السبت 11 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

رأيهم فى الإسلام.. 8 أدباء ومفكرين يتحدثون عما بينهم وبين الله

حرف

- ما قاله المفكرون المصريون منذ ما يقرب من أربعين عامًا لا يزال صالحًا حتى الآن

قبل سنوات استوقفنى كتاب عنوانه «رأيهم فى الإسلام». 

على غلاف الكتاب تزاحمت أسماء كتاب ومفكرين ومبدعين عرب من العيار الثقيل، وإلى جوارهم اسمى مؤلفى الكتاب الفرنسيين «لوك باربولسكو» و«فيليب كاردينال»، ثم تعريف سريع بالكتاب بأنه حوار صريح مع أربعة وعشرين أديبًا عربيًا. 

قبل أن أقتنى الكتاب حاولت تفكيك الغلاف بما يضمه من عناصر، قد تبدو متناقضة. 

فأبطال الغلاف كتاب ومثقفون وأدباء ومفكرون يتحركون فى مساحات بعيدة إلى حد ما عن الدين وعن الإسلام، بل يواجهون طوال الوقت اتهامات بأنهم ضد الدين ويعملون على هدمهم. 

فهل يمكن أن يكون مؤلفا الكتاب الفرنسيان أجريا الحوارات مع هؤلاء الكتاب لكشف العلاقة الملتبسة بينهم وبين الإسلام؟ وما الذى يمكن أن يقوله هؤلاء عن الإسلام؟ 

أعترف لكم بأن العنوان كان غريبًا، فماذا يعنى رأيهم فى الإسلام؟

إننا نتحدث عن دين سماوى، فهل يكون للبشر فيه رأى؟ أم أن المؤلفين يقصدان شيئًا آخر؟ 

فتحت الكتاب الذى قام بتعريبه ابن منصور العبد الله، وصدر عن دار الساقى فى العام ١٩٨٧، بحثًا عما يقوله المؤلفان عن كتابهما. 

من وقائع الحوارات والإشارات الواردة فيها، يمكننا معرفة أن الحوارات أجريت ما بين العامين ١٩٨٤ و١٩٨٥، فالانتخابات البرلمانية فى مصر التى تحالف فيها حزب الوفد مع الإخوان كانت حاضرة، كما أن غبار ثورة الخمينى كان لا يزال فى أجواء المجال العام العربى والإسلامى، رغم أنها وقعت فى العام ١٩٧٩. 

يبدأ المؤلفان كتابهما بالإشارة إلى أن العالم الإسلامى وقت بحثهما يبدو فيه تيار أصولى جارف، هدفه تطبيق الشريعة الإسلامية بأبعادها السياسية والاجتماعية، وهو تيار انحصر فى الأربعينيات والخمسينيات فى مصر بالإخوان المسلمين، نراه اليوم- بداية الثمانينيات- يتخذ أوجهًا عدة، ويعظم أثرًا، لم يعِ الغرب طاقاته إلا بعد نجاح الثورة الإيرانية، فلم يتخذ موقفًا معاديًا منه، إنما واجهه، ولا ريب بتحفظ وكل جديد موضوع تحفظ. 

ويرصد المؤلفان أنه فى غمرة التساؤلات وتضارب الأجوبة تبدو المواقف مترددة حيال هذا التيار. 

وهى مواقف تتراوح بين إفراط فى التخوف والدهشة النازعة إلى الذهول، وسط النزاعات السياسية والصراعات العقائدية والنفوس المحمومة والعصبيات المثارة، وهو ما من شأنه أن ينتفى معه الطرح الموضوعى، وبالتالى الجواب الصائب، إذ تندرج مسألة الأصولية الدينية فى إطار يتخطى الحروب الهامشية أو الحملات الدعائية أو عدائها للغرب، فتحفزها عقيدة لا تثنيها مصاعب ولا يوهن من يقينها تجبر الأعداء، أهى عقيدة صرفة؟ أم تشوبها توجهات سياسية أو غيرها؟ 

قصد المؤلفان إلى مناقشة التيار الأصولى الذى استعاد عافيته من زاوية ثقافية. 

فالظاهرة مصدرها ثقافى أكثر منه دينى أو سياسى، وهو ما يفسر لنا لماذا تعمد المؤلفان الحديث مع المثقفين دون غيرهم. 

فقد كان لمثقفى العالمين العربى والإسلامى رأى فى هذه الظاهرة، كونهم المعنيون الأوائل بها، ولذلك نجدهم يستهلون الحديث بنظرة سياسية، سريعًا ما تتجاوز السياسة إلى أغوار العوامل الثقافية المؤثرة فيها.

ويشير المؤلفان إلى أن المثقف العربى لا يخضع للمعايير الأوروبية، فللروائى مثلًا آراء اجتماعية، ولرجل القانون صفات الأديب، وإن جاز تصنيف المثقفين، فمنهم العضوى من الأساتذة الجامعيين وعقائدى الأحزاب، والصحفيين والمعلقين على الأحداث، ومنهم كبار الأدباء والمفكرين والفلاسفة. 

ويتحرك المؤلفان على أرضية يتجاذب فيها تياران تجاذب النقيضين، يلتقيان فى آخر المطاف عند حتمية النتيجة الواحدة. 

التيار الأول هو التيار القومى العربى الذى ترجم أفكارًا نهضوية ثائرة حاولت جاهدة التملص من التأثيرات الأجنبية، بدءًا بالتمرد على المحتل العثمانى، فالمستعمر الأوروبى، وهى حركة ثقافية فكرية روادها أدباء، ما لبثت أن ولجت ميدان السياسة منتضية سيف الوحدة العربية، نافضة عن المجتمعات غبار النعاس الفكرى والاستسلام النفسى والانحطاط الحضارى، فهب العرب من أسرة الخنوع فى يقظة لم يتبلغ أهدافها الكاملة لأسباب عدة، منها التدخل الأجنبى المهادن حينًا والمعادى أحيانًا. 

فكرة هذا التيار علمانية، ترفض الدين دون مناهضته أو محاربته، وهى متبعة فى بعض الدول العربية. 

التيار الثانى أصولى، يقول بأمة إسلامية واحدة موحدة، فيدعو لما ثار عليه القوميون النهضويون أوائل القرن العشرين، ألا وهو الدولة الشرعية، على غرار الدولة العثمانية، ولعل إقامة نظام علمانى على أنقاض الخلافة أثر سلبًا على العالم الإسلامى، إذ ظهرت تيارات أصولية متعددة، كالإخوان المسلمين، امتدت لشعوب لم تعش التجربة العثمانية، مثال المغرب وإيران وباكستان والهند وأفغانستان وماليزيا وإندونيسيا. 

يصب هذان التياران- طبقًا للمؤلفين- فى خانة واحدة. 

فالتيار القومى لا يرفض الدين، إنما يعتبره جزءًا من تراث لا يجوز تجاهله أو الإعراض عنه، فالتراث كل ثقافى يحمل طى ثرواته قيمًا غير دينية، ومنها ما يأبى النظر إلى العالم من زاوية دينية، فنرى بعضًا من أرباب هذا التيار يرفضون النظرة الأصولية، والبعض الآخر يتفهمها ويحاول إدراجها فى توجه توافقى، وهناك قلة من المثقفين الماركسيين رفضت الأصولية جملة وتفصيلًا واصفة إياها بالرجعية، فنسمع أصواتًا يسارية تقف بين التوجهين. 

اختار المؤلفان من أوساط المثقفين بعض الأسماء البارزة لمفكرين وأدباء كبار، آراؤهم وإن شابتها غنائية خاصة بالمبدعين، لا تتصف ولا شك بوضع المحللين السياسيين والمثقفين العضويين، إنما تنير ولا ريب زوايا داكنة من واقعنا الفكرى. 

من بين الأربع وعشرين كاتبًا اخترنا الكتاب المصريين، وهم عبدالرحمن الشرقاوى وإدوار الخراط وحسين أمين ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم ولويس عوض وأحمد بهاء الدين وجمال الغيطانى. 

كان منهج المؤلفين أن يكتبا تعريفًا بسيطًا عن كل كاتب، ثم رأيه فى الإسلام، ثم توجيه خمسة أسئلة- هى نفسها لكل كاتب. 

اكتفيت هنا برأى الكتاب فى الإسلام، ثم إجابتهم عن الأسئلة الخمسة، وقد انحزت إلى ذلك، لأن ما قالوه يصب فى صلب مشروعنا الذى نبحث من خلاله عن إسهامات الكتاب العلمانيين فى قضية تجديد الخطاب الدينى. 

الملاحظة الجديرة بالتوقف عندها هنا، هى أن ما قاله المفكرون المصريون، وغيرهم من العرب، منذ ما يقرب من أربعين عامًا، لا يزال صالحًا حتى الآن لنقرأ من خلاله واقعنا الفكرى والدينى والثقافى.. وهذا ليس ميزة، بل مأساة، لأنه يعنى ببساطة أننا لم نتقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام. 

أحمد بهاء الدين: أخاف على الإسلام من تخلّف المسلمين

أحمد بهاء الدين.. ضمير الصحافة الذي لم يفقد ظله رغم اقترابه من السلطة
أحمد بهاء الدين

تسلك مصر حاليًا طريق الديمقراطية الحقيقية، غير أن ظاهرة الأصولية الدينية تعوق مسيرتها، ليس بفعل الإسلام كدين، طالما أن الرسول قال بتعدد وجوهه، أى قابليته للتفسير على أوجه مختلفة، بل بفعل المسلمين أنفسهم، معضلة العالم الإسلامى فى الواقع عبر التاريخ تجسدت دومًا فى الخلافات حول تفسير مبادئ الإسلام بين شيعه. 

وباعتقادى وهذا رأى الأكثرية المثقفة الإسلامية، أنه لا تناقض بين الإسلام والديمقراطية. 

فنظام الشورى فى الإسلام يشكل نوعًا من الديمقراطية، يختلف عن الديمقراطية فى الدولة العصرية، كما أن الديمقراطية المباشرة المطبقة عهد «بيريكلس» فى أثينا لا تتوافق مع ما يطلق عليه اليوم الاسم عينه. 

ويمكننا القول إن للإسلام روحًا ديمقراطية حقة، ولكن أولئك الذين يرفضون كل أشكال الديمقراطية الحديثة، من المتشددين، كالاقتراع والمجالس النيابية.. إلخ، ويعتبرونها مناهضة للإسلام، يتقوقعون فى تفسيرات ضيقة لدينهم، وإذا كان القرآن برأيهم الدستور الوحيد، تصبح مجرد المطالبة بدستور مكتوب - بالمعنى العصرى للكلمة - نقيضًا للإسلام.

