جدل «الأوديسة».. كريستوفر نولان يعيد الحياة لملحمة عمرها 3 آلاف عام: 80% زيادة فى مبيعات الطبعات.. ونقاش ثقافى صاخب
- لم يجعل صناع العمل الإبهار البصرى غاية فى حد ذاته رغم ضخامة الإنتاج بل استخدمه لخدمة أسئلته الأعمق
ربما يبدو من البديهى القول إن تقييم العمل الفنى لا يخضع لمعايير ثابتة أو معادلات حسابية، فهو فى المقام الأول، يبقى رهينًا بالذائقة الشخصية واختلاف الخبرات الإنسانية. لذلك، لا تستطيع الحملات الدعائية، مهما بلغت ضخامتها، ولا الإيرادات، ومهما حطمت من أرقام قياسية، أن تمنح أى عمل صكًا نهائيًا بالعظمة أو الخلود. فنجاح شباك التذاكر قد يعكس قوة التسويق، أو شعبية المخرج، أو جاذبية النجوم، لكنه لا يكفى وحده ليضمن أن يغادر الفيلم قاعة العرض مع جمهوره؛ أن يظل حاضرًا فى ذاكرتهم، وأن يوقظ فيهم أسئلة عن الإنسان، والزمن، والهوية، وعن علاقتهم بالماضى، وكيف يُفهم الحاضر، وما الذى ينتظرهم فى المستقبل.
هذا هو المؤشر ربما الذى يجعل من فيلم «الأوديسة» للمخرج العالمى كريستوفر نولان أكثر من مجرد فيلم ناجح جماهيريًا؛ فهو عمل استطاع أن يعيد ملحمة عمرها ثلاثة آلاف عام إلى معترك النقاش الثقافى، وأن يدفع ملايين المشاهدين للعودة إلى قراءة هوميروس فى وقت لا تحظى فيه القراءة بجماهيرية واسعة. وقد يكون كل هذا أكثر من كاف لتحجز «أوديسة» نولان مكانها بين الأعمال العظيمة.


تداولت التقارير الصحفية الغربية ما يتجاوز الرصد للإيرادات الكبيرة التى حققها فيلم نولان خلال أيام عرضه الأولى، فقد تجاوز الأمر شباك التذاكر، ليسهم الفيلم فى إحياء واحدة من أقدم الملاحم فى وعى جيل جديد، إذ ارتفعت مبيعات طبعات الأوديسة بنسبة ٧٦٪ خلال العام، وفقًا لبيانات شركة «سيركانا بوكس سكان». ووفقًا لبيانات «سبوتيفاى»، فإنه عبر ٩١ طبعة صوتية وبـ١٠ لغات مختلفة، استُمع إلى كتاب «الأوديسة» على المنصة بما يعادل أكثر من ٤٣ عامًا من التشغيل المستمر. وتسير نسب الاستماع لما بعد العرض الأول بخطى ثابتة لتسجل ارتفاعًا بنحو ٦٨٠٪. وعلى منصة «سبوتيفاى» نفسها، وحظى كتاب «الأوديسة» بشعبية ملحوظة بين فئات المستمعين الأصغر سنًّا، إذ شكّل الجيل زد «Gen Z» نسبة ٣٦٪ من إجمالى المستمعين، بينما مثّل جيل الألفية «Millennials» نسبة ٤٥٪.
يمكن القول إنه عندما يدفع فيلم قطاعًا واسعًا من الجمهور إلى قراءة ملحمة كلاسيكية، أو الاستماع إليها للمرة الأولى، فإنه يؤدى دورًا ثقافيًا نادرًا. تزداد أهمية هذا الإنجاز إذا وضعنا فى الاعتبار طبيعة الفيلم نفسه. فنحن أمام عمل يمتد لنحو ثلاث ساعات، يستند إلى نص ملحمى كثيف، وشخصيات أسطورية، وأحداث قد تبدو بعيدة عن ذائقة الجمهور المعاصر. ومع ذلك، استطاع نولان أن يحافظ على انتباه المشاهدين، سواء كانوا يعرفون تفاصيل الملحمة أم يدخلون عالمها للمرة الأولى. وعلاوة على هذا، لم يجعل صناع العمل الإبهار البصرى غاية فى حد ذاته، رغم ضخامة الإنتاج وروعة الصورة، بل استخدمه لخدمة أسئلته الأعمق.


