ورثـة المثقفين.. مَن يشكل الوعى فى زمن المنصات؟
- تحولت المنصات إلى ساحات يتجاور فيها الخبيرمع الهاوى والباحث مع المشاهير والأستاذ الجامعى مع صانع المحتوى
- أخذت الجدران التى أحاطت طويلًا بعالم النشر والتأثير تتشقق من كل جانب
- المثقف كان يقدم تفسيرًا للعالم بينما تعيد الخوارزمية ترتيب العالم قبل أن تبدأ عملية التفسير
- يظل الحديث عن نهاية المثقف بالمعنى الحاسم للكلمة موضع شك
على مسافة زمنية ليست ببعيدة، كان الطريق إلى المعرفة يمر عبر أسماء محددة. يقرأ الناس لطه حسين والعقاد، وينتظرون مقالات محمد حسنين هيكل، ويتابعون سجالات المفكرين فى الصحف والمجلات. كان المثقف وسيطًا بين المجتمع عينًا تراقب التحولات، وعقلًا يعيد ترتيب الفوضى فى صورة قابلة للفهم. وبين الكاتب وقارئه نشأت علاقة جعلت للكلمة المطبوعة سلطة خاصة، إذ غدت إحدى الخرائط التى تمنح الوقائع المتفرقة خيطًا ناظمًا ومعنى أوسع.
لكن ما جرى لاحقًا، كان أكثر هدوءًا وتعقيدًا. فبينما انشغل كثيرون بتراجع حضور المثقف التقليدى، كانت السلطة التى امتلكها لعقود طويلة تنتقل تدريجيًا إلى أطراف أخرى. السلطة ذاتها التى جعلت من الكاتب والمفكر والصحفى مرجعًا لفهم العالم، أخذت تبحث عن وجوه جديدة ومساحات مختلفة تمارس من خلالها تأثيرها.
فمع التحولات التكنولوجية والإعلامية المتسارعة،. اتسعت نوافذ التأثير، وظهرت شخصيات وأدوات لم تكن جزءًا من المشهد الثقافى التقليدى، من صانع محتوى يجذب ملايين المتابعين، ومقدم بودكاست يصوغ تصورات كاملة عن السياسة والاقتصاد والتاريخ، إلى منصات رقمية تتحول شيئًا فشيئًا إلى ساحات كبرى لتداول المعنى وتشكيل الانتباه.
وفى الخلفية كانت تتسلل قوة أخرى ناعمة، تزداد حضورًا مع كل تحول. لا تكتب المقالات، ولا تصدر الكتب، لكنها تتحكم فى مسارات الوصول إليها. خوارزميات ترشح وتستبعد، وتدفع بعض الموضوعات إلى الواجهة بينما تترك غيرها يتوارى بعيدًا عن الانتباه.
ولأن السلطة لا تختفى بقدر ما تنتقل من يد إلى أخرى، أخذت القصة منحى أبعد: من ورث المثقف؟ مَن الذى يشكل الوعى العام اليوم؟ ومَن يملك القدرة على توجيه الانتباه وصياغة الأولويات وتفسير العالم لجمهور لم يعد يجتمع حول صحيفة أو كتاب واحد؟
قد لا تتعلق القضية اليوم، بمصير المثقف نفسه، بقدر ما ترتبط برحلة السلطة الثقافية من عصر الصحف والكتب إلى زمن المنصات والخوارزميات، حيث امتد الصراع من إنتاج المعرفة إلى امتلاك الطريق المؤدى إليها.

الحارس الأول للبوابة
من لحظة تاريخية كانت المعرفة فيها موردًا نادرًا، وكانت الطريق إليها تمر عبر أبواب محدودة لا يملك مفاتيحها إلا قلة من الناس، خرج المثقف إلى المجال العام، حينها كانت دوائر التعليم أضيق، وكانت الصحافة الحديثة لا تزال فى طور التشكل، فيما احتفظ الكتاب بمكانته كنافذة لا يبلغها الجميع بالقدر نفسه. فى تلك البيئة بدت شخصيات ذات قدرة استثنائية على الوصول إلى الأفكار وإعادة صياغتها بلغة يفهمها الآخرون.
ولأن المجتمعات لا تتعامل مع الأفكار المجردة، وتبحث دائمًا عمن يجسدها ويمنحها صوتًا وملامح، تحول هؤلاء تدريجيًا إلى مرجعيات ثقافية. لم يكن الناس يقرأون الكتب وحدها، كانوا يقرأون أصحابها أيضًا. كانت أسماء الكُتّاب وزنًا يحمل يقترب من وزن النصوص نفسها. فحين يكتب طه حسين أو العقاد أو سلامة موسى، كان القارئ يعبر إلى صفحاتهم كما يعبر إلى خريطة جديدة للعالم.
مكانة المثقف التى أتحدث عنها ليست مجرد صورة وردية صنعها الحنين إلى الماضى فقد جسدتها وقائع متفرقة. ففى عام ١٩٢٦ تحوّل كتاب «فى الشعر الجاهلى» لطه حسين إلى واحدة من أشهر المعارك الفكرية فى التاريخ الثقافى العربى الحديث. إذ سرعان ما غادر الجدل أسوار الجامعة ليتدفق إلى الصحف والأزهر والبرلمان والنيابة، كأن كتابًا واحدًا ألقى حجرًا فى مياه راكدة فامتدت دوائره إلى المجال العام بأسره. ولم يكن الحراك الذى أثاره الكتاب منفصلًا عن الموقع الذى احتله صاحبه فى الوعى العام. فالكلمات كانت تخرج محمولة على ثقل الاسم الذى يكتبها، وحين يتحدث المثقف كانت مؤسسات كاملة تتهيأ للإنصات أو للاعتراض.
