جدل «الأوديسة».. نولان يتحدث لـ«التايم»: «أوبنهايمر» غيّر الطريقة التى قرأت بها الأوديسة
لا يقتصر تميز الفيلم على ضخامته الإنتاجية، بل يمتد إلى القراءة التى يقدمها كريستوفر نولان للملحمة الهوميرية. فقد درس تلك الحقبة التاريخية بعمق، ويعكس الفيلم وعيًا واضحًا بلحظتها التاريخية؛ فحرب طروادة تمثل نهاية العصر البرونزى، بينما تقف اليونان على أعتاب العصور المظلمة، زمن انهيار الممالك وضياع الكتابة.
كما درس نولان النص بعناية، واتخذ عددًا من الخيارات اللافتة فى اقتباسه السينمائى. فقد ارتقى «أرغوس»، كلب أوديسيوس الوفى، من ظهور عابر فى الملحمة إلى شخصية ثانوية ذات حضور مؤثر فى الفيلم. ومنح أوديسيوس وابنه تيليماخوس، الذى يؤدى دوره توم هولاند، وقتًا أطول معًا على الشاشة.
أما سيرسى، التى تبدو فى نسخة هوميروس أقرب إلى نموذج أسطورى مجرد، فقد أعاد نولان تقديمها بوصفها شخصية أكثر إنسانية وتعقيدًا، مستفيدًا من الأداء القوى الذى تقدمه سامانثا مورتون. وكذلك رأى أن لقاء أوديسيوس بملك إسبرطة مينيلاوس «جون بيرنثال» وزوجته هيلين «لوبيتا نيونجو» أجمل امرأة فى العالم، التى حُمّلت مسئولية اندلاع الحرب بعد أن اصطحبها أمير طروادى إلى طروادة، بدا فى القصيدة الأصلية وكأنه حُلَّ بسهولة أكثر مما ينبغى، لذلك اختار أن يجعل هذه المصالحة أكثر تعقيدًا وإشكالية.
فى هذا الحوار الذى أجرته معه مجلة «التايم»، يتحدث كريستوفر نولان عن قراءته الخاصة لملحمة هوميروس، ويشرح الأسباب التى دفعته إلى إجراء تعديلات بعينها عند تحويل القصيدة الملحمية إلى فيلم سينمائى، كما يتناول أوجه التشابه اللافتة بين فيلمه «الأوديسة» وفيلمه السابق «أوبنهايمر»، ورؤيته لمستقبل السينما فى زمن تتغير فيه علاقة الجمهور بالشاشة الكبيرة.

■ أوديسيوس رجل يعانى اضطراب ما بعد الصدمة، وفى قراءتك للشخصية، يعتقد أنه مسئول عن سقوط حضارة كاملة، لأنه انتهك المنظومة الأخلاقية التى كان الإغريق القدماء يحتكمون إليها فى حياتهم.
- تعتمد طريقتى فى السرد على اختيار بطل، كما فعلت فى «أوبنهايمر». يكون هذا البطل شخصية معقدة، مليئة بالتناقضات والعيوب، ثم تبحث عن ممثل يستطيع أن يأخذ الجمهور فى رحلة معها؛ فيشاركونها أخطاءها، ويتعاطفون معها، من دون أن يسارعوا إلى إدانتها. وبعد ذلك تتراجع خطوة إلى الوراء لتطرح السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟
فى هذا الفيلم، نفعل ذلك من خلال رجال أوديسيوس. فهذا أحد الجوانب التى تمر عليها القصيدة سريعًا؛ أعنى الطريقة التى يُقتل بها أفراد الطاقم واحدًا تلو الآخر، رغم قيادته لهم. وعندما تبدأ عملية الاقتباس السينمائى، تجد نفسك تقول: هذه فى الواقع زاوية مثيرة للاهتمام، وربما ينبغى أن نجعلها فى صدارة الحكاية. ما طبيعة العلاقة بينه وبين رجاله؟ وكيف كانوا ينظرون إلى قيادته، وإلى المصائب التى حلت بهم بسببه؟
أوديسيوس رجل يرتكب كثيرًا من الأخطاء، أما خطؤه الأكبر فهو حصان طروادة. ومنذ البداية، يحمل سردنا هذا العيب التراجيدى الذى يلازم الشخصية ويحدد مسارها.
■ تأويلى لشخصية زندايا هو أنها ليست أثينا، كما يقدّمها أوديسيوس فى البداية؛ فالآلهة لا وجود لها فى هذا العالم، وإنما هى تجسيد لشعوره بالذنب. ففى أثناء سقوط طروادة، نراها كاهنةً فى معبد أثينا، ثم يقطع الإغريق رأسها. وبالنسبة إلى أوديسيوس، فهى تختزل الفوضى التى أطلقها حصان طروادة فى العالم.. لكن محررى لم يقرأ الشخصية بهذه الطريقة ولذلك آمل أن تحسم هذا الخلاف بيننا.
- لا يمكننى الإجابة عن ذلك على الإطلاق، لأننى تعلمت مبكرًا، منذ فيلمى «Memento»، أنه ليس من الإنصاف أن أفرض على الجمهور تفسيرًا بعينه من خلال الإجابة عن مثل هذه الأسئلة.
لكن ما يمكننى قوله هو الآتى: كان يهمنى أن ننظر إلى الآلهة بالطريقة التى ربما كان أهل ذلك العصر ينظرون بها إليها. كانوا يرون دلائلها فى الطبيعة، ويبحثون عن حضورها وتأثيرها فى الأشخاص من حولهم. يقول أوديسيوس لابنه تيليماخوس: «لا تبحث عن الآلهة فى البشر، فلن تجد سوى خيبة الأمل».
وفى تقديرى، فإن بعض ما يقوله أوديسيوس عن الألوهية يصدر عن شخص يبالغ فى الإنكار؛ شخص يحاول أن يقنع نفسه بما يقول، بينما ينكر حدسه الخاص وما يؤمن به وما اعتاد عليه.