فالنظام الذى يحلمون به يقوم على سلطة حاكم فرد، الخليفة يعاونه مستشارون قلائل، يقترب كثيرًا من الحزب الواحد، وهكذا يمكن القول إن رؤية الجماعات الإسلامية فى مصر هى رؤية أصولية نافية للديمقراطية، كما فى إيران حيث الاقتراع الشكلى يزيد رجال الدين سلطة، يمارسها ممثل الإمام غير المنظور وهو بكلمة نظام الحزب الواحد.

هذا التفسير المناهض للديمقراطية ليس وقفًا على الشيعة بل تتبناه الأحزاب السياسية حاليًا والأجيال الطالعة التى تنفر من البرجوازية وكل ما هو آتٍ من الغرب وينقصها السلام الفكرى والثقافى لتكوين تفسير آخر للإسلام، إن هذا التفشى للإسلام الضيق، المعادى للغرب لا يشكل ظاهرة دينية بنظرى، أكثر منها ظاهرة اجتماعية - اقتصادية، بدليل رواجه فى الأوساط المعوزة والفقيرة والمستضعفين على حد تعبير المسلمين الشيعة، وهذا الشعور الثورى يرتدى طابعًا دينيًا فى مصر والشرق الأوسط، ويُعبر عنه بالأصولية، تعانى أمريكا اللاتينية من المشكلة عينها حيث يتسلل هذا الشعور عبر الكنيسة.

فى غمرة الجدل الذى سبق الانتخابات التشريعية فى مايو من عام ١٩٨٤، طالعنا فى بعض المنشورات الإسلامية الأصولية غير الرسمية مقالات لرجال الدين، ضمنوها القول بأن القرآن يدين الأحزاب السياسية، مطبقين عليها مفاهيم العصور القديمة، فالقرآن عنى ولا شك الفئات والقبائل فاستنتج رجال الدين خطأ أن الشرع يرفض نظام الانتخابات والمجاس النيابية.. إلخ.

ومما لا شك فيه أن أعدادًا من الجماعات الأصولية والإسلامية تشارك فى إدانة المؤسسات ذات الطابع الغربى، وما يقوله بعض وجهائها كالتلمسانى عن إيمانهم بالديمقراطية ليس بنظرى سوى محاولة لطمأنة الرأى العام.

إن التيارات الإسلامية بعيدة تمامًا عن المساهمة فى الحركة الديمقراطية الناشطة فى مصر، وتسعى لإحباطها، ولا يجب أن ننسى ركيزة هامة للحياة الاجتماعية والسياسية فى البلدان العربية، شرعية أو غير شرعية الحكام، فالرئيس عبدالناصر مثلًا الذى لا يمكن نعته باللاشرعى، ولو أنه لم يستمد سلطته من عملية اقتراع انتخابية، كان قدوة لكثير من الضباط فى بلاد عربية أخرى، تذرعوا بشرعية مزعومة، وعلى صعيد آخر هناك عائلات مالكة تقليدية، كما فى الكويت، توحى بتمتعها بشرعية حقة، وما قد يحصل فى بعض البلدان هو أن يصبح الفراغ السياسى الناتج عن غياب أو شك فى شرعية الحكم، سببًا لملئه من قبل جماعة تدعى الشرعية العليا: شرعية الإسلام.

إن اعتماد لغة الإسلام سبيل سهل لاستقطاب المؤيدين، كونه يعتمد مراجع بمتناول أبسط البشر، خصوصًا هؤلاء الذين لم تتوافر لهم ثقافة غريبة، والوسيلة الوحيدة لدرء خطر هذه الجماعات والتيارات يكون بتوفير حياة سياسية حقيقية وثقافة سياسية حقيقية.

رأينا خلال الأسابيع التى سبقت الانتخابات فى مصر ائتلافًا يقوم بين حزب الوفد التحريرى والإخوان المسلمين، ائتلاف له دون شك بالنسبة للوفديين خلفياته، وحسب اعتقادى، مخطئ من يؤمن بسهولة استيعاب وتحييد الإخوان المسلمين والجماعات الأصولية.

وأذكر بهذه المناسبة حديثًا جرى بينى وبين الرئيس السادات، سنة ١٩٧٦، تاريخ ظهور التيارات الأصولية، إذ اعتبر بعضهم أن انبعاث هذه التيارات فى مصر بعد الاضطهاد الناصرى الذى سحقها، حصل بفضل مساعدة خفية من السلطة لاعتقادها أنها تناهض الناصرية والتيارات اليسارية. 

وقد أجاب السادات على استيضاحى قائلًا: لا تعتقد بأننى لا أعى خطر مساعدة هذه الجماعة الإسلامية، فهى ليست بلعبة دون نتائج، وأنا واثق من أن المجابهة الكبرى ستكون مع هذه الجماعات، ونحن العسكريين نفهم هؤلاء الأشخاص أكثر منكم، فقد جمعنا العمل السرى، وتدرب الإخوان المسلمون على أيدى ضباطنا، لذا تفردوا بالسلاح والتدريب الجيد خلال سنوات الاضطراب، ولعل تقرب المجاهدين من الضباط الأحرار، وقدرتهم الكبيرة على إقحام ذاتهم فى الأوساط العسكرية يزيد من الأخطار الداهمة، فلا الوفد ولا الشيوعيون قادرون على استقطاب ضابط أو جندى، فدعايتهم لا تؤثر على هؤلاء بينما تجتذب صغار الضباط والمجندين، ذوى الأصل الريفى، مزاعم الجماعات الأصولية.

هذا ما قاله لى السادات عام ١٩٧٦ ونشرته، سنة ١٩٨١ غداة موته.

ولقد شاهدنا خلال السنوات الأخيرة الجماعات الأصولية تلج أوساطًا كثيرة، وجامعات خاصة كانت قبلًا معقل الأحرار والشيوعيين.

فى مطلع كل سنة جامعية، نشاهد مئات الطلاب الوافدين من الريف يفترشون الأرصفة أسابيع طوالًا، لجهلهم المدينة وعجزهم عن إيجاد مسكن، ذاك مظهر من حياة طلاب جامعة القاهرة، فمعظمهم من الفقراء لا اطلاع لديهم على نمط العيش الحضرى، يستحيل اندماجهم فى حياة المدن، فالطالب من الريف يشعر بالمهانة فى عالم جديد، وحين يبادره الأصوليون بالقول إن الوسط الذى يرتع فيه هو وسط الكفر، يتحول من منبوذ إلى نابذ لهذا المجتمع والمدينة بشكل عام، وتقدم له الجماعات الأصولية معونة مادية، ومسكن يتقاسمه مع رفيق له عضو فى هذه الجماعات، فينتهى باستجلابه، إن قدرة الأصوليين على النفاذ إلى فئات المجتمع قادتهم حاليًا للمجلس النيابى تحت ستار الاعتدال شبه الرسمى، ولكن هذا لا يقلل من خطرهم، وأحمل حزب الوفد المسئولية التاريخية عن إيصالهم إلى المجلس النيابى. 

والملاحظ أن الإخوان المسلمين الذين دخلوا البرلمان يختلفون تمامًا عن المجاهدين على الأرض، المجهولين والمنقسمين إلى جماعات والذين ينظرون إلى الأستاذ التلمسانى وزملائه كخونة وعملاء، رغم تكتم الأصوليين هؤلاء اليوم، نفاجأ بتحول مجرد اجتماع للصلاة بمناسبة نهاية رمضان من مظاهرة دينية إلى عرض عضلات، ما يثبت وجودهم الفاعل ومحاولة زيادة نفوذهم. 

وباستعراض السياسة الخارجية لا سيما تلك المتبعة تجاه إسرائيل، نرى أن الإخوان المسلمين يزيدون مهمة الحكومة صعوبة ويربكونها أحيانًا، ونلاحظ من جهة ثانية عجزهم اليوم عن إسقاط الحكومة وإن نجحوا سابقًا.

أسئلة

■ هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟

- أجل، فركائز الإسلام العالمية ضرورية بقدر ما هو دعوة دينية روحية، ولكن من الثابت أن الثورة الإسلامية تنحصر فى مناطق من العالم، حيث الوجود الإسلامى رائع تاريخى قديم.

■ هل يمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟

- هذا هو تحدى العالم العربى الحقيقى، فالإسلام عميق الجذور فى ضمير وثقافة المسلمين وفى عالمنا العربى الشرق أوسطى، ومن جهة ثانية هناك محاولات، تعود لعهد طه حسين والعقاد ترمى إلى مد الجسور بين الإسلام والعالم المتحضر، هذا التوفيق ما زال يشغل مثقفى العالم العربى.

■ هل النظام الإسلامى للحكم مرحلة حتمية على الشعوب العربية أن تمر بها فى معرض تطورها؟

- الأمر ممكن، غير أنه ليس حتميًا، فضلًا عن أنه يتعين تحديد ماهية النظام الإسلامى. أعتقد أنه يمكن وصفه بالنظام الخالى من كل ما ينقض مبادئ الإسلام الجوهرية، هناك من يفترض تحديدًا أضيق فيقول: النظام الإسلامى هو ذاك الذى كان سائدًا فى مكة أيام الرسول، هذا وبرأى الخمينى لم يكن هناك سوى دولتين إسلاميتين: دولة محمد صلى الله عليه وسلم ودولة على.

أما فيما يعود للنظام المالى والاقتصادى فينفى الخمينى تعارض الاقتصاد العصرى والنظام المصرفى فيه مع الإسلام، وبالتالى يعتبر مجموعة هذه الأنظمة متوافقة مع شريعته، فالفوائد التى تدفعها المصارف غير الربا البغيض المتمثل باستغلال الأثرياء لضعف الفقراء والمعدمين، فنستخلص غياب التصور الواضح الموحد لنظام الحكم الإسلامى.

■ هل تأخذ ظاهرة اليقظة الدينية التى برزت فى السنوات العشر الماضية منحى إيجابيًا؟

- كلا، إنها فى الواقع ردة فعل على التوسع الإسرائيلى، فإسرائيل عمليًا، دولة دينية، قائمة على الدين، توحد بين مختلف فئات المجتمع، فهى دولة دينية ناجحة، تحظى باحترام ودعم العالم الغربى، وباتت يقظة الإسلام فى البلاد العربية ردة فعل على هذا النجاح وفشل تجربة القومية العلمانية فى العالم العربى.

■ من هو العدو الأول للإسلام حاليًا؟

- إنه التخلف، لدى أكثرية الشعوب الإسلامية وحكوماتها فحقبات كاملة من تاريخ العرب غاب عنها الإسلام الحق، وبالتالى كان لها دور تاريخى سلبى: كعهد العثمانيين، عهد استعمار وتأخر بالنسبة للعالم العربى، أما بالنسبة إلى الأصوليين، فيعتبرون أن الغرب هو العدو الأول للإسلام والمستعمر التاريخى الداعى لأساليب وطرق معيشية جديدة، وبالتالى، الخطر الأول والأهم.