المشهد ذاته تكرر بصور مختلفة مع عباس محمود العقاد. فالمعارك الأدبية التى خاضها تجاوزت دوائر الكتّاب إلى جمهور أوسع كان يتابعها بشغف. وظلت الخلافات حول الشعر أو اللغة أو التراث قادرة على البقاء فى صدارة صفحات الجرائد لأسابيع، لأن المثقف كان يشغل موقعًا مؤثرًا فى صناعة المعنى وتوجيه النقاشات العامة. وحتى أولئك الذين لم يقتربوا من كتب العقاد عن قرب كانوا يعرفون مواقفه ويتابعون سجالاته، فقد تحولت بعض الأسماء فى ذلك الزمن إلى ما يشبه البوصلة التى تُقرأ من خلالها القضايا الثقافية والفكرية.
إذًا سلطة المثقف. لم تنشأ من منصب رسمى، ولم تُفرض بقوة القانون، وإنما جاءت من موقع احتله داخل دورة إنتاج المعرفة وتوزيعها. كان المثقف أشبه بنافذة واسعة يطل منها المجتمع على ما يجرى حوله. من خلالها تسربت أفكار النهضة والتنوير والقومية والاشتراكية والليبرالية، وعبرها كما وجدت قضايا الدين والهوية والتعليم والتقدم طريقها إلى النقاش العام.
وفى النصف الأول من القرن العشرين، بدا المشهد وكأن المثقف يحتل المسرح بمفرده. كانت الصحف ساحته اليومية، والمجلات الثقافية مختبره الفكرى. فيها تُصنع المعارك الأدبية، وتُكتب البيانات الفكرية، كما تتشكل التحالفات والانقسامات التى تمتد آثارها إلى السياسة والفنون والتعليم. كانت المقالات فى بعض الأحيان شرارات قادرة على إشعال ساحات الرأى لسنوات.
بيد أن ما منح هذا الموقع قدرًا إضافيًا من الرسوخ أن المثقف لعب أكثر من دور فى آن واحد. فقد كان شارحًا ومفسرًا وناقدًا ومعلمًا. يكتب عن الأدب ثم ينتقل إلى السياسة، ويتناول التعليم قبل أن يخوض فى الدين أو الاجتماع. كان حضوره عابرًا للتخصصات، ولأن المجتمع نفسه كان يبحث عن أصحاب الرؤى الشاملة أكثر مما يبحث عن الخبرات الضيقة تحول بعضهم إلى ضمير رمزى لأجيال كاملة.
كما ساهم صعود الصحافة الحديثة فى اتساع دوائر نفوذه الثقافى، فقبل أن تصل الأفكار إلى المكتبات، كانت تمر عبر صفحات الجرائد والمجلات. حيث تشكلت هناك، العلاقة بين الكاتب والجمهور، واكتسبت الكلمة المكتوبة قدرتها على التأثير. إذ لم تكن الصحيفة مجرد وسيلة لنقل الأخبار، كانت مصنعًا يوميًا للمعنى، ومن خلالها مارس المثقف طقوس التأثير فى الأذواق والتصورات والخيارات الكبرى.
غير أن الزمن نادرًا ما يبقى وفيًا لعهوده الأولى، فقد استندت تلك المكانة على شروط تاريخية محددة؛ وحين بدأت الأرضية التى حملتها فى الاهتزاز اتسعت الشقوق. فمع كل تحول تقنى جديد كانت خيوط التأثير تتوزع على مسارات أخرى، كان جزء من السلطة التى احتكرها يغادر موقعه القديم بهدوء. وفيما أخذ المقعد الذى شغله المثقف طويلًا يتسع لوجوه جديدة، كانت ملامح المشهد التالى تتشكل بعيدًا عن الحارس الأول.

بداية تفكك السلطة
لم يسقط المثقف فى يوم واحد، ولم يأتِ وريثه ليزيحه عن مقعده فى مشهد درامى حاسم. ما حدث كان أقرب إلى إعادة رسم لخارطة النفوذ وتنظيم جديد لحركة العابرين. فالموقع الذى استقر طويلًا فى قلب المجال العام بدأ يفسح مساحات لفاعلين آخرين.
بدأت الشقوق الأولى بالظهور من حيث لم يتوقع كثيرون؛ من قاعات الدراسة نفسها. فمع اتساع التعليم، لم تعد المعرفة حبيسة دوائر محدودة كما كانت من قبل. فقد شهدت المدارس والجامعات نموًا متسارعًا، ومع كل دفعة جديدة من الخريجين كانت المعرفة تفقد شيئًا من ندرتها القديمة. صحيح أن التعليم لم يصنع بالضرورة مثقفين جددًا، لكنه ضيق المسافة التى منحت المثقف جزءًا من مكانته التاريخية. فالأجيال التى دخلت الجامعات بعد موجات التوسع التعليمى لم تعد مضطرة للوقوف أمام البوابة نفسها التى عبر منها آباؤها، إذ اتسعت الممرات المؤدية إلى المعرفة، وتزايد عدد القادرين على خوض الرحلة بأنفسهم.
ولكن السلطة، مثلها مثل الثروة، نادرًا ما تبقى محتجزة فى مكان واحد إلى الأبد. فبينما كانت الصحف تواصل صناعة نجومها، كانت وسائط أخرى تشق طريقها إلى المجال العام حاملة معها طرقًا مختلفة للوصول إلى الناس.
دخل الراديو البيوت حاملًا طريقة جديدة فى الوصول إلى الجمهور. فبدلًا من أن يذهب الناس إلى النص، صار النص يأتى إليهم. وخلال الخمسينيات والستينيات تحول أحمد سعيد على سبيل المثال، عبر إذاعة «صوت العرب» إلى واحد من أكثر الأصوات حضورًا فى المجال العام العربي. لم يكن روائيًا أو مفكرًا بالمعنى التقليدى، غير أن ملايين العرب تابعوا ما يقوله بوصفه تفسيرًا لما يجرى حولهم.
