الجمعة 26 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

30 يونيو.. معركة الدولة والتنظيم فى مصر الحديثة

حرف

لم تكن أحداث الثلاثين من يونيو ٢٠١٣م مجرد أزمة سياسية انتهت بسقوط حكومة وصعود أخرى، كما لم تكن مجرد فصل من فصول الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين وخصومها. فخلف المشهد اليومى الصاخب كانت تدور معركة أعمق تتعلق بسؤال لازم العالم العربى طوال العقود الأخيرة: مَن يمتلك الشرعية النهائية فى المجال العام؟ الدولة الوطنية بمؤسساتها الجامعة أم التنظيم الأيديولوجى الذى يرى نفسه حاملًا للحقيقة والمشروع والتغيير؟.

هذا السؤال لم يولد مع الإخوان المسلمين، ولم يبدأ مع ثورة يناير ٢٠١١م، بل يعود بجذوره إلى تحولات أعمق شهدها العالم العربى منذ النصف الثانى من القرن العشرين. فمنذ أن بدأت الدولة الوطنية العربية الحديثة تتشكل بعد مرحلة الاستقلال، وجدت نفسها فى مواجهة مشروعات متعددة عابرة للحدود، بعضها قومى وثورى، وبعضها يسارى، وبعضها دينى، لكنها اشتركت جميعًا فى تصور واحد: أن الفكرة تتقدم على شرعية الدولة، وأن التنظيم العقائدى قادر على تمثيل الأمة بصورة أصدق من المؤسسات الوطنية القائمة.

وجاءت ثورة يناير لتفتح الباب أمام واحدة من أهم التجارب السياسية فى التاريخ المصرى الحديث، والتى امتد أثرها إلى المنطقة بأسرها. فقد سقط النظام الحاكم، ووجدت مصر نفسها أمام مرحلة انتقالية معقدة امتزجت فيها آمال التغيير بمخاوف الفوضى، وتداخلت فيها المطالب الشعبية المشروعة مع الصراعات السياسية الحادة حول مستقبل الدولة ومؤسساتها.

وفى خضم هذه التحولات برزت جماعة الإخوان المسلمين بوصفها القوة السياسية الأكثر تنظيمًا وقدرة على استثمار الفراغ الذى أعقب سقوط النظام. وبعد عقود من العمل التنظيمى والدعوى وصلت الجماعة إلى السلطة عبر انتخابات جرت فى ظروف انتقالية استثنائية ما زالت بعض ملابساتها وسياقاتها السياسية محل نقاش حتى اليوم. غير أن الوصول إلى الحكم كشف سريعًا عن إشكالية أعمق من مجرد النجاح الانتخابى.

فالتحدى الحقيقى لم يكن فى الوصول إلى السلطة، بل فى إدارة الدولة. فالجماعات العقائدية تنشأ عادة حول فكرة جامعة وهوية تنظيمية متماسكة، بينما تقوم الدولة الحديثة على إدارة التنوع والتوازن بين المصالح والاتجاهات المختلفة. ولذلك فإن الانتقال من المعارضة إلى الحكم لا يقتصر على الفوز بالسلطة، بل يتطلب الانتقال من عقلية التنظيم إلى عقلية الدولة. وقد رأى عدد من المفكرين والسياسيين أن الأزمة لم تكن فى الأشخاص بقدر ما كانت فى صعوبة التوفيق بين منطق الجماعة القائم على الانضباط للمشروع الخاص، ومنطق الدولة القائم على تمثيل المجتمع بأسره. ومن هنا بدأت تتشكل أزمة الثقة التى اتسعت تدريجيًا بين السلطة الجديدة وقطاعات واسعة من المصريين.

ولم يقتصر الجدل على الداخل المصرى وحده، بل امتد إلى المجال العربى بأسره. فقد كانت المنطقة تعيش لحظة تاريخية مضطربة تتداخل فيها الثورات والانقسامات والتدخلات الخارجية وصعود المشاريع الأيديولوجية المختلفة. وفى هذا السياق أثارت بعض سياسات الجماعة ومواقفها الإقليمية تساؤلات واسعة داخل عدد من العواصم العربية، خاصة فى ظل محاولات الانفتاح على إيران فى وقت كان النفوذ الإيرانى يتوسع فى أكثر من ساحة عربية، كما دفعت الفجوة بين الخطاب التعبوى الذى رفعته الجماعة لعقود وبين مقتضيات الحكم الواقعية كثيرين إلى إعادة النظر فى عدد من المسلمات التى سادت خلال سنوات المعارضة.

