الثلاثاء 14 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

سيرة لوحة..

Starry night.. سر أشهر لوحات فان جوخ

حرف

«ليلة النجوم»، واحدة من أشهر اللوحات فى العصر الحديث، وأكثرها إلهامًا للفنانين حول العالم، ورسمها الهولندى الأشهر فنسنت فان جوخ من نافذة مصحة نفسية فرنسية دخلها اختيارًا عام 1889، وأمضى بها اثنتى عشرة شهرًا، بعد تدهور حالته النفسية، وبعد شجاره مع صديقه بول جوجان، وقيامه بقطع جزء من أذنه، إذ رغم تنقله ما بين منزله المصور فى لوحة «البيت الأصفر» والمستشفى، فإنه وقع ضحية لهلوسات متزايدة وأوهام بأنه يتعرض للتسمم، ما أدى به إلى المكوث فى مصحة «سان بول دو موسول» فى «سان ريمى دو بروفانس» الفرنسية، باحثًا عن الراحة.

ولأن المصحة كانت مخصصة للأثرياء، لم تكن نسبة الإشغال بها عند وصوله أكثر من النصف، مما وفر له قدرًا من الخصوصية، حتى إنه استطاع تحويل إحدى الغرف إلى مرسم، وأنتج أكثر من مئة لوحة، من بينها هذه اللوحة التى تعد تحفة فنية خالدة تُجسّد رؤية حالمة للمنظر البانورامى لمدينة «سان ريمى دو بروفانس».. ورغم أنه عاد إلى نفس المشهد فى أعماله عدة مرات، إلا أن هذه اللوحة تعد الدراسة الليلية الوحيدة لهذا المنظر، ولا تزال من أشهر الصور فى تاريخ الفن للجمال المضطرب الذى يخرج من قلب الظلام.. وهى اللوحة التى أحاطت بها الأسرار، والتى كشفت عنها رسائله الكثيرة فى وصفها إلى شقيقه ثيو وأخته ويلهيمان، ومنها قوله «لقد رسمتُ منظرًا طبيعيًا آخر لأشجار الزيتون، ودراسة جديدة للسماء المرصعة بالنجوم. مع أننى لم أرَ اللوحات الجديدة لجوجان وبرنارد، إلا أننى على يقين تام بأن هاتين الدراستين متشابهتان فى الفكرة، عندما تراهما يومًا ما سأتمكن من أن أمنحك فكرة أوضح عما كنا نتحدث عنه أنا وجوجان وبرنارد ونشغل أنفسنا به، أكثر مما أستطيع التعبير عنه بالكلمات، إنها ليست عودة إلى الرومانسية أو إلى الأفكار الدينية، كلا، ولكن من خلال أسلوب ديلاكروا، يمكن التعبير عن الطبيعة والريف بشكل أعمق مما قد يبدو عليه الأمر، عبر الألوان وأسلوب رسمه الخاص»، و«من خلال النافذة ذات القضبان الحديدية، أستطيع أن أرى مربعًا من القمح فى حظيرة، وفوقه فى الصباح أرى شروق الشمس فى أبهى صوره»، و«أقول لنفسى، لماذا تكون بقع الضوء فى السماء أقل وضوحًا لنا من البقع السوداء على خريطة فرنسا؟»، أو «كما نستقل القطار للذهاب إلى تاراسكون أو روان، فإننا نختار الموت للذهاب إلى النجوم».

ويرى نقاد الفن الحديث أن فان جوخ فى هذه اللوحة أضفى بالألوان الزاهية على الليل والطبيعة لغةً عاطفيةً أبعدتهما عن واقعهما، وأظهرت درجات الأزرق والأصفر الزاهية والمطبقة بحيوية مدى ارتباط رؤيته ارتباطًا وثيقًا بأساليب الرسم الجديدة التى ابتكرها، حيث تصف الألوان والطلاء العالم خارج العمل الفنى، وهو ما يفسر قوله فى رسالة إلى أخته ويلهيمان: «كثيرًا ما يبدو لى أن الليل أكثر ثراءً بالألوان من النهار، إذ يزخر بأشد درجات البنفسجى والأزرق والأخضر. إذا دققت النظر، سترى أن بعض النجوم بلون الليمون، بينما يكتسى بعضها الآخر ببريقٍ وردى وأخضر وأزرق زاهٍ. ودون إطالة، من الواضح أنه لرسم سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم، لا يكفى وضع بقع بيضاء على زرقة حالكة».