أهمية تجربة أحمد سعيد ليست فى شخصه وحده، بقدر ما كانت فى الوسيط نفسه. فالمثقف اعتاد الوصول إلى جمهوره عبر المقالة والكتاب، بينما استطاع المذيع أن يصل إلى الجمهور ذاته عبر الصوت وحده. لم يفقد الكتاب قيمته أو مكانته، لكنه بدأ يفقد احتكاره القديم. فالطريق الذى ظل طويلًا يمر عبر الكاتب والمقالة أخذ يفتح ممرات أخرى أكثر سرعة واتساعًا، بينما أخذت سلطة تشكلت حول الصفحة المطبوعة على امتداد عقود تتشارك المجال مع وسيط جديد لا يحمل ورقًا ولا حبرًا.
ولأن التحولات الكبرى لا تتحرك منفردة، جاءت الشاشة لتضيف طبقة أخرى إلى المشهد. لم تعرفها الصحافة المكتوبة من قبل؛ الصورة. لم يعد المتلقى بحاجة إلى تخيل المتحدث أو البحث عن كتاباته. صار الوجه حاضرًا إلى جانب الفكرة، وأصبحت الرسالة تصل فى اللحظة نفسها إلى ملايين الناس. تغيرت طبيعة التأثير نفسها. وبات الحضور غير متوقف على ما يكتبه الشخص فقط، بل بقدرة صاحبه على الظهور والتواصل وبناء علاقة يومية مع الجمهور.
فى هذه المرحلة بدا محمد حسنين هيكل وكأنه يقف على حدود عالمين؛ عالم تشكلت فيه سلطة المثقف عبر المقالة والكتاب، وآخر جديد أخذت فيه الصورة تفرض قواعد مختلفة للنفوذ والانتشار.
فقد خرج من صفحات الصحف إلى الشاشة محتفظًا بجزء من المكانة التى صنعها فى عالم الكتابة. كان حضوره التليفزيونى يكشف عن أن معركة التأثير لم تعد تُحسم داخل الجريدة وحدها، وأن الشاشة أصبحت ساحة لا تقل أهمية عن الصفحة المطبوعة.
ومع اتساع حضور التليفزيون، ظهرت وجوه جديدة تنافس المثقف على بعض أدواره التقليدية. فالمذيع يشرح الأحداث، والمحلل السياسى يقدم قراءته للمشهد. لكن بصمات التحول فى تلك الفترة كانت أكثر وضوحًا فى المجال الدينى. فحين جلس الشيخ محمد متولى الشعراوى أمام الكاميرا، لم يكن يقدم درسًا دينيًا فحسب، كان يعيد رسم الطريق الذى يصل عبره التفسير إلى الجمهور. لم ينزع الشعراوى سلطة التفسير من الكتب، لكنه نقل مركز ثقلها، لتبدأ واحدة من أهم وظائف المثقف التقليدى تغادر موطنها القديم إلى وسيط جديد أكثر قدرة على الوصول.
لم يكن الشعراوى وريثًا للمثقف بالمعنى المعروف، لكنه جسّد انتقال وظيفة ظلت طويلًا أحد مصادر النفوذ الثقافى؛ تحويل المعرفة المتخصصة إلى خطاب مفهوم وقادر على مخاطبة الجمهور الواسع. وهى الوظيفة نفسها التى منحت المثقف جانبًا مهمًا من سلطته التاريخية، قبل أن تبدأ بالتوزع على شخصيات أخرى تنتمى إلى عوالم مختلفة.
وجاء التحول الأكثر عمقًا مع ظهور الفضائيات. ففكرة المنبر الواحد أخذت تتراجع تدريجيًا. تعددت الشاشات، والأصوات، وتوزعت انتباهات الجمهور بين عشرات البرامج والوجوه. الإعلامى يفسر السياسة، والداعية يفسر الدين، والخبير يفسر الاقتصاد، بينما أخذت الوظائف التى اجتمعت طويلًا فى شخص المثقف تتوزع على أطراف متعددة.
فى تلك السنوات، لم يختفِ المثقف من المشهد، لكنه فقد موقعه القديم فى المركز. صار واحدًا ضمن عدة أصوات تتقاسم المجال العام. وكانت السلطة التى استقرت طويلًا فى يد الكاتب والمفكر تعيد توزيع نفسها بهدوء على فاعلين جدد؛ بعضهم جاء من الإعلام، وبعضهم من الدين، وبعضهم من عالم الخبرة المتخصصة.
ولعل المفارقة أن المثقف لم يخسر معركة فكرية بقدر ما فقد امتيازًا تاريخيًا. فالأفكار ظلت حاضرة، بينما اتسعت الطرق المؤدية إليها. ومع تعدد المنابر والوجوه ومسارات الوصول إلى الجمهور، بات من الصعب على أى فئة أن تحتفظ بالموقع الذى شغلته وحدها لعقود طويلة.
ثم جاء الإنترنت ليضع سؤال المنبر نفسه موضع الشك. فكل التحولات السابقة أبقت على وجود بوابة ما؛ صحيفة تقرر ما ينشر، أو قناة تحدد من يظهر على شاشتها. أما الشبكة الجديدة فقد تعاملت مع الفكرة كلها بطريقة مختلفة. فجأة لم يعد الوصول إلى الجمهور يحتاج إلى موافقة رئيس تحرير أو مدير قناة أو مؤسسة ثقافية. أخذت الجدران التى أحاطت طويلًا بعالم النشر والتأثير تتشقق من كل جانب.
اكتمل التفكك الذى بدأ قبل عقود. فالسلطة الثقافية التى تمركزت طويلًا حول عدد محدود من الأسماء لم تعد تتحرك وفق القواعد نفسها،. أخذت تتشظى بين وجوه ومنصات ومسارات متشابكة، كما أن الطريق إلى الجمهور لم يعد يمر عبر البوابة ذاتها حتى أصبح من الصعب تحديد مركز واحد للمشهد.
