عمرها 74 عامًا.. ووقائعها تؤكد عداء الجماعة للمسيحيين
مذبحة إخوانية لأقباط السويس
- لو راجعنا ما فعله الإخوان بعد 30 يونيو سنتأكد أنهم لم يغادروا كراهيتهم للمسيحيين
- الجماعة ارتكبت الجريمة وذهبت لتشارك فى تشييع الضحايا بقلب بارد وابتسامة صفراء
جرت وقائع هذه المذبحة فى 4 يناير 1952.
تفصلنا عنها الآن 74 عامًا، لكنها لا تزال حية فى الذاكرة الوطنية.
وقد تسألنى عما يجعلنى أعيد التذكير بهذه الواقعة الآن؟
فلا الشهر يناير.
ولا نعانى من أزمات طائفية تجعلنا نستدعى ما جرى للتأمل والمقارنة وتعلّم الدروس.
سأقول لك ببساطة لأنه من ناحية هناك من يريد أن يطمس ملامح الأحداث التاريخية، ينسب لنفسه ما لم يفعله، ويسلخ من الآخرين ما قاموا به، لا يريد لنا أن نعرف ما جرى، أو نتوقف أمامه بالتأمل والتفكير فيما وراء الحوادث التاريخية الكبرى.
ومن ناحية ثانية لأننا نعيش الآن أجواء ثورة 30 يونيو العظيمة التى لعب فيها الأقباط الدور الأكبر، فقد كانوا وقودها ومن الدافعين لها، وكذلك من تحمّلوا ودفعوا ثمنًا غاليًا جدًا نتيجة ثباتهم على موقفهم، هددتهم الجماعة الإرهابية علنًا بالاستهداف، وبعد فض اعتصامى رابعة والنهضة الإرهابيين أحرقت كنائسهم واعتدت على بيوتهم ومنشآتهم.. وقد سجلت المحاضر الرسمية ما يقرب من 400 اعتداء على كنائس ومدارس وبيوت ومنشآت المسيحيين.. هذا غير ما تعرضوا له من اعتداءات شخصية.
لم يكن ما فعله الإخوان جديدًا، فعداؤهم مع المسيحيين فى مصر قديم وثابت، رغم أنهم حاولوا كثيرًا إنكار هذا العداء، وإظهار المودة التى لم تكن إلا إحساسًا زائفًا لا يقوم على حقائق.

الإخوان فى الدار البطريركية
لم تكن مذبحة الأقباط فى السويس هى الحدث الطائفى الأول فى العصر الحديث، كان هناك حادث سبقه فى مدينة الزقازيق بالشرقية.
ففى مارس من العام ١٩٤٧ قام متطرفون بحرق كنيسة فى مدينة الزقازيق.
كانت الكنيسة يومها تشهد تجمعًا نسائيًا كبيرًا لحضور ندوة تدور حول معنى الفداء، عندما اشتعلت النيران اعتقد المتواجدون فى الكنيسة أن الحريق قد يكون بسبب ماس كهربائى، أو بسبب شمعة هنا أو هناك.
التحقيقات فى الحادث أشارت إلى أن الحريق كان بفعل فاعل.
فبينما كانت السيدات يستمعن إلى المحاضرة داخل الكنيسة، حدث تجمهر أمامها، احتشد خلاله عدد من المتطرفين وحرّضوا المحيطين بالكنيسة على إشعال النار فيها، وكان من بين هؤلاء المتطرفين عدد من شباب الإخوان، ورصدت الصحف أن المتجمهرين أمام الكنيسة كانوا يهتفون «اليوم يوم الصهيونية.. وغدًا يوم المسيحية» و«اليوم يوم السبت.. وغدًا يوم الحد».
كان هذا الحشد مدفوعًا بعدة مقالات نشرتها صحف جماعة الإخوان، دأبت فيها على التحريض على الأقباط، واتهامهم بأنهم يسيئون إلى الإسلام، دون أن تذكر وقائع محددة لذلك، لكن هذا التحريض أحدث أثره فى النفوس، ودفع الغاضبين إلى الانتقام، وكان مقصدهم كنيسة الزقازيق تحديدًا.
