وزير الثقافة الأسبق يسجل شهادته على 30 يونيو
حلمى النمنم: الدول لا تبنى بالمجان وأخاف على مصر من نخبتها
- قلت لصلاح عبدالمقصود وقطب العربى: مرسى لن يكمل سنة فى حكم مصر
- لقد رأيت بروفة السقوط يوم 4 ديسمبر فى أحداث الاتحادية عندما هرّب الحرس الجمهورى الرئيس من القصر من بوابة خلفية
- أول من تصدى لمشروع حسن البنا وجماعته كان المثقفون المصريون، وقد بدأ هذا مبكرًا من خلال كتاب طه حسين فى العام 1938
- عندما وصل الإخوان إلى الحكم، كانت لديهم رغبة ليس فى السيطرة، ولكن فى «التفطيس»
- أزعم أننى أول من استخدمت تعبير «أخونة مؤسسات الدولة»، فقد رصدت أنهم متعجلون فى تنفيذ ذلك
- أهم ما فعله الرئيس السيسى أنه لم يأخذ الإخوان مسألة مقايضة، بل مسألة مواجهتهم كانت بالنسبة له قضية وطنية خالصة
- الثورة ليس أن تخلع حاكمًا ونظام حكم، لأنك يمكن أن تخلع حاكمًا وتسلم البلد للفوضى
- لولا تدخل الجيش المصرى فى 30 يونيو ما كانت هناك ثورة من الأساس، ولولا وجود الفريق أول عبدالفتاح السيسى القائد العام للقوات المسلحة لم تكن هناك ثورة
من بين الشهادات المهمة التى قمت بتسجيلها على ثورة 30 يونيو فى برنامجى «الشاهد» والتى أعتز بها بشدة، كانت شهادة الكاتب الكبير حلمى النمنم، ليس لأنه كان وزيرًا للثقافة فقط، ولكن لأنه واحد من المهتمين بتركيز وحرص وتدقيق ودأب بتاريخ وحاضر جماعة الإخوان الإرهابية، ولذلك فهو لم يسرد أحداثًا، بقدر ما قدم رؤية كاملة لما جرى فى مصر ليس خلال الثورة فقط، ولكن خلال السنوات التى سبقتها.
وقد يكون هذا هو ما دفعنى إلى أن أبدأ معه توثيق شهادته من نقطة بعيدة نوعًا ما.
قلت له: اسمح لى أن أبدأ حديثى معك من 8 يونيو 1992 عندما جرت عملية اغتيال المفكر الكبير فرج فودة، وقتها تواصلت مع أحد قيادات الإخوان لتطلب تعليقه على ما حدث، فقال لك ما اعتبرت أنه قطيعة بينك وبين من ينتمون إلى هذه الجماعة.. ما الذى حدث؟
تنفس النمنم بعمق، وكأنه يسترجع ما جرى.
قال: دعنى أعود بك إلى يوم المناظرة الشهيرة التى جرت فى معرض الكتاب فى يناير 1992 بين فرج فودة وقيادات دينية أخرى، كنت موجودًا يومها، لم أكن مكلفًا بتغطيتها، فلم تجذب اهتمام أحد من رؤساء التحرير، لكننى كنت أتابع المعرض فذهبت إلى المناظرة، وحدثت فيها مجموعة من الغرائب، فقد فوجئت أن قيادات من الحزب الوطنى يجلسون فى الصفوف الأولى، وكانوا مبهورين، من بينهم كان مسئول الشباب بالحزب، وجاء أحد المثقفين ليتحدث معه، فقال له: «دعنى.. أنا أريد أن أتعلم»، وبالنص أخبره: «أريد أن أستمع إلى المستشار مأمون الهضيبى والدكتور محمد عمارة».

تعجبت، وسألت حلمى: كان من قال هذا ينتمى إلى الحزب الوطنى؟
أجاب: نعم.. من الحزب الوطنى، وكان مرشحًا لأن يكون محافظًا للفيوم، ولم يكن وحده، كانت هناك قيادات أخرى من الحزب، كان الدكتور محمد عمارة سيدير المناظرة طبقًا للإعلان عنها، ووقتها كان مزعزعًا بين الانتماء إلى اليسار والانتماء إلى الإسلاميين، وأعتقد أنه فى تلك المناظرة حسم أمره عندما رأى الجماهير الحاشدة من الجامعات، طلب من الدكتور سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب ومدير المعرض أن ينضم للمناظرة كطرف يجلس إلى جوار الشيخ محمد الغزالى ومأمون الهضيبى فى مواجهة فرج فودة ومحمد أحمد خلف الله.
يضيف حلمى: رغم أن الدكتور محمد أحمد خلف الله كان يجلس إلى جوار فرج فودة، لكن فودة كان فعليًا بمفرده فى مواجهة الثلاثة الهضيبى والغزالى وعمارة، ووجدت أنه بلا أنصار تقريبًا، كنت أعرف فرج فحييته وقلت له: «شد حيلك.. أنت قوى وتستطيع أن تخوض هذه المناظرة بمفردك»، وبالمعنى الدقيق مسحهم بالفعل، ولن أنسى أبدًا أننى رأيت الدم فى ردود وعيون الغزالى والهضيبى، فعندما تحدث فرج عن تنظيم الإخوان السرى وأنه وقف وراء معظم الاغتيالات التى جرت فى مصر، رد عليه الهضيبى بقوله: «نحن نتقرب إلى الله بالتنظيم الخاص».
عاد حلمى النمنم إلى مكتبه بمجلة المصور، فوجد رئيس التحرير مكرم محمد أحمد يسأل عمن حضر المناظرة، ولما عرف أن حلمى كان الوحيد الذى حضرها، طلب منه أن يكتب تقريرًا كاملًا، وهو ما فعله، وكان لافتًا أنه أنهى تقريره بجملة لافتة هى: «هل تكون هذه المناظرة نهاية حياة فرج فودة؟».
