هجمة الأفاعى.. إعادة إحياء كتالوج الجماعات «الإسلامية»
- يجب أن يقوى العقل المصرى الجمعى وأن يتحرر المصريون من الخوف من الوقوع فى فخ الاتهامات بمعاداة الدين
- التدين الظاهرى المتشنج غرسته الجماعات الإرهابية وساندها فى الغرس عدة عوامل
«استيقظوا لصلاة الفجر أثابكم الله» عبارة تصاحبها دقات عنيفة على أبواب كل غرف الطلاب بمبنى المدينة الجامعية بالمنيا عام 92م، «يا محمد الأوضة دى ساكن فيها طلبة مسيحيين وأنا أعرف واحد منهم من أسوان من كوم أمبو».. ابتسامة سمجة مصحوبة برد صاعق.. «إحنا عارفين يا أخ.. إنتو يا بتوع سياحة مش فاهمين فقه.. دا فرض أمر واقع على الإدارة.. وموضوع المسيحيين دا اسمه فقه الاستعلاء!»
1
هذا الموقف لم يكن مشهدًا من فيلم سينمائى، لكنه واقعة حقيقية حدثت فى مبنى «ب» بالمدينة الجامعية بالمنيا، وهو موقف من مئات الأحداث والمواقف التى كنت شاهدًا عليها أو شاركتُ فيها بالحوار بشكل مباشر. ومحمد هذا كان عضوًا فى جماعة التبليغ والدعوة التى كانت تسير تحت ولاية طلاب الجماعة الإسلامية بالمدينة. بينما كان طلاب الإخوان يمارسون دورهم المفضل «الأفعى الناعمة»، ويتمثل دورهم هذا فى استقطاب الطلاب للمسجد الواقع مباشرة فى مواجهة المدينة على ترعة الإبراهيمية على الأقل يوم الجمعة لجمع ما تيسر من أموال التبرعات. شابان أو أكثر بمجرد أن ينهى الإمام تسليم التشهد يقومان بحمل صندوق ويمران بين الصفوف ويمارسان دورهما بسماكة الوجه فى حدها الأعلى.. يتوقف كل منهما لبضع ثوانٍ أمام كل شخص.. يرددان ثلاث أو أربع عبارات محددة بنفس الصوت اللزج وبتطبيق أحكام التلاوة على العبارات، وكأنها آيات قرآنية «ما عندكم ينفذ وما عند الله باق»، «تبرعوا لإعمار بيوت الله» حتى تخال أنهما توأمان حتى فى ملامح الوجه لطلاب مصر الوسطى من أسيوط والمنيا. بصراحة كنت أتأملهما وأتوق لمشاهدة تلك الغرفة التى يتم فيها تعليم هؤلاء تلك السماجة، وكم من الوقت احتاجا للوصول لهذه المرحلة من التطابق الذى يؤكد أنهما خضعا لعملية تأهيل متماثلة وربما بنفس المعلمين. وهل مثلًا يُطلب منهما أو يتم تعليمهما البرود الثلجى، أم أنها صفات شخصية؟ وكيف يتفق أن يكونوا كلهم بنفس الصفات الشخصية؟
ويوم حضور وجدى غنيم للمسجد يكون يوم عمل حافل فى طرقات المدينة لطلاب الإخوان. حضرتُ درسه مرة.. ولا أنسى ما قاله.. خطاب عن تحريم الاختلاط والموسيقى وقصص عن توبة بعض الشباب بنفس أسلوب كشك الساخر من مصر ومن فيها ومن يحكمها، والغريب أن قصصه المكررة المفتقرة لأى روح دعابة حقيقية كانت تُضحك طلاب الجماعة، والأغرب أنهم يضحكون فى نفس الوقت ويتوقفون أيضًا فى نفس الوقت!
