سيرة لوحة
The Persistence of Memory.. «إصرار الذاكرة».. استعارة سيريالية للتعبير عن سيولة الزمن وهشاشة الذاكرة
- المطلوب تشخيص المأزق ثم تحديد أسبابه ثم توزيع المسئوليات ثم تحديد الإجراءات
- انضم سلفادور دالى إلى الحركة السريالية عام 1929
تعتبر «إصرار الذاكرة» للإسبانى سلفادور دالى لوحة صغيرة الحجم مقارنةً بموقعها الكبير فى تاريخ الفن، إذ تبلغ مساحتها «24*33» سم، ورسمها السوريالى الأشهر عام 1931، وهو العام الذى شهدت فيه إسبانيا مرحلة من عدم الاستقرار السياسى مع بدايات الجمهورية الثانية التى سرعان ما مزقتها الحرب الأهلية وصولًا إلى صعود الجنرال فرانكو إلى قمة السلطة عام 1939، وخلال هذه الفترة عانت إسبانيا من الفقر المدقع، وظلت عالقة ما بين نظامين شموليين «الملكية والديكتاتورية»، ما ولّد حالة من النفور العميق لدى الجيل الجديد من الفنانين، فازدهرت الحركة «الدادائية» التى كانت ترفض كل التعريفات التقليدية للفن، كرد فعل على الأزمات الفكرية والعقلانية الأوروبية، إذ ولدت «الدادائية» فى زيورخ بسويسرا كحركة فوضوية ومتمردة، وجاءت السريالية كامتداد لها، وهى التى يعرفها مؤسسها أندريه بريتون باعتبارها «تلقائية نفسية خالصة، وغوصًا فى أعماق اللا وعى والخيال، فى غياب لأى سيطرة للعقل».

بمجرد ذكر عبارة «الساعات الذائبة»، أو «الساعات اللينة»، تقفز هذه اللوحة المدهشة إلى الذهن، خصوصًا مع تسللها إلى الثقافة الإسبانية الشعبية، وظهورها فى صورة رموز عبر وسائط متعددة، من الأفلام السينمائية، إلى لوحات الإعلانات، وأغلفة الألبومات الموسيقية والرسوم المتحركة، وهى اللوحة التى تحتل مكانة متميزة ضمن معروضات متحف الفن الحديث فى نيويورك، وبين أكثر أعمال دالى شهرة وتميزًا.
ورغم أن لوحة «إصرار الذاكرة» تُعد من أعمال دالى المبكرة، فإنها كانت محطة فارقة فى مسيرته المهنية من حيث تجسيدها للمبادئ السريالية، ففى «بيان السريالية» الأول، كتب أندريه بريتون: «تستند السريالية إلى الإيمان بواقع أسمى لأشكال معينة من الترابطات التى أهملت سابقًا، وإلى الإيمان بالقدرة المطلقة للحلم، وباللعب الحر للفكر بعيدًا عن أى غايات نفعية»، وتخلق هذه اللوحة الأيقونية لدالى ترابطات جديدة، كما أنها تفكك آلية الزمن ذات السطوة المطلقة، وتجسد على القماش ذلك الشعور المربك وغير المنطقى الذى يرافق الأحلام، وربما لهذا قال عنها نقاد الفن إنها تضع المتلقى فى مواجهة الواقع، وتطرح عليه تساؤلات حول حتمية الزمن، كما أنها ترسخ هوس الفنان بهذا المفهوم ورمزيته؛ إذ تغمر اللوحة المشاهد فى عالم غريب الأطوار، شبيه بالأحلام، حيث تتعايش الأسطح الصلبة واللينة معًا، وتغدو الأجسام الصلبة رخوةً بشكلٍ عصى على التفسير فى هذا المشهد الحلمى الكئيب واللا نهائى. وبينما يجذب المعدنُ النمل، كما يفعل اللحم المتعفن، تجذب الساعات اللينة الانتباه، وتتصدر اللوحة، لنرى الزمن يمضى وينقضى، ليس جامدًا أو ثابتًا كما نعتقد؛ بل إنه يتسرب منا فى كل لحظة، ينساب كالسائل، ونراه يذوب ويمضى فى أرجاء المشهد، وترمز الساعات الثلاث اللينة إلى تلاشى الحدود الفاصلة بين الماضى والحاضر والمستقبل، كما هو الحال فى أحلامنا، حيث يتعايش الماضى والحاضر والمستقبل، ويعملون بتناغم وتفاعل، وربما لهذا السبب وضعت كل ساعة من الساعات الثلاث على سطح مختلف، فيما تعكس الساعة البرتقالية التى لا تذوب، مرور الزمن، ولهذا رسمها دالى مقلوبة ومغطاة بالنمل، العنصر الذى طالما ربط دالى بينه وبين الموت، وطالما قال إنه يرمز به إلى التحلل والدمار، فإذا دققت النظر إلى الجسم الغريب المستلقى على الأرض بمقدمة اللوحة، ربما تجد ملامح بشرية، رموشًا طويلة، أنفًا، خصلة شعر لشارب ملتف، بما يوحى بأنه ربما كان ذلك هو الفنان نفسه، أو عالمه الداخلى، وطبيعته الحالمة، إذ اعتاد دالى استخدام مثل هذه الأشكال للأوجه الغريبة لإبراز اهتمامه بالعقل الباطن.

لوحة سريالية كلاسيكية، ومع ذلك ثمة حضورٌ لواقعٍ ملموس يعبر به دالى عن فراغه العاطفى، سواء عبر شاطئ البحر الخالى والمضىء، والذى يشكل تباينًا صريحًا مع المقدمة المظلمة، وجذع شجرة الزيتون الميتة والجافة، وقيل إن فكرة هذه اللوحة واتت سلفادور دالى ذات ليلة قضاها وحيدًا، بينما كانت زوجته «جالا» فى السينما رفقة بعض الأصدقاء، حيث وجد نفسه يجلس وحيدًا وسط مطبخٍ يسوده هدوءٌ غريب.. وحينها، لفتت نظره قطعةٌ من جبن «الكممبير» الذائب فى وسط الطبق، فأطلق العنان لمخيلته، مستعينًا بتقنية فنية ابتكرها بنفسه، باستخدام «المنهج البارانوى النقدى»، والذى يهدف إلى استدعاء حالات من الهلوسة والوهم البارانوى بشكل منظم وعقلانى لإنشاء أعمال فنية فريدة تعتمد على الرؤية المزدوجة والصور المتعددة.. وهكذا، تحولت فكرة أن الزمن قد يكون مرنًا وقابلًا للتشكّل، إلى لوحة سريالية فى مخيلة الفنان.
انضم سلفادور دالى إلى الحركة السريالية عام ١٩٢٩، بعد لقائه بعض أعضاء المجموعة بفضل خوان ميرو، وتعرفه على المرأة التى سيتزوجها لاحقًا عن طريق زوجها آنذاك، بول إيلوار، وهى الفترة التى رسم فيها لوحة «إصرار الذاكرة»، والتى عرضت لأول مرة فى نيويورك عام ١٩٣٢، وبيعت بمبلغ ٢٥٠ دولارًا، ثم تبرع بها المشترى لمتحف الفن الحديث بعد عامين، ومنذ ذلك الحين أصبحت قطعةً أساسيةً فى مجموعة المتحف، لتبقى لوحة «إصرار الذاكرة» كاستعارة سيريالية عن هشاشة الزمن والذاكرة البشرية.



