 

كان ياسين «الفقير» يروض ياسين «صاحب السطوة». 

كلما سمع من يثنى عليه، كان يخفض رأسه إلى الأرض ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله يا رب. 

انتفض عندما اقترب منه أحد قيادات جامعة طنطا التى كانت تستضيف التكريم ومعرض الفن التشكيلى عندما قال له: مقامك عندنا غالى يا شيخ ياسين، فرد عليه دون أن يمنح نفسه فرصة ولو عابرة للتفكير وقال: المقامات كلها عنده. 

وعندما طلب منه أحد الحاضرين أن يدعو الله له بالتوفيق، نظر إليه مستعطفًا، وقال له: وأنا من يدعو لى الله؟.. قول يا رب.. قول يا رب. 

بحث ياسين كثيرًا عن السر الذى يسكنه؟ 

تعب.. ما فى ذلك شك. 

زادت عليه حموله.. وتراكمت عليه أثقاله.. لكنه لم ييأس أبدًا. 

حاول أن يريح نفسه ويقول إن سر ما فيه هو «الكلمة» التى وضعها الله على لسانه، ولأن الله من اختار له الطريق فقد رعاه وأنعم عليه بما لا يتخيله من توفيق.. فالفضل منه وإليه.. كما الحب منه وإليه. 

فعل ياسين ذلك ربما مضطرًا، فقد استكان إلى هذا التفسير، حتى يتخلص من اللغز الوجودى الذى يؤرق عليه حياته. 

يستريح أحيانًا.. لكن اللغز يتجدد عندما يجد على الأرض ما يعيده مرة أخرى إلى السؤال الأزلى الذى يطارده: أنت مين يا ياسين.. أنت مين قول لى؟ 

رغمًا عنى.. وجدتنى متورطًا معه فى هذا اللغز. 

متى جرى ذلك؟ وكيف؟.. لا أعرف. 

سرت خلف ما حدث، وتركت نفسى تمامًا لما تأتى به الأيام.. وقد جاءت بما اعتبرته أنا أيضًا ليس لغزًا وجوديًا فقط، ولكنه سر كبير، لا أعرف متى يمتلأ به الكأس.. فيفيض. 

ليس من عادتى أن أبدأ الطريق وأنا لا أعرف على الأقل ملامح نهايته. 

مع ياسين التهامى بدأ الطريق وليس مهمًا بالنسبة لى كيف ستكون نهايته.. فمن يهتدى إلى الطريق يكفيه منه ما سيجده.. فكل ما سيلقاه قدر.. ومن منا يمكنه أن يهرب من قدره إذا قال الله كلمته فيه؟ 

فى زحمة الحياة وفى طرقاتها الخشنة نبحث عمن يزيل عن أكتافنا القلق.

يمحو من عيوننا التوتر.

يطهر قلوبنا من الهموم.

يأخذ بأرواحنا بعيدًا عن الأثقال. 

يقيل عقولنا من العثرات.

لن أكون مبالغًا إذا قلت إن ياسين التهامى واحد من هؤلاء الذين منحتهم لنا الأقدار لنستريح من عبء الحياة على هامش عبقريتهم. 

وربما لهذا كله أو لبعض منه تجد نفسك من مريديه، وإذا وجدت نفسك مثلى تعتقد أنك لست من مريديه.. ابحث عنه من جديد ستجده كما وجدته.. وعندما تجده لن تفارقه أبدًا.

ستسألنى: وهل بعد ذلك ما زلت تعتبر نفسك لست من مجاذيب الشيخ ياسين؟

لن أجيبك.. سأتركك أنت لتحكم علىّ.. وتحكم على نفسك أيضًا. 

فقط تقبل دعوتى إلى هذه الرحلة.. التى يقطعها الشيخ ياسين التهامى وهو يحمل نفسه على كتفيه، وبعد أن تصل تأمل من جديد كلمته التى فكت شفرته: أنا قدر ساقه الله إلى البشر. 

مقدمة كتاب «ياسين التهامى.. أسرار عميد دولة المداحين».