لم يشارك شباب الإخوان فى إشعال النيران بأنفسهم، ولكنهم لجأوا إلى الحيلة التى كانوا ولا يزالون يستخدمونها حتى الآن، وهى التحريض على الفعل والامتناع عن المشاركة فيه، حتى إذا وجدوا أنفسهم فى موقف المساءلة أنكروا أنهم شاركوا أو كانت لهم علاقة، وهم كاذبون فى ذلك.. فالمحرّض لا يقل جُرمًا عن الفاعل.
كعادة المصريين التى تلازمهم، سارع جيران الكنيسة وساعدوا فى إطفاء الحريق بما لديهم من أدوات حتى ولو كانت بسيطة، وقاموا بإلقاء سلالم خشبية نحو النوافذ والأسطح لمساعدة السيدات المحاصرات على النزول عليها والنجاة من الحريق. ووقف المحرّضون يشاهدونهم على البعد، فالنار التى أشعلوها لم يرغبوا فى إطفائها أبدًا.
المفارقة المضحكة أن حسن البنا، المرشد العام لجماعة الإخوان، ورغم علمه بمشاركة شباب جماعته فى الزقازيق فى التجمهر الذى كان يحيط بالكنيسة، إلا أنه سارع، وكوسيلة لغسل يديه مما جرى، وأرسل رسالتين.
الأولى كانت إلى الأنبا يوساب الثانى، بطريرك الأقباط الأرثوذكس.
والثانية إلى الدكتور إبراهيم فهمى المنياوى باشا، وكيل المجلس الملى العام.
كان نص الرسالتين واحدًا تقريبًا، استنكر البنا الحادث وأكد وحدة عنصرى الأمة التى فرضتها الأديان السماوية، وقدّستها العاطفة الدينية، وخلّدتها المصلحة القومية.
المراقبون التاريخيون لهذا الحادث أشاروا إلى أن حسن البنا سارع بإرسال هاتين الرسالتين فى محاولة منه- كما أخبر المحيطين به- لمنع تطور الأمر إلى اضطرابات أوسع.

ظنى ومن سوابق حسن البنا أنه لم يفعل ذلك إلا لمعرفته بمشاركة بعض أعضاء جماعته فى التجمهر حول الكنيسة، ولو لم يكن للجماعة يد فى هذا الحريق، ما تكلف عناء كتابة الرسالتين، لكنه تعامل مع الأمر على طريقة «يكاد المريب يقول خذونى».
ما جرى فى السويس كان مختلفًا تمامًا، فنحن لسنا أمام حريق عابر أو اعتداء على كنيسة، ولكنها كانت مذبحة كاملة.
فى هذا التوقيت، يناير ١٩٥٢، كانت منطقة القناة «الإسماعيلية وبورسعيد والسويس» تمر بواحدة من أكبر حالات الفوران السياسى، فبعد إلغاء حكومة النحاس باشا معاهدة ١٩٣٦ فى أكتوبر ١٩٥١ بدأت عمليات الفدائيين ضد المحتل البريطانى.
تحولت المنطقة إلى ما يشبه حرب الشوارع، عمليات نضالية ليلًا ونهارًا، الفدائيون يستهدفون معسكرات الجيش البريطانى بلا رحمة، والإنجليز يتساقطون ضحايا كل يوم.

رغم علاقة جماعة الإخوان الثابتة تاريخيًا وبالوثائق بالمخابرات البريطانية، إلا أن الجماعة حاولت تزوير التاريخ، وزعمت أنها كانت فى طليعة الفدائيين فى منطقة القناة.