الورثة الجدد
من بين شقوق البوابة التى أخذت تتفكك ببطء، خرج الورثة الجدد. لم يظهر اسم واحد يحمل الراية ويواصل الطريق، تقدمت وجوه متعددة، حمل كل منها قطعة من الإرث القديم. فالسلطة التى اجتمعت يومًا فى شخص المثقف لم تنتقل من يد إلى يد، كما تنتقل الممالك بين السلالات، وإنما تفرقت بين فاعلين جدد، أخذ كل منهم وظيفة من الوظائف التى احتكرها طويلًا، بينما اختفت الصورة الجامعة التى عرفها القرن العشرون.
أول هؤلاء الورثة كان الإعلامى. لم يمتلك معرفة المثقف بالضرورة، لكنه ورث المنبر. فالسلطة التى كانت تبدأ من المقالة الأسبوعية أو الكتاب الجديد، أخذت تنتقل إلى الاستوديو والشاشة. وأصبح مقدم البرنامج قادرًا على دفع قضية إلى واجهة النقاش العام أو إخراجها منه، بينما تراجعت قدرة النص المكتوب على احتكار الانتباه كما كان يحدث فى عقود سابقة.
ولأن الجمهور لا يبحث فقط عمن يخبره بما حدث، وإنما عمن يمنحه معنى لما حدث، ظهر وريث آخر أكثر تعقيدًا؛ الخبير. ففى عالم تتسارع فيه المعرفة، أصبح الاقتصادى يشرح الأزمات المالية، والطبيب يفسر الأوبئة، وخبير التكنولوجيا يشرح التحولات الرقمية. ومع اتساع خرائط المعرفة، توزعت أنظار الجمهور بين أصحاب الخبرات المتخصصة. وتفتت السلطة القديمة إلى جزر صغيرة من الخبرة، لكل منها لغتها وجمهورها وحدودها.
وبالتوازى مع ذلك، ظهر جيل جديد من صناع المحتوى المعرفى. لم ينتظر هؤلاء أبواب الصحف أو المجلات الثقافية أو دور النشر، بل اتجهوا مباشرة إلى الجمهور. انتقلت موضوعات كانت حبيسة الكتب الجامعية أو الصفحات المتخصصة إلى الفيديوهات والمنصات الرقمية، وأصبح بالإمكان مشاهدة شرح لتاريخ الإمبراطوريات أو نظريات الاقتصاد أو الأفكار الفلسفية فى دقائق معدودة. وهكذا وجدت وظيفة الشرح والتفسير طريقها إلى وسائط جديدة، أكثر مرونة وأسرع وصولًا.
غير أن القادم الجديد الأكثر إثارة للاهتمام خرج من قلب المنصات نفسها. ففى العقود السابقة كان النفوذ نتيجة المعرفة غالبًا. أما فى العالم الرقمى، فقد أصبح الانتباه نفسه مصدرًا للنفوذ. وهنا ظهر المؤثر بوصفه ظاهرة يصعب فهمها بالأدوات القديمة فهو ليس أستاذ جامعة، ولا كاتبًا تقليديًا، ولا صحفيًا بالمعنى المعروف، ومع ذلك يمتلك أحيانًا قدرة على تشكيل الرأى العام تتجاوز ما يملكه أصحاب الخبرة أنفسهم.
لقد ورث المؤثر شيئًا لم يكن جزءًا ثانويًا من سلطة المثقف، كان أحد أسرارها الأساسية: الجمهور. فالكاتب كان يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يبنى دائرة من القراء، بينما يستطيع صانع محتوى أن يجمع ملايين المتابعين خلال فترة قصيرة. ليتحرك السؤال تدريجيًا من «ماذا تعرف؟» إلى «كم شخصًا يصغى إليك؟. ومع الوقت تحولت المنصات إلى ساحات يتجاور فيها الخبير مع الهاوى، والباحث مع المشاهير، والأستاذ الجامعى مع صانع المحتوى، بينما يتنافس الجميع على المورد الأكثر ندرة فى العصر الحديث: الانتباه. هنا بدأ مركز الثقل يتحرك مرة أخرى. فالسلطة لا تغيّر أصحابها فقط، بل تغيّر القواعد التى تُمنح على أساسها.
فالمثقف التقليدى كان ينتج الفكرة أولًا ثم يبحث عن جمهور لها. أما كثير من المؤثرين فامتلكوا الجمهور أولًا، ثم أصبحت الأفكار تأتى لاحقًا. ومع الوقت، تحولت المنصات إلى ساحات يتجاور فيها الخبير مع الهاوى، والباحث مع المشاهير، والأستاذ الجامعى مع صانع المحتوى، بينما أصبح الجميع يتنافسون على المورد الأكثر ندرة فى العصر الحديث: الانتباه.
لكن المفارقة أن كلًا من هؤلاء احتفظ بجزء من الصورة القديمة، لكنه لم يستطع أن يرثها كاملة. فالإعلامى امتلك المنبر، لكنه لم يمتلك بالضرورة العمق المعرفى. والخبير انشغل بالمعرفة المتخصصة، لكنه غالبًا ما بقى أسير مجاله الضيق. أما المؤثر فقد استحوذ على الجمهور، دون أن يعنى ذلك حيازته لمشروع فكرى أو رؤية متماسكة.
لذلك لم يعرف المشهد الراهن الشخصية الجامعة التى عرفتها أجيال سابقة، وتجمع بين التفسير والمعرفة والنفوذ والجمهور فى آن واحد. تفرقت هذه العناصر بين عدد كبير من الفاعلين، بينما أخذ كل واحد منهم يؤدى دورًا كان جزءًا من دور أكبر.