وشهدت الساحة المصرية خاصة، والعربية عامة، نقاشًا حادًا حول مفهوم الشرعية السياسية. فأنصار الجماعة تمسكوا بشرعية صندوق الاقتراع، بينما رأى خصومهم أن الشرعية فى الدول الحديثة لا تتوقف عند الفوز الانتخابى، بل تشمل القدرة على بناء التوافق الوطنى واحترام المؤسسات والحفاظ على وحدة المجتمع واستقرار الدولة. وهنا برز سؤال سيبقى حاضرًا فى كثير من التجارب السياسية الحديثة: هل تكفى الانتخابات وحدها لصناعة الشرعية؟ أم أن الشرعية مفهوم مركب يتجاوز نتائج الصناديق ليشمل الأداء السياسى والقدرة على إدارة الاختلاف والحفاظ على الدولة نفسها؟.

وعندما خرجت الملايين إلى الشوارع فى الثلاثين من يونيو، لم يكن المشهد بالنسبة إلى كثير من المصريين مجرد احتجاج على حكومة أو رئيس، بل تعبيرًا عن قلق عميق تجاه مستقبل الدولة المصرية. ولهذا اكتسب الحدث دلالته التاريخية الكبرى، لأنه نقل الصراع من مستوى التنافس السياسى إلى مستوى السؤال المتعلق بمصير الدولة ذاتها واستمرارها.

وفى خضم هذا المشهد برز موقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز- رحمه الله- بوصفه أحد أكثر المواقف العربية وضوحًا وحسمًا. فلم ينظر إلى ما جرى فى مصر باعتباره مجرد تنافس انتخابى بين قوى سياسية متصارعة، بل رآه اختبارًا لمستقبل الدولة الوطنية العربية نفسها. وانطلاقًا من إدراكه لمكانة مصر بوصفها ركيزة أساسية فى التوازن العربى، جاء دعمه السريع والواضح لمصر ومؤسساتها، مؤكدًا أن الحفاظ على الدولة شرط سابق على أى إصلاح سياسى، وأن انهيارها لا يدفع ثمنه طرف سياسى بعينه، بل تدفعه الأوطان والأجيال. وقد عبّر عن هذه الرؤية فى موقفه الشهير الداعم لمصر عقب أحداث يوليو ٢٠١٣م، وهو الموقف الذى استحضره لاحقًا الرئيس عدلى منصور والرئيس عبدالفتاح السيسى وعدد من المسئولين والمفكرين المصريين بوصفه أحد العوامل المهمة فى مساندة الدولة المصرية خلال تلك المرحلة الدقيقة.

وبعد أكثر من عقد على تلك الأحداث، لم تعد أهمية الثلاثين من يونيو مرتبطة بالسجالات السياسية التى صاحبتها بقدر ارتباطها بالسؤال التاريخى الذى أعادت طرحه على العالم العربى كله: «أيهما أبقى للأوطان، الدولة أم التنظيم؟».

ربما يختلف المؤرخون فى تقييم تفاصيل تلك المرحلة، كما سيظل الجدل قائمًا حول بعض شخصياتها وأحداثها لسنوات طويلة. لكن ما يصعب إنكاره أن الثلاثين من يونيو لم تكن مجرد محطة فى تاريخ مصر السياسى، بل كانت لحظة أعادت الاعتبار لسؤال الدولة فى العالم العربى الحديث.

ولهذا السبب، كلما ابتعدنا عن ضجيج اللحظة السياسية، ازداد وضوح المعنى التاريخى لذلك الحدث. فبينما تتغير التحالفات وتخفت الشعارات وتتبدل المواقف، يبقى ما حفظ الأوطان وصان الدول حاضرًا فى ذاكرة التاريخ. وتبقى الثلاثون من يونيو واحدة من أبرز المحطات التى أعادت طرح معركة الدولة والتنظيم فى مصر الحديثة، كما يبقى موقف الملك عبدالله بن عبدالعزيز من أكثر المواقف العربية دلالة على إدراك مبكر لطبيعة هذه المعركة، وانحياز واضح إلى الدولة بوصفها الإطار الجامع للمجتمع والضامن لاستقراره ومستقبله.