وعلى الرغم من أن الألوان لا تمتزج تمامًا، إلا أن هذا التداخل يجعل نظر المشاهد ينتقل باستمرار من الأزرق البروسى الغنى إلى الكوبالت ثم إلى الأزرق البحرى، ليتقاطع مع الأصفر الهندى العميق للقمر والأصفر الكادميوم الساطع المحيط بالنجوم؛ مما يضفى على اللوحة إحساسًا بالحيوية والحركة، وربما كان ذلك هو سر تعدد التفسيرات حول تلك اللوحة إذ يزعم البعض أنها تصوير واقعى تمامًا لموقع النجوم فى يونيو ١٨٨٩، وهذا، بطبيعة الحال، أمر وارد، لكن الخطوط الملتوية والحلزونية لا علاقة لها بالأضواء الشمالية أو درب التبانة أو أى سديم حلزونى آخر، ويقول آخرون إن فان جوخ كان يعبر عن محنة شخصية، ويدعمون ذلك بالإشارة إلى نقاشه حول المسيح على جبل الزيتون الذى كان منخرطًا فيه آنذاك، فى مراسلاته مع جوجان وبرنارد، وقد يكون هذا صحيحًا أيضًا؛ فمن الممكن أن تكون اللوحة قد عبّرت عن تنبؤات بمعاناة مقبلة، لذا تعد محاولةً للتعبير عن حالة من الصدمة.

ولعل كثير لا يعرفون أنه رسم ذات المنظر من نافذته الشرقية فى المصحة ٢١ مرة، ورغم أن السلسلة تُصور أوقاتًا مختلفة من النهار والليل وظروفًا جوية متباينة، إلا أن جميع الأعمال تتضمن سلسلة التلال المتموجة فى الأفق، ولا يُظهر أى منها قضبان نافذة غرفته، وأن الفنان اعتبر لوحة «ليلة النجوم»، مجرد لوحة فاشلة، كما قارن الفيزيائى خوسيه لويس أراجون بين التلاعب المضطرب للضوء والظلام فى أعمال مثل «ليلة النجوم» وبين التعبير الرياضى عن الاضطراب فى الظواهر الطبيعية، كالدوامات والتيارات الهوائية، ووجد تطابقًا وثيقًا بينهما، وقد أظهرت هذا التوازى الرياضى أيضًا لوحتان أخريان لفان جوخ، هما «حقل القمح مع الغربان» و«الطريق مع السرو والنجمة»، وأشار أراجون إلى أنه نظرًا لأن فان جوخ أنجز هذه الأعمال الفنية تحديدًا خلال فترات اضطراب نفسى شديد، فقد كان قادرًا بشكل فريد على التعبير بدقة عن هذا الاضطراب باستخدام تدرجات دقيقة من الإضاءة.

ومن الأسرار التى حاول محللون كشفها بخصوص «ليلة النجوم» رمزية شجرة السرو فى المقدمة، إذ ربطها البعض بالموت وانتحار الفنان فى نهاية المطاف، فيما رآها آخرون رمزًا للخلود، ففى اللوحة، تمتد الشجرة نحو السماء، لتكون بمثابة صلة مباشرة بين الأرض والسماء.. ربما كان الفنان يُقدم رسالة أكثر تفاؤلًا مما يعتقده الكثيرون.

وفى كتابه «علم الكونيات» الصادر عام ٢٠١٥، يزعم مايكل بنسون أن مصدر الإلهام وراء الدوامات المميزة فى سماء اللوحة هو رسمٌ رسمه عالم الفلك ويليام بارسونز، إيرل روس، عام ١٨٤٥ لمجرة «الدوامة»، كما أكدت الأبحاث أن النجم الصباحى المهيمن فى اللوحة هو فى الواقع «كوكب الزهرة»، الذى كان فى موقع مشابه فى نفس توقيت رسمه اللوحة، غير أن القمر لم يكن هلالًا كما رسمه، بل كان مكتملًا إلى حدٍ ما، بنسبة ثلاثة أرباع، كما افترض عالم الأمراض بول وولف عام ٢٠٠١، أن ميل الفنان للون الأصفر فى لوحاته خلال تلك الفترة ربما كان ناتجًا عن تناوله جرعة زائدة من «الديجيتاليس»، وهو علاج كان يُستخدم فى عصره لمرض الصرع.