أطلقت عناصر من جماعة الإخوان شائعات تتهم فيها عددًا من أقباط السويس بأنهم يعملون كعملاء للإنجليز
فى محاولة لتغطية نشاط الإخوانى المعادى للقضية الوطنية، واستغلالًا لحالة من الشك فى أن هناك من يتعاون مع الإنجليز ويرشدهم على مكان الفدائيين، أطلقت عناصر من جماعة الإخوان شائعات تتهم فيها عددًا من أقباط السويس بأنهم يعملون كعملاء للإنجليز.
قاد أعضاء من الجماعة عددًا من أهالى السويس مستهدفين الأقباط
لم تكن التهمة منطقية أبدًا، وهو ما أثبتته التحقيقات فى شأن المذبحة بعد ذلك، ثم، وهذا هو الأهم، فإن الأقباط وطوال تاريخهم أكثر وطنية من جماعات وتيارات وتنظيمات حاولت اللعب بورقة الوطنية، وهى أبعد ما تكون عن ذلك.
لكن كيف تمت المجزرة؟
بعد انتشار الشائعة بين أهالى السويس ضد عدد من الأقباط، قاد أعضاء من الجماعة عددًا من أهالى السويس مستهدفين الأقباط، تجمهروا وهاجموا كنيسة القديس أنطونيوس للأقباط الأرثوذكس، اقتحموها وأشعلوا فيها النيران، ثم انتقلوا إلى بيوت وممتلكات الأقباط وأحرقوها، وقتلوا عددًا من المسيحيين، وترجح المصادر التاريخية أن شهداء هذه المذبحة يتراوح عددهم من ٩ إلى ١١ شهيدًا.
كان ما فعله الإخوان وأعوانهم فى الشهداء مفزعًا، فقد أعملوا فيهم القتل بالرصاص والأسلحة البيضاء، ولم يكتفوا بذلك بل مثّلوا بالجثث وسلخوا جلود أصحابها وقاموا بإلقائها فى النيران المشتعلة، وحملوا بعضها وقاموا بتعليقها على باب الكنيسة بخطافات الجزارة.
على الفور قامت قوات الأمن بحظر التجوال فى السويس، وألقت القبض على عدد من المشاركين فى المذبحة، وبدأت النيابة تحقيقات موسعة، أثبتت فيها كذب الادعاءات وزيف الشائعات التى أُطلقت ضد المسيحيين، وأشارت بأصابع الاتهام إلى مجموعات المتطرفين الذين بدأوا شرارة الفتنة الطائفية.
كعادتها تعاملت الكنيسة بحكمة شديدة فى إدارة هذه الأزمة، اختار البابا يوساب الثانى التهدئة وعدم التصعيد، وقال وقتها إن دماء الشهداء المسيحيين دماء مصرية سالت نتيجة مؤامرة لإشعال الفتنة الطائفية وصرف الأنظار عن قضية الجلاء الأساسية.
كالعادة حاول الإخوان التخفى وعدم الاعتراف بأنهم من شاركوا فى الجريمة
وورغم التهدئة إلا أن الكنيسة أوصلت الرسالة كاملة بأنها لا ترضى أبدًا عما حدث، فقد ألغت الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد، وقصرتها على الصلاة بالكنائس دون استقبالات رسمية، وعندما ذهب النحاس باشا وعرض على البابا أن تدفع الحكومة ٥ آلاف جنيه لإعادة بناء الكنيسة التى احترقت، رفض البابا بإصرار، وأعلن أن الكنيسة ستتولى عملية الترميم بنفسها.
كالعادة حاول الإخوان التخفى، وعدم الاعتراف بأنهم من شاركوا فى الجريمة، بداية من إطلاقهم الشائعات، إلى دفع المواطنين إلى التجمهر والمشاركة فى الاعتداء على الكنيسة وعلى المسيحيين، بل زار مرشد الجماعة حسن الهضيبى، البابا يوساب الثانى فى مقره البابوى، وقدم العزاء فى ضحايا المذبحة، فكان مثل الذى قتل القتيل ومشى فى جنازته.