جرت العادة، مع كل عمل فنى مقتبس من نص أدبى، أن تُعقد المقارنات بين الأصل واقتباسه السينمائى. بعضها ينشغل بمدى نجاح الفيلم فى استحضار روح النص، أو بتمثيل العصر الذى تدور فيه الأحداث، وهى أسئلة نقدية مشروعة لا ينبغى تجاوزها. لكن ثمة نوعًا آخر من المقارنات يتعامل مع النص الأدبى بوصفه معيارًا نهائيًا، ويرى أن كل اختلاف بينه وبين الفيلم يُحسب بالضرورة ضد الأخير، وكأن نجاح الاقتباس مرهون بقدرته على تتبع آثار أقدام النص حرفيًا.
وبعيدًا عن الاتهامات التى وُجهت إلى فيلم نولان بأنه يفتقر إلى «الدقة التاريخية»، والتى تبدو ملتبسة؛ إذ عن أى دقة تاريخية نتحدث بينما الفيلم مقتبس من ملحمة أسطورية تنتمى إلى الخيال والشعر أكثر مما تنتمى إلى التوثيق التاريخى؟ فليس الاقتباس السينمائى اختبارًا لقدرة المخرج على نقل النص بحذافيره إلى الشاشة. إنه فعل إبداعى مستقل، يعيد إنتاج النص بلغة مختلفة، وبأدوات فنية مغايرة. ومن ثم، فمن الطبيعى أن يختار المخرج ما يراه جوهريًا، وأن يعيد ترتيب الأحداث، أو يختصر بعضها، أو يوسع بعضها الآخر، بل وأن يعيد توزيع مركزية الشخصيات إذا كانت رؤيته الفنية تقتضى ذلك. إن للمبدع، حين يقتبس نصًا أدبيًا، الحق فى أن يحاوره؛ فيمنح البطولة لشخصية كانت على الهامش، أو يعيد قراءة البطل من منظور مختلف، أو أن يحذف أحداثًا ويضيف أخرى، ما دام ذلك يصنع عملًا يمتلك منطقه الداخلى. ومن ثم، فلا يمكن قياس القيمة الحقيقية للاقتباس بمدى مطابقته للأصل، وإنما بقدرته على فتح أفق جديد لقراءته، وإثارة أسئلة لم تكن مطروحة من قبل. ومن هذا المنظور، ليس من المنطق محاكمة كريستوفر نولان ولا عمله السينمائى بناء على مدى التزامه بالأحداث والشخصيات كما أوردتها ملحمة كتبت قبل ثلاثة آلاف عام، بل ربما يمكن القول إن التزامًا حرفيًا بهذا الشكل قد يُدين أى عمل أكثر مما ينصفه، لأنه لا يُظهر شخصية المُبدع الذى يتعاطى مع نص بعد مرور آلاف السنين، دون أن يكون قادرًا على أن يصيغ تساؤلاته الخاصة عما يعنيه هذا النص: الآن وهنا.


بميزانية ضخمة وبتقنيات سينمائية متقدمة وقد تكون غير مسبوقة جرى تصوير فيلم «الأوديسة» على مدار ما يقرب من عام. ومع ذلك، فليس بالإنفاق وحده يُصنع عمل مميز. صحيح أن فيلم نولان يحقق قدرًا كبيرًا من الإبهار على مستوى الكادرات البصرية والموسيقى التصويرية، التى ربما يكشف تحليلها عن جانب كبير من الإتقان فى صناعة هذا العمل، لكن نولان لا يتوقف فى اقتباسه السينمائى عند حدود المشاهد المبهرة، إذ يلتقط الكثير من خيوط النص السياسية والفلسفية ليمدها على واقعنا المعيش، محتفظًا بها فى منطقة وسطى، فلا يبتذلها فى وحل هذا الواقع، ولا يحتفظ بها بعيدًا عنه تمامًا لتبقى حبيسة أساطير انقضى أوانها.
يقدّم الفيلم رحلة البطل أوديسيوس، الذى يؤدى دوره مات ديمون، فى طريق عودته إلى وطنه بعد انتهاء حرب طروادة التى استمرت عشرة أعوام. فبينما يعود معظم القادة وبعض الجنود إلى ديارهم بانقضاء الحرب، يجد أوديسيوس ورجاله أنفسهم فى رحلة بحرية شاقة تتحول إلى سلسلة من المحن، تنتهى بمصرع جميع رفاقه، ولا يعود هو إلى إيثاكا إلا بعد عشر سنوات أخرى، مثقلًا بما واجهه من أهوال وخسارات واختبارات قاسية.