استوقفت حلمى، وقلت له: هل كنت تتنبأ بسبب ما رأيت أن فرج فودة سيدفع حياته ثمنًا لهذه المناظرة؟
قال: لقد رأيت فرج فودة وهو يسحقهم أمام الجماهير، بدا قارئًا وفاهما للتاريخ والفكر الإسلامى، وبدأ يردد حججًا منطقية لم يستطيعوا الرد عليها، كل التساؤلات التى طرحها لم تكن لها إجابة عندهم، ولذلك قتلوه.
قلت لهم: هل تتهم الإخوان بأنهم من قتلوا فرج فودة؟
قال: الإخوان اغتالوه معنويًا فمهدوا الأرض بذلك لقتله.
نأتى للموقف الذى حسم رأى حلمى فى الجماعة الإرهابية.
يقول عن ذلك: كنت فى هذه الفترة أعمل فى التحقيقات الصحفية الخاصة بالمجالات الاجتماعية والأسرية فى المجتمع المصرى، كنت أتعامل مع الأساتذة والخبراء فى المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، وكلمت أحدهم ولم أكن أعرف أنه خلية إخوانية نائمة، سألته عن تقييمه لاغتيال فرج فودة، فقال لى بالنص: «المفروض الناس اللى زيه يخرسوا خالص.. أنتم لسه مشفتوش حاجة.. دى البداية».
وضع حلمى سماعة التليفون وقرر ألا يتحدث مع هذا الشخص نهائيًا، وبعد سنوات التقى به فى جلسة مغلقة بمكتبة الإسكندرية، وشارك فيها الدكتور على الدين هلال والدكتور حمدى زقزوق وزير الأوقاف، ويومها سأل الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير المكتبة عن سبب دعوته لهذا الشخص، ولم يكن يعرف أنه إخوانى، الغريب أنه تحدث عن عظمة الإخوان ولم يرد عليه على الدين هلال ولا الدكتور زقزوق.
يضيف حلمى: كنت ضد الإخوان طول عمرى، لكن بعد اغتيالهم لفرج فودة أصبحت قضيتى الأساسية هى مواجهة الإخوان، رغم أنه كانت هناك مواءمة معهم فى ظل نظام مبارك، وأذكر أن أحد قيادات النظام قال لى: «يمكن أن تنتقد سيد قطب، لكن خف على حسن البنا، لأننا لا نريد أن نقطع مع الجماعة بشكل نهائى».. لكننى لم أفعل، فهناك أشياء فى مصر لا تقبل التهاون أو التفاوض، لابد أن تكون حاسمة وقاطعة.
أخذت حلمى النمنم من هذه الذكريات إلى شهادته على ٣٠ يونيو.
قلت له: متى رأيت أن الثورة لازمة.. لابد أن تقوم على هذا النظام الإخوانى؟
بدأ حلمى يحكى حكايته من البداية، يقول: عندما جاء الإخوان إلى الحكم كنت رئيس مجلس إدارة دار الهلال، وبعد أن أدى مرسى اليمين الدستورية اتصل بنا المجلس الأعلى للصحافة، لدعوتنا إلى لقاء الرئيس، فذهبت ومعى الأستاذ حمدى رزق رئيس تحرير المصور والأستاذة إيمان الحفناوى رئيسة تحرير حواء، سألتنى إيمان: «هؤلاء إخوان.. ألبس إيه وأقول إيه؟» قلت لها: «زى ما أنت كده»، فقالت: «ولو منعونى؟» قلت لها: «لو منعوك يتحملوا هم المسئولية».
فى هذا اللقاء – كما يقول حلمى – قلنا لمرسى: «المرأة تريد كلمة منك تطمئنها»، فلم يرد، قلنا: «الأقباط قلقون ويريدون منك تطمينًا»، فلم يرد، قلنا: «المثقفون والقوى المدنية قلقون منك ومن الجماعة»، فلم يرد.
فى طريقه إلى الخروج من قصر الاتحادية، قابل النمنم صلاح عبدالمقصود وقطب العربى، فسألاه عن انطباعه عن اللقاء، فقال لهما بصوت سمعه الجميع: «هذا الرجل لن يكمل سنة واحدة فى منصبه».

سألت حلمى النمنم: ما الذى رأيته فى هذا اللقاء، ودفعك لأن تقول هذا؟
قال: فى هذا اللقاء رأيت رجلًا أصبح رئيسًا للجمهورية، ولا يملك كلمة للمرأة تطمئنها، ولا يملك كلمة للأقباط ولا للقوى المدنية ولا للمثقفين، فماذا يمكنه أن يفعل؟ الغريب أنه قال لى: «كل هؤلاء قلقون ويريدون من يطمئنهم، أنا أيضًا قلق.. فمن يطمئننى؟»، قلت فى نفسى: يطمئنك أنك رئيس الجمهورية، ويطمئنك أنك جئت بالانتخابات، ويطمئنك أن فى ظهرك مؤسسات قوية، لكنه بدا لأنه لا يستشعر وجود هذه المؤسسات ولا يعرف أهميتها ولا يدرك هيبتها فى المجتمع المصرى، لقد رأيت رجلًا لا يعرف قيمة الدولة المصرية، ولذلك قلت ما قلته بصوت عال، عاتبنى البعض عليه، لكن هذا ما استقر فى وجدانى.
قلت لحلمى: كانت هذه هى نقطة النور التى رأيت من خلالها أن مرسى لا يمكن أن يستمر، لكن كانت هناك مؤشرات أخرى للسقوط، كيف رأيتها؟
يقول: لقد رأيت بروفة السقوط يوم ٤ ديسمبر فى أحداث الاتحادية، عندما هرب الحرس الجمهورى الرئيس من القصر من بوابة خلفية، يومها لو دخل المتظاهرون القصر وأعلنوا بيان خلع مرسى كان انتهى تمامًا، وأدركت يومها أن هذه اللحظة ستأتى.