أما طلاب الجماعة الإسلامية فكانوا يقومون بدور البطولة الخشنة فى المدينة.. الاستيلاء عنوة على المصلى وفرض دروس يومية بعد العصر وبين المغرب والعشاء. حضرت بعضها كان يلقيها أميرهم «ح» الذى ينتمى لمحافظة أسوان من إحدى قرى كوم أمبو والطالب بالسنة النهائية بكلية الآداب قسم لغة عربية حسبما أذكر. من تصدروا المشهد من طلاب الجماعة الإسلامية غلب على خطابهم شىء مشترك غريب جدًا.. كانوا يحبون أن يبدأوا حديثهم بعبارة غريبة.. «سبحان الله الذى زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب!» عبارة منسوبة للسيدة عائشة ولا سبيل لأن نعرف إن كانت حقًا قد قالتها أم لا. فطبقًا للتراث ممنوع أن تشكك فى هذه الروايات! لكن ليست هذه المشكلة، لكن المشكلة هو أنهم تركوا كل آيات قدرة الله المنصوص عليها فى القرآن الكريم وتمسكوا بهذه المقولة عن اللحية وشعر النساء! كانوا مشغولين جدًا بموضوع اللحية وبالحديث عن النساء رغم أنه كان هناك الكثير من الموضوعات للحديث الدينى أو السياسى حتى! خشونة الجماعة لم تكن فقط مع خصومها، بل كانت مع بعض من كانوا يعتبرون بمقاييسهم من المتدينين.. لكنه لم يكن منطويًا معهم. طالب اللغة العربية صاحب أجمل صوت فى تلاوة القرآن الكريم وقتها والذى كان يحلم بالعمل فى الجامعة. كانوا يجبرونه على الإمامة لأغراض سياسية. لم يقتصر الأمر على الصلوات الخمس، بل كانوا كل يومين مثلًا يقومون بصلاة تهجد لمدة طويلة ويجبرون هذا الطالب أن يأمهم لمحبة الطلاب لصوته! وحين تحدثت معه وقتها صارحنى بأنه تقريبًا مجبرٌ!

كان لدى فضول كبير منذ المرحلة الابتدائية للمعرفة وعشق للقراءة.. وجدتُ فى هذه المشاهد وهذا الجو الطلابى ما استفزنى جدًا فخضت عشرات المناقشات والمجادلات وجعلت من غرفتى لمدة ثلاث سنوات ملتقى لتلك المناقشات مع جميع الأطياف وأصبحت هناك علاقة غريبة تجمعنى ببعض هؤلاء، علاقة يطلق عليها «ألد الأصدقاء!» وصل الاستفزاز العقلى مداه حين حضرتُ درسًا لأحد هؤلاء المجانين وسمعته يبرر الجرائم الإرهابية التى يسقط خلالها مواطنون عاديون تصادف مرورهم فى مسرح الجريمة، حيث قال- وأعتقد أنه كان مكلفًا بهذا بعد سخط المصريين ضد الجماعة بعد استشهاد طفلة مصرية فى إحدى تلك الجرائم- أن هؤلاء سوف يُبعثون على نياتهم، وأنه يجوز للمسلمين- أى أعضاء الجماعة- أن يقتلوهم لو وقفوا بين المسلمين وبين الطواغيت! وأورد فتوى ابن تيمية. كانت فتوى ابن تيمية تخص قتال المغول وكان يتحدث عن بعض القرى المسلمة الواقعة على الحد الفاصل بين الجيشين فأباح أن يقتل المسلمون بعض هؤلاء للوصول لجيش المغول. كانت الجماعة الإسلامية وقتها تحاول تفصيل هذه الفتوى على جرائمها، فتضع نفسها موضع الجيش المسلم، وتضع قوات الشرطة أو أى من المسئولين فى موضع المغول وتضع باقى المصريين موضع تلك القرى الواقعة بين الجيشين!
جنونٌ بجنون، سمعت الدرس ثم قررت أن أواجه من هو أكبر من هذا الطالب، فذهبت مساء نفس اليوم وصليت العشاء بمسجد الجماعة الصغير بشارع الحسينى، ورأيت أحدهم فجلست معه بعد الصلاة وسألته بشكل مباشر «الجماعة ليه بتستبيح قتل المصريين فى الشارع؟!» تغير وجه الرجل بصورة درامية وأجاب بعبارات مقتضبة.. يا بنى جماعة إيه واستباحة إيه.. إحنا ملناش دعوة بالكلام دا روح اسأل اللى بيعمل كدا! ونهض مسرعًا. نفس هذا المسجد كان يصلى به أسامة حافظ أحد المدانين فى جريمة اغتيال السادات وجرائم أسيوط وحدث أن رأيته مرة وأعضاء الجماعة يلتفون حوله ويقبلونه باحترامٍ كبير وإجلال وكأنه أحد صحابة النبى «ص»! وهو المسجد الذى كان معقل أحد كبار مفوهى خطباء الجماعة محمد مختار، وأحيانًا نجم الجماعة الطبيب محمد بشير ابن ملوى المدان بجرائم إرهاب صريحة والذى تمت تصفيته بعد ذلك.