نجيب محفوظ: النظام الديمقراطى الحق يأبى أن تثقل الرقابة الدينيةكاهل الإنتاج الثقافى دون رادع

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

إذا كتبت اليوم ثلاثية جديدة تدور أحداثها فى زمننا الحاضر، نجد ولا شك كما فى السابقة أخًا أصوليًا وماركسيًا شيوعيًا فى زنزانة واحدة.

الخارطة السياسية لم تعرف متغيرات جذرية: فإذا كان بطلا ثلاثيتى «الأصولى والماركسى» سبّاقين، حينها، فأمثالهما فى تزايد مستمر اليوم وواجب أن نفيهم حقهم من الذكر فى كل رواية ذات أبعاد اجتماعية، وقد وفيتهم إياه فى رواية لى صدرت مؤخرًا «الباقى من الزمن ساعة».

إذ تقع أحداثها فى زمن الثورة، فيتواكب فيها أصولى ينتمى إلى التيارات الدينية، وشيوعى يناصر التوجهات الماركسية - إلى جانب الناصرى. 

فالتيار الدينى المتطرف ينبعث من أنقاض هزيمة ١٩٦٧، ولا يعدو كونه ردة فعل منطقية - فيقول البعض: طبقنا النظام الليبرالى فلم يثمر، ثم اعتنقنا الاشتراكية فقادتنا للهلاك ولم يبق سوى الدين مرجعًا أوحد، أضف إليه الحكم التعسفى الدكتاتورى الذى ساس المجتمع العربى، وعليه فالتطرف الدينى يندرج فى جملة نتائج الهزيمة، والطغيان الذى عانى منه المجتمع العربى طويلًا.

والمثقف العربى، حين يرفض هذه الظاهرة، إنما هو فى الواقع يرفض ويدين أسبابها.

وحده جو من الحرية كفيل بتهدئة الخواطر ولجم عنف التيارات الأصولية، لتحويلها إلى تيارات

معتدلة برلمانية المنبر، كما هو الحال فى ألمانيا وإيطاليا. إذًا الحرية هى العلاج الشافى من كل تطرف أو تعصب دينى.

فأسباب الأصولية الدينية هى الأنظمة التعسفية والهزائم المتلاحقة وما الفراغ الثقافى وقلق الشباب إلا من نتائجها، فنظام تعسفى على أهبة التفكك والاندحار خلّف أجيالًا ضالة، وتيارًا دينيًا متشددًا ضائعًا، وأزمات اقتصادية، ففى الانفتاح والحرية السبيل الوحيد لتجديد المجتمع والقيم، إن جو المناقشة والحوار باب مشرّع على الأفكار الجديدة بعيدًا عن الإرهاب «أعنى إرهاب الأنظمة والدول». والديمقراطية علاج أساسى وشامل، ويدٌ تُعبدُ طريق الحلول.

فى العشرينيات والثلاثينيات ساد جو من الحرية نتوق إليه، فانتفى، عهد ذاك، أى تداخل بين المراجع الدينية والثقافية، هذا ويتعرض باستمرار أدباء اليوم لمضايقات، نذكر منها: اعتبار زكى نجيب محمود ممثلًا للفلسفة الغربية وانتقاده لمجرد قوله إن حال المرأة كان أفضل فى العشرينيات والثلاثينيات، ومهاجمة لويس عوض لإعادة تقييمه دور الأفغانى، ومعارضة الأزهر للشرقاوى فى مسألة الرقابة على الأدباء، وتعود الأسباب لغياب الديمقراطية عن الساحة الاجتماعية، فالنظام الديمقراطى الحق يأبى أن تثقل الرقابة الدينية كاهل الإنتاج الثقافى دون رادع.

أسئلة

■ هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟

- أجل.

■ هل يمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟

- نعم، من الممكن، ومبادئ الإسلام تشجع العلم وترفض التعصب وتدعو للتعايش بين مختلف الطوائف، فتضع أسسًا صالحة لمجتمع حديث، أعنى بالإسلام هنا إسلام الأكثرية، الإسلام السنى، الأقدم عهدًا.

■ هل النظام الإسلامى للحكم مرحلة حتمية على الشعوب العربية أن تمر بها فى معرض تطورها؟

- الدين ضرورى لتطور الدول العربية، فهو قاسم مشترك كما اللغة الواحدة.

■ هل تأخذ ظاهرة اليقظة الدينية التى برزت فى السنوات العشر الماضية منحى إيجابيًا؟

- التجدد الإسلامى خطوة إيجابية.. بقدر ما هو دعوة للتضامن الإنسانى وبسط المعرفة، أما أنا فأتنصل من الإسلام الداعى للتعصب والجهل.

يطبق الإسلام فى مصر بالشكل الأكثر تسامحًا، فالتساهل الدينى والمساواة الصحيحة بين المواطنين لأى دين انتموا مبادئ عامة تفرض نفسها، فلا أعارض أنا المسلم أن يتبوأ قبطى سدة الرئاسة.

■ مَن هو العدو الأول للإسلام حاليًا؟

- هى العقيدة الشيوعية، بمقدار ما تتعارض والمفاهيم الدينية.

حسين أمين: العدو الأول للإسلام هو المسلمون الرجعيون 

حسين أمين 
حسين أمين 

بديهى أن ينتفض المسلم الأصولى رافضًا عند نعته بمتطرف، لمجرد دعوته للعودة إلى الإسلام كما كان مطبّقًا أيام النبى، إنما فى موقفه المعارض لكل تطور أو تغيير تطرف واضح إذا ما قورن بموقف المسلم المنفتح المثقف، فالأخير يؤمن بالإسلام، كما غيره من العوامل المؤثرة فى المجتمع، عاملًا عضويًا جوهريًا، وبالتالى يقبل التغير والتطور. فعلى الدين أن يتأقلم مع الأوضاع والظروف المستجدة، ويتقبل الاكتشافات والإنجازات العلمية، هذا ما يأباه الأصوليون الداعون إلى تطبيق الإسلام كما ورد حرفيًا فى القرآن والسنة، ولا أهمية للزمان والمكان فلا يميز بالتالى بين مسلم منفتح ومسلم متشدد، فالإسلام بحد ذاته ثقافة وانفتاح، فكيف يجوز التفريق إذًا؟ 

والحالة هذه يؤمن المسلم المستنثر بقدرة الإسلام على مجاراة العصر والتكيّف مع متطلباته، أما الأصولى المناوئ لهذا الرأى فواثق من جمود الدين وثبات أحكامه لأبد الآبدين.

نعيش اليوم واقعًا مريرًا، فى كل مجتمع تتضارب الآراء وتتفاوت النظريات ويعظم الجدل، إلا أنه يتحتم دومًا الخروج بنتيجة ما لا عودة عنها فينطوى الموضوع طى الحلول، والمسائل المفروع منها، ونادرًا ما يطرح للبحث مجددًا، لأن مسيرة التقدم تستوجب دومًا جديد المخارج لحديث المعضلات، وما أكثرها فى جعبة الدهر، أما فى العالم الإسلامى فليس من حلول جذرية للمشاكل والمعضلات التى ما فتنت تطرح وتبحث وتحل وتعود فتطرح.. فالعقبات والمشاكل هى هى منذ القدم.

مثلًا: بعد أن أعتق قاسم أمين المرأة سنة ١٨٩٩ من خمارها، وتقبلها المجتمع سافرة الوجه، إذ بنا نجد اليوم بعد خمسة وثمانين عامًا من يدعو للعودة إلى الحجاب.

كما تشهد على ذلك صيحة الغضب والاستنكار التى أثارها مقال الفيلسوف زكى نجيب محمود فى صحيفة الأهرام حول وضع المرأة المتأخر وحالتها الاجتماعية المذرية فى السنوات الأخيرة، فلم تبق جريدة- حتى الأهرام- ولا مجلة ولا عنوان لم يشترك فى دحض هذا الرأى الصائب، ولم ينج مقالا التأييد الوحيدان- مقال سلمى أدهم ومقالى- من بطش الرقابة.

تخطى ظاهر النص والاهتداء بروحه يفتح ولا شك، باب التجديد والتطور على مصراعيه لجهة مستلزمات الحياة اليومى، يدرك الأصوليون بالطبع أهمية التمسك بروح النص وأبعاده الدينية، إنما ليس باعتماد التأويل مبدأ عامًا، فأصحاب الآفاق الضيقة يؤثرون التقيد بحرفية النص والالتزام بجزئيات القواعد وبظاهر التعاليم والشعائر بدل الغوص فى يم التبحر والتأويل الواسع، هذا ويسيطرون على أتباعهم فيزدادون تأثيرًا على الموالين والأنصار إذ يروون جفاف الشك وقحطه بالمحسوس والملموس.

إرشاد على عبدالرازق وطه حسين وأحمد أمين كان بمثابة النور الهادى لخمسين أو ستين عامًا من عمر عالمنا العربى، رجال أشداء تحفزهم عقيدة فكرية لا توهن من عزيمتها أو يقينها معارضة، فمهدوا الطريق للإسلام المنفتح المستنير، أما كنا اليوم فى أفضل حال لولا لم تعق مسارهم عراقيل وعثرات، فهذا الانحراف فى مجرى التطور دام خمسين أو ستين عامًا خلت، مرده الأوضاع الاجتماعية والسياسية المتردية، ولا علاقة للدين به، فهل يعيدنا تصحيح للأوضاع إلى درب الإسلام النيّر؟ لا أستطيع الجزم. 

ومن المؤكد أن عدوى الأصولية لم تعد تصيب متوسطى الحال والعمال من المجتمع فحسب، إنما أضحت تطال الميسورين وذوى النفوذ حتى باتت اليوم ظاهرة جديدة «دارجة»، لا تمت للأزمة بصلة.

لا تحد الإسلام تخوم المفاهيم الدينية كالدين المسيحى، إنما يتعداها فيطبع الواقع بطابعه الحضارى المشوب بالتقاليد البدوية التى حملها معه زادًا من أرض نشوئه، فالإسلام حضارة كما غيرها من الحضارات، يقوم على قيم دائمة عادلة ومشروعة فى هذا المجال فحسب.

لم يقف بعض المفكرين مثل على عبدالرازق وطه حسين وأحمد أمين، من الإسلام موقف فلاسفة القرن الثامن عشر من عصرهم، بل رفعوا لواء العلم كما رفعه رواد النهضة الأوروبية مثل برونو كوبرنيك وغاليلو فى وجه الكنيسة. 

شهدت السنوات الأخيرة تطورًا بالغ الأهمية فى تاريخ الإسلام، إذ عملت المنظمات الأصولية من جهة، وشيخ الأزهر من جهة ثانية، على إنشاء مؤسسة روحية صنو الكنيسة. 