سألت حلمى عن واقعة أخرى كان شاهدًا عليها، وأدرك منها أن محمد مرسى ليس هو من يحكم مصر؟
ابتسم وهو يقول: تقصد واقعة إفطار رمضان؟
بدأ حلمى يحكى: نعرف كصحفيين أنه إذا دخل رئيس الجمهورية مكان اجتماع أو لقاء لا يدخل أحد بعده لأسباب أمنية، وكنت مدعوًا إلى إفطار فى رمضان فى بيت أحد القيادات الذى كان بين بين، فهو يسارى ولكنه كان يميل إلى الإخوان، دخل الرئيس وبدأ الإفطار، وبعد ٣٦ دقيقة دخل خيرت الشاطر، وهو ما يعنى بالنسبة لى أن خيرت الشاطر كان هو الرئيس وليس محمد مرسى الذى كان غريبًا أن يقوم من مكانه ويستقبل الشاطر ويرحب به.
ويضيف حلمى: وأذكر أننى كنت فى لقاء تليفزيونى يوم الإعادة بين مرسى وشفيق، وطرحت مجموعة من الأسئلة، وطلبت أن يجيب عليها المرشد وليس مرسى، لأنه لم يكن يملك الإجابة، قلت إن هناك ٦ قيادات يسبقون مرسى فى التنظيم، ومفروض أن يقدم لهم فروض الولاء والطاعة، فعندما يصبح رئيسًا للجمهورية فكيف سيتعامل معهم؟ ولم يرد على أحد، لكنهم كانوا يتعاملون معه على أنه ليس رئيسًا بل تابعًا.

أخذت حلمى النمنم إلى قلب موقعه الصحفى، فعندما جاء الإخوان إلى السلطة كان هو رئيسًا لمجلس إدارة الهلال.
قلت له: كانت لدى الجماعة خطة واضحة لاختراق الوسط الصحفى والثقافى.. كيف رصدت هذه الخطة؟
قال: فى الحقيقة أنه قبل الاختراق بدأت موجة من التهديدات، فبعد أسبوعين فقط حضرت اجتماعًا مع عدد من المثقفين على مقهى الهناجر، وكان من بين الحاضرين الروائية سلوى بكر، وجدت من يقول لى إن هناك معلومة يتم تداولها فى الأوساط الثقافية أن ملفات وأوراق مباحث أمن الدولة أصبحت فى يد الجماعة، وأن من بينها فيديوهات وصورًا فاضحة لمثقفين ومثقفات، وأن الجماعة ستستخدم هذه المواد ضد من يعارضونها وستشهر بهم.
رد النمنم على من قال هذه الحكاية بقوله: على وجه القطع أمن الدولة لم يكن يفعل ذلك، وهناك قضايا أثيرت فى عهد مبارك لشخصيات شهيرة، وكانت هناك مواد من هذا النوع، لكنها لم تقدم إلى النيابة، ولم تسلم إلى الصحافة، ولم يتم استعمالها ضد أحد، والأجهزة لم تكن تسعى إلى الفضح.
قال لهم النمنم أيضًا: لو صح هذا الكلام فإن أكثر من لهم فيديوهات وصور هم الإسلاميون، كلهم وبلا استثناء.
ماتت هذه الشائعة بعد أيام قليلة ولم تعد إلى الظهور مرة أخرى، لتبدأ مرحلة الاختراقات الواضحة من الجماعة للوسط الثقافى والصحفى.
يقول النمنم: الغريب أن هناك من بين أبناء الوسط الثقافى والصحفى من تجاوبوا وبسرعة لهذا الاختراق، فرأينا من يربى ذقنه، وأذكر أننا ذهبنا لنقابل الدكتور أحمد فهمى رئيس مجلس الشورى الذى كان مسئولًا عن الصحف، وقد خرجت من هذا الاجتماع وكتبت استقالة عنيفة وأرسلتها له.
وقبل أن أسأله عما جرى ودفعه إلى ذلك، قال: كان هناك شكل من أشكال الإهانة للإعلاميين، رغم أن المجتمعين كانوا قيادات الصحافة المصرية رؤساء مجلس إدارة ورؤساء تحرير، استقبلنا أحمد فهمى فى غرفة السكرتارية، وجلسنا دون أن يقدم لنا أحد شاى أو قهوة أو مية، فقلت لفهمى: «إيه البخل ده؟.. ده أنت شرقاوى».
ويضيف حلمى: كان فيه واحد اسمه شهاب، وجدته يجلس خلفنا فى الاجتماع، وكان يدير الحوار ويتحدث، فقلت له: «لماذا تتحدث؟ هل أنت صحفى؟» فقال: «لا».. قلت له: «هل تفهم فى التوزيع؟» قال: «لا»، قلت له: «بتفهم فى المطابع؟» قال: «لا»، قلت له: «بتفهم فى الكتابة؟» قال: «لا»، قلت له: «أنت ضمن سكرتارية الجلسة فلا تتحدث ولا نسمع صوتك، من يتحدث فقط هو مدير الجلسة»، فقال لى: «لا سأتحدث نحن أيضًا صحفيون»، قلت له: «بأمارة إيه؟» وخرجت من الاجتماع كتبت استقالة فى نفس اليوم، وأكدت فيها على أن الطريقة التى يديرون بها الصحافة ستدمرها، لم يكونوا على علم بما يحدث، سمعت أحدهم يقول: «احنا نلم الليلة دى كلها بـ ٥٠ مليون»، وتعجبت فالـ٥٠ مليون لا يمكن أن تغطى تكاليف الورق فى مؤسسة الأهرام وحدها لمدة ثلاثة شهور، كانوا يريدون أن يتعاملوا معنا وكأننا عمال تراحيل.
لم يكن هذا هو المهم فقط فى هذا الاجتماع، يقول حلمى: الغريب أننى وجدت اثنين من الزملاء جاءوا وهم حليقو الرأس «على الزيرو»، ودون أن يسألهم أحد وجدتهم يقولون لأحمد فهمى: «احنا رايحين عمرة يا فندم».. وكان مثل هؤلاء يحاولون تقديم أنفسهم للإخوان بهذه الطريقة.
