هدى أبلان تكتب: حارس الرفات
1
الغربة ليست إلا طلاء
نحمل دماءنا فى شيخوخة الطريق
وننتعل الألوان الشبيهة
نغطى بها الأشياء الجارحة
التى تركناها خلفنا
وكلَّ باهت فى دربنا الأخضر
أبدأ بطلاء النافذة
فلا أرى العسس
أطلى الباب أيضًا
فلا أرى الغزاة
أضمخ أصابعى
فلا أرى إشارات الأمس
وتلويحاته
التى صنعت الأعداء والأصدقاء
على حد سواء
نطلى أفواهنا ببياض
من انضباط السيرة
كى نمر كأغنيات فى ربيع الحاجة
ولأن القلب عميق ومتوارٍ
نبلع له رذاذ الأسبرين
فتذوب كتلة الحنين
وتنتشر فى أطرافنا
حيث يتم طلاء الأقدام
فتزهر خطواتنا
تلك التى ملأت الجبال اتقادًا
وعبرت بنا إلى الأزمنة الشاقة
وحدها عصا موسى
تخرج من البحر بلونه الساطع
لأبقى زرقته كما هى
تنهمر على رأس المراكب
من يحمل عبثنا الذى راكمته اليابسة
وصنع أسئلة الغرق
كل شىء سنطليه ليتغير طعمه
ونحتمل مرارته فى المنافى الكثيرة
إلا الموتى
سيظلون تحت ترابهم
لهم لون الصلصال الأول
عرفوا الغربة قبلنا
وما زالوا ينتظرون
فى محطات رمادية.
2
مصطفى
أيها التربى الرابض عند حراسة الحنين
والعامل على فلاحة الموت
هذا كتاب أحمد بين يديك
بفتوتك فى تقليب الموتى
ماذا ستعمل بسطور غضة
ومواساة فراغ
أحمد ذاته أتى اليك
جسدًا كاملًا
مغسولًا بدموع الفجيعة
ها هو يذوب بين يديك
رميمًا تستعيده خلايا الأرض
ووحدك تعرف ما تناقص منه
وهل انهمكت الديدان فى تذوقه
أم انصرفت بعيدًا
خوفًا من إيقاع الشعر
وشراسة ما يسكبه من الإضاءة
ماذا حدث لشعره الذى يعشق
انتفاشته
ما زال طائرًا بامتدادات مناسبة
وابتسامته هل ما زالت مشرقة
جلده الذى كان يعده للسهام
البعيدة والقريبة
كم ثقوب فيه
أسألك لأنه مثلى
يحلق فى التفاصيل الصغيرة
ولا توجد مرآة فى سواد الانتظار
التى تخفف من صداع الرأس
ولا تنبش فى أوجاع الآخرين
ولا تشعل النيران فى فراغات
الزيت الكثيرة
كلانا يضىء بما لديه
من مؤونة وفرح
ويشرق فى زجاج قديم
هل ستقلب الكتاب جيدًا
وأنت من قلبت جسده
وتذوقت سكونه حتى الثمالة
هل تأملت لحظتها
أن يفتح عينيه
وان ما حدث خطأ جوهريًا
من طبيب يتثاءب
وعليك أن تعيده إلى حضنى
الكتاب الأول لك
لأنك حارس الرفات
صديقه اللصيق
اشعلْ روحك كثيرًا بشعاع المسرة
كى يضاء من هذا الجوار الدافئ
سيسألوننى الناس
أين أحمد؟
أقول: نائم عند صديق مزمن
عند ضوء شمعة
تذوب مثلهما
عليك أن تطرق باب الطين كثيرًا
وتقرأ له من هذا الكتاب
كى يُسر
بأن صورته عليه
كما كان يحب أن يراها
فتيًا مبعثرًا فى الجهات
بلا أوجاع.
3
ما معنى أن أسقط فوق قبرك
وأحدث ضجيجًا فى عظام الأم التى
تهشمت برحيلك
تعثرت بى اللغة
أو ربما ثملتُ بالموت
الذى أعلق كأسه على عنقى
ليحدث فى الروح كل هذه جلبة
روائحه تصل سريعًا
لتذكر النائم وقوفًا
صاحب الظل
بيقظة قادمة
على طبق من كوابيس ممتدة
أعلى قبرك
حجر فرعونى
أردت أن أعلو عليه
لأرى موتك من شاهق الحضارات
لا تذبل فيه أبدًا
ويجدد فيك خلايا البقاء
ما يشبه منبرًا للثرثرة
لا تتثاءب فيه الأبجدية
ومكبر الصوت
هو حليبك الذى لم تكمله فى عروقى
امتد أسلاكًا طائشة
فى خاصرة المعنى
وتعالى الكلام الذى يصنع العناق
والصمت المطبق على اثنين متجاورين
لا يسمعه أحد
ولا يضيف شيئًا غير التذكار
الحجر الفرعونى
لم يؤلمنى يا أحمد
لكن أزعجك صوت ارتطامى
فارتفعت يداك لالتقاط الألم
وتوهجت رجولتك أمام عزرائيل
صديقك بأجنحة قلقة
ومنقار سبق له الأخذ
ملطخ بعيش وملح
أراد أن يختصر المهام
ويدسنى بجوارك
دون طقوس ومقدمات خادعة
حين علم أن الحجر الفرعونى
خرج من بيتنا
وكان مخدتنا وقد صقلتها الدموع.