كما يخفى هذا التبعثر نفسه إشكالية أكبر: مَن منهم ورث المثقف حقًا؟ وهل يكفى امتلاك جمهور واسع لكى يصبح صاحبه مثقفًا؟ أم أن هناك فرقًا بين من يجذب الانتباه ومن ينتج المعنى؟
هنا تبدأ معركة أخرى أكثر تعقيدًا؛ تدور حول التوصيف نفسه، والحدود الفاصلة بين التأثير والثقافة، بين الشهرة وصناعة الوعى.

المؤثر أم المثقف؟
كل عصر يخلق وجوهه المؤثرة، لكنه لا يمنحها الاسم نفسه دائمًا. فحين ظهر المؤثرون على المنصات الرقمية، بدا لكثيرين أن المثقف يغادر المسرح أخيرًا. ملايين المتابعين يتجهون إلى صانع محتوى على يوتيوب أو مقدم بودكاست أكثر مما يتجهون إلى كاتب أو مفكر. حتى أخذ المشهد يوحى تدريجيًا بأن المعركة قد حُسمت لصالح جيل جديد لا يقرأ بالطريقة نفسها لا يتلقى المعرفة عبر القنوات ذاتها.
لكن الشهرة ليست مرادفًا للتأثير الثقافى بالضرورة. ومن ثم يطرح صعود المؤثرين سؤالًا يبدو بسيطًا فى ظاهره، لكنه يمس جوهر التحولات التى شهدها المجال العام خلال العقود الأخيرة: هل يمكن للمؤثر أن يؤدى الوظيفة التى كان يؤديها المثقف يومًا ما؟.
قد يكون الجواب سهلًا لأول وهلة. فالمؤثر يمتلك جمهورًا واسعًا، ويخاطب أعدادًا من الناس تفوق أحيانًا جمهور الصحف والكتب والندوات مجتمعة. كما أنه يناقش السياسة والتكنولوجيا والاقتصاد والهوية والعلاقات الاجتماعية، وهى الموضوعات نفسها التى شغلت المثقفين طويلًا.
من هذه الزاوية يبدو الفارق بين الطرفين أقل وضوحًا مما يظنه كثيرون. غير أن التشابه بين الدورين لا يعنى تطابقهما. فالمثقف لم يكن مجرد شخص يتحدث إلى جمهور واسع، كان يحاول أن يضيف طبقة جديدة من الفهم إلى ما يحدث حوله. كانت وظيفته الأساسية إنتاج المعنى؛ أن يربط الوقائع المتفرقة بسياق أوسع، وأن يحول الحدث العابر إلى سؤال فكرى، وأن يكشف ما يختبئ خلف الظواهر بدل الاكتفاء بوصفها.
ولأن كل عصر يعيد تعريف أدواره بلغته الخاصة، ظهرت، خلال السنوات الأخيرة، نماذج جديدة يصعب تصنيفها وفق القوالب القديمة. فبعض مقدمى البودكاستات الطويلة يناقشون الفلسفة والعلوم والسياسة والتاريخ مع جمهور قد لا يقترب أصلًا من المجلات الثقافية أو الصفحات الفكرية. وقد برزت تجارب مثل «فنجان» و«ثمانية» عربيًا، إلى جانب نماذج عالمية مثل جو روغان وليكس فريدمان، بوصفها مساحات تجمع بين الحوار الطويل والموضوعات المعرفية، وتستقطب شرائح واسعة من المتابعين خارج الأطر الفكرية التقليدية. وبعض صناع المحتوى المعرفى يقدمون مادة أكثر عمقًا مما تقدمه منصات إعلامية كاملة.
ومن ثم يغدو السؤال أكثر التباسًا. فإذا كان المثقف يُعرّف بوظيفته لا بمكان عمله، فلماذا يستحيل أن يظهر مثقف على يوتيوب؟ ولماذا يصبح الكتاب شرطًا للثقافة، بينما لا تحظى الفكرة بالمكانة نفسها؟.
لقد اعتادت الأجيال السابقة أن تربط صورة المثقف بالمقالة والكتاب والندوة والجامعة. غير أن الوسيط ليس أصل الحكاية دائمًا. فكما انتقل الفكر يومًا من المخطوطة إلى الصحيفة، ومنها إلى الشاشة، قد ينتقل اليوم إلى البودكاست والفيديو والمنصات الرقمية دون أن يفقد جوهره بالضرورة.
لكن الإشكالية أن كل معرفة ليست ثقافة، كما أن نقل المعلومات لا يساوى إنتاج المعنى، وجزء كبير من المحتوى الرقمى يقوم على الشرح والتلخيص والتبسيط. وهى وظائف مهمة بلا شك، لكنها تختلف عن الدور الذى ارتبط تاريخيًا بالمثقف والذى لم يكن مجرد ناقل للأفكار، بل كان مشاركًا فى إنتاجها وإعادة ترتيبها وطرح الأسئلة حولها.
لذلك قد ينجح المؤثر فى الوصول إلى جمهور أوسع، بينما يظل تأثيره الثقافى محدودًا. وقد يحدث العكس أيضًا، فيمتلك شخص جمهورًا أقل، لكنه يسهم فى تغيير الطريقة التى يفكر بها الناس فى قضية ما. وبين الحالتين مساحة واسعة لا تسمح بأحكام حاسمة.
اللافت أن الجدل نفسه يتجاوز الخلاف حول الأسماء والتوصيفات.. فقبل سنوات قليلة لم يكن أحد ليسأل إن كان مقدم بودكاست أو صانع محتوى يمكن اعتباره مثقفًا. أما اليوم فقد أصبح السؤال مطروحًا بجدية، لأن الحدود القديمة التى فصلت بين الثقافة والإعلام والترفيه لم تعد صلبة كما كانت. فحين يصبح مقدم بودكاست قادرًا على استضافة مؤرخ أو فيلسوف أو عالم فيزياء لساعات طويلة يتابعها مئات الآلاف أو الملايين، يكون من الصعب التمسك بالتقسيمات القديمة التى نشأت فى عصر الصحيفة والكتاب وحدهما.