وأنا أبحث عن تفاصيل هذه المذبحة فى الأرشيف الصحفى، توقفت أمام عبارة دالة جدًا، تقول: توسط مكرم عبيد باشا ليزور مرشد الإخوان البطريرك لإزالة ما فى النفوس، وللتأكيد على أن الإخوان لم يشاركوا فيما حدث.
دلالة العبارة واضحة جدًا بالنسبة لى، فلم يتوجه مرشد الإخوان لزيارة البابا من تلقاء نفسه، بل كان فى حاجة إلى من يتوسط له لإتمامها، وهو ما يشير إلى أن فرضية زيارته كانت مرفوضة من الأساس، ولم يكن هو نفسه مُرحبًا به فى الكنيسة.
وتأمّل قليلًا تعبير «لإزالة ما فى النفوس».. فقد كان فى النفوس شىء، والذى فى النفوس هذا كان بسبب معرفة الكنيسة بأن الإخوان شاركوا فى هذه المذبحة، بل كانوا وراءها من اللحظة الأولى، ولذلك لم تكن الزيارة إلا زيارة بروتوكولية فارغة، ولم تكن الصورة التى التقطت للمرشد وهو يغادر مقر البابا إلا صورة عابرة لا قيمة لها على الإطلاق.

الصورة التى نشرتها الصحف وقتها كتبت عليها تعليقًا دالًا هو الآخر على ما حدث.
فأسفل الصورة كتبت: الأستاذ حسن الهضيبى بك المرشد العام للإخوان المسلمين يغادر الدار البطريركية بعد زيارة غبطة بطريرك الأقباط الأرثوذكس، وقد ظهر فى توديعه القمص متى جندى المحرقى السكرتير الروحى لغبطة البطريرك.
دعك من ابتسامة المرشد التى ارتسمت على وجهه وهو يغادر الدار البطريركية، فهى ابتسامة قاتل ومعتدٍ، ولا تناسب أبدًا الموقف.
ولكن توقف عند عدم وجود البابا فى صورة الوداع، فهو لم يقُم بتوديعه، بل ترك المهمة لسكرتيره الروحى، وهو ما يعنى أن الزيارة لم تكن ودية أبدًا، ولم يكن البابا يوساب الثانى سعيدًا بها.
أثارت المذبحة غضب المصريين جميعًا، وهو الغضب الذى عبّر عنه الكاتب الكبير محمد التابعى- كان دون غيره من كتب عما جرى- فى مقاله «الوحدة المقدسة»، الذى نشره فى مجلة «آخر لحظة» فى ٩ يناير ١٩٥٢.
يقول التابعى: ما أكثر الكلام الذى نكتبه عن هذه «الوحدة المقدسة»، وحدة عنصرى الأمة المسلمين والأقباط، وما أقل ما نفعله للذود عن سلامة هذه الوحدة وهذا الاتحاد، بل وما أقل ما نفعله لدعم هذه الوحدة وتوثيق الروابط والصلات بين العنصرين، ولا أحب اليوم أن أذكر الأمثال لأن الجرح القريب لا يزال يدمى، وحكمة اليوم كل الحكمة هى فى السكوت.
ويعيب التابعى على الحكومة تصرفها، فيقول: ولكننى أحب أن أقول للحكومة إن الخمسة آلاف جنيه التى قدمتها لترميم ما أصاب كنيسة الأقباط فى السويس ليست هى كل التعويض، وليست كل الترضية، وليست ككل الإجراء الحاسم الذى ينتظره الناس، وأقول الناس ولم أقل الأقباط، لأن سلامة الوحدة وسلامة الاتحاد أمر يهم جميع أهل هذا البلد من مسلمين ومسيحيين.

ويضيف التابعى: كنت أرجو- ولا أزال- أن يسير تحقيق الحادث المؤسف بسرعة حاسمة، وأن تصدر الحكومة بلاغًا رسميًا تعلن فيه أن السلطات المختصة قد ألقت القبض على المجرمين المعتدين، وأن النيابة العمومية سوف تطلب من القضاء أن يوقع عليهم أقصى العقوبة التى ينص عليها القانون.