قلت للنمنم: كانت هذه بدايات الاختراق المباشر، لكن أعتقد أن اختراق الإخوان للمجتمع المصرى بدأ مبكرًا.
قال: أوافقك بالطبع.. فقد بدأ الاختراق مبكرًا وبصورة جديدة منذ السبعينيات فى عهد المرشد عمر التلمسانى الذى بدأ ما يعرف بـ«اختراق النخب»، وقد شهدت على اختراق إخوانى للجنة الكتاب والنشر فى المجلس الأعلى للثقافة فى العام ٢٠٠٩.
يحكى النمنم ما حدث.
يقول: فى هذا الوقت عقد المجلس الأعلى للثقافة مؤتمرًا لمناقشة قضايا تتعلق بحرية الإبداع، وفوجئت أن من بين المتحدثين أعضاء بارزين فى الجماعة، سألت الدكتور فتحى عبدالفتاح المسئول عن تنظيم المؤتمر عن هؤلاء المتحدثين، فقال: «لابد أن نمنحهم فرصة ليتحدثوا ويعرضوا أفكارهم»، فرددت عليه: «إنهم يتحدثون فى منابرهم ويعبرون عن آرائهم ومواقفهم، لكن وجودهم هنا معناه أنهم اخترقوا المجلس الأعلى للثقافة بسهولة».
فى إحدى الجلسات كان عصام العريان يتحدث، قال له النمنم: «عندما تم اغتيال فرج فودة لم تصدروا بيان استنكار، ولم تدينوا الاغتيال حتى الآن؟».
حاول العريان أن يتهرب، قال: «نحن رفضنا الاغتيال».
فأكد النمنم: «لم ترفضوا.. وكل ما فعله المرشد أنه صرح بأن الدولة هى التى تتحمل مسئولية اغتيال فرج فودة لأنها لا تطبق الشريعة، والشباب غاضب، وطبيعى أن يفعلوا ما فعلوه، فأنتم لم تستنكروا الحادثة بل بررتم لها».

يرصد حلمى النمنم وجهًا مختلفًا لما كان يفعله الإخوان فى الصحافة.
يقول: عندما وصل الإخوان إلى الحكم، كانت لديهم رغبة ليس فى السيطرة، ولكن فى «التفطيس»، لأنك لو أردت السيطرة على مؤسسة صحفية واستخدامها فعليك أن تقويها وتلمعها على الأقل، حتى تصبح لديك مؤسسة كبيرة، لكنهم اتجهوا إلى تمويت المؤسسات، عندما استعانوا بغير الأكفاء متجاوزين كل الأعراف والتقاليد المهنية، وهو ما حدث أيضًا فى وزارة الثقافة.
ويضيف: عبدالناصر مثلًا عندما أسس وزارة الثقافة استعان بفتحى رضوان لأنه يريد بناء وزارة قوية، وجاء بعده بثروت عكاشة، ورغم أنه كان من بين الضباط الأحرار إلا أنه كان كاتبًا كبيرًا ومثقفًا رفيعًا وصاحب مواقف، لكن الإخوان عندما أرادوا تعيين وزارة ثقافة جاءوا بشخص ظل معيدًا ٢٣ عامًا حتى حصل على الماجستير، وكان حادًا وعدوانيًا ولم يكن له كارير ثقافى، وكان وضع الوزارة غريبًا وقتها.
سألته: كيف كان غريبًا؟
قال: يعنى مثلًا كان مكتب رئيس دار الكتب وهو أفخم من مكتب الوزير بمراحل، كانوا يعقدون فيه اجتماعات تنظيمية، رغم أنها مؤسسة حكومية ولا علاقة لها بالتنظيم، وكانوا يريدون إخراج وثائق معينة خارج الدار، وهو ما دفع الموظفين إلى نقلها إلى دواليب بأسماء مختلفة حتى لا يحصل عليها الإخوان.
حدث ما هو أكثر من ذلك، عندما تولى حلمى النمنم رئاسة هيئة الكتاب، قام بعمل جرد.
يقول: كنت أريد معرفة ما أقوم بتسلمه إداريًا وماليًا وورقيًا، وقلت لهم: «هاتوا لى الكتب التى فى المطابع»، فوجدت ٤٣ كتابًا طبعوا الملازم الداخلية وبقيت الأغلفة، وتخيل لمن كانت هذه الكتب؟ كانت لأفراد من الإخوان ومن بينها كتاب «البلاغة فى رسائل الإمام الشهيد»، فقمت بوقف طباعة الأغلفة وأعدمت الكتب، وجاءت الرقابة الإدارية لتحقق لأن هذا إهدار للمال العام، لكننى قلت لهم أن هذه الكتب لن تنزل السوق أبدًا.
المفاجأة الأكبر التى يكشفها حلمى النمنم أن كتاب «البلاغة فى رسائل الإمام الشهيد» كان فى الأصل بحثًا للترقية فى إحدى الجامعات الإقليمية قبل ٢٠١١، وتمت ترقية صاحبته، ولم يكن بهذا العنوان.
قلت للنمنم: وما حقيقة أن هناك كتبًا لحسن البنا وسيد قطب طبعت بالفعل فى هيئة الكتاب؟
قال: لا.. لم يحدث، طبعت فقط كتب سيد قطب ما قبل الإخوان مثل روايته «أشواك»، وكانت المقدمة متعاطفة معه للأسف، وللأسف فقد حدث نوع من التلوث الثقافى، ومن بين هذا التلوث مثلًا أنه وبعد فبراير ٢٠١١ وفى أسبوعين متتاليين صدرت عن دور نشر مختلفة فى المحافظات ٦ طبعات من كتاب «معالم فى الطريق»، وكان يتم توزيعه فى محيط ميدان التحرير، وأعادوا كذلك نشر كتاب للشيخ الغزالى فيه هجوم على البابا شنودة وأقباط مصر اسمه «قذائف الحق» كتبه فى أجواء فتنة السبعينيات، وكأنهم كانوا يمهدون الأرض لشىء ما.