إن شيخ الأزهر الحالى على جاد الحق يعى تمامًا توجهاته، إذ يفيد من خوف السلطة المتعاظم من التيار الأصولى المتشدد.

إن فقدان العلماء الكثير من اعتبارهم عائد لسببين اثنين: الأول خضوعهم الأعمى فى السنوات الأخيرة، للسلطة وإذعانهم لها وتبريرهم أفعالها، والثانى قيادتهم للثورة الإيرانية.

يسعى شيخ الأزهر الآن، مستعينًا بكل ما أوتى من وسائل لرد الاعتبار وتعزيز الثقة بالأزهر، كعبة الإسلام لقرون خلت ومحج أهل العلم والفقه، لم يعد اليوم- إلا لقلة من الجاهلين- الصرح الأسمى الذى يخرج عظام الفقهاء.

وفى محاولة للتشبه بالتنظيم الكنائسى، يمضى شيخ الأزهر فى تقييمه للشئون اليومية محرّمًا تغذية الجنين بالعقاقير، واستعمال الحليب، أو التعامل مع شركة أخرى. لقد خلا الإسلام من تلك المداخلات، كما أنه لم يعرف التنظيم الإكليركى بتاريخه، فالقرآن بمتناول الجميع ولا حاجة لوسيط.

هذا وطبيعى أن يميل المرء اليوم، إلى الاستهداء بآراء رجال الدين والضالعين فى الفقه، وشيخ الأزهر لا يتحمل فى هذا المجال كامل المسئولية، بل تشاركه فيها مجالات ونشرات دورية تسدى النصح والإرشاد، فيعتاد الناس على هذا الواقع معتبرين رجال الدين المسلمين، كالكهنة المسيحيين، أصحاب توجيه ومشورة فلا يقرأون ولا يتقصون الحقائق، مدفوعين للاستعانة بخبرة أهل الاختصاص. واقع مؤلم قل من وعاه من المثقفين العرب- كصلاح حافظ- هذا ولم تفلت مقالتى فى الموضوع من غربال الرقابة.

حث شيخ الأزهر بعض أعضاء مجلس الأمة على اقتراح مشروع قانون يلحظ إخضاع كل المنشورات والكتب المتعلقة بالإسلام من قريب أو بعيد لرقابة الأزهر، واضعًا حدًا لحرية الرأى فى بلدنا، فنعانى من إرهاب المتطرفين الأصوليين والإسلام الرسمى على حد سواء، وكأنى بالشيخ جاد الحق يحتذى حذو «الظلاميين» الذين يعارضون تثقيف العامة، أما السلطة السياسية فتنزع للانفتاح فى الدين، إنما تخشى صراعًا مع التيارات المسيطرة أصولية أكانت أم تقليدية، فتضاعف تنازلاتها معرضة عما يحدق بموقفها من أخطار.

 لا أظن أن العالم الإسلامى سيلعب دورًا قياديًا على الساحة الدولية

لعل مستقبل العالم العربى، من حيث قوته ونفوذه وتأثيره على الصعيد الدولى مرتبط وثيق الارتباط باليقظة الدينية وما ستئول إليه من انفتاح أو تعصب، فإن عنينا باليقظة عودة لعادات وتقاليد الصحابة فذاك ضعف وعرقلة لكل تقدمية وسبيل للرجعية، أما إذا قصدنا انتصارًا لتراثنا الدينى والثقافى ومشاركة فى الحضارة العالمية واهتمامًا بأعمال المفكرين والأدباء فنكتسب عندها قوة حافزة للتقدم والتطور.

هل من انسجام بين النظرة الدينية والعالمية الدنيوية؟ ليس حسب اعتقادى، فاتساع الهوة هائل بين من يؤمن بأن الأرض بالنسبة للكون بمثابة الوسط من دائرة، وكل ما فيها إنما خلق لخدمة الإنسان، وبين من اقتنع مثلًا بنظرية كوبرنيك أو استنتاجات داروين.

منذ بضعة أيام ظهر شيخ يتمتع بشهرة واسعة، على شاشة التليفزيون مبينًا أمام ملايين المشاهدين خطورة نظرية داروين المغلوطة. فكيف نرتجى تقدمًا ممن يرفض إنجازات العلم!

أنا جدًا متشائم ولا أظن أن العالم الإسلامى سيلعب دورًا قياديًا على الساحة الدولية، فالبترول يمنح بعض الدول الإسلامية نفوذًا وتأثيرًا على الشئون العالمية، تدوم بدوامه.

لا.. فالمخرج الوحيد يكون بخضوع العالم الإسلامى، بعد عشرات السنوات، للاتحاد السوفياتى ليكتسب حينئذ وجودًا فعالًا فى الميدان العالمى.

أسئلة

■ هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟

- نعم.. بكل تأكيد.

■ هل يمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟ 

- لا، طبعًا، إذا اكتفت الشريعة باقتباس أحكامها من القرآن والسنة فقط، ولكن بإمكانها تنظيم دولة عصرية إذا ما أقرّت التطور الحديث وأشبعت أحكامها من روح القرآن والسّنة والتراث الفكرى الإسلامى معًا.

■ هل النظام الإسلامى للحكم مرحلة حتمية على الشعوب العربية أن تمر بها فى معرض تطورها؟

- من المفترض أن تكون مرحلة حتمية، وإن لم تكن كذلك فلأن تلك الشعوب تأباها، فلا أعتبر تلك الشعوب إسلامية.

■ هل تأخذ ظاهرة اليقظة الدينية التى برزت فى السنوات العشر الماضى منحى إيجابيًا؟

- لا، وذلك دون التطرق حتى للكارثة الإيرانية. أما فى مصر وباقى الدول العربية، فالظاهرة تلك لم تأخذ أشكالًا إيجابية إنما زادت وضعنا تفاقمًا ورجعية.

■ من هو العدو الأول للإسلام حاليًا؟ 

- المسلمون الرجعيون.

إدوار الخراط: يقينى أن مصر لن تغرق فى الظلمة أبدًا

إعلان شروط جائزة إدوار الخراط للإبداع الأدبي في دورتها الأولى |تفاصيل
إدوار الخراط

ولجت فى بداية الأربعينيات ميدانًا جديدًا فى الأدب الاجتماعى المصرى، ألا وهو الوسط القبطى، فاخترقته أو حاولت إظهار ميزاته وعاداته وتقاليده، وإن لم أكن الوحيد فإنى، ولا ريب، صاحب المبادرة، هو ميدان أعرض عنه الأدباء إما عن قصد وإما بطبيعة الحال لقلة المسيحيين بينهم فى مصر.

كانت تلك المحالة جد عسيرة منذ ثلاثين أو أربعين عامًا، أما اليوم، وإن ذللت العقبات، فلم تزل تستشف لدى بعض الأوساط الشعبية وحتى لدى بعض النقاد رفضًا ظاهرًا أو ضمنيًا، بيّنًا فى تحفظهم.

فى الواقع يحتار هؤلاء فى الموقف الواجب اتخاذه حيال شخصيات رواياتى، والسؤال المطروح عادة: لما اصطفاء أبطال القصة من المجتمع القبطى؟ شديد الدلالة على العقلية السائدة، وواقع التوتر فى المجتمع المصرى، وقد بلغ التوتر أوجّه فى السبعينيات.

يبقى أن وصف المجتمعات القبطية ليس بالعمل السهل إنما مغامرة تستوجب جهودًا جبارة كما يقول البعض، ومسعى مشكور ومحاولة جريئة برأى البعض الآخر.

دعيت فترة النهضة الثقافية التى تلت ثورة ١٩١٩ فى مصر «عصر تحرر» المجتمع المصرى، فإن لها كبير الأثر فى المجتمع، والفكر والحياة المصرية ككل، وما كان من كبار رجالات العصر إلا زادوها دفعًا كطه حسين وعلى عبدالرازق، وسلامة موسى- وهو قبطى- الذين تبنوا القيم الديمقراطية الليبرالية الغربية.

إلا أن توجهًا تقليديًا وريث أفكار كبار مصلحى القرن السابق كجمال الدين الأفغانى، ناهض الحركة المجددة التحررية رافضًا الفلسفة القومية المتبعة، معتبرًا الإسلام دينًا وهوية.

بينما أتباع ومؤيدو محمد عبده ورشيد رضا حاولوا جاهدين التوفيق فى ما بين الحضارة الغربية- العلمانية خاصة- والثقافة الإسلامية، تحت ظل ما سمّى تاريخيًا بالإسلام المنفتح الواعى.

تلقى كل من التيارين صدمات متلاحقة فانهار مصدع الأسس متراخى البناء عام ١٩٥٢، واضمحل سنة ١٩٦٧ كل أثر للفلسفة الليبرالية الديمقراطية المقتبسة عن الغرب اضمحلالًا تامًا وكاملًا، وتخلت التوجهات الدينية التقليدية المتمثلة بالإخوان المسلمين عن فلسفتها الإسلامية الإصلاحية المنفتحة، وإن معارضة للغرب، فظهرت تيارات تمردية ثورية أصولية، على مفترق عام ١٩٦٧، تناصب العداء للتوجهات الإصلاحية الموروثة عن محمد عبده كما تخاصم الغرب على حد سواء.

وتبحث عن هوية جماعية مشتركة بين الشعوب الإسلامية، فى مواجهة القيم والمبادئ الغربى، وما التيار الأصولى سوى نتيجة مباشرة لفشل المشروع القومى الذى يتناقض أساسًا والنزعة الأصولية أما فى الجوهر أو فى الصفات، بالنسبة للإسلام لا فرق بين مسلم وآخر، لأى عرق أو لأى بلد انتمى، بينما القومية عقيدة علمانية غير دينية، هذا وبيّن أن فى الإسلام هوية جماعية للشعوب وقوميات تمكنها من صد تغلغل الثقافة الغربية وما تخفى من إمبريالية واستعمارية.

يتمسك الأقباط بمبدأ الدين لله والوطن للجميع دون استثناء 

بديهى أن يرفض الأقباط، فى مصر، التيار الإسلامى الأصولى، فمقررات المجمع الكنسى المقدس فى يناير ١٩٧٧ استنكرت وأدانت عقوبة الردة التى تقضى بإعدام المرتد عن الإسلام، هذه المسألة تندرج فى جملة الضغوطات التى تعانى منها الكنيسة فى مصر، مما حدا بها إلى رفض أسلمة المجتمع، وقد دعا البطريرك حينها للصيام ثلاثة أيام احتجاجًا. 

يتمسك الأقباط بمبدأ الدين لله والوطن للجميع دون استثناء، وتدين به الفلسفة القومية المصرية، وقد شهد تطبيقًا عمليًا فى العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، فتشبث به الأقباط وقاموا بكل محاولة لنقده.