هذا هو الخيط الناظم الذى يحتفظ به الفيلم، غير أن كثيرًا من تفاصيل الملحمة يعاد تشكيلها وفق رؤية كريستوفر نولان. ففى هذا العمل يغدو أوديسيوس، القائد الماكر الذى حسم الحرب بعد عقد كامل من القتال بفضل حيلة «حصان طروادة»، أقرب إلى شخصية أوبنهايمر، «أب القنبلة الذرية». كلاهما سعى بكل طاقته إلى تحقيق انتصار؛ أحدهما فى ميدان الحرب، والآخر فى ميدان العلم، لكنهما واجها فى النهاية الثمن الأخلاقى لإنجازهما، فتحول الانتصار إلى عبء نفسى عندما انكشفت آثاره المدمرة، وغرق كل منهما فى شعور بالذنب لا يبدو أن ثمة سبيلًا إلى التكفير عنه.
من هنا، يصبح فعل أوديسيوس فى الفيلم مرآة لكل حرب، قديمة كانت أم معاصرة. إذ تبدأ الحروب، مهما اختلفت عصورها، دائمًا بذرائع كبرى تبدو فى ظاهرها مقنعة ومشروعة. فلا يختلف التذرع بالدفاع عن النفس، أو نشر الديمقراطية، أو استعادة الكرامة، أو حماية السلم العالمى، وهى شعارات تكررت فى حروب حديثة، عن الذريعة التى تقوم عليها حرب طروادة فى الفيلم، والمتمثلة فى الدفاع عن قانون زيوس الذى انتهك بخطف هيلين. جميعها، فى النهاية، مبررات تخفى الطموح الإنسانى إلى الهيمنة، وتغلف إرادة السيطرة والغطرسة البشرية بقشرة من الشرعية، وتقود إلى دوائر متكررة من العنف والدمار.

يحمل أوديسيوس فى الفيلم، كما يعيد نولان تشكيله، عبء الغطرسة وذنب الحيلة. فمن ناحية، قادت حيلة حصان طروادة إلى دمار شامل للمدينة، إذ اندفع الجنود، بعد عشرة أعوام من الحرب، مدفوعين بغضب تراكم عبر السنوات، إلى قتل النساء والأطفال، وتدمير البيوت والمعابد، وانتهاك كل ما كان مقدسًا. ومن ناحية أخرى، ظل أوديسيوس مثقلًا بدماء رجاله الذين أزهقت أرواحهم، سواء فى حرب عبثية لم يكن لها منتصر حقيقى، أو فى رحلة العودة الطويلة التى تحولت، تحت وطأة غضب الآلهة، إلى مسار متواصل من الفقد والعقاب.
وربما كان مشهد عبور أوديسيوس مع رجاله فى البحر، وهم يحاولون مقاومة إغراء أغنية السايرنز، أكثر المشاهد تعبيرًا عن هذا الذنب الذى يلاحقه. إذ تتغير أغنية السارينز فى رؤية نولان من مجرد إغواء بالحياة أو اللذة، كما فى الأسطورة، لتصبح مواجهة مع أكثر ما يؤلم الإنسان فى داخله.
يقول أوديسيوس فى وصفه لها: كانت تغنى بكل ما تمنيت يومًا أن تكونه، ثم بكل ما تمنيت لو أنك لم تتمناه من الأساس.
كانت مثل حكّة لذيذة تريد أن تحكّها، لكنك تجدها تحت الجلد، فى مكان لا تستطيع الوصول إليه، فتتحول إلى عذاب لا يُحتمل. كانت تخبرك بأن أكثر شىء تريده هو أكثر شىء لن تستطيع الحصول عليه، وأن أكثر ما لن تستطيع الحصول عليه هو ما كان لديك بالفعل، وفقدته. كانت أغنية عن كل الوعود التى فشلت بالوفاء بها
تتجسد فى هذا المشهد ذروة عذاب أوديسيوس النفسى، فلا يعود العقاب الحقيقى وحوش البحر أو غضب الآلهة، وإنما الذاكرة وما تحمله من شعور دائم بالذنب والخسارة، وهى الفكرة التى يجعلها نولان محورًا أساسيًا فى قراءته للشخصية، ويعززها من خلال الحضور المتكرر لطيف أثينا، إلهة الحكمة، التى تظهر له فى لحظات مفصلية، تارةً مستنكرةً لما ارتكبه رجاله من فظائع فى طروادة، وتارةً أخرى مرشدةً له فى طريق العودة إلى إيثاكا، لتكون أقرب إلى ضميره الذى لا يتوقف عن استدعائه لمواجهة ماضيه، وصوت الحكمة الذى يذكّره على الدوام بأن الرحلة مسار طويل لمحاسبة الذات ومواجهة آثار الخيارات التى صنعت انتصاره وهزيمته فى آن واحد.