ويعلّق التابعى الجرس فى عنق الحكومة أكثر وأكثر، فيقول: وبعد غدٍ الجمعة، ترى هل فكّر المسئولون- وزارة الأوقاف مثلًا- فى أن يطلبوا إلى خطباء المساجد فى جميع أنحاء البلاد أن يخطبوا المصلين فى هذه الوحدة المقدسة، وفى وجوب الذود عنها والعمل على تدعيمها.. إلى آخره.
ويختم التابعى مقاله بما يلمز فيه ويغمز فى مرتكبى المذبحة ويشير إلى هويتهم، فيقول: وأخيرًا.. آسف أن أقرر أن حادث السويس ليس أول حادث اعتداء وقع، وقد لا يكون الأخير، إذا لم تحزم الحكومة أمرها وتأخذ بالشدة.. بل بكل قسوة، هؤلاء المجرمين الخونة الذين يخدمون الإنجليز عن قصد أو غير قصد، ويسيئون إلى وحدة البلاد وقضية البلاد.
لم يكن محمد التابعى واضحًا بما يكفى، حاول أن يشير دون أن يوضح، وهو ما لم يفعله البابا شنودة، الذى كان لا يزال وقتها نظير جيد، والذى تحدث بكل طاقة الغضب التى كانت طبيعية جدًا فى مواجهة ما حدث.
فى عدد يناير ١٩٥٢ من مجلة «مدارس الأحد» كتب مقالًا ناريًا بعنوان «حول جريمة السويس»، وبدأه بـ«ابهتى أيتها السماوات.. واقشعرى من هذا جدًا أيتها الأرض».
بدأ نظير جيد مقاله بـ: استمعنا فى ألم بالغ إلى حادثة السويس، هدية العيد الكريمة!! وقد قدمها لنا مواطنونا المسلمون الذين ينادون بوحدة عنصرى الأمة، وعناق الهلال للصليب.

تتلخص القصة طبقًا لما كتبه نظير جيد كما سمعها بنفسه من إخوة له فى السويس فى حرق بعض المسيحيين، والطواف بهم محترقين فى الطرقات، ثم إلقائهم فى الكنيسة وإشعال النار فيها.
ويسأل نظير جيد: أين كانت الحكومة؟
ويجيب: هذا شىء يمكن أن يحدث فى بعض البلاد المتبربرة، أو فى عصور الوثنية والرق والوحشية، أما أن يحدث فى القرن العشرين، وفى السويس، فى بلد فيها محافظ ونيابة وبوليس وإدارة للأمن العام، فأمر يدعو للدهشة والعجب، إنها ليست قرية نائية بعيدة عن إشراف رجال الإدارة، وإنما هى محافظة، فأين كان المحافظ حين وقع ذلك الاعتداء الوحشى؟ وما الدور الذى قام به رجاله الساهرون على الأمن وحماية الشعب؟
حُرقت الكتب المقدسة فارتجّت مصر للحادث وارتجّت معها البلاد المتحضرة التى تقدر الحرية الدينية وكرامة الكنائس
طالب نظير جيد الحكومة- لو كانت جادة فعلًا فى الأمر ولو كانت حريصة على احترام شعور ما لا يقل عن ٣ ملايين من رعاياها- بمحاكمة المحافظ، ومعرفة مدى قيامه بواجبه كشخص مسئول، وأن توقع عليه وعلى غيره من رجال الإدارة العقوبة التى يفرضها القانون.