كان هناك استسلام من نوع ما للإخوان، لكن فى الوقت نفسه كانت هناك حركة مقاومة.
قلت للنمنم: قاوم المثقفون جماعة الإخوان، وقبل أن يصلوا إلى محطة ٥ يونيو ٢٠١٣ يوم إعلان الاعتصام ضد الوزير الإخوانى، كانت هناك محطات مقاومة كثيرة.. كيف تراها؟
قال: لابد أن أسجل أن أول من تصدى لمشروع حسن البنا وجماعته كان المثقفون المصريون، وقد بدأ هذا مبكرًا من خلال كتاب طه حسين فى العام ١٩٣٨ «مستقبل الثقافة فى مصر» وهو الكتاب الذى لم يقرأ بعناية حتى الآن، أول ٨ فصول فى هذا الكتاب تتحدث عن الهوية المصرية، وأنه ينبغى أن تكون مصر دولة وطنية مدنية حديثة، وهو ما تبناه أيضًا الدكتور محمد حسين هيكل الذى كان يعرف حسن البنا جيدًا.
قلت: عرض حسن البنا على محمد حسين هيكل أن يكون مرشدًا للجماعة، رغم أنه كان يعرف أنه لا يوافق على فكره أو منهجه؟
قال: هذه هى طريقة الإخوان، عندما كانوا فى الحكم، وفى اجتماعاتهم يقول أحدهم: «لابد من القبض على حلمى النمنم، لابد أن يدخل السجن ولا يخرج»، وعندما يقابلنى وجهًا لوجه يقول لى: «أهلًا بأستاذنا الذى نتعلم منه»، هذه طريقتهم، يجيدون النفاق الشديد، يسلمون عليك ويأخذونك بالحضن، يريدون أن يقولوا لك أننا متسامحون ونحب كل الناس ونريد الخير لمصر، رغم أنهم يحرضون عليك.
ويشير النمنم إلى أن مواجهة المثقفين المصريين للإخوان بدأت منذ الثلاثينيات، وفى الأربعينيات تنبهت لهم أجهزة الأمن، وقد قاوموا الجماعة من خلال مجموعات كثيرة للدفاع عن حرية الفكر ومدنية الدولة، رفض المثقفون المصريون طول الوقت وصول الإخوان إلى الحكم، وعندما وصلوا إلى الحكم رفضوا أخونة مؤسسات الدولة.
يقول النمنم: أستطيع أن أزعم أننى أول من استخدمت تعبير «أخونة مؤسسات الدولة»، فقد رصدت أنهم متعجلون فى تنفيذ ذلك، وهو ما حدث بالفعل بعد وصول محمد مرسى إلى الحكم مباشرة.
توقفت مع حلمى النمنم عند كتابين مهمين من كتبه، هما «حسن البنا الذى لا يعرفه أحد» و«سيد قطب.. سيرة التحولات».. سألته عن ظروف كتابتهما، وكيف كانا من بين جولات المواجهة مع الإخوان؟
يقول عن كتابه «حسن البنا الذى لا يعرفه أحد»: صدر هذا الكتاب فى النصف الثانى من العام ٢٠١١، وكان قد عملت عليه فى سنة ٢٠١٠، لأنه فى عام ٢٠٠٩ بدأ العالم يسأل عن مصير مصر بعد حسنى مبارك، وعن البديل له، وكنا أمام بديلين الإخوان أو التوريث، وكنت أرى أنه تاريخيًا لا يصح أن تتم محاصرة الشعب المصرى بين خيارين، وكان لابد من البحث عن خيار ثالث.
وأذكر أننى كنت فى مؤتمر فى أصيلة بالمغرب فى عام ٢٠١٠، وكان معى عدد كبير من مثقفى العالم العربى، وكان السؤال باستمرار عن مستقبل مصر؟ ومن سيأتى بعد مبارك؟ وسألنى وزير خارجية موريتانيا عن فرصة جمال مبارك؟ فقلت له: «لا أظن»، فوجدته يسألنى عن فرص الإخوان فى خلافة مبارك؟ فانتبهت إلى أن مشروع الإخوان مطروح خارج مصر، وفجأة وجدت عددًا من الكتب الحديثة تصدر للتعريف بالإخوان، وفوجئت أن اللجنة العليا لمعرض الكتاب تضم ناشرًا إخوانيًا.
سأل حلمى النمنم عن سبب انضمام الناشر الإخوانى إلى اللجنة العليا للمعرض، فقيل له: رغبة عليا، ولابد أن نلم الأمور مع الإخوان.
حضر هذا الناشر اجتماع اللجنة، وبدأ فى التطاول على الصحفيين ووصفهم بأنهم منافقون، لكن النمنم تصدى له – كما يروى- وقال له كلامًا أكد أنه لا يصح أن يقال على الهواء، وبعد الاجتماع تواصل معه مسئول كبير، وقال له: «نعدك بأن هذا الشخص لن يحضر الاجتماعات بعد ذلك، ولن يحتك بك نهائيًا».
يقول النمنم: من كل ذلك أدركت أن هناك شيئًا ما يحدث، وكانت لدى معلومات أن من يروجون لمشروع التوريث لدى الإدارة الأمريكية يقولون إن نظامًا على رأسه جمال مبارك يستطيع احتواء الإخوان وإدخالهم فى مشروع الدولة، بوصفهم يمثلون الإسلام المعتدل القادر على التعامل مع الجماعات العنيفة والمتطرفين.
ويضيف: فى هذا الوقت بدأت أعمل على كتاب حسن البنا، وبدأت نشر مقالات عنه فى الصحف، فجاءتنى رسالة من الرجل الثانى فى الجماعة قال لى فيها: «قل ما شئت.. وافعل ما شئت.. ليس لنا حاجة عندك، لكن لا تقترب من حسن البنا، لن نقول لك امدحه أو ذمه.. ولكن لا علاقة لك به»، وهو ما دفعنى لأن أنتهى من الكتاب الذى صدر عن مكتبة مدبولى.
