الأربعاء 24 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الكتالوج المصرى.. لماذا فرحنا بفوز المنتخب كل هذه الفرحة؟

حرف

يحلو لمَن يحيرهم سلوكنا- نحن الشعب المصرى- أن يختصروا الأمر كله بقولهم: يا أخى المصريين دول ملهومش كتالوج. 

ربما يكون لدى مَن يقولون ذلك كل الحق فيما يذهبون إليه. 

فنحن أيضًا يحلو لنا أن نقول فى كل مناسبة إننا لا يمكن لأحد أن يتوقعنا. 

تأتى ردود أفعالنا دائمًا من خارج الصندوق.. فكل ما تنتظره منا نفعل عكسه. 

عندما نتأمل هذه الصفة التى أصبحت ملتصقة بنا من طول ما رددناها ورددها عنا الآخرون، سنجدها ليست معبرة بشكل دقيق عن أحوالنا، وأعتقد- رغم أن كثيرين سيخالفوننى الرأى فى ذلك- أن كتالوجنا واضح ومعروف.. لا لبس فيه ولا غموض. 

قد تكون هناك حقيقة واحدة جلية أمامى وأنا أقول ذلك، وهى: حتى تفهم الكتالوج المصرى لا بد أن تكون مصريًا. 

بعد أن أحرزت مصر انتصارها الأول فى تاريخ مشاركاتها فى كأس العالم التى بدأت مع العام ١٩٣٤، استمعت إلى تعليقات كثيرة من إخوة عرب من مختلف الجنسيات، وبقدر ما أسعدتنى هذه التعليقات التى تنزل مصر المنزل الذى تستحقه، إلا أننى أدركت أن مصر فى النهاية تمنح سرها بأريحية شديدة لأولادها، بينما تترك الآخرين فى مدرجات التأمل والسؤال، دون أن تفصح لهم عما يريحهم. 

لدى كل واحد يحب مصر- من خارجها- سبب خاص به. 

لكن لدينا نحن المصريون كل الأسباب لنكون معها على حالنا الذى نحن عليه. 

يمكننا أن نفتح معًا كتب التاريخ لنبحث عن أسرار علاقة المصريين بوطنهم. 

ويمكننا أن نفتش معًا فى كتب الفلسفة بحثًا عن النظرية التى يمكن أن تفسر سلوكنا اقترابًا واغترابًا على هامش بلد صريح معنا أحيانًا.. ومراوغ معنا أغلب الوقت. 

ويمكننا أن نسكن قليلًا إلى كتب علم النفس، نحاول أن نستوعب كل هذه الطاقة من الحب التى نوجهها لبلدنا.. وكل هذه الطاقة من الغضب التى ندفع بها بين يديه. 

دع عنكم كل هذا، فلا شىء يمكن أن يعيننا على فهم ما يجرى بيننا وبين مصر سوى الفن، وفى القلب من الفن يأتى الشعر، وما دمنا نتحدث عن الشعر فلا يمكن أن نفلت شاعرنا الأسطورى صلاح جاهين من بين أيدينا. 

كل ما يربطنا بمصر لخصه صلاح جاهين فى قصيدته الخالدة «على اسم مصر». 

القصيدة معروفة وشهيرة ومحفوظة، يقول صلاح فى مطلعها: على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء/ أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء/ باحبها وهى مالكة الدنيا شرق وغرب/ وباحبها وهى مرمية جريحة حرب/ باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء/ وأكرهها وألعن أبوها بعشق زى الداء/ وتلتفت تلقينى جنبها فى الكرب. 

إلى كل الباحثين فى كل الدراسات والبحوث والكتب والتجارب والشهادات والأحداث والنظريات عن سر مصر، هذا هو ببساطة سرها، وهذا هو بوضوح كتالوج المصريين مع بلدهم. 

لا يخفى الناس أسباب غضبهم، كل مواطن له سببه الخاص فى هذا الغضب، أزمة اقتصادية، قلق سياسى، مجال عام متعصب لا يطيق فيه الناس بعضهم، معارك هامشية بلا قيمة، إرهاق نفسى وعصبى بلا حدود، إحباط واكتئاب لا يمكن أن ينكره أحد، محاولات يائسة لتحقيق انتصارات لا تأتى، انتقادات دائمة لأى وكل شىء.. وكأننا أصبحنا لا نرى فى هذه الدنيا خيرًا.. ولا ننتظر منها خيرًا أبدًا. 

لكن وفجأة تتحول كل هذه الطاقات السلبية إلى طاقات إيجابية وبشكل مطلق، لمجرد أننا انتصرنا فى مباراة كرة قدم. 

يخطئ مَن يعتقد أن ما جرى كان مجرد انتصار فى مباراة كرة قدم. 