ويذكّر نظير جيد بما حدث فى حريق كنيسة الزقازيق، يقول: حُرقت الكتب المقدسة أيضًا، فارتجّت مصر للحادث، وارتجّت معها البلاد المتحضرة التى تقدر الحرية الدينية، وكرامة الكنائس والكتب الإلهية، واليوم يضاف إلى حرق الكنيسة اعتداء أبشع، وهو حرق الآدميين، وأمام هذا التدرج نقف متسائلين: وماذا بعد؟
كان وزير الداخلية قبل أيام من حادث السويس فى زيارة إلى البابا يوساب الثانى، وفى الزيارة سلّمه كتابًا نُشر فى الخارج عن الاضطهادات التى يلاقيها المسيحيون فى مصر، وتساءل كثيرون: ماذا سيكون رد الحكومة؟
ويعلّق نظير جيد على ذلك بقوله: قبل أن يجهّز وزير الداخلية الرد الذى ترسله وزارة الخارجية المصرية، وصل رد «الفدائيين» من السويس، ترى هل وافق تصرفهم ما كان يجول بخيال وزير الداخلية من ردود؟
ويضيف: لعل العالم قد عرف الآن أن المسيحيين فى مصر لا يُمنعون من بناء الكنائس فحسب، بل تُحرق كنائسهم الموجودة أيضًا، ولا يُعرقل فقط نظام معيشتهم من حيث التعيينات والتنقلات والترقيات والبعثات، وإنما أكثر من ذلك.. يُحرقون فى الشوارع وهم أحياء.

ويرصد نظير جيد ما جرى بعد المذبحة.
فقد ذهب رئيس الوزراء إلى قداسة البطريرك وعانقه، كما قرر مجلس الوزراء تعويضًا قدره ٥ آلاف جنيه لترميم الكنيسة ولكن رفضها الشعب القبطى بأجمعه.
يقول: إن مجاملات الحكومة لا تنسينا الحقيقة المرة، وهى الاعتداء على أقدس مقادسنا، ولكى نعطى فكرة واضحة عن الموضوع، نفترض العكس، لو حدث أن جماعة من المسيحيين- على فرض المستحيل- حرقوا مسجدًا أو جماعة من المسلمين، هل كان الأمر يمر بخير وهدوء؟ وهل كان يحلّه عناق البطريرك وشيخ الجامع الأزهر، أو اعتذار يصدر من المجلس الملى ومن جميع الهيئات القبطية؟
ويرى نظير جيد أن المسألة ليست شخصية بين الوزارة والبطريرك، وإنما هى هدر لمشاعر ملايين من الأقباط، وإساءة إلى المسيحيين فى العالم أجمع، ولا تُحل هذه المشكلة بعناق أو اعتذار أو عبارات مجاملة أو وعود، وإنما تحتاج إلى عمل إيجابى سريع يشعر به مسيحيو مصر أنهم فى وطنهم حقًا، ويشعرون معه أن هناك حكومة، وأن هناك مشاركة وجدانية لهم فى شعورهم، أما الـ٥ آلاف جنيه فهى أحقر من أن نتحدث عنها، وأحقر منها أن يستكثرها الوزير القبطى- على ما يقال- طالبًا تخفيضها إلى ألفين.
وفى محاولة لرسم صورة لرد الفعل، يقول جيد: لقد قرأنا أن رئيس مجلس الوزراء ووزراءه، ورئيس الديوان الملكى وكبار رجاله، وغالبية الزعماء السياسيين، وشيخ الجامع الأزهر ومفتى الديار المصرية وكثيرًا من رجال الدين المسلمين، كل هؤلاء وغيرهم ذهبوا إلى قداسة البابا البطريرك مظهرين شعورًا طيبًا مستنكرين للحادث، وهذا حسن وواجب وأمر نشكرهم عليه، وقرأنا أيضًا فى الجرائد استنكارًا للحادث من بعض الهيئات المعروفة، كالمحامين الشرعيين واللجنة التنفيذية لكلية الطب، ونحن نشكر كل هؤلاء من صميم قلوبنا، كما نشكر حضرات الكتاب المحترمين الذين شاركونا فى شعورنا كالأستاذ محمد التابعى مثلًا.
لكنه لا يرى أن كل هذا يكفى، فيقول: كل هذا جميل، ولكنها أقوال، والأمر يحتاج إلى عمل إيجابى سريع، لأن أعصاب الشعب تحتاج إلى تهدئة، وتهدئة على أساس سليم.