فالمسألة لم تعد مرتبطة بمن يتحدث، المؤثر أم المثقف، وإنما بما يضيفه إلى المجال العام. هل يوسع أفق الفهم أم يكتفى بتدوير ما هو قائم؟ هل يفتح أسئلة جديدة أم يكرر القديمة بصيغ مختلفة؟ هل يساعد الجمهور على رؤية العالم بطريقة أكثر تعقيدًا، أم يكتفى بملاحقة ما يجذب الانتباه؟.
وربما لهذا السبب يصعب إعلان انتصار أحد الطرفين على الآخر. فالمؤثر لم يلغِ المثقف، والأخير لم يعد يحتكر المجال الذى تحرك فيه طويلًا. وما بين الاثنين تتشكل منطقة رمادية واسعة، تظهر فيها شخصيات تجمع شيئًا من العالمين معًا؛ تمتلك أدوات العصر الجديد، وتحاول فى الوقت نفسه أن تمارس وظيفة ثقافية حقيقية.
فى المقابل يحجب هذا الجدل جانبًا آخر من المشهد. فإذا كان النقاش يدور حول من يستحق أن يُسمى مثقفًا، فإن هناك قوة أخرى تعمل فى الخلفية، لا يعنيها كثيرًا إن كان صاحب المحتوى مثقفًا أو مؤثرًا أو خبيرًا. ما يهمها شىء آخر تمامًا: من سيظهر أولًا على الشاشة، ومن سيبقى بعيدًا عنها.

وريث بلا وجه
ليست كل سلطة تحتاج إلى وجه. فبعض القوى تصبح أكثر نفوذًا كلما ازدادت اختفاءً، وبعض الأدوار تمارس تأثيرها الكامل من دون أن تطلب الاعتراف بها.
لذلك فإن المفاضلة بين المؤثر والمثقف قد تبدو أقل فى وقتنا الراهن. فخلف الكاتب والمؤثر والإعلامى والخبير، تقف قوة أخرى لا تنتج المحتوى بنفسها، لكنها تشارك فى تحديد مصيره..لا تكتب المقالات، ولا تسجل البودكاستات، ولا تظهر على الشاشات، ومع ذلك أصبحت جزءًا من عملية تشكيل الوعى اليومى لملايين البشر: إنها الخوارزمية.
فمع صعود المنصات الرقمية بدا المشهد أكثر انفتاحًا من أى وقت مضى. الجميع يستطيع أن يكتب، والجميع يستطيع أن ينشر، والجميع يملك نظريًا فرصة الوصول إلى الآخرين. وللوهلة الأولى بدا الأمر وكأن الحراس القدامى غادروا مواقعهم أخيرًا.
لكن البوابات لم تختفِ، أصبحت غير مرئية فقط.فبين ملايين المقاطع والمنشورات والمقالات التى تُرفع يوميًا، لا يستطيع الإنسان أن يرى كل شىء. وكان لا بد من وجود آلية ترتب هذا الفيض الهائل من المحتوى. ومن هنا بدأت الخوارزمية بوظيفتها الأساسية؛ أن تختار، و ترتب، و تقترح. بدت المهمة فى ظاهرها تقنية بحتة، لكنها سرعان ما تحولت إلى وظيفة ثقافية بامتياز.
ولأن الاختيار هو الوجه الآخر للسلطة، فإن من يملك حق ترتيب الأولويات يتحكم يمتلك جزءًا من القدرة على تشكيل الواقع نفسه. فالخوارزمية لا تخبرك مباشرة بما يجب أن تؤمن به، لكنها تحدد ما الذى تراه أولًا. لا تفرض عليك رأيًا بعينه، لكنها تكرر أمامك بعض الآراء أكثر من غيرها. لا تمنع الأفكار المنافسة بالضرورة، لكنها قد تجعل الوصول إليها أكثر صعوبة.
هنا تكتسب خصوصيتها. فالمثقف التقليدى كان يمارس تأثيره عبر ما يقوله. أما الخوارزمية فتمارس تأثيرها عبر ما تختاره. كان الأول يقدم تفسيرًا للعالم، بينما تعيد هى ترتيب العالم الذى يصل إليك أصلًا قبل أن تبدأ عملية التفسير.
كما تبدو مختلفة عن كل الورثة الذين ظهروا قبلها. فالإعلامى يعرف أنه يخاطب جمهوره. والمؤثر يدرك أنه يسعى إلى جذب الانتباه. أما الخوارزمية فلا تدخل فى حوار مع أحد، ولا تدافع عن نفسها، ولا تعلن موقفها. ومع ذلك تسهم يوميًا فى تحديد الموضوعات التى تشغل الناس، والأسماء التى تتصدر المشهد، والقضايا التى تظل حاضرة فى الفضاء العام.
وكلما اتسع العالم الرقمى انتقلت السلطة من مستوى إنتاج المعنى إلى مستوى توزيع الانتباه، فالمستخدم الذى يدخل إلى منصة بحثًا عن مقطع قصير قد يجد نفسه بعد ساعة كاملة داخل سلسلة من المقاطع المتشابهة. ومن يبدأ بالاهتمام بموضوع معين، قد يكتشف أن المنصة تقترح عليه المزيد منه باستمرار. بما يعنى أن المحتوى يتجاوز فكرة من نبحث عنه إلى ما يُقترح علينا.
ولأن الإنسان يميل بطبيعته إلى ما يراه أكثر، بدأت الخوارزميات تسهم فى تشكيل خرائط الاهتمام ذاتها. فهى لا تحدد فقط ما نقرأه أو نشاهده، وإنما تشارك أحيانًا فى تحديد ما نعتبره مهمًا أصلًا.