بعض طلاب الجماعات وقتها- ولطبيعة إعدادهم- لم يكن عندهم استعداد لتقبل فكرة أن هناك طالب مسلم عادى و يدرس سياحة يفكر ويناقش ويجادل دون أن يكون مدسوسًا عليهم من قبل حرس الجامعة أو أن يكون مخبرًا! والغريب أن حرس الجامعة فى هذا التوقيت فكّر بطريقة مماثلة، فلم يعتقد النقيب «ع» وقتها أن هناك طالبًا يمكن أن يجادل هؤلاء أو يقرأ كتبهم دون أن يكون منهم! عبثٌ كامل!
أدين لهذه السنوات بكل استفزازها العقلى، ولهؤلاء منزوعى العقل وشهية التفكير، بهذه الرحلة الطويلة فى القراءة والبحث. وكلما قرأت رأيت الحقيقة مفزعة ومشينة ومهينة لنا جميعًا، أفرادًا ومؤسسات، وينهش السؤال رأسى.. كيف نصمت، وكيف كل هؤلاء من رجال دين وثقافة وفكر ودولة على هذا التضليل والكذب والدجل؟
طلاب الجماعات لم يكونوا سوى دُمى يتم تحريكها بواسطة قوى أكبر منهم. هم مجرد ببغاوات ليس أكثر. يتم استغلال سمات المرحلة العمرية وبعض الظروف المعيشية ثم يتم الشحن والاستخدام. القاعدة واحدة منذ تلك السنوات وحتى الآن. أدوات ودمى يتم إلقاؤها فى المؤسسات والشوارع والأماكن العامة والجامعات يقومون بالتحرك حسب سوفت وير الإعداد. لا يعنى ذلك القيام بتكليف معين، لكن يعنى أن أقوم بشحن الإنسان بسوفت وير محدد مختار بدقة ثم يحدث التفعيل بشكل تلقائى. كلهم يكرهون العقل، وبمجرد أن تنطق أمامهم بكلمة عقل أو تفكير يبدأون فى التعامل معك على أنك علمانى، ممن أضله هواه فهوى، مفتون بعقلك، محتاج لهداية! تترك العقل وتحدثهم بالفقه والفكر والتاريخ الإسلامى، ينكرون كل ذلك ويتمسكون بأسماء بعينها.. تحدثهم عن كتاب د.سيد طنطاوى المهم عن فوائد البنوك يسفهون الرجل ويصفونه بأحط الأوصاف. يحرمون الغناء والموسيقى، تحدثهم عما كتبه الشوكانى وما أثبته عن اقتناء صحابة وتابعين لآلات موسيقية بخلاف الدف، يضعون الرجل ومؤلفه فى قائمة المحظورات! تكشف لهم بنفس التراث المتحلقين حوله أن حديث وجوب عودة الخلافة عبارته الأخيرة مزورة مدسوسة، تفاجأ بأنك ربما تقف فى وجه مؤسسات لا فقط جماعات! لقد نجحوا للأسف فى أن يقوموا بتعميم السوفت وير هذا على أعداد كبيرة من المصريين.

فى الجامعة ذاتها كانت هناك مواقف كثيرة أعرف تفاصيلها، هدفت جميعها إلى تحقيق هدف محدد «فرض أمر واقع» حتى لو كان رمزيًا. فرض الوجود. فرض النموذج. حتى قبل هذه الثورة فى وسائل الاتصالات والتواصل والتوثيق، كانت هناك أدوات أخرى تقوم بنفس الدور. مطبوعات ومنشورات ورقية تجدها أسفل باب غرفتك أو يقوم طلاب بتوزيعها عليك أمام أبواب القاعات. أحيانًا يكون مطلوبًا أن يكون هناك مشهدٌ خشن لكن على مستوى أعلى.. فيقتحم أحدهم مثلًا قاعة محاضرة أثناء قيام أستاذ المادة بوظيفته، أو يحدث هذا قبيل دخول الأستاذ للقاعة فيضطر للانتظار بالخارج ولو لبضع دقائق حتى يفرغ طالب الإخوان أو الجماعة الإسلامية من دوره..مشهد يغرس فى قلوب الطلاب- خاصة فى العام الدراسى الأول لهم- فكرة معينة هى قوة الجماعة حتى فى وجود رموز الجامعة. مشهد مقصود حتى لو مرة واحدة فى بداية العام لبضع ثوانٍ.