كانت جريدة «الأهرام» قد ذكرت أن عبدالفتاح حسن باشا، وزير الشئون الاجتماعية، قد ذهب إلى السويس، ورأى، قبل أداء فريضة الجمعة، أن يزور الكنيسة وجمعيتها الخيرية ومدرستها، وأعرب لمن اجتمعوا بمعاليه عن سخطه على الحادث الذى وقع فى الأيام الأخيرة، وأعاد التأكيد بأن الحكومة تأخذ بكل حزم وشدة أى عابث بالأمن وكل من يحاول الإخلال بالنظام أو يفكر فى تعويق البلاد عن متابعة كفاحها.
يأخذ نظير جيد نص خبر «الأهرام» ويعلّق: هذه ألفاظ جميلة، ولكننا لم يُعتدَ علينا بالألفاظ حتى نُعالج بالألفاظ، وإنما نريد أن نرى عمليًا الحزم والشدة اللذين اتخذتهما الحكومة لمعالجة الموقف، على أن يكون ذلك بسرعة لأن حجارة الكنيسة ما زالت مهدمة، ودماء شهدائنا الأعزاء ما زالت تصرخ من الأرض.
وينتقل نظير جيد من مناقشة ردود أفعال الحكومة على ما جرى ويتوقف عند نقطة مهمة للغاية.
يقول: ونود أن نقول للحكومة فى صراحة إن عبارة الوزير القبطى ما هى إلا مجرد اسم، وإن هؤلاء الوزراء الأقباط لا يمثلون الشعب القبطى فى شىء، بل إن منهم من يتجاهل أو يضطهد الأقباط أحيانًا أو يفرّط فى حقوق كنيسته ليظهر للمسلمين أنه غير متعصب، وهكذا يحتفظ بكرسيه.
ويسأل نظير جيد: ما الذى فعله الوزير القبطى؟ أى شعور نبيل أظهره نحو الكنيسة؟ وما الذى فعله الدكتور نجيب باشا إسكندر عندما حُرقت كنيسة الزقازيق؟
ويجيب: لقد زارنا نجيب باشا وقتذاك، فقال لنا: لحساب من تعملون؟ لقد اصطلح المدير مع المطران وانتهى الأمر، وأنتم تهددون وحدة العنصرين. ثم عاد وتلطف أخيرًا بعد أن تبين سلامة اتجاهنا وصحة موقفنا، وإبراهيم باشا فرج جاهد كثيرًا ليقنع غبطة البطريرك بمقابلة رئيس الوزراء قائلًا إنه من الواجب أن نفسد على الإنجليز دسائسهم فى تقويض هذا الاتحاد المقدس بين عنصرى الأمة.. نفس عبارة الوزيرين تكاد تكون واحدة، ولكنها أيضًا تدل على سوء استغلال لعبارة وحدة العنصرين.
وبغضب شديد يعبّر نظير جيد عما فى صدره.
يقول: العجيب أن الأقباط وحدهم هم الذين يُطلب منهم المحافظة على وحدة العنصرين، تُحرق الكنيسة وتُحرق الكتب المقدسة ويُحرق المسيحيون أحياء، ولا يسمى هذا اعتداء على وحدة العنصرين، ولكن عندما يقف الأقباط محتجين يقال لهم وحدة العنصرين، ولحساب من تعملون؟ والجواب؛ إننا نعمل لحساب الكنيسة، لحساب المسيح، لحساب حريتنا الدينية يا معالى الباشا، لو كانت أسماء المسيح والكنيسة والدين لا تزال موجودة فى قاموسك السياسى وأنت وزير.