لست من القائلين بأن الدين يكفل التعويض عن خيبات الشعوب عبر التاريخ والآمال التائهة والأحلام المحبطة، إنى أتفهم موقف المثقفين وغيرهم من الطبقات الاجتماعية الذين مضوا قدمًا فى نفق الدين، فالبعض يخشى أن تعظم الحركات الأصولية نفوذًا وسطوة كما فى إيران، أما برأيى فهى مؤقتة. 

يقينى راسخ لأن العوامل المؤدية لمثل هذا التطور منتفية فى مصر، التى أظهرت منذ آلاف السنين تحفظًا تجاه التعصب فى مجالات الفكر، أضف اشتراك الأقباط والمسلمين فى الحضارة، مما يزيدنى إيمانًا أن هذا البلد لن يغرق فى الظلمة.

أسئلة

■ هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟

- يؤكد الإسلام محافظته على دعوة عالمية، إما عبر الأصوليين أو المصلحيين فى الدين، أما برأيى فيجب طرح السؤال على الشكل التالى: هل يحافظ الدين بعد على دعوته العالمية؟ يخالجنى الشك وأتردد فى الجواب.

■ هل يمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟

- لا أعتقد ذلك.. ولا يمكنها اعتماد أى دين كان.

■ هل النظام الإسلامى للحكم مرحلة حتمية على الشعوب العربية أن تمر بها فى معرض تطورها؟

- لا، ليس بالضرورة، إنما يبقى الاحتمال واردًا، وممكنًا فى بعض الدول، إلا أنى أشّكُ بنجاحه، فالإسلام، كأى دين آخر يجب أن يبقى منفصلًا عن الدولة والنظام والسياسة.

■ هل تأخذ ظاهرة اليقظة الدينية التى برزت فى السنوات العشر الماضية منحى إيجابيًا؟

- تأخذ منحى إيجابيًا على نطاق ضيق جدًا، فهى ضرورية بقدر ما تعيد المرء إلى جذوره وهويته، ولكنها تأخذ منحى سلبيًا على نطاق أوسع، فتخلط الما ورائيات بما هو دونها وغريب عنها كالاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع.

■ من هو العدو الأول للإسلام حاليًا؟

- التعصب.

عبدالرحمن الشرقاوى: ليس فى الإسلام رجال دين وأرفض ما يسمونه «النظام الإسلامى»

عبد الرحمن الشرقاوي
عبد الرحمن الشرقاوي

ليس فى الإسلام رجل دين فهو مفهوم مسيحى، أما الإسلام فقد عرف الفقيه العلامة، الضالع فى شئون الدين، فجامع الأزهر لا يتمتع بسلطة إكليريكية روحية، والرأى لعلماء الأزهر وأئمته أنفسهم.

فالوصاية الدينية والروحية على أبناء الدين تتنافى ومبادئ الإسلام.

الإسلام دين ودنيا، دين ودولة، فقد أخضع الدولة للشريعة، والشريعة بحد ذاتها تنظيم للمجتمع والدولة. 

هدف الإسلام إنشاء مجتمع أمثل، فالمدينة الفاضلة مطلب الإسلام كما كانت مآرب الفلاسفة فى القدم.

لم يعرف المجتمع الإسلامى فى الماضى مفهوم الرجل المثقف، فأطلق على المتعمقين فى الفقه صفتى علماء وفقهاء، وهؤلاء كانوا على نوعين: 

منهم الضالع فى الدين المدرك تعاليمه الحقه الرامية لتشييد المدينة المثلى. 

ومنهم الجاهل مبادئه فلا يرى فيه سوى وسيلة لتحقيق مآربه ومصالحه الشخصية. 

والصراع ما فتئ دائرًا بينهما، كما أن بعضهم يؤمن بالإسلام حافزًا للتقدم فيتقبل جديد العلوم فى سبيل التطور، أما البعض الآخر فيتوقف عند ظاهر النصوص، وينهى عن التمحيص والتأويل وولوج المعانى المحجوبة، فكانت النزاعات بين المدارس والمذاهب الفقهية.

يعود أصل التجاذب بين هذين التيارين لأيام النبى، مذ ذاك الحين والهوة تتسع وتتعمق لحد استعصى بعده رأب الصدع، ناصر مثلًا بعض العلماء الخلفاء الأمويين الذين أنشأوا نظامًا ملكيًا أحاديًا لا يأتلف وروح الإسلام التى ترفض الملكية والحكم المطلق.

بالمقابل علماء آخرون تشيعوا لعلى «إمام المتقين» «إمام الوارعين والفقراء»، الذى استقى الإرشاد من النبى نفسه، ومن أقواله ما معناه: ثراء الأغنياء من فقر المعوزين، وأحكام أخرى سبقت عصرها، ابتغى توزيعًا عادلًا للثروات، كما اعترف للفقراء بحق على مال الأغنياء يفوق الزكاة، فالفائض على حاجاتهم يعاد توزيعه. 

يتوجب إذن على السلطة حمل الأثرياء على سد حاجات المعوزين وإشراكهم فى اليسر، لكل إنسان الحق بحد أدنى من المساعدات المعيشية للاكتفاء حسب الإسلام، وهو ما يسمى، فى أيامنا «معدل الحاجة»، أى تأمين الإنسان من حيث المسكن والملبس، والمواصلات، والتطبيب، والتعليم والزواج وإنشاء أسرة. 

وكل ما تجاوز تلك الحدود فائض وكمالى وكل ما زاد عن الحاجة يعاد توزيعه طالما فى المجتمع من لم يحظَ بعد بالحد الأدنى الحياتى. لا تحد المجتمع الإسلامى تخوم جغرافية أو قومية برأى العلماء، فهى أرض إسلامية كل أرض تطؤها أقدام المسلمين. 

يفقد حاليًا هذا المبدأ كل مفهوم عملى فى الدول المسلمة، الغنية منها خاصة، فالشريعة الحقة والقيم الإسلامية تحجبها ضرورات العصر.

بالرغم من أن الخلفاء الراشدين ساروا على تلك المبادئ، تجد علماء فى الفقه اليوم يستميتون فى محاربتها ويصفونها بالكفر، فهم أدوات فى أيدى الحكام، يتنعم بعضهم بوفير المال، بيما يتخبط الشعب يائسًا فى فقره المدقع. 

فقد افتضح أمرهم فى مصر حاليًا وباتوا على حقيقتهم الخداعة، يتظاهرون بولائهم للإسلام ولا يأبهون إلا لمنفعتهم المادية، فما كانوا يومًا بالعلماء الحقيقيين، يتاجرون بالإسلام ويفاخرون بألقابهم ورفعة مقامهم، ونحن بدورنا نرفض هذا الواقع.

أما نيرو العقول وذوو الثقافة من العلماء فتطاردهم أفواه النميمة مسيئة، راتقة، فتتهمهم بالشيوعية حتى فقدوا كل نفوذ وتأثير فانزووا أو تواروا كما فعل خالد محمد خالد أحد أعلام الفكر التقدمى، الدور إذن للمثقفين من غير جماعة العلماء.

أوَ لسنا نذكر عهدًا، كانت فيه الضاد لغة الحضارة، فتوجب فيه على علماء الغرب الإلمام بالعربية، إذ كانت حضارتها دعمًا وعضدًا للنهضة الأوروبية؟

تقوم تلك الحضارة، حضارة الإسلام، على العدل والجود والمروءة، فتَفَهُّم واضح للنصوص، يقر ولا شك الانصاف والعدالة الاجتماعية، التى يجب أن تسود المجتمع، فقد اتهم المصلحون هؤلاء زورًا بالزندقة والكفر فى عهد سابق للشيوعية وماركس.

والجدير ذكره أنه فى عهد الخلافة الإسلامية القشيب، وفى مصر حصرًا، أحد لم يستأثر بالزكاة فعمدت الدولة إلى إبقاء ديون المعوزين ومهر طالبى الزواج للمسلمين والنصارى واليهود.

فى أيام الانحطاط أضحى رجال الدين أصحاب رفعة وامتياز، أما اليوم فاستقرت مسئوليات الأولى النيريين على كاهل المثقفين المصلحين.

مطلوب من المسلمين صد العدوان الخارجى ومقاومة الطغيان الداخلى على حد سواء. 

هذا هو الجهاد فى سبيل لله وطريق الجنة، تشييد المدينة الكاملة هدف الإسلام- مستحيل فى ظل الاحتلال الأجنبى والطغيان الداخلى - فالتطور ملتصق بالحرية، والدين يدعو الإنسان لتغيير العالم واستعماره من أجل التقدم.

يفترض بكل مسلم مقاومة الجائر، فالشورى واجب لا اختيار وأساس للحكم العادل «شاورهم فى الأمر»، كما ينبغى التقيد بآراء الخبراء والإخصائيين.

بما أن الإسلام دين ديمقراطى ينهى عن الظلم، يجب إذن إرشاد الحاكم وتعود له حرية الاختيار، أما القائل بسلطان الأمير المطلق فغارق فى الرجعية والنفعية، لا يرتجى منه صحيح النصح وصواب الرأى.

ما من أصولية فى الدين. 

إنما هناك مَنْ فَهمَ الإسلام ومن لم يفهمه، فالحركات الأصولية التى ظهرت حديثًا ما هى إلا نتيجة الحرمان الاجتماعى والتفرقة والتفاوت بين الطبقات، طالب الزواج مثلًا بحاجة لمنزل يفوق ثمنه ما قد يجنيه، إذ كان فقيرًا، طيلة حياته، بينما يرى رجل الدين ينعم بأجود الخيرات، وذا مال فى الغواية يسرف، فيتساءل: أهذا هو الإسلام؟ لا.. لأن الإسلام عدل، فيتحول إلى رافض، ثائر، حائد عن درب الصلاح، وقد يذهب حتى القتل.

أسباب التطرف إذن تعود للبعد الهائل والمدى الفسيح الفاصل بين الطبقات الاجتماعية، فلم يعد عرق الجبين وكد اليمين طريق الرخاء ومقياس الثراء.

ما هى الدولة الإسلامية؟

هى طبعًا تطبيق الشرع الإسلامى، وكيف يأتلف الشرع الإسلامى مع العصر الحديث؟ 

الشريعة هى كل ما لا يتناقض ومبادئ الإسلام، إذا توافق قانون عصرى وجوهر الشريعة يندرج فى أحكامها، ليس للتأمينات الجوية والبحرية مثلًا ذكر فى الشريعة إنما لا تتناقض ومبادئها، أما الربا فمحرم لأنه استغلال للمحتاج، وربح دون كد، ولكن إيداع المال فى المصرف والاستفادة من الفائدة عمل مشروع وليس ربا، لأنه لا يتعارض وأحكام الشريعة، فهذا التعليل والاستنتاج فى معرض الاجتهاد يزيد الشريعة شمولية ومواكبة للعصر. 