الحقيقة التى توصلت إليها بعد سنوات أن هذه الجماعات وبلا استثناء ضعيفة فى حقيقتها، وأن قوتها الوحيدة بكل أسف هى عزوف المصريين عن البحث والقراءة. نقطة قوة الجماعات كانت ولا تزال هى الضعف المعلوماتى للمصريين. أفكار الجماعات- التى لا يعتنقها فقط أعضاء الجماعات بل كثيرٌ من المصريين الذين يعيشون بيننا- تسقط مع أول جولة نقاش حقيقى هادئ.
نقضة القوة الثانية لكل تلك الجماعات كانت وأيضًا بكل أسف منحة مجانية من بعض كبار رجال الدين الرسميين ومن كثير من أئمة المساجد الرسميين. لا أدرى إن كان هذا قد حدث خوفًا من المواجهة، أم أن رجال الدين هؤلاء ومعهم هؤلاء الأئمة كانوا مقتنعين حقًا بأن هذه الجماعات تجاهد وتمثل صحوة إسلامية وأن هؤلاء المجرمين هم شباب الصحوة!
لو كان ما حدث هو خوفٌ من المواجهة فسوف أتلمس لهؤلاء العذر لأن العافية درجات كما نقول، وليس عدلًا أن تطالب الجميع بأن يكونوا مجانين مثلك! لكن الأزمة الحقيقية لو أنهم كانوا حقًا مؤمنين بما قالوه للناس فى المساجد. لأن هذا يعنى أنهم- من بقى منهم على قيد الحياة ويشغل منصبًا- لا يصلحون للبقاء فى مناصبهم أو القيام بأدوارهم. كل الجماعات ضعيفة هشة ولا قوة لها إلا بضعف العقل المصرى الجمعى. حقيقة لا يدركها إلا من رأى الشيطان وجهًا لوجه!
لقد هزمونى حين كنتُ طالبًا فى بعض المناقشات ليس بسبب قوة حجتهم، لكن كان لضعف ثقافتى وقتها ولأنهم كانوا مُلَقَنين جيدًا ببعض الآيات القرآنية وبعض ما نسب للرسول «ص» من أقوال. كانوا يدركون متى يلقون بها فى وجهك لإسكاتك وترهيبك حتى لا تعترض فيتم فورًا مواجهتك بتهمة جاهزة.. الكفر البين بما أنزل الله! لم تستمر هزائمى كثيرًا، وبدأت أبادلهم ردًا برد، وجولة بجولة على مشارف العام النهائى للجامعة.

الرهان دائمًا من جانبهم وجانب من يسلك مسلكهم هو ترهيب الآخرين من الوقوع فى دائرة الاتهام بمعاداة الدين. تهمة يخاف منها غالبية المصريين لضحالة ثقافتهم وسطحية قراءاتهم. غالبية المصريين يستقون معلوماتهم الدينية سماعًا خاصة فى العقود السابقة لسقوط مبارك. شرائط كاسيت.. خطب جمعة.. دروس التليفزيون.. دروس إذاعة القرآن الكريم.. جبهة علماء الوهابية كانت لها المساحة الأكبر فى تلك الثقافة السمعية.
المعرفة تزيل الرهبة. المعرفة تضع الحدود، وتسمى الأسماء بمسمياتها الحقيقية. «الدين.. رجال الدين.. الشعائر الدينية.. من يمارس الشعائر الدينية وكيف يمارسها.. خلط السياسة بالدين.. استغلال المساجد فى الإضرار بالمجتمع ونشر التعصب والتحزب أو تخزين السلاح مثلًا.. مسجد الضرار.. وغيرها من مصطلحات..».
من يتخطى هذه الشعرة ولا يخشى الترهيب، يمكنه أن يواجه بشكل حقيقى موضوعى بثقة دون أن يهتز. ودون أن يخشى أن يتهمه أفاقٌ بأنه يعادى الدين!
الآن أعتقد أننا ربما سوف نمر ببعض المشاهد التى يمكن وضعها فى هذا السياق. محاولة فرض صورة ذهنية معينة أو فرض أمر واقع. هم لا يهتمون حقيقة بأن تمارس شعائرك الدينية أو يحرصون مثلًا أن تكون من أهل الجنة بعد الموت، لكنهم مهتمون بتحقيق تارجت سياسى فى الدنيا. لن يستطيعوا العودة فى رداء سياسى صريح لأن المصريين لم ينسوا بعد، لذلك فالعودة للأيام الخوالى والممارسات الأولى.. فقط أن نعود أن نثبت أننا قوة. تراجع المجتمع عن شخصيته وما استقر عليه أو خوفه من هذه التيارات ومحاولة ممالأتهم سيكون بالخطورة التى لا يدركها هذا المجتمع الآن. لأن الخطوة سوف تتبعها خطوات. أنا أعرفهم جيدًا.