دعك من أننا بهذا الانتصار كتبنا تاريخًا جديدًا فى عالم مسابقات كرة القدم وفى ساحات كأس العالم، فهى المرة الأولى التى ننتصر فى مباراة منذ ٩٢ عامًا، وقد حققنا ذلك بمدرب وطنى هو النجم التاريخى والاستثنائى حسام حسن، وأعدنا الروح لنجمنا الأول محمد صلاح بعد موجات القلق التى مرت به فى أيامه الأخيرة بفريقه الإنجليزى «ليفربول»، احتضنناه وطبطبنا على ظهره ومنحناه فرصة ليعود مرة أخرى إلى قفزته الشهيرة بعد أن يحرز هدفًا، وأعدنا الثقة فى أنفسنا، فنحن عندما نقرر أن ننجح.. ننال ما نستحقه، خرجنا من الشوط الأول ونحن مهزومين، وعُدنا لنعيد كتابة التاريخ محققين انتصارًا ومجدًا لم نحصل عليه قبل ذلك. 

ضع هذا كله جانبًا وتأمل حالة المصريين حول فريقهم. 

لا أتحدث عن الجمهور الذى زحف إلى المباراة مشجعًا من اللحظة الأولى وحتى صافرة النهاية، ولكننى أتحدث عن الملايين فى طول مصر وعرضها التى جلست فى البيوت وعلى المقاهى حتى الصباح تتابع فريقها، وعندما تحقق النصر، خرجت لتحتفل بانتصار فريقها الذى اعتبرته انتصارًا حقيقيًا لها. 

هذه الحالة الأسطورية من الفرحة بانتصار منتخبنا القومى، وحالة الحب التى أظهرناها لاسم مصر، جعلتنى أتأكد من كتالوجنا الذى أمسك به صلاح جاهين كما لم يمسكه أحدٌ من قبل. 

الملايين التى خرجت لتحتفل فى شوارع مصر عندما تتابع معظمهم ستجدهم يتعاملون مع الحياة بلا مبالاة، سلبية، إحباط، مناقشات هلامية تنطلق من فراغ وتنتهى إلى فراغ، غضب وربما هجوم على مصر وما تقوم به.

لكن فى لحظة واحدة ينقلب كل ذلك، وتتحول اللا مبالاة إلى اهتمام، والسلبية إلى إيجابية، والإحباط إلى أمل، والغضب إلى محبة.. وكل ذلك لأنها مصر التى نحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء، ونكرهها ونلعن أبوها بعشق زى الداء، وتلتفت تلاقينا جنبها فى الكرب. 

عندما كنت أتابع المباراة التى كتب بها المصريون فصلًا جديدًا فى تاريخهم، اقتحمتنى فكرة، فإذا كنا نفعل ذلك ونحن أمام منافسة كروية، فما الذى يمكن أن نفعله إذ لا قدر الله كنا فى مواجهة عسكرية، وعندما كنت أرى الحماس يقفز من قلوب من يتابعون منتخبنا.. أبتسم وأقول لنفسى: لا قلق على هذا البلد طالما أن هؤلاء هم مواطنوه.. مَن يجرؤ على أن يقترب منه أو يحاول أن يؤذيه وهم يلتفون حوله بكل هذا الحماس.. والأهم بكل هذا الصدق. 

لقد لخص المصريون فلسفتهم فى الدفاع عن بلدهم عندما رددوا مع الكابتن غزالى مطرب المقاومة الشعبية وشاعرها وهو يقول: بينا يا بلدنا نحرر أراضينا/ وعضم إخواتنا نلمه نلمه/ نسنه نسنه/ ونعمل منه مدافع/ وندافع/ ونجيب النصر لمصر/ ونكتب عليه أسامينا. 

هذا ملمح آخر ومهم من ملامح كتالوجنا المصرى، فنحن شعب لا يستسلم أبدًا. 

وربما لهذا أقول لكم إن ما جرى فى مباراة مصر ونيوزيلندا لم يكن مجرد حدث رياضى، أو انتصار عابر، بل كان اكتشافًا جديدًا لمعدن هذا الشعب الذى يخوض منذ سنوات حربًا لا تستهدف هويته فقط، بل تحاول أن تنقض على عزيمته، فتفرغها من أهم ما فيها، وهو الحب المطلق الذى بلا حساب ولا مقابل لمعنى كبير هو مصر. 

ليحدث بعد ذلك ما يحدث، يواصل المنتخب رحلة صعوده، أو يتوقف عند هذه النقطة، لا يهم ذلك، فالمهم أن ما جرى وضعنا فى قلب لحظة فارقة، استطعنا أن نعرف من خلالها مَن نحن.. وهى المعرفة التى يجب أن نتمسك بها ولا نجعلها تتفلت من بين أيدينا مرة أخرى.. لأننا نستحق.. ولأن مصر تستحق أيضًا.