ويضيف: يجب أن نفهم وحدة العنصرين فهمًا سليمًا، الأمر ليس مجرد تمثيل وادعاء نتبادله مع مواطنينا المسلمين، وإنما يجب أن يكون وحدة قلبية خالصة، ومحبة متبادلة، وتعاونًا صادقًا مع مراعاة المساواة التامة فى كل شىء، ومن ناحيتنا كمسيحيين حافظنا على هذه المحبة، محافظة اعترف بها التاريخ واعترف بها المواطنون جميعًا وسجّلتها محاضر مجلس الوزراء، وبقى على العنصر الآخر أن يظهر محبته محافظة على وحدة العنصرين، لأننا لا نستطيع أن نسكت إطلاقًا عندما تُحرق لنا كنيسة أو كتاب مقدس، ولا نستطيع أن نسكت عندما يُحرق المسيحى حيًا لا لذنب إلا أنه مسيحى، وأؤكد أن مواطنينا المسلمين يوافقوننا على احتجاجنا، بل لعلهم يصفون احتجاجنا هذا بالوداعة والهدوء، بينما لو سكتنا لوصفنا المسلمون أنفسهم بأننا جبناء ضعاف الإيمان، ولم يكن المسيحيون جبناء أو ضعاف الإيمان فى أى لحظة من لحظات تاريخهم الطويل منذ أن سكن المسلمون معهم فى مصر، وقبل أن يسكنوا معهم بأجيال.
ويختم نظير جيد مقاله بحديث يوجهه إلى الشعب القبطى، يقول له: وأنت أيها الشعب القبطى ليس الحرق بجديد عليك، بل إن تاريخك فى الاضطهاد حافل بأمثال هذه الحوادث، وبما هو أبشع منها وأقسى، والمسيحية فى مصر سارت فى الطريق الضيق منذ استشهاد كاروزها مار مرقس الرسول إلى عبر الأجيال الطويلة، قاست الحرق والصلب والرجم والجلد والنشر والعصر والإلقاء إلى الوحوش الضارية وشتى أنواع التعذيب المختلفة، فصبرًا جميلًا، و«طوبى لكم إذا اضطهدوكم»، لقد كان آباؤكم يفرحون عندما يستشهدون، ولكن هذا لا يمنعكم إطلاقًا من المطالبة بحقوقكم.
يستحضر نظير جيد التاريخ، فقد ضُرب بولس الرسول وسُجن وجُلد ورُجم حتى ظن أنه مات، واحتمل كل اضطهاد فى فرح، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يقول لقائد المائة فى استنكار: أيجوز لكم أن تجلدوا رجلًا رومانيًا غير مقضى عليه؟ وهكذا خاف قائد المائة وخاف الوالى وعرض أمر الرسول على قيصر.

ثم يوجّه حديثًا نهائيًا للشعب القبطى، يقول: ولكن فى احتجاجكم كونوا عقلاء، وكونوا مسيحيين، طالبوا بحقوقكم بكل الطرق الشرعية التى يكفلها لكم القانون، وقبل كل شىء ارفعوا قلوبكم إلى الله، ونحن واثقون أنه لا وزير ولا رئيس وزراء ولا أى حزب مهما عظم خطره يستطيع أن يحتمل صلاة ترفعونها بقلب نقى إلى الله، بل إننا نخشى على كل هؤلاء من صلواتكم.
مقال نظير جيد- الذى أصبح فيما بعد البابا شنودة الثالث- غاضب، وكان له كل الحق فى ذلك، فقد كان الجميع يعرفون من يقف وراء هذه المذبحة، لكن لم يتحدث أحد بصراحة، لكننا الآن يمكن أن نشير إلى الجماعة الإرهابية بوضوح وصراحة، فقد ارتكبت الجريمة وذهبت لتشارك فى تشييع الضحايا بقلب بارد وابتسامة صفراء.
لن ينسى التاريخ هذه الجريمة، ولن ننسى جميعًا مسئولية جماعة الإخوان عنها، ولم يكن فيما حدث شىء غريب، ولو راجعنا مرة أخرى ما فعلوه بعد ثورة ٣٠ يونيو سنتأكد أنهم لم يغادروا كراهيتهم للمسيحيين، وهى الكراهية التى لا يزالون عليها ولن يفارقوها أبدًا.