أنا مؤيد لإنشاء دولة إسلامية، تقوم على القيم التى تحلّى بها النبى وعلى، وأرفض المثال الإيرانى، ففى الحرب الإيرانية العراقية يقتل الأسرى، وقد أوصى النبى بالصفح والعفو عند المقدرة، وعلى نهى عن قتل الجرحى، بل عالجهم وأطلق سراحهم، وربما حلمه هذا أفقده الخلافة.

أنا إذن مع دولة إسلامية اتخذت الرحمة والصفح والقيم الأبيّة، قيم الإمام على، فارس الفرسان، دعائم لها، ولمَ سميت تلك الدولة بالإسلامية؟ فهى دولة يؤمن أبناؤها بروح الإسلام وسموّه، إنها خطوة على درب المدينة المثلى.

أسئلة

■ هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟

- بكل تأكيد.

■ هل يمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟

- أجل، إذا ما احترم العلماء قيم الإنسانية والحق، فيواجهون متطلبات العصر بجديد الأفكار.

■ هل النظام الإسلامى للحكم مرحلة حتمية على الشعوب العربية أن تمر بها فى معرض تطورها؟

- أرفض تعبيرى «نظام إسلامى» أو «دولة إسلامية»، الدولة الإسلامية هى كل دولة تؤمن بروح الإسلام وتطبق أحكام الشريعة، بعض التشريعات الفرنسية والألمانية الحالية مقتبسة عن المذهب الحنفى العائد للقرن الهجرى الثالث.

■ هل تأخذ ظاهرة اليقظة الدينية التى برزت فى السنوات العشر الماضية منحى إيجابيًا؟

- بالطبع تأخذ منحى إيجابيًا بشرط تفهم سليم لروح الإسلام.

■ من هو العدو الأول للإسلام حاليًا؟

- هو التصلب فى الرأى ورفض التطور، وتحول رجال الدين طبقة حاكمة، فمصدر الخطر المحدق بالإسلام داخلى، يتهدده فى عقر داره.

لويس عوض: لهذا لا يؤمن المصريون بأن الحل فى موطن الله فى الأرض

لويس عوض
لويس عوض

يجدر بنا وضع هذه «اليقظة الإسلامية» فى إطارها العالمى، فالوعى الدينى ليس ميزة العالم العربى وحده، إذ نجد فى العالم العربى جماعات محافظة تنزع للتسلط. 

فى الولايات المتحدة الأمريكية، فى بريطانيا، فى ألمانيا.. يخسر اليساريون مواقعهم حتى فى الصين.. فنستشف ثمة اتجاه عام فى العالم نحو اليمين المحافظ، ونتبين أيضًا أن النشء الطالع فقد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اهتمامه بالعقائد السياسية. 

أما بالنسبة لجيلى، فكان أكثر التزامًا، إما أن يكون المرء «فاشيًا» أو «شيوعيًا»، كنا كليًا مع «فرنكو» أو مع الجمهوريين أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، ونعيش فلسفة مطلقة تؤمن بالحلول الجذرية، وقد فقد النشء الحاضر هذا التصميم.

بالطبع، كان هناك محافظون بصورة دائمة فى مصر، ولا شأن لهم إلا إذا كانت البلاد فى ضائقة أو فى حالات ضعف، أما إذا قويت فنجد الدولة تعتنق مبادئ التطور: من علمنة وعقلانية إلى إلخ، أما إذا كانت البلاد ضعيفة تتقاذفها رياح الأزمات، فتركن إلى الأساليب التقليدية. 

هكذا فى عهد عبدالناصر رأينا القوى الرجعية والمعارضة بأجمعها، تنضوى تحت لواء الإخوان المسلمين وتعتنق مبادئهم وأفكار «سيد قطب»، ذلك أن عبدالناصر كان أول من تعرض للملكية الفردية فى مصر بالتأميم وإنشاء القطاع العام، غير أن هزيمة ١٩٦٧ شددت من عزيمة هذا التيار وأكسبته شعبية كبيرة، وسط اليأس العام، تعزز الاعتقاد لدى الرأى العام المحموم المهتاج، إن الهزيمة عقاب من الله نتيجة التخلى عن الدين ودخول مصر المعسكر الروسى.

لم يعترض الإخوان المسلمون فى البدء على هذا الالتزام ولا حتى على التقرب من الولايات المتحدة الأمريكية، فاعتقاد السادات راسخ باقتناء أمريكا وحدها مفاتيح حل قضية مصر وإسرائيل، ولعل هذا ما قاده إلى «كامب ديفيد». ولم يعترض الإخوان المسلمون بل وافقوا ضمنيًا على هذه السياسة، أما المعارضون فكانوا الناصريون والشيوعيون والاشتراكيون العرب ولفيف من العناصر التقدمية فى مصر، معتبرين أن ثمن السلم كان باهظًا.

كما أنه من الملفت أن التيارات التى تحاول التعرض للنفوذ الأمريكى فى العالم تفقد السلطان أو تكاد، فى ألمانيا، حلّ «كول» فى السلطة مكان «شميت»، وفى فرنسا، سقط «الفرنك» لمجرد انتخاب فرانسوا ميتران رئيسًا والأمريكيون بدورهم، تحت تأثير الخوف من الشيوعية، نصبوا الخمينى فى إيران بمساعدة رئيس جمهورية فرنسا جيسكار ديستان. 

هناك موجة تخلّف تسيطر على العالم ويجب اعتبار هذه الظروف الدولية للوقوف على ظروف مصر الخاصة.

فى عهد السادات ساد ثمة خوف من تحالف الدولة مع الإخوان المسلمين، فالمصريون لا يؤمنون بأن الحل يأتى من قيام موطن الله فى مصر، إنهم عمليون، ينفرون من النظريات والسياسات ولا يؤمنون إلا بالحلول العملية. 

فى عهد جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده كان ثمة تسليم أن الشعوب الإسلامية فقدت عظمتها، فسقطت من قمة الحضارة وتخلفت، وساد الاعتقاد بأنها أضحت ضحية إمبريالية مسيحية، لا حيلة لها ضدها لا بتطوير الإسلام المهجن بالنفوذ التركى والتترى والمماليكى، فهوى فى عصر انحطاط.

إن العودة إلى روح الإسلام تعنى أصولية فى الروح وليس فى النص، كان البحث يتجه نحو نهضة هدفها الأول مقاومة تسلط الغرب، أما اليوم فالجماعات الإسلامية بدلت من تصوراتها وأفكارها، وبات هدفها العودة للوضع السائد أيام عمر بن الخطاب وبناء موطن الله على الأرض، ويأبون سقوط وتخلف الشعوب الإسلامية أو العربية، لا بل بالعكس، يعتقدون أن الغرب المتخلف أدبيًا، يستمد جبروته من ماديته، فانتفاء مركب النقص تجاه الغرب له أهمية كبرى.

فبالنسبة لجمال الدين الأفغانى ومحمد عبده كانت الديانة بمثابة سلاح يشهر للدفاع عن النفس، أما بالنسبة لجماعة التكفير والهجرة مثلًا فالديانة سلاح يستخدم للاستيلاء على السلطة، وعلى الرغم من استعمالهم لغة مجددى القرن التاسع عشر فلا نجد صلة بنوة فعلية، إنهم يشكلون حركة سياسية وليست دينية، بدليل اتباعهم آراء مفكرين كالمودودى، وهذا يثبت أن رأسمالهم الروحى لا يعتمد التراث الإسلامى وقودًا معنويًا، بل تحليلات سياسية وأيديولوجيات حديثة فلم يتمكنوا حيت الساعة من التوفيق بين مواطن تناقضاتهم الأساسية، إنهم، بكل بساطة، يسعون لتطبيق مبادئ القرن السابع على حياة القرن العشرين.

ولا عجب من تعاظم مثل هذه التيارات بعد هزيمة الأنظمة العلمانية فى هذه المنطقة من العالم- وفى مصر خاصة- مما أدى ليقظة التشدد الإسلامى بدعم من الجارتين الثريتين العربية السعودية وليبيا، بحيث طغت النزعة الأصولية، حتى إن أشخاص كمحمد حسنين هيكل أو أنور عبدالملك أعربا عن تعاطفهما مع الخمينى من اليوم الأول، فحرب إيران والعراق تحرجهم حاليًا. 

هذا ونجد عددًا من المثقفين الشباب، والمفترض أن يكونوا تقدميين، فى غزل علنى مع الخمينى، مما يشاهد على ضعف اليسار فى العالم العربى الذى فقد اندفاعه الحيوى. إن فشل الماركسية فى هذه البلاد يدفعهم للبحث عن مخرج، فيتمسكون بفلسفة جديدة وإن كانت متطرفة.

يبقى أن الجماعات الإسلامية بحاجة لبرامج حقيقية واقعية وإلا بقيت هامشية، كجماعة «بادر» وجماعة «الفصائل الحمر»، قادرة على التفجير والتسبب بأجسم الأضرار، وفى الوقت نفسه، عاجزة عن البناء أو الخروج بتصورات أو عروض عملية، فالدول المناهضة للشعوبية يتعين عليها تقديم بعض الضمانات على أمل اعتدال سياسى مرتقب قد يؤدى لحل العقد، تبدو مصر فى الواقع عام ١٩٨٥ أقل غليانًا منها سنتا ١٩٨٠ و١٩٨١ ونشاط الإخوان المسلمين أقل عنفًا منه فى عهد السادات، فالرئيس مبارك اختار الاعتدال دون اتخاذ موقف من العلمنة.

أسئلة

■ هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟

- كلا، وإذا تمكن الإسلام من التغلب على «بيزنطيا» سابقًا، فلأنه كان دينًا علمانيًا أكثر من الدين المسيحى فى القرن السابع، وكان يعنى بالأمور الحياتية بقدر اهتمامه بالروحانيات، بينما نظام «بيزنطيا» كان روحانيًا لا يهتم إلا بالحياة الأخرى، ويبدو أن ما تحلم به الجماعة الإسلامية هو الإسلام البيزنطى.

■ هل يمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟

- كلا، فليس لدى الإسلام نظام سياسى خاص وكل ما يمكن قوله هو أن الإسلام فى عهده الأول- يوم كان خالصًا نقيًا- كان يشكل جمهورية شرعية بقيادة رجال، لا صفة دينية لهم لتطبيق القوانين الإلهية، ومرة أخرى تتضح الأبعاد العلمانية لهذا النظام التى فرقته عن النظام البيزنطى ومكنته من التغلب عليه، أما اليوم فنرى العكس، بحيث إن الذين يؤيدون النظام الإسلامى يقولون بأبعاده الروحية العقائدية والجمالية، وهذا ما يفقد كل أمل لمن يؤمنون بقدرة الإسلام أو قل النظام الإسلامى، على منافسة الأنظمة الغربية.