وعن كتاب «سيد قطب.. سيرة التحولات» يقول النمنم: لم يكن سيد قطب إلا تفريعة من حسن البنا، بعد ٢٠١١ وفى بدايات ٢٠١٢ وجدت أننا أمام موجة اعتذارات للإخوان، وفعل ذلك كثيرون ومنهم أسماء معروفة، فقلت لابد أن أضع شهادتى عن سيد قطب بكل ما فيه من تناقضات وتحولات، فهم يقولون إنه كان شاعرًا رومانسيًا عظيمًا، وهو لم يكن شيئًا من هذا، ويقولون إنه كان قصاصًا ضخمًا، وأنه من اكتشف نجيب محفوظ، وهو ما لم يحدث، فنجيب بدأ الكتابة عام ١٩٣٤ وسيد قطب كتب عنه عام ١٩٤٨ فكيف يأتى من يقول إنه من اكتشفه، فأردت أن أبدد كل هذه الأوهام عن سيد قطب.

من هذه النقطة وتعليقًا على اعتذارات البعض للإخوان، قلت للنمنم: يمكن أن تختلف مع الرئيس عبدالناصر، لكن ليس معنى ذلك أن تتفق مع الإخوان.
قال: هذا مؤكد، فيمكن أن تختلف بالفعل مع الرئيس عبدالناصر فى أشياء كثيرة، لكن ليس معنى ذلك أن تكون مدينًا للإخوان باعتذار، وهو ما يتكرر الآن، فيمكن أن تختلف مع النظام الحالى فى أشياء كثيرة، لكن ليس معنى هذا أن تتفق مع الإخوان فى أى شىء.
ويضيف حلمى: أنا أتابع السوشيال ميديا، وعندما ينتقد أحد الإخوان تجد من يقول لك: «لماذا لا نتحدث عن مشاكل الأسعار؟»، وهى حيلة إخوانية، لأن الإخوان يجيدون القفز فى الظلام، ولا ينبغى أبدًا أن نصل إلى مرحلة الظلام، ولا يجب أن نسمح لهم بالقفز بيننا، وكنت وما زلت أقول للمثقفين قاوموا وناضلوا وقدموا شهداء بالدم، وكان هناك من يفعل ذلك، لكن للأسف هناك كثيرون لم يفعلوا شيئًا.
قلت له: دعنا نقف عند من قاوموا وناضلوا ومن قرروا الاعتصام ضد وزير الثقافة الإخوانى، كيف ترصد ما جرى على الأرض؟
قال: يبدو لبعض الناس أن وزارة الثقافة هشة أو أنها ليست من الوزارات السيادية، رغم أن الواقع يقول أنها من أهم الوزارات وعلامة مهمة جدًا، ومن يتابع ما حدث فى يناير ٢٠١١ جيدًا، سيجد أن الدكتور جابر عصفور قدم استقالته كوزير ثقافة، التحليلات أيامها قالت إن هذه الاستقالة مؤشر على انهيار النظام وإنه غير قابل للإصلاح، لأن من استقال هو وزير الثقافة ولا أحد غيره.
ويضيف: وكذلك اعتصام المثقفين أمام وزارة الثقافة كان يقول أن النظام انتهى والباقى فقط هو مسألة تحرير شهادة الوفاة، وأذكر أنه فى ثالث أيام الاعتصام جاءنى أحد المثقفين وسألنى: «ماذا سنفعل بعد ذلك؟» قلت له: «لما يخلص الإخوان ويمشوا نفكر فيما سنفعله»، فقال لى: «ما هم خلاص خلصوا»، وكانت هذه حقيقة.
ويذكر حلمى أن الناشر الذى اشتبك معه فى اللجنة العليا لمعرض الكتاب تواصل معه قبل أيام من ٣٠ يونيو، وقال له: «تفضل امسك المجلس الأعلى للثقافة أو دار الكتب»، فقال له: «ليس قبل أن تمشوا أولًا».
رد عليه الناشر الذى اتضح له أنه كان يعمل بأموال خيرت الشاطر: «ولكننا لن نمشى».
فقال له حلمى: «لا.. هتمشوا.. ومحمد مرسى سيدخل السجن».
يقول حلمى: هذا الناشر نفسه شتم وزير الثقافة الإخوانى وقال لى إنه متهور وعمل لنا مشاكل كثيرة، ونريد أن نلم الأمور، وتفضل امسك المكان الذى تريده، وأنهم يعرفون خطورة وزارة الثقافة، لكن الأمور كانت قد أفلتت من بين أيديهم.
ويضيف: أدرك الإخوان بعد اعتصام وزارة الثقافة خطورة الوزارة، وأذكر أننى عندما كنت وزيرًا ٢٠١٥ – ٢٠١٨ كنت أعتبر أن نقد الوزير شىء عادى، لكننى وجدت من يقول لى على الهواء: «متى تتقدم باستقالتك؟» فقلت له: «لن أستقيل أبدًا»، لأننى كنت أعرف أن الإخوان يهمهم أن يستقيل وزير الثقافة ويمشى احتجاجًا أو غضبًا أو فشلًا، لأن هذا مؤشر على نهاية النظام.

سألت النمنم عن سر نجاح اعتصام المثقفين ضد الإخوان؟
قال: يمكن أن يختلف المثقفون مع بعضهم، أن يدخلوا فى جدل، وكل هذا مقبول، وخاصة فى الأمور الأدبية، لكن فى الأمور السياسية التى لا تقبل الجدل يستطيع المثقفون أن يتجاوزوا خلافاتهم، فقد كنا نتحدث عن الوطن ومدنية الدولة ومجتمع قوى ومتماسك، وهو ما يتطلب الإجماع عليه، وقد أجمع المثقفون فى هذا الاعتصام على ذلك بالفعل، لأنه كان هناك تهديد لهوية الدولة.
