السبت 20 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

القصص.. رواية أخرى للتاريخ بـ «رسائل العشق»

حرف

- الفيلم لم يقع فى فخ النوستالجيا الرومانسية للماضى

هناك أفلام تُشاهد بوصفها حكايات، وأخرى تُقرأ بوصفها وثائق اجتماعية أو شهادات تاريخية، أما فيلم «القصص» للمخرج المصرى النمساوى أبوبكر شوقى، المستلهم من سيرته العائلية، فينتمى إلى تلك الأعمال النادرة التى تنجح فى الجمع بين المستويات الثلاثة معًا، وتكمن أهمية الفيلم فى أنه لا ينتمى إلى نوع سينمائى واحد يمكن تصنيفه بسهولة؛ فهو ليس فيلمًا تاريخيًا بالمعنى التقليدى، ولا سيرة ذاتية خالصة، كما لا يكتفى بأن يكون دراما رومانسية أو عائلية، إنه عمل يتخذ من الحكاية الشخصية مدخلًا لقراءة تحولات المجتمع المصرى عبر ما يقرب من عقدين من الزمن، وهى فترة شهدت تغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة أعادت تشكيل الوعى الجمعى للمصريين.

فى ظاهره، يتتبع الفيلم قصة شاب مصرى يقع فى حب فتاة نمساوية عبر المراسلات، لكن هذه القصة تبدو فى العمق مجرد خيط رفيع تنسج حوله شبكة واسعة من الأسئلة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة والعلاقة بين الفرد والتاريخ، وهنا تتجلى براعة أبوبكر شوقى فى تحويل الخاص إلى عام، والسيرة الذاتية إلى وثيقة إنسانية تتجاوز حدود أصحابها؛ لتصبح مرآة لجيل كامل.

من أبرز نقاط قوة الفيلم أنه لا يتعامل مع التاريخ بوصفه خلفية زمنية للأحداث، بل بوصفه قوة فاعلة تصوغ مصائر الشخصيات وتعيد تشكيل أحلامها، فالفترة الممتدة من عام ١٩٦٧ إلى عام ١٩٨٤ ليست مجرد إطار زمنى، بل البنية العميقة التى تتحرك داخلها شخصيات الفيلم.

تبدأ الحكاية تحت ظل نكسة يونيو ١٩٦٧، ذلك الحدث الذى لا يظهر فقط باعتباره هزيمة عسكرية، بل زلزالًا نفسيًا وثقافيًا أصاب المجتمع المصرى بأكمله، النكسة هنا ليست خبرًا فى نشرة أخبار، وإنما شعور عام بالخذلان وانكسار الصورة المثالية للدولة الوطنية التى تأسست بعد ثورة يوليو، ويُحسب للفيلم أنه لا يقدم هذه الهزيمة بصورة مباشرة أو خطابية، بل يرصد آثارها داخل البيوت والعلاقات والأحلