حين يغيب تاريخ الميلاد نستعيد ذكرى الرحيل
محمد عبده.. الإصلاح الديني بوصفه مشروعًا لبناء الدولة
من عادتي أن أكتب عن الأعلام في ذكرى ميلادهم؛ فالميلاد هو بداية الحكاية، واللحظة التي يبدأ فيها الإنسان رحلته في صناعة أثره. أما ذكرى الرحيل، فعلى ما فيها من وفاء واستذكار، فإنها تبقى عندي مناسبة لاستحضار المشروع أكثر من استحضار صاحبه؛ لأن أصحاب المشروعات الفكرية لا تنتهي حياتهم بوفاتهم، بل تبدأ مرحلة أخرى تعيش فيها أفكارهم في الكتب، وتواصل المؤسسات التي أسهموا في بنائها أداء رسالتها.
غير أن هذه العادة تتوقف عند الإمام الشيخ محمد عبده. فالرجل الذي ارتبط اسمه بحركة الإصلاح في العالم العربي والإسلامي لم يحفظ لنا المؤرخون يومًا محددًا لميلاده، واكتفوا بأنه ولد سنة 1849م تقريبًا. أما يوم رحيله، فقد بقي محفوظًا في الذاكرة؛ إذ توفي في الحادي عشر من يوليو سنة 1905م، بعد ستة وخمسين عامًا فقط، لكنها كانت كافية ليصبح أحد أكثر شخصيات النهضة العربية الحديثة حضورًا في الفكر والتاريخ.
ولعل هذه المفارقة تحمل معنى يتجاوز مجرد نقصٍ في التوثيق؛ فالتاريخ لا يخلد الرجال لأنه أحصى أيامهم، وإنما لأنه حفظ آثارهم. وكم من شخصية نعرف تاريخ ميلادها ووفاتها بالدقة، ثم لم يبق منها إلا الاسم، وكم من رجل جهل الناس يوم مولده، لكنهم لم يختلفوا في أن أثره تجاوز عمره بسنوات طويلة.
ولهذا فإن استعادة محمد عبده في ذكرى رحيله ليست استعادة لسيرة عالم أو قاضٍ أو مفتٍ، فكتب التراجم قد أدت هذا الواجب، وإنما هي محاولة للإجابة عن سؤال أكبر: أين يقف محمد عبده في تاريخ النهضة العربية؟ وهل كان مشروعه مجرد إصلاح ديني، أم أنه كان رؤية أوسع لإعادة بناء المجتمع والدولة؟
لقد عاش محمد عبده في زمن كان سؤال النهضة يفرض نفسه بإلحاح. كانت الدولة العثمانية تدخل طور الضعف، وكانت مصر تواجه تحديات الاحتلال والتحديث في آنٍ واحد، بينما اتسعت الفجوة العلمية والإدارية بين الشرق والغرب. وفي الداخل، أصاب الجمود مؤسسات التعليم، وضاقت دوائر الاجتهاد، وغلب التقليد على روح الابتكار، فأصبح السؤال المطروح على النخب: من أين يبدأ الإصلاح؟
كانت الإجابات متعددة؛ فمنهم من جعل السياسة نقطة البداية، ومنهم من رأى الحل في الاقتباس الكامل من أوروبا، ومنهم من اكتفى باستدعاء أمجاد الماضي. أما محمد عبده فاختار طريقًا مختلفًا؛ إذ رأى أن النهضة لا تبدأ بالسلطة، وإنما بالإنسان، وأن الإنسان لا يتغير إلا إذا تغير عقله، ولا يعمل عقله إلا داخل مؤسسات تعليمية وقضائية ودينية قادرة على صناعة المعرفة وترسيخ العدل.
ومن هنا تبرز خصوصية مشروعه. فالإصلاح الديني عنده لم يكن غاية مستقلة، بل كان مدخلًا إلى إصلاح المجتمع كله. ولذلك يصعب وضعه في خانة الإصلاح الوعظي، كما يصعب عده مشروعًا سياسيًا بالمعنى الحزبي. لقد كان ينظر إلى الدين، والتعليم، والقضاء، والإفتاء، والإدارة، بوصفها حلقات متصلة في مشروع حضاري واحد، لا جزرًا منفصلة.
ولهذا أيضًا يصعب إلحاقه بالتيارات التي ظهرت بعد وفاته. فلم يكن مشروعه قائمًا على تأسيس تنظيم سياسي، ولا على جعل الوصول إلى السلطة غاية الإصلاح، بل كان يرى أن الدولة الصالحة ثمرة لمجتمع صالح، وأن المجتمع لا يصلح إلا بعقل متجدد ومؤسسات راشدة. ومن هنا كان مشروعه أقرب إلى بناء الدولة من أسفل، لا إلى الاستيلاء عليها من أعلى.