فى واحد من المشاهد الأكثر كثافة شعورية بنهاية الفيلم، يتحدث أوديسيوس مع زوجته بينيلوبى، التى تؤدى دورها آن هاثاواى، بعد عودته متنكرًا فى هيئة متسول. من دون أن تكشف عن هويته. تخبره عن انتظارها لعودة أوديسيوس فيسألها: ماذا لو أن أوديسيوس الذى عرفتِه قد ضاع فى ليلة ما بمدينة غريبة؟ فى هذه اللحظة، يكون أوديسيوس قد عاد بالفعل إلى وطنه وقصره، لكن فى حقيقة الأمر لم يكن العائد هو نفسه الشخص الذى غادر قبل عشرين عامًا، لقد صُهرت الشخصية القديمة تمامًا فى الحرب وفى الرحلة القاسية التى خاضتها، وآل أوديسيوس إلى هوية جديدة. لم يعد الوطن هو الآخر مثلما كان. لقد انتُهكت قوانينه ودُنست أعرافه. فأصبحت العودة مواجهة لعالم لم يعد مألوفًا.
بصورة ما، قد يكون هذا المنحى الفلسفى الذى تُلخصه عبارة الفيلسوف الإغريقى هيراقليطس: «إنك لا تنزل النهر الواحد مرتين»، مُجسّدا فى هذه المعالجة السينمائية لملحمة الأوديسة وأحد أهم أسئلتها، فأوديسيوس يعود إلى إيثاكا، لكنه لا يعود إلى الوطن نفسه، ولا يعود الإنسان نفسه. لقد غيّر الزمنُ الوطن، وغيّر العائد، فالمحارب الشاب الذى خرج ساعيًا إلى المجد، عاد آخر صاغته الخسارات والأخطاء، وباتت العودة مواجهة مع ذات جديدة لم يكن يعرفها من قبل.

يُطوع نولان الملحمة لخدمة السؤال الأهم عن الهوية، إذ يبدو مشغولًا بسؤال: ما الذى يجعل الإنسان هو نفسه؟ أهى الذاكرة، أم الإرادة، أم الاختيارات التى يصنعها؟ هنا تختفى كثير من تفاصيل الصراعات بين الآلهة والبشر، وتدمج محطات من رحلة أوديسيوس القاسية ويُلغى البعض الآخر، لتكون كل محطة أكثر من مجرد عوائق تؤخر العودة، وأقرب إلى محاولات متعاقبة لاختبار ما يبقى من الإنسان حين يُسلب كل ما كان يعرفه عن نفسه.
من هنا، تغدو مثلًا السنوات السبع التى يقضيها أوديسيوس مع كاليبسو، وقد غابت ذاكرته تحت تأثير زهرة اللوتس، تجربة يتأمل من خلالها نولان سؤال الهوية. يبدو أوديسيوس راضيًا بحياته مع كاليبسو، بعدما تلاشت من ذاكرته صور وطنه وأهله وحروبه، ولم يعد يشعر بثقل الخسارة أو وطأة الذنب، غير أنه لا يكف عن محاولة استعادة الماضى، وعن جمع خيوط ذاكرته، ويحسم أمره مع كاليبسو حينما يخبرها بأن سعادة قائمة على نفى الذاكرة ونسيان الماضى، ليست سوى وهم، لذلك لا يعود أوديسيوس إلى إيثاكا لأنه يعتقد أن العودة ستعيد إليه سعادته، وإنما لأنه يدرك أن حياة تقوم على نسيان الماضى ليست حياة تخصه، مهما بدت كاملة ومطمئنة. ويصير غضب الآلهة فى الفيلم طبقة أخرى من التأمل فى هوية أوديسيوس، الذى اعتاد أن يثق فى دهائه وقدرته على التحكم فى مجرى الأحداث، ليكتشف فى رحلته أن جزءًا كبيرًا من مصيره لا يخضع لإرادته. وسواء قُرئت الآلهة بوصفها قوى أسطورية أو استعارة للقدر، فإنها تكشف عن حدود السيطرة الإنسانية، فالإنسان مهما حاول لا يختار كل ما يحدث له، لكنه يظل مسئولًا عن الطريقة التى يواجه بها ما يحدث. ولهذا ينتهى الفيلم باختيار أوديسيوس المنفى طوعًا، تكريمًا لذكرى الراحلين، واعترافًا بالثمن الأخلاقى لانتصاره، ليصبح الخلاص لا بمحو الماضى أو الهروب منه، وإنما فى تحمّل مسئوليته، إيمانًا بأن المستقبل لا يُبنى إلا حين تعترف الحضارات بأخطائها وتتعلم منها. فبعد كل هذا الظلام، يبقى الأمل فى شمس جديدة تنهض فوق أنقاض الماضى.
اقرأ أيضًا:
جدل «الأوديسة».. نولان يتحدث لـ«التايم»: «أوبنهايمر» غيّر الطريقة التى قرأت بها الأوديسة