■ لفتت انتباهى أوجه التشابه بين أوبنهايمر وأوديسيوس؛ فكلاهما رجل استثنائى ابتكر أداة بقدرة تدميرية هائلة، ثم وجد نفسه يصارع الشعور بالذنب إزاء ما تسبب فيه. وعندما تحدثت مع مات ديمون «بطل الفيلم»، سألته: ما الذى خطر ببالك عندما قرأت السيناريو للمرة الأولى؟ فأجاب ذكّرنى بـأوبنهايمر. وأفترض أن هذا كان خيارًا مقصودًا منك.
- نعم. إذا كنت قد صنعت فيلمًا كما ينبغى، فإنه يتركنى مع أسئلة لا تنتهى، وأفكار أواصل استكشافها والتفكير فيها. وقد أثّر أوبنهايمر بعمق فى قراءتى لقصة أوديسيوس.
يقول جون ليجويزامو، الذى يجسد شخصية إيمايوس، صديق أوديسيوس، فى مستهل الفيلم: «هذا تصرف شديد الذكاء، لكنّ ذكاءك سيوقعك فى المتاعب». وهذا ما يحدث بالفعل، مرة بعد أخرى.
وهنا يتقاطع الفيلم مع «أوبنهايمر»، فمجرد أنك قادر على فعل شىء، لا يعنى أنه ينبغى لك أن تفعله. لقد بدت أوجه التشابه واضحة جدًا بالنسبة إلىّ وأنا أعمل على تحويل الملحمة إلى فيلم سينمائى.
■ يقوم الفيلم على فكرة أن أوديسيوس، بابتكاره حصان طروادة، دمّر ما يسميه الفيلم «قانون زيوس»، وهو التعبير الذى يستخدمه الفيلم للإشارة إلى مفهوم إكسينيا «Xenia» فى اليونان القديمة، أى العلاقة القائمة على الاحترام المتبادل بين المضيف والضيف، وهو مفهوم قد يصعب شرحه لجمهور اليوم.. لماذا كان من المهم بالنسبة إليك تضمينه فى الفيلم؟
- عندما تجد أن فكرة ما يصعب تقديمها، يكون الحل أحيانًا أن تغوص فيها تمامًا وتجعلها محور كل شىء.
لم أستخدم مصطلح «إكسينيا» لأننى لم أرد إغراق الجمهور بعدد كبير من المصطلحات. لكنه، فى جوهره، يعادل القاعدة الذهبية فى الأخلاق: عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك.
ويرتبط هذا كله بالطبيعة والجغرافيا. فعندما تغادر منزلك، تصبح معتمدًا على كرم الغرباء، وتثق بأنه بعد أسابيع أو أشهر من الترحال، ستجد من يطعمك ويسقيك ويؤويك. قبل ثلاثة آلاف عام، كان هذا هو أساس الحياة؛ إذ كان الإنسان يعيش دائمًا تحت رحمة الغرباء.
ومن هنا جاءت الفكرة القائلة إن الغريب قد يكون إلهًا متخفيًا فى هيئة إنسان. إنها فكرة بالغة القوة، وتشكل أحد الأسس التى قام عليها ذلك النسق الاعتقادى.