■ هل النظام الإسلامى للحكم مرحلة حتمية على الشعوب العربية أن تمر بها فى معرض تطورها؟

- ليس بالضرورة، أعتقد أن هناك ميلًا للمبالغة، فصوت الجماعات الإسلامية صارخ، لذا نسمعه، إنما هو صوت غريب عن الشعب المصرى، ولا أعتقد أن هذه الجماعات تمثل طموحات شعبنا فى أى من طروحاتها.

■ هل تأخذ ظاهرة اليقظة الدينية التى برزت فى السنوات العشرالماضية منحى إيجابيًا؟

- ليس باعتقادى والعكس أصح، فهذه الظاهرة فى تراجع تدريجى، تنسف السعى الحثيث لنهضة وطنية.

■ من هو العدو الأول للإسلام حاليًا؟ 

- المسلمون أنفسهم.

جمال الغيطانى: الدولة العلمانية أكثر ملاءمة لإدارة مجتمع عصرى

يا جمال النبى.. تجليات الغيطانى فى سبيل تجديد روح الدين
جمال الغيطانى

أعتبر نفسى بكل تأكيد ابنًا صرفًا للقاهرة، وإن أمضيت سنواتى الست الأولى من حياتى «بالصعيد» فى قرية قريبة من «سوهاج»، غير أن حياتى بأكملها تقريبًا قضيتها فى «الجمالية» «فى الواقع حتى ١٩٧٥ اضطررت، بسبب زواجى، للبحث عن مسكن فى مكان آخر». 

نشأت فى عائلة فقيرة، فى حى شعبى أو ما يسمى بالحارة، يُدعى «قصر الشوك» يقع ناحية «مظفر خانة»، ترعرعت وسط هذا العالم الضيق المقفل، وأنى جلت بنظرك فى هذا الحى لا يقع إلا على عنصر هندسى إسلامى قديم.

بالنسبة لولد كل هذه الأشياء لا تعنى الكثير طبعًا، غير أنى أذكر اعتلائى سطح المسكن- وكنا نقطن الطبقة العلوية- لأرى الحى بأكمله: بمآذنه، وخاصة مأذنة جامع الرفاعى التى كان والدى يومئ لى نحوها، كان ذلك فى إطار حياتى اليومية، ثم المدرسة الابتدائية التى ارتدت وكانت تحمل اسم أمير تركى: عبدالرحمن كتخودة، فالثانوية الواقعة بجانب مدرسة قديمة والتى بناها الأمير جمال، ومررت أيضًا لفترة عامين، بمدرسة «السلح دار» الواقعة داخل باحة جامع الحاكم، فى حينه كان الجامع المذكور أنقاضًا. 

أقول هذا لأعطى فكرة ولو موجزة عن بيئة طفولتى وحداثتى.

بعد حين وعندما بدأت المطالعة، انحصرت قراءاتى ببخس الثمن من الكتب، إنما توسعت فى الأزهر لاحقًا، إلى الكتب الأدبية والإسلامية، وكذلك أوليت ترجمات لروايات أجنبية، قسطًا من اهتمامى.

طبعتنى هذه المنطقة من المدينة بطابع نهائى، ولو أننى لم أتبين إلا شيئًا فشيئًا، أهمية وجمال هذه الأمكنة التى حضنتنى، هذا وحثنى فضولى للتعرف إلى غيرها واكتشاف مصادر الأسماء «أسماء الأماكن». مثلًا، مصدر اسم «طبلاوى»- اسم الشارع حيث أسكن- واسم «بين القصرين» «قصر الشوك». 

كما كنت أتشوق وما زلت لمعرفة تاريخ هذه الأمكنة، بالعودة إلى جذورها وتقصى معالمها فى حقبات مجيدة طوتها الأزمنة الغابرة، هذا دون التطرق إلى الناحية الإنسانية «التعايشية» اليومية، التى لم أجد لها مثيلًا أنى ألتفت حولى.

فى الشارع حيث نسكن، كان السكان يعرفون بعضهم البعض، ولا يفوتهم الأصل الريفى لكل عائلة، وذكرياتهم ترافقهم أبدًا، فالعائلات موزعة فى الحى حسب قراها الأصلية، فكان الود يجمعنا لحد إذا سافرت توافدت نساء الحى لعند أمى تسأل عن إخبارى، فهناك ثمة تعاون وتضامن وتبادل خدمات وحتى أطعمة بين السكان، وكذلك طبعًا خلافات ومصالحات.

كل هذا جمعته فى مؤلفى «حارة الزعفرانى»، وأعترف بأنى مدين بثقافتى ونفسيتى لهذا الحى من القاهرة القديمة.

وعندما بدأت العمل كان اختصاصى الرسم على الأبسطة وكرسّام تجولت تكرارًا فى مناطق كافة، فزرت معظم القرى، ثم دخلت السجن لأسباب سياسية، وعند إطلاق سراحى، تمّ تعيينى عضوًا فى إدارة تعاونية حرفية «خان الخليلى» لمنعى من السفر وإبقائى فى مكان واحد بالقرب من حيّى. وبالفعل أقمت فى حى الحسين سنتين لحين نيلى وظيفة فى صحيفة «أخبار اليوم».

من خلال معاشرتى للحرفيين فى أحياء القاهرة القديمة، اكتسبت غنى معنيًا ومعرفة بالناس وفئاتهم. شرعت بدراسة لآثار الأحياء منذ الستينيات، واكتشافى لهذا الحى وعميق التقصى لمعالمه الإنسانية والمادية كان لى مثابة شهادة جامعية، حرمت منها.

فشغفى بالماضى يعود لطفولتى إذ اجتهدت دائمًا لتذكر أحداث البارحة والأسبوع الفائت والسنة السابقة، ومن محطة إلى أخرى، كان الماضى بمعناه الأوسع وقرونه الغابرة موضع اهتمامى وأبحاثى، وبديهى أن يتأثر نشاطى الأول والأهم، الكتابة والتأليف، بهذا الشغف.

ترتبط الكتابة أساسًا بمكان معين، بتاريخه وماضيه وروحه، وعندما نعنى بالوقت ومروره نعنى أيضًا بالمكان، ذلك أن عرى الزمان والمكان لا تنفصم، فالمكان نقطة ارتكاز الوقت، والذكرى ترتبط حتمًا بزمان ومكان وجود صاحبها.

إن القاهرة القديمة، بالنسبة لى مسرح ذكريات تفرض نفسها ووجودها وترتبط بالزمن النفسى، وفيها أشعر بأننى أعيش حقًا طبيعتى وفيها فقط يمكننى الانفتاح كليًا على الغير.

من هنا نتبين أهمية ارتكاز الكاتب على مكان معين، ذلك أن هذا المكان يفترض زمنًا وتاريخًا ومجتمعًا وعلاقات بشرية، بعض الكتّاب العرب، نتيجة لظروف سياسية، واضطهادات، يضطرون للانتقال من مدينتهم، ولا تتيسر إقامة ثابتة لهم فى أى مكان آخر، فتغرق أعمالهم الفنية والفكرية عندها، فى «خيالية مُضلّلة».

عندما توافرت لى عروض مغرية فى باريس، اعتمدت الرفض جوابًا، مفضلًا البقاء فى القاهرة مع ما يعترى ذلك من أخطار، إذ لا يمكننى العيش خارجها، لا فى باريس ولا فى لندن، مرده، إيمانى بالماضى أكثر من الحاضر لأننى عاجز عن عيش اللحظة الحاضرة، بشكل عفوى إذ إننى أحياها مسبقًا أو لاحقًا، أن إحساسى الخاص بالزمن حال دون اعتناقى الفلسفة المادية، الماركسية، رغم تعمقى بدرسها، وتغذيتها تأملاتى الفلسفية الأولى. 

فى السنوات الأخيرة غزرت قراءاتى عن الصوفية والصوفيين، فانجلت لى أشياء حواها القرآن وحجبت عن انتباهى سابقًا.

لكلمة «منفى» الكثير من المعانى. فالمنفى يمكن أن يكون روحيًا معنويًا، دون أن يؤدى ذلك إلى نفى جسدى، وهناك نوع من الشعور بالمنفى، برفقة أشخاص، تشعر بأنك سلخت عنهم، وهذا شر أنواع النفى، بحيث يشعر المرء بالغربة بين أهله.

وهذا الشعور ينتاب عابر السبيل، حين تحط به الرحال فى مكان ما، تلك حالى أنى توجهت، ما أن أصل حتى أمضى، ولا يتحقق الشعور بالألفة فى كنف العائلة إلا إذا ثبت الإنسان، وأحد لا يثبت.

«كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام». 

البشرية باقية والإنسان زائل، حتى ولو ضحى أحيانًا بشىء من حياته الخاصة، من لذاته البسيطة، فى كفاحه للأجيال الطالعة.

يشعر جيلى بكل ذلك كونه شب فى ظل كبير الآمال، وفكرة تحقيقها راسخة لديه، لدرجة أن السنوات الأخيرة وحتى السنة الحالية تبدو فى منجزاتها دون مستوى هذه التطلعات والأحلام وفى تراجع تجاهها، وإذا توقف الزمن بالإنسان فشعر بأنه معلَّق يتأرجح بين زمن فات دون عودة، ومقبل قد لا يبلغه، فلا مناص له من هذا الشعور بالغربة والمنفى.

يعى الأديب ربما أكثر من غيره، ويدرك حقيقة المنفى فى أوجهه الثلاثة: النفسى، الاجتماعى والسياسى.

هو أيضًا شعور بالمنفى ذاك الإحساس بوجود أوقات ولحظات مضت، كالتى عشتها فى القاهرة القديمة مع أهلى فى صغرى- أكثر من الوقت الحاضر- أو النظر إلى أولادى وتصورهم بلغوا الرشد وتزوجوا، بعد غيابى.

كل هذا بصرف النظر عن المنفى السياسى الذى يطاول المثقفين والمفكرين، لا سيما فى العالم العربى عندما يتعرضون لأمور لم يطلب منهم التطرق لها، غير أن الوضع فى مصر مختلف عن الوضع السائد فى بعض الدول الأخرى، فقد تمكنت من قول وكتابة أشياء «تودينى» للذبح فى أماكن أخرى، كما أن حرية التعبير كانت أكبر فيما مضى، فمنع، عام ١٩٢٦ مؤلف طه حسين فى الشعر المناهض للإسلام، تسبب بثورة أو كاد، أما مؤخرًا، فمنعت «ألف ليلة وليلة» ولم أرَ أدنى احتجاج.

تستعين أنظمة العالم العربى بالدين لغايات سياسية، وإننى شديد الحذر من الجمعيات الأصولية ويعترينى خوف من تسلمهم السلطة، كما فى إيران. 