إذا كان لكل مشروع إصلاحي سؤالٌ محوري يدور حوله، فإن السؤال الذي حكم مشروع محمد عبده كان: كيف تستعاد فاعلية العقل المسلم؟ ولم يكن يقصد بالعقل مجرد القدرة على الجدل، ولا بالاجتهاد مجرد استنباط الأحكام الفقهية، وإنما استعادة المنهج الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها؛ حيث كان الوحي مصدر الهداية، وكان العقل أداة الفهم والاجتهاد والعمران.
ولهذا كان يؤكد أن الإسلام لم يعرف في أصوله خصومة بين الدين والعقل، وأن ما أصاب المجتمعات الإسلامية لم يكن ناشئًا عن نقص في النصوص، وإنما عن جمود في طرائق قراءتها، وغلبة التقليد على الاجتهاد، والحفظ على الفهم. ومن هنا جاءت دعوته إلى إحياء الاجتهاد، لا بوصفه خروجًا على التراث، وإنما وفاءً لروحه؛ لأن الأئمة الذين خلدهم التاريخ لم يبلغوا منزلتهم بالتقليد، بل بالاجتهاد.
غير أن القيمة الحقيقية لمشروعه لم تكن في هذا التصور الفكري وحده، بل في محاولته نقله إلى الواقع. فقد أدرك أن الأفكار لا تصنع نهضة ما لم تتحول إلى مؤسسات، ولذلك انصرف إلى إصلاح التعليم، والأزهر، والقضاء، والإفتاء، والإدارة، إيمانًا منه بأن المؤسسة الرشيدة أبقى أثرًا من الحاكم الصالح، وأن بناء الدولة يبدأ ببناء المؤسسات التي تحملها وتحميها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم موقعه في تاريخ الدولة الوطنية الحديثة. فهو لم يكن منظّرًا لنظام سياسي بعينه، ولم يكتب مشروعًا دستوريًا متكاملًا، كما لم يجعل استعادة الخلافة أو تغيير نظام الحكم مدخلًا للإصلاح. كان يرى أن شكل الدولة لن يستقيم ما لم يستقم الإنسان الذي يديرها، وأن القانون لن يحقق العدل إذا لم تسبقه تربية علمية وأخلاقية، وأن المؤسسات هي الضمان الحقيقي لاستمرار الإصلاح بعد غياب الرجال.
ولهذا أصبح أول مفتٍ مستقل للديار المصرية بعد فصل الإفتاء عن مشيخة الأزهر، وأسهم في إصلاح القضاء الشرعي، وشارك في تطوير التعليم، وعمل على تحديث مناهج الأزهر وأساليب التدريس فيه. ولم تكن هذه الجهود أعمالًا متفرقة، بل كانت حلقات في مشروع واحد، هدفه الانتقال بالمجتمع من الاعتماد على الأشخاص إلى الاعتماد على المؤسسات.
ومن هنا أيضًا يتضح الفرق بين مشروع محمد عبده، وبين ما عرف لاحقًا بالإسلام السياسي. فالإصلاح عند محمد عبده يبدأ من الإنسان، ثم ينتقل إلى المؤسسة، ثم ينعكس على الدولة. أما الإسلام السياسي، في كثير من صوره اللاحقة، فقد جعل التنظيم السياسي والوصول إلى السلطة محور مشروعه، وافترض أن إصلاح الدولة سيقود تلقائيًا إلى إصلاح المجتمع. وهو اختلاف في ترتيب الأولويات، قبل أن يكون اختلافًا في الوسائل.
ولذلك فإن نسبة محمد عبده إلى الإسلام السياسي ليست دقيقة تاريخيًا، كما أن تقديمه بوصفه داعية إلى فصل الدين عن الحياة العامة لا يقل خطأً عن ذلك. فقد ظل الإسلام عنده المرجعية الأخلاقية والحضارية للإصلاح، لكنه لم يحوله إلى برنامج حزبي، ولم يجعل الدين أداة للصراع على السلطة، بل مصدرًا للقيم التي تقوم عليها الدولة والمجتمع.
ومن هنا اكتسب مشروعه خصوصيته؛ فهو مشروع إصلاحي مؤسسي، لا مشروع تعبئة سياسية، ومشروع بناء طويل الأمد، لا مشروع تغيير سريع. وربما كان هذا أحد أسباب بقائه حاضرًا في النقاش الفكري حتى اليوم، رغم تغير الظروف وتبدل السياقات.