وامتد أثر هذا التحول إلى ما هو أبعد من ترتيب المحتوى ليصل إلى الأولويات نفسها. فمع صعود منطق الترند، اكتسبت بعض القضايا حضورها من كثافة تداولها بقدر ما اكتسبته من أهميتها. لتتحول المشاهدات والمشاركات وسرعة الانتشار تدريجيًا إلى مؤشرات تمنح الموضوعات وزنها داخل المجال العام.
وبحكم بحثه الدائم عن الآنى والمثير والقابل للمشاركة السريعة، أصبح الترند أكثر قدرة على دفع بعض الملفات إلى الواجهة خلال ساعات قليلة، فى حين تحتاج قضايا أخرى إلى وقت أطول للفهم والتأمل. فلم يعد الرائج انعكاسًا للاهتمام فحسب، بل تحول إلى أحد العوامل التى تصنعه وتعيد إنتاجه.
ليقترب دورها على نحو لافت من بعض الوظائف التى ارتبطت بالمثقف تاريخيًا الذى كان يلفت الانتباه إلى قضية ويمنحها مساحة داخل النقاش العام. أما الخوارزمية فتفعل شيئًا مشابهًا بطريقة مختلفة؛ ترفع موضوعًا إلى الواجهة، وتترك آخر فى الهامش. تمنح فكرة فرصة الانتشار، بينما تتوارى أخرى وسط الزحام الهائل للمحتوى.
لكن الفارق الجوهرى أن المثقف كان يُسأل عن اختياراته ويمكن مناقشته أو الاعتراض عليه. ، بينما تبقى آليات الخوارزمية غامضة بالنسبة إلى أغلب الناس.
ولأن أكثر أشكال النفوذ تأثيرًا هى تلك التى تبدو طبيعية، فقد اعتاد كثيرون التعامل مع ما يظهر على شاشاتهم بوصفه انعكاسًا محايدًا للعالم، بينما هو فى الحقيقة نتيجة سلسلة طويلة من الاختيارات والترتيبات والحسابات التى تجرى فى الخلفية.
لذلك لم تعد المعركة الثقافية تدور فقط حول من يكتب ومن يتحدث ومن يملك الجمهور. فقد ظهر لاعب جديد يشارك فى توزيع الضوء نفسه، ويقرر أى الأصوات ستقف فى مركز المشهد وأيها سيظل بعيدًا عنه.
ومن ثم، قد لا تكفى الإجابة عن سؤال «من ورث المثقف؟» وحدها. فقد أصبح من الضرورى أن نسأل أيضًا: من يقرر أى الورثة نراه أولًا؟.
ربما تكمن حساسية السلطة الجديدة فى أنها تعمل بهدوء؛ فلا تفرض أفكارها مباشرة، لكنها تشارك فى رسم المسارات التى تصل عبرها الأفكار إلى الناس.
خرائط الوعى المعاصر
لم تكن التحولات التى أصابت المجال الثقافى مجرد انتقال للسلطة من المثقف إلى فاعلين جدد، إذ امتدت آثارها إلى الكيفية التى يفهم بها الناس العالم نفسه. فحين كانت المعرفة تتحرك عبر عدد محدود من المنابر، كانت الصورة العامة أكثر تماسكًا، حتى وسط المعارك الفكرية والسياسية. كان الناس يختلفون حول التفسير، لكنهم ينطلقون غالبًا من الوقائع ذاتها، ويشتركون فى متابعة المصادر الكبرى نفسها.
أما اليوم، فقد أصبح كل فرد يعيش داخل مساره الخاص. يتابع مجموعة متنوعة من الحسابات، ويقرأ مصادر قد لا يعرفها غيره، ويتعرض يوميًا لتدفق متواصل من الأخبار والآراء والمقاطع القصيرة والصور والتعليقات. لم يعد الجمهور كتلة واحدة تتلقى الرسائل نفسها، وإنما جماعات صغيرة تتحرك داخل عوالم متجاورة لا تلتقى دائمًا.
ومع هذا الاتساع الهائل فى مصادر المعرفة، تبدلت طبيعة العلاقة بالمعلومة ذاتها. فبعد أن كان الوصول إليها يمثل التحدى الأكبر، أصبحت المشكلة فى القدرة على فرزها وترتيبها وربطها ببعضها البعض. إذ لا يعانى الإنسان المعاصر من نقص ما يقرأ أو يشاهد بقدر ما يواجه فائضًا يصعب الإحاطة به. وكلما ازدادت المواد المتاحة أمامه، أصبحت الحاجة أكبر إلى بناء صورة متماسكة وسط هذا التراكم المتسارع.
فقد دفع الإيقاع السريع للمنصات الرقمية قطاعات واسعة إلى التعامل مع المعرفة بوصفها ومضات متتابعة أكثر من كونها رحلة ممتدة. تتجاور قضية سياسية مع مقطع ترفيهى، ويأتى خبر اقتصادى إلى جوار قصة شخصية أو مادة ساخرة، بينما تتزاحم الموضوعات المختلفة داخل المساحة الزمنية نفسها. ومع مرور الوقت، أصبح الحفاظ على التركيز لفترات طويلة تحديًا متزايدًا فى عالم صُمم أساسًا لجذب الانتباه من موضوع إلى آخر.
ولم يقتصر التغيير على طريقة الاستهلاك، امتد أيضًا إلى بناء القناعات نفسها. ففى الماضى كانت المواقف الفكرية تتشكل غالبًا عبر احتكاك ممتد بالكتب أو المدارس الفكرية أو النقاشات العامة. أما اليوم، فكثير من التصورات تتكون عبر تفاعل يومى متراكم مع محتوى متنوع ومتقطع، يأتى من مصادر متعددة لا يجمعها إطار فكرى واحد. لذلك تبدو بعض المواقف الحديثة أقل ارتباطًا بالمنظومات الفكرية الكبرى، وأكثر ارتباطًا بالتجارب الفردية والانطباعات المتناثرة.