إنما يبقى فضلهم بالشهادة عن انحطاط القيم فى مجتمعنا، وانقلاب المقاييس فى السبعينيات، إذ قيست قيمة الإنسان بماله، حتى السادات حاول استخدام الدين فى بدء عهده، وأطلق مقولته: العلم والإيمان، فشجع الحركات الأصولية ومنحها الحرية اللازمة لمجابهة القوى اليسارية، بينما قاومها عبدالناصر. فكان من هذه الحركات أن كشفت الانحلال العام للقيم. 

على كل حال بعد موت السادات تراخى هذا التشدد، وتقلص نفوذ تلك التيارات.

نجابه غزوة ثقافية غريبة مصدرها الولايات المتحدة الأمريكية يجب مقاومتها

كل الحكام الذين يدعون الحكم باسم الإسلام، إنما يستغلونه لغايات سياسية، الإسلام الحق، إسلام عمر بن الخطاب مثلًا، كان دين الفقراء وفى خدمة المعوزين.

فأى من قادة العرب يطبق إسلام عمر بن الخطاب، علمًا بأنها فكرة متطرفة أن تحاول اليوم تطبيق نظام اجتماعى يعود لما قبل خمسة عشر قرنًا، لا سيما وأن المصرى لا يؤمن بالحلول المتطرفة مفضلًا «الوسطية» منها والمعتدلة.

ينتاب المثقفون الوطنيون فى مصر شعور واحد، يؤكد أننا نجابه غزوة ثقافية غريبة مصدرها الولايات المتحدة الأمريكية يجب مقاومتها، وكون مصر البلد الأكثر تحضرًا فى المنطقة ولديها إمكانيات لتصبح جبارة ومتطورة أمر يدعو للارتياب فى أهداف الأمريكيين، فلا أراها تسعى لخير هذا البلد، حيث إنها تساعد على خلق وتشجيع الانقسامات الداخلية والانحطاط الاجتماعى، وباعتقادى أن هذا الانجراف المفاجئ نحو كل ما هو غربى والمستتر بإيجابية الانفتاح والقائل بإدخال طريقة العيش الأمريكية إلى مجتمع فقير، دفع الكثير من المثقفين لمعالجته ومجابهته وبالتقاليد، حتى ولو كانوا ماركسيى النزعة، وهذا ليس بالعودة إلى الدين أكثر منه محاولة لإحياء عناصر التراث الثقافى. 

ونرى الجمعيات الإسلامية الأصولية التى لم تحفظ من هذا التراث إلا الشق الدينى: القرآن والسُنة وترفض طريقة العيش هذه، فتصفها بالكفر، كما ترفض العناصر «المدنّسة» وشعراءها وكتابها، وهنا يخامرنى الشك بأن يكون الأمريكيون خلف هذه الحركات الإسلامية، فاللواء «ضياء الحق» مثلًا يطبق الشريعة الإسلامية، ولا يخفى تأثير النفوذ الأمريكى فى النظام الباكستانى والنظام السعودى، لعل فى ذلك سبب يقظة الأصولية والتطرف الدينى عندنا، فهى نزعات غريبة عن مصر والمصريين، كرواج بعض الألبسة لطابعها الإسلامى إذ تنتفى فيها الميزة التقليدية.

أسئلة

■ هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟

يجدر بنا، فى هذا المجال، النظر لذاتية وجوهر الإسلام، وأبعاده الدينية الصرفة، ذلك أن الإسلام فى حقيقته يعلو المسلمين.

■ هل يمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟

ممكن.. ولكن يتعين اعتماد تفسيرات جديدة تتفق والمفاهيم العصرية، والمؤسف تبنى البعض تفسيرات القرون الوسطى للنصوص الدينية.

■ هل النظام الإسلامى للحكم مرحلة حتمية على الشعوب العربية أن تمر بها فى معرض تطورها؟

يؤكد ذلك علماء الدين. غير أنهم لا يعلمون لإنشاء مجتمع إسلامى صحيح.

■ هل تأخذ ظاهرة اليقظة الدينية التى برزت فى السنوات العشر الماضية منحى إيجابيًا؟

حتى الآن لم تتخذ هذه اليقظة سوى أشكال سياسية ملفتة. وحقيقة الإسلام غائبة وهى ما يترتب البحث عنه.

■ مَن هو العدو الأول للإسلام حاليًا؟

هم الحكّام المسلمون فى أميتهم وجهلهم.

توفيق الحكيم: اللجوء للعنف والرشاشات والقنابل لرد الاعتبار للإسلام يفقدنى الثقة بالإنسان ومستقبله

بصمة توفيق الحكيم الدينية.. كنز تاريخى عمره 90 عامًا عن الله والرسول  والإلحاد
توفيق الحكيم

 

حتى الثلاثينيات كانت مصر ماضية باتجاه مستقبلى، هداها إليه محمد على فاتجهت أنظارها نحو الغرب، ثم فى الأربعينيات أدخلت الماركسية فكرة إلصاق صفة الإمبريالية بالغرب، ومصر ما زالت تحت وطأة الاحتلال البريطانى، فالنشء المثقف، المستقل عن الحركة النهضوية التى انطلقت فى القرن السابق، رفض سيطرة الغرب كلما رفض ثقافته، بينما نحن الجيل الأسبق، حاولنا إقناعه - ولم نزل - بضرورة التفريق ما بين الثقافة والسياسة، إذ ينبغى إنقاذ معالم الثقافة الغربية التى عرّفنا إليها رفاعة الطهطاوى فى مصر منذ القرن الماضى.

منذ خمسة عشر عامًا ومن قلب الأزمات التى تعانى منها بلادنا ارتفعت أصوات تنادى بالإسلام حلًا، إذ تبين أنه من العبث البحث عن حلول فى الأمثلة الغربية الفاشلة، إن إدخال العنصر الدينى يزيد الحالة تعقيدًا، لدعمه موقف معارضى الثقافة الأجنبية.

هذا وباعتقاد بعضهم أن فى اعتماد الإسلام نظامًا، يتحقق المجتمع المزدهر كما وُصف فى التاريخ، علمًا بأن المجتمع الإسلامى، ككل مجتمع، يقوم على أفراد يتصفون بالقوة حينًا وبالضعف أحيانًا، ويظن الشباب الطالع الداعى لتطبيق الشريعة أن قطع يد السارق يضع حدًا للسرقة.

هذه الرغبة فى العودة إلى الماضى، وحتى إلى العصر الحجرى، تتأتى من يأس بالحاضر والمستقبل، وفقدان الجذور الثقافية، فمصر اليوم غارقة فى المادية، لا يستهوى شعبها سوى اللذة والرفاهية وشراء ما لا ينفع.

الشغف بالثراء ليس بالجديد فى الشرق، إلا أن أثرياء الماضى عنوا بشراء المخطوطات وإنشاء المؤسسات، بينما تبذر الأموال اليوم فى المقاهى الليلية، هذه الأجواء الخالية من كل روحانية تؤثر سلبًا فى النشء الصاعد لا سيما وأن شخصيته غير مكتملة تتأثر لحد فصلها كليًا عن جذورها الروحية والفلسفية، المتأصلة فى حضارتنا الشرقية.

هذا المناخ مضافًا إلى أجواء التشدد الدينى المتزايد، يشعرنى وكأنى فى منفى، ليس منفى سياسيًا تُحدُ فيه حرية التعبير، بقدر ما هو منفى نفسى أعانى منه فى داخلى وعلى أرض بلادى. 

أما اليوم، وقد طرحت القضايا الدينية والسياسية فى أوساط المثقفين، من نواحيها كافة، وبكثير من الدقة، فأرى معظم كتاباتى، ولو تلك التى تعود لما قبل خمسين عامًا، غير مستساغة ونابية، قلت إن العلماء ورجال العلم أقدر على إقناعنا بوجود الله ووحدته من الفلاسفة، لما يشوب أسلوب هؤلاء من إبهام وتعقيد، كما أن من رجال الدين الذين لم يعرفوا الله سوى من خلال بعض النصوص المحفوظة غيبًا. 

نزداد معرفة بالخالق بمقدار اقترابنا من أسرار خلقه، سالكين سبيلًا جديدًا ألا وهو طريق العلم. 

فعلى الأزهر أن يمنح العلوم عامة والرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الفلك بصورة خاصة، مجالًا أوسع للنمو فيصبح عندها المسلمون أهلًا بالإسلام.

الوضع الراهن ليس أفضل من الوضع الذى حمل محمد عبده فى بدء هذا القرن على القول: «التقيت فى أوروبا مسلمين ولم ألتقِ إسلامًا، ووجدت فى موطنى إسلامًا ولم أجد مسلمين».

واللجوء اليوم للعنف والرشاشات والقنابل لرد الاعتبار للإسلام - وذلك خدمة للتطور والإنسانية - يفقدنى، أحيانًا، الثقة بالإنسان ومستقبله.

أسئلة

■ هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟

أجل.

■ هل يمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟

أنا أدعو للدولة العلمانية، التى تبدو أكثر ملاءمة لإدارة مجتمع عصرى.. بينما يعنى الإسلام بعلاقات الفرد مع ربه ومع الغير.

لقد تبدّل المجتمع وتغيرت أحواله فلم يعد كالمجتمع الإسلامى فى مكة والمدينة أيام النبى، يمكن للإسلام وضع المبادئ الأساسية للمجتمع وعدم الاهتمام مباشرة بعملية التطبيق، فمبدأ «الزكاة» مثلًا لا يمنع من فرض ضرائب بالمعنى العصرى للكلمة، إذ إن فى فرضها سبيل للعدالة الاجتماعية، أحد مبادئ الإسلام عملًا بالقول بأن البشر خلقوا متساوين «كأسنان المشط».

■ هل النظام الإسلامى للحكم مرحلة حتمية على الشعوب العربية أن تمر بها فى معرض تطورها؟

إذا كنا نتكلم عن المستقبل فيجب أن تكون الدولة عصرية علمانية وليست دينية «ثيوقراطية»، تخضع لأحكام الشرع.

■ هل تأخذ ظاهرة اليقظة الدينية التى برزت فى السنوات العشر الماضية منحى إيجابيًا؟

تشكل فى بعض أوجهها ظاهرة إيجابية بمقدار ما تجابه موقفًا عدائيًا أو انحطاطًا اجتماعيًا، فتبدو إذ ذاك وسيلة دفاع عن النفس. أما عندما تبلغ التطرف الإيرانى فتفقد عندها كل إيجابية.

■ من هو العدو الأول للإسلام حاليًا؟

هو الاستعمار الغربى بصرف النظر عن التخلف، إلا أن سبب التخلف فى هذه البلدان هو الاستعمار والجهل والقادة الانتهازيون الذين يرفعون لواء الإسلام للاستيلاء على السلطة.