هذا الاتفاق بين المثقفين فى اعتصام وزارة الثقافة جعلنى أتوقف مع حلمى النمنم عند تفرقهم بعد ثورة ٣٠ يونيو، قلت له: أين ذهب المثقفون بعد هذا الاعتصام؟ ولماذا ينتقد البعض دورهم ويقولون إنه مفقود؟
قال: المثقفون موجودون، فمثلًا عندما حرك الرئيس السادات الأسعار فى العام ١٩٧٧ وقامت مظاهرات ضده تراجع، لكن فى العام ٢٠١٦ عندما حدث التعويم ضمن إجراءات برنامج الإصلاح الاقتصادى أنا كنت فى الوزارة، وحذر بعض الزملاء من خطورة هذا القرار، وبدأوا فى التذكير بما حدث فى ١٨ و١٩ يناير، ويومها وقف المهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء ودافع عن القرار، وقال: «الذين سبقونا كانوا يعرفون أن هذا ما يجب أن يحدث، لكنهم خافوا وترددوا».
تحدث حلمى، وقال لرئيس الوزراء: «يا فندم نحن لا نخاف على أنفسنا، بل نخاف على البلد».
المفاجأة أن الناس تقبلوا القرار ولم يحدث انفجار فى الشارع، وهو ما جعلنى أسأل حلمى: فى رأيك لماذا تقبل الناس القرار؟
قال: لأنه كان هناك وعى، وهو الوعى الذى أسهم فيه المثقفون، ولولا هذا الوعى لم تكن الدولة تستطيع أن تقف على قدميها.

أخذت حلمى النمنم إلى نقطة مهمة جدًا فى شهادته، قلت له: رأينا الجيش حتى اللحظة الأخيرة وهو حريص على ألا تكون هناك حرب أهلية، وألا يمس أحد المصريين، كيف ترى دور الجيش فى ثورة ٣٠ يونيو؟
قال: لولا تدخل الجيش المصرى فى ٣٠ يونيو ما كانت هناك ثورة من الأساس، ولولا وجود الفريق أول عبدالفتاح السيسى، القائد العام للقوات المسلحة، لم تكن هناك ثورة، الثورات فى مصر لا تنجح إلا بوقوف القوات المسلحة مع مطالبها، الشارع يتحرك ثم يأتى دور مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش، ولو لم يقف الجيش مع مطالب الشعب فى ٣٠ يونيو، لتحولت الأحداث إلى ما يشبه ما جرى فى ١٩٧٧، فوضى وتخريب أو حريق كما جرى فى ٢٦ يناير ١٩٥٢، ويمكننى أن أقول إن وجود القوات المسلحة فى ٣٠ يونيو هو الذى حولها من مظاهرات إلى ثورة.
لفت نظر حلمى إلى أنه فى المظاهرات التى سبقت ٣٠ يونيو كان المصريون يهتفون «انزل يا سيسى.. مرسى مش رئيسى».. سألته عن دلالة هذا الاستدعاء؟
قال: كلنا نذكر هذا الهتاف ونعرفه، لكن كان هناك شىء آخر جرى فى جمعة التفويض فى ٢٦ يوليو ٢٠١٣، طلع وزير الدفاع وقال أنا بطلب من الناس تنزل تمنحنا تفويضًا وأمرًا للتصدى للإرهاب، فالمؤسسة المنضبطة كانت تريد تكليفًا من الشعب ومن الشارع، وقد نزل الشعب والتفويض تم، رغم أن الرئيس الأمريكى أوباما خرج وقتها وناشد الشعب المصرى ألا يخرج إلى الشوارع مرة أخرى، لكن أحدًا لم يلتفت إلى ذلك فى وقتها، فقد فهم الناس أن هناك من يريد أن يصادر منهم ثورتهم، لكنهم لم يمنحوه الفرصة.

ولأن حلمى النمنم متخصص فى تاريخ جماعة الإخوان، فقد كان مناسبًا أن أتوقف معه عند بعض الأساطير التى ترتبط بالجماعة، وهى الأساطير التى عمل على تصحيحها، وتحديدًا ما تدعيه من دورها الوطنى طوال التاريخ المصرى.
قال حلمى بوضوح: فى الواقع لم يكن لجماعة الإخوان أى دور وطنى، ويمكن أن نتقبل ذلك، الغريب أنها كانت ومنذ اللحظة الأولى كانت جماعة معادية لفكرة الوطن والوطنية، وأنا أزعم أن هذه الجماعة أسست خصيصًا لضرب الفكرة الوطنية فى مصر، ولذلك وقفت الأصابع الإنجليزية خلف حسن البنا وجماعته بأكثر مما نتصور، فبعد أن وحدت ثورة ١٩١٩ المصريين كان لابد من ضرب الفكرة الوطنية والفكرة القومية التى تهدد الاستعمار فى كل بلاد المنطقة، فتم استحداث هذه الجماعة التى جاءت لتعادى مفهوم الدولة وتعادى مفهوم الوطن.
ويضيف النمنم: ستجد هذا الخط موجودًا عند الجماعة منذ حسن البنا إلى يومنا هذا، وقد ظهر فى لحظات فارقة، مثلًا فى لحظة الهزيمة الساحقة فى ٦٧، بعدها بعامين جاء برنارد لويس فى زيارة إلى مصر وكان وقتها رجل مخابرات بريطانية، وكان يريد استكشاف آفاق وإمكانية تحقيق السلام بين مصر وإسرائيل، وقضى عدة شهور فى مصر وقابل كل الأطياف، وكتب دراسة عن حسن البنا ترجمها ونشرها المركز القومى للترجمة سنة ٢٠١٦، قال فيها إنه قابل كل الناس وقال إن المصريين بمن فيهم عبدالناصر ليست لديهم مشكلة مع اليهود لكن مشكلتهم مع إسرائيل.
ويكشف النمنم ما أكده لويس قابل نائب المرشد وقتها الذى قال له إن أى عمل تقوم به إسرائيل ضد مصر يقربنا خطوة من أهدافنا.