غير أن أي مشروع إصلاحي لا يكتمل بمجرد نبل غايته، وإنما يقاس أيضًا بقدرته على الاستمرار بعد صاحبه. ومن هنا يبرز السؤال الذي يمنح قراءة محمد عبده قيمتها التاريخية: إذا كان مشروعه بهذه السعة، فلماذا لم يتحول إلى مدرسة مؤسسية قادت الإصلاح العربي من بعده؟
يبدو أن جزءًا من الإجابة يكمن في طبيعة المرحلة التي عاشها. فقد كان يتحرك في زمن تتجاذبه قوتان متعارضتان؛ تيارٌ يخشى كل تجديد، وآخر يرى أن النهضة لا تكون إلا بالقطيعة مع التراث. وبين هذين الطرفين حاول محمد عبده أن يشق طريقًا ثالثًا، فدفع ثمن استقلاله الفكري، ولم يحظَ بالقبول الكامل من أيٍّ من المعسكرين.
كما أن المشروع الذي تبناه كان بطبيعته مشروعًا بطيء الثمار. فإصلاح التعليم، وتجديد المؤسسة الدينية، وتطوير القضاء، وبناء الإدارة، كلها أعمال تحتاج إلى عقود، بينما كانت السياسة بما فيها من صراعات واحتلال وتقلبات تستأثر باهتمام الناس، وتدفعهم إلى انتظار نتائج عاجلة لا يملك الإصلاح المؤسسي أن يقدمها في زمن قصير.
وقد أشار عدد من الباحثين إلى هذه الإشكالية، فرأى بعضهم أن محمد عبده بالغ في رهانه على إصلاح المؤسسات القائمة، مع أن البيئة السياسية التي كانت تعمل فيها تلك المؤسسات لم تكن مهيأة لاستيعاب مشروعه كاملًا. ورأى آخرون أن أثره كان أعمق في ميدان الفكر والتربية منه في بناء مدرسة مؤسسية استمرت بعد رحيله، ولذلك تفرقت اجتهادات تلاميذه، وقرأ كل جيل مشروعه من زاوية مختلفة.
ومع ذلك، فإن مثل هذا النقد لا ينتقص من مكانته، بل يؤكد أنه كان صاحب مشروع بشري قابل للمراجعة، لا صاحب نظرية مغلقة أو رؤية معصومة. وهذه هي القراءة المنصفة لأي مصلح؛ فلا يرفع فوق النقد، ولا يختزل في بعض اجتهاداته، وإنما يقرأ في سياقه التاريخي، ويقاس أثره بما أحدثه من تحول في الأفكار والمؤسسات.
وربما لهذا السبب بقي محمد عبده حاضرًا في الذاكرة العربية بعد أكثر من قرن على رحيله. فالأمم حين تبحث عن النهضة لا تحتاج فقط إلى رجال دولة، بل تحتاج إلى أفكار تؤسس للدولة، وإلى مؤسسات تضمن استمرارها. ولم يترك محمد عبده دستورًا سياسيًا، لكنه ترك تصورًا متماسكًا عن أن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن الإنسان لا ينهض إلا بعقل متحرر من الجمود، وتعليم راسخ، وقضاء مستقل، وإفتاء مسؤول، ومؤسسات قادرة على حمل الإصلاح جيلًا بعد جيل.
وحين يغيب تاريخ الميلاد، لا يبقى أمام التاريخ إلا أن يقيس الرجال بما تركوه من أثر. وإذا كان المؤرخون قد اختلفوا في اليوم الذي ولد فيه محمد عبده، فإنهم لم يختلفوا في أنه كان أحد أبرز بناة مشروع الإصلاح العربي الحديث، وأنه نقل سؤال النهضة من دائرة الشعارات إلى ميدان التعليم والقضاء والإفتاء وبناء المؤسسة.
ولذلك فإن ذكرى رحيله ليست مناسبة لاستعادة الماضي بقدر ما هي فرصة لإعادة طرح السؤال الذي شغل حياته كلها: كيف تبنى دولةٌ قوية؟ أبتغيير السلطة أولًا، أم ببناء الإنسان والمؤسسة؟ ولعل قيمة محمد عبده أنه لم يكتفِ بالإجابة عن هذا السؤال، بل حاول أن يحوله إلى برنامج عمل، وما زالت محاولته، بما لها وما عليها، تستحق أن تقرأ بعين الباحث، لا بعين المريد أو الخصم.