كما تغيرت العلاقة بالزمن الثقافى ذاته. فالقضايا التى كانت تحتاج شهورًا أو سنوات حتى تتبلور داخل النقاش العام، أصبحت تتحرك بإيقاع أسرع بكثير. يظهر موضوع جديد فيتصدر الاهتمام لفترة قصيرة، قبل أن يفسح المجال لغيره. ووسط هذا التسارع المتواصل، بات من الصعب على كثير من الأفكار المعقدة أن تحافظ على حضور طويل يكفى لتطوير نقاش عميق حولها.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذه التحولات بوصفها خسارة خالصة. فقد أتاحت المنصات الحديثة فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى المعرفة، وفتحت المجال أمام أصوات وخبرات لم تكن تجد طريقها بسهولة إلى الجمهور فى العصور السابقة. غير أن المكسب الجديد جاء مصحوبًا بتحديات جديدة أيضًا؛ فكل توسع فى الوصول إلى المعلومات يرافقه احتياج أكبر إلى التمييز بينها، وكل زيادة فى عدد الأصوات تفرض حاجة مضاعفة إلى القدرة على المقارنة والنقد والاختيار.
فالمفارقة ليست فى أن عدد الأصوات ازداد إلى هذا الحد، وإنما فى أن العالم أصبح أكثر صخبًا كلما ازدادت وسائل شرحه. والمعرفة التى كانت تُطلب بشىء من العناء صارت حاضرة فى كل مكان، غير أن حضورها الكثيف لم يجعل الطريق إلى الفهم أكثر وضوحًا بالضرورة. إذ يتدفق كل شىء دفعة واحدة؛ الخبر متقاطعًا مع التعليق، والرأى مصطدمًا بنقيضه، والحدث محاطًا بما ينافسه على الانتباه.
ما يجعل الوعى المعاصر أشبه بمسافرٍ عند مفترق تتشعب منه طرق لا حصر لها؛ يرى أكثر مما رأى أسلافه، لكنه يقضى وقتًا أطول فى محاولة معرفة أى طريق يستحق أن يسلكه.
ما الذى مات فعلًا؟
لم تمت الأفكار يومًا بموت أصحابها، كما أن الأدوار الكبرى نادرًا ما تختفى من التاريخ. هى تبدل وجوهها أكثر مما تبدل وظائفها، وتغير أدواتها أكثر مما تغير جوهرها. لذلك ربما لم تكن الحكاية التى تتبعناها طوال هذه الصفحات «موت المثقف»، كانت مسارات تحوله.
على امتداد القرن العشرين بدا المثقف كأنه الصوت الوحيد الذى يملك حق التحدث باسم المعرفة. كان القارئ يعبر إلى العالم من خلاله، ويطل على السياسة والتاريخ والأدب والفلسفة عبر بوابته. وقد منحه ذلك موقعًا بدا فى لحظات كثيرة أقرب إلى المرجعية منه إلى مجرد الحضور الثقافى.
ومع كل تحول جديد كان المثقف يتراجع خطوة إلى الخلف. غير أن التراجع شىء، والاختفاء شىء آخر. فما فقد مكانته فى الحقيقة لم يكن الحاجة إلى التفسير، أو الرغبة فى الفهم، أو البحث عمن يمنح الوقائع المتناثرة معنى أوسع.، الذى انحسر هو احتكار هذه الوظيفة.
فالعالم الذى سمح يومًا لصوت واحد بأن يحتل مركز المشهد الثقافى لم يعد قائمًا بالصورة نفسها. اتسعت الدائرة، وتعددت طرق الوصول إلى المعرفة، وتوزعت سلطة التفسير بين فاعلين لم يكونوا جزءًا من المشهد القديم. ومع مرور الوقت فقد المركز التقليدى موقعه الاستثنائى داخل فضاء أكثرتشابكًا وتعقيدًا.
لم تعد المعرفة تتحرك فى مسار واحد، ولم يعد النقاش العام يدور حول عدد محدود من الأسماء، كما لم يعد المعنى يُنتج داخل المؤسسات التى احتكرته طويلًا. اتسعت الدائرة إلى حد لم يعد يسمح بوجود المركز القديم ذاته.
ولأن التاريخ لا يهدم الأبنية من دون أن يغير الخرائط، فقد تبدلت فكرة السلطة الثقافية نفسها. فبعد أن استقرت طويلًا بشخص أو مؤسسة أو منبر صارت ترتبط بشبكة واسعة من التأثيرات المتقاطعة، تتجاور فيها المعرفة مع الإعلام، ويتجاور فيها التفسير مع التقنية، وتتداخل فيها الأصوات على نحو لم تعرفه الأجيال السابقة.
غير أن هذا كله لا يجعل المثقف أثرًا من الماضى. فالسؤال أساسًا يتعلق بالوظيفة وليس. وما دامت المجتمعات تحتاج إلى من يربط الأحداث بمعانيها، ويضع الوقائع داخل سياقاتها، ويطرح الأسئلة التى تتجاوز ضجيج اللحظة، فإن الوظيفة الثقافية ستظل موجودة مهما تغيرت أسماؤها وأدواتها.
لذلك يظل الحديث عن نهاية المثقف بالمعنى الحاسم للكلمة موضع شك. فالنهايات الواضحة تنتمى إلى الروايات أكثر مما تنتمى إلى التاريخ. أما ما جرى خلال العقود الأخيرة فيشبه انتقال نهر إلى مجرى جديد؛ تبدو الضفاف مختلفة، وتتبدل اتجاهات الحركة، غير أن الماء يواصل رحلته فى النهاية. فما مات فى الأغلب لم يكن المثقف. بل احتكار الكلمة.