يقول حلمى: بالتالى هذه الجماعة ليست وطنية، بل تعمل ضد الوطنية على طول الخط، ولا ينبغى أن ننسى ذلك، ودموع التماسيح والمظلوميات التى يجيدونها لا يجب أن نلتفت إليها، لأن لديهم مخططًا أيديولوجيًا ولن يتراجعوا عن تنفيذه.
كانت هذه فرصة لأسأل النمنم عن تعامل رؤساء مصر مع جماعة الإخوان، وأيهم كان على صواب فيما فعله؟
قال: كل من حكموا مصر.. ليس الرؤساء فقط، ولكن حتى الملك فاروق بدأوا مع الجماعة بالنية الطيبة، لم يبدأوا بالعداء، حتى الرئيس السيسى لم يبدأ بالعداء مع الإخوان، وأذكر ونحن فى مؤتمر الشباب الأول فى عام ٢٠١٦ أن الرئيس تحدث مع الشباب وقال نصًا: «أنا أقبل أن تعيش معى وأنت مختلف فكريًا وسياسيًا، لكن لن أسمح أن تحمل السلاح وترفعه علينا»، لكن الجماعة حملت السلاح.. ومشكلتها أنها لا تقبل بأقل من حكم مصر قولًا واحدًا.
ويضيف النمنم: هذه هى فكرتهم مهما كان الرئيس الموجود ومهما كان مشروعه، وعندنا الرئيس السادات خرج وقال أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة، وأسس لدولة العلم والإيمان، وشكل لجنة برئاسة الدكتور صوفى أبو طالب رئيس مجلس الشعب لبحث إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية، فخرجوا عليه ودعموا عملية اغتياله رغم أنه كان على أرضيتهم، لأنهم يريدون أن يحكموا بأنفسهم.

قلت له: هل أفهم من ذلك أنك تتبنى فكرة أن الجماعة ضالعة فى اغتيال الرئيس السادات؟
فرد بحسم: قولًا واحدًا، وأريد أن أقول أن ما لدى الدولة عن هذه الجماعة كثير جدًا، ومعظمه غير معلن، موجود فى أوراق التحقيقات والقضايا التى حوكمت فيها الجماعة، وأعتقد أن الناس لابد أن تعرف ما الذى تضمه هذه القضايا، وهو ما يمكن أن يساهم فى صناعة وعى مجتمعى بخطورة الجماعة المتجددة.
قادنى هذا الحديث إلى سؤال حلمى النمنم عن مواجهة الدولة للجماعة، وهل يمكن أن نكتفى بالمواجهة الصلبة من خلال الجيش والشرطة فقط؟
قال: لابد من مواجهة شاملة، لأن خطر الجماعة شامل، ودعنا نتحدث بصراحة فما فعلته الجماعة من ٢٠١١ لـ ٢٠١٣ دفع الجيش إلى أن يقدم ٣ آلاف شهيد و١٣ ألف مصاب فى الحرب على الإرهاب، تكلفت الدولة مليار جنيه شهريًا أثناء مواجهة الإرهاب، قطاع السياحة تضرر بشدة، عندما كنت وزيرًا ووقع حادث طائرة شرم الشيخ تكلفت الدولة خسائر تصل إلى ٢٨٠ مليون دولار شهريًا، هذا فى عملية واحدة، فما بالك ببقية العمليات الإرهابية، كل هذه خسائر بسبب الجماعة، وهو ما يستوجب مواجهة شاملة ودائمة معهم يشترك فيها الجميع بلا استثناء.
ويضيف حلمى: أهم ما فعله الرئيس السيسى أنه لم يأخذ الإخوان مسألة مقايضة، بل مسألة مواجهتهم كانت بالنسبة له قضية وطنية خالصة، وهو ما يحسب له، فلديه موقف صلب واضح ومحدد من الجماعة، لا يقبل مهادنة ولا مزايدة.
قلت له: بصراحة هل تخشى على الذهنية المصرية من نسيان ما الذى يشكله الإخوان من خطر؟
قال: أنا لا أخاف على الناس، فوعيهم عالٍ تحديدًا فيما يخص الإخوان، فى السبعينيات سمعت الناس يقولون: «ما الذى أعادهم لقد ارتحنا منهم»، وعندما وصلوا للحكم بعد الثورة سمعت الناس يقولون نفس الكلام، الناس لا تنسى ووعيهم قوى، المشكلة أن النخبة هى التى تنسى وهذه مشكلة كبيرة نعانى منها، وأنا بالفعل لست خائفًا من الشارع ولا من عموم المواطنين، ولكننى أخشى على مصر من بعض قطاعات النخبة التى تقبل المقايضات والمساومات، مثل من جاءوا قبل ٣٠ يونيو وقالوا: «لماذا لا نعطى للإخوان فرصة»، على عكس الناس لا يحتاجون منح الإخوان فرصة ليعرفوهم.

كان لابد لهذه الشهادة من ختام، سألت حلمى النمنم عن توصيفه لثورة ٣٠ يونيو وهو الذى شارك فيها وساندها وأصبح وزيرًا فى ظلها.
قال: الثورة ليس أن تخلع حاكمًا ونظام حكم، لأنك يمكن أن تخلع حاكمًا وتسلم البلد للفوضى، أو لتيار رجعى يأخذها سنوات إلى الوراء، أو تتسلمها جماعة إرهابية فيصبح ما حدث انتكاسة، لكن الثورة هى التى تأخذ البلد إلى الأمام بخطوات ثابتة، وتحقق إنجازات على الأرض، ولابد أن يعرف الناس أن الإنجازات لا تأتى بالمجان أبدًا.. فالدول لا تبنى بالمجان، إلا إذا كانت ستبنى على النهب والاستعمار، ولأن مصر ليست دولة استعمارية فلن نبنى بالنهب، بل نبنى بعرقنا وتعبنا وبتكلفة اقتصادية يتحملها الشعب بشكل أسطورى.. وذلك يحدث لأن هذا هو الشعب المصرى.