■ فى أكثر من موضع فى الفيلم، يبدو أن الإنسان، متى أُتيحت له الفرصة، يتحول إلى وحش. فالجندى يقطع رأس كاهنة، وتوحى أيضًا بأن منيلاوس تعمّد تشويه وجه هيلين؛ إما لأنه يحمّلها مسئولية اندلاع حرب طروادة، أو لأنه أراد أن يمنع أى رجل من أن يأخذها منه مرة أخرى.
- تلك الجملة: «الوجه الذى أطلق ألف سفينة، أو ربما خمسمائة فقط»، خطرت لى ببساطة وأنا أكتب. أحيانًا، ما تفعله ككاتب يكون مدفوعًا بالحدس وحده.
شعرتُ بأن القصيدة لا تتناول حقًا ما يعنيه أن تعود هيلين إلى منيلاوس، وكيف يمكن أن تستقيم هذه العودة. كيف ستكون طبيعة العلاقة بينهما؟ وكيف يمكن أن يكون زواجهما أى شىء سوى زواج مرير وسام إلى أقصى حد؟

■ إذن أنت لا تقتنع بالرواية التى تقول إن منيلاوس، عندما رأى وجه هيلين قال: إنها جميلة إلى درجة لا أستطيع معها قتلها، كما تروى الأسطورة.
- لقد مرت علاقة الزوجين بالكثير من الأحداث المؤلمة، ولدينا فى هذه القصة مجرد لحظة عابرة من حياتهما. كنت أبحث عن وسيلة مختصرة توصل للمشاهد ما خلّفته الحرب من آثار، وكيف كانت تجربة صادمة ومروعة للعالم بأسره.
■ تتجلى هذه الفكرة أيضًا، فكرة أن الإنسان قد يتحول إلى وحش، فى مشهد «الساحرة» سيرسى. فهى تقول إن رجال أوديسيوس كانوا سيغتصبونها ثم يقتلونها، وإنهم خنازير، ثم نصل إلى نهاية الفيلم ونشهد سقوط طروادة والأهوال التى ارتكبوها.. ويتبين أنها كانت محقة.
- لقد عبّرت سيرسى عن ذلك بوضوح فى الفيلم. وأحببت كثيرًا الطريقة التى أدت بها سامانثا مورتون الدور.
أما فيما يتعلق بخيارات الاقتباس، فإن نهاية القصيدة قاتمة للغاية ومشبعة بالكراهية إلى حد كبير، ولذلك كان علىّ استبعاد بعض تلك المواد. لكننى لم أرغب فى إخراج هذه الفكرة بالكامل من المعادلة، أعنى ما تقوله الملحمة عن الرجال والطريقة التى يخوضون بها الحروب.

■ ومع ذلك، فقد منحت أوديسيوس وبينيلوبى نهاية سعيدة، وهى نهاية لا ينالانها فى القصيدة.
- صحيح، لكن القصة تدور فى سياق انهيار حضارة، ولذلك يخيّم عليها شعور عميق بالتشاؤم. فالنهاية تتحدث عن الدورات التاريخية، ويمكن النظر إلى هذه الدورات نظرة متشائمة؛ أى أن التاريخ محكوم عليه بأن يعيد نفسه. لكن ثمة وجه آخر أكثر تفاؤلًا لهذه الدورات. فكما تقول بينيلوبى: ستنهض الحضارة من جديد، فهناك دائمًا إمكانية للبعث والنمو من جديد.
وبالنسبة إلىّ، كان من المهم عند صياغة النهاية أن أحقق التوازن الصحيح بين التشاؤم والتفاؤل: التشاؤم إزاء ما قد يكون قد أدى إلى كارثة انهيار العصر البرونزى، والتفاؤل بأن القيم الإيجابية وقوى البناء قادرة، فى النهاية، على أن تستعيد حضورها وتفرض نفسها من جديد.