أى مسلم قارئ شوية ولو بربع جنيه سوف يعرف تمامًا أن مشهد المطعم هو مشهد من نفس قائمة قضايا الإخوان الشهيرة ضد السينما مثلًا وأسماء وأفيشات الأفلام. مشاهد إثبات وجود وتحقيق فوائد ربما لا تكون كبرى لكنها تمنع الاختفاء. الذين خرجوا من رابعة والنهضة لم يتلاشوا، وأنا مثلًا أعرف بعضهم فى مجال العمل، لم يتلاشوا ولم يغيروا أفكارهم، ويريدون على أقل تقدير أن يقولوا يومًا ما إنهم كانوا على صواب، ولن يحدث هذا دون تخريب مصر وإثارة الفوضى بها. فشل مصر هو ما ينتظرونه ولن أستخدم مثلًا كلمة الانتقام من المصريين، رغم أن هذا حقيقى بكل أسف.

مصر دولة لا تعادى الدين. هذه حقيقة يريدون إثبات عكسها مهما يكون الثمن. لأن إثبات عكسها هو صك عودة وتبرئة لهم من جرائمهم وضلالهم. الدولة تبنى المساجد ربما بأكثر من المطلوب. لكن هذه الدولة لا يمكنها فرض نموذج بعينه للدين لأن مصر لها شخصيتها. مصر تبنى المساجد، لكنها لا تجبر مواطنيها على دخولها والصلاة وفيها، لأن العقيدة ممارسة شعائر الدين لا تكون بالإكراه. هذه شخصية مصر ولقد ثبت صواب رؤيتها، والذين كانوا يعتقدون أن الدولة يمكنها فعل ذلك عادوا عن طريقهم وقرروا أن يحكموا شعوبهم بالطريقة المصرية فيما يخص الممارسات الدينية. لكن فى مصر ذاتها لدينا موروث فكرى لا يمكن تغييره بقرار رئاسى أو بالريموت كنترول كما حدث فى دول أخرى، لكن تغييره سيستغرق بعض الوقت. هذا الموروث يحاول بعضهم الآن إعادة تدويره فى مصر ولديهم كوادر وأتباع وخطط. كلما فشلت خطة يتم تفعيل خطة أخرى. المصريون الذين يعتقدون بأن بعض المشاهد تحدث بشكل عفوى هم حسنو النية أكثر مما ينبغى. هناك من ينتظر العودة رافعًا رايات دينية، ولن يحدث هذا إلا بمحددات واضحة. إثبات معاداة الدولة ومؤسساتها للدين. إثبات أن الذين ثاروا ضد الجماعة وجرائمها هم علمانيون ومسيحيون لأنهم لا يريدون للإسلام أن يحكم الأرض وأن تسود رايته! عفوًا فلا حتى جلسات الكهربا سوف تغير هذه الأفكار فى تلك العقول!
لا حل سوى أن تضعف تلك الجماعات ومعتنقو أفكارها بتقوية العوامل التى كان ضعفها هو السبب الأساسى فى قوة الجماعات. أن يقوى العقل المصرى الجمعى وأن يتحرر المصريون من الخوف من الوقوع فى فخ الاتهامات بمعاداة الدين. لو أن لديك شجرة خبيثة عصية على الخلع، فهناك طريق آخر ربما يطول شيئًا ما لكنه طريق مضمون.. أن تقوم بمنع المياه عنها حتى تجف أوراقها وتموت جذورها. دون ذلك فلا أمل إطلاقًا فى اجتثاث هذه الشجرة. وحتى أكون واضحًا فالشجرة التى أعنيها ليست الإسلام، لكن الشكل الحالى من التدين الظاهرى المتشنج الذى تم غرسه فى مصر فى العقود التالية لحرب أكتوبر وغرسته الجماعات الإرهابية وساندها فى الغرس عدة عوامل. كما ذكرت بعض كبار رجال الدين، كثيرٌ من أئمة المساجد، وبعض الأعمال الفنية والدرامية.
تقديرى أن هذه المحاولة الأخيرة سوف تؤول للفشل، لكنها سوف تترك بعض التوابع خاصة فى صفوف الأجيال التى لم تعاصر ما فعلته تلك الجماعات فى المجتمع المصرى، ومن أجل هذه الأجيال ولمواجهة ما قد تتركه تلك المشاهد فى قلوب وعقول هؤلاء كتبتُ هذا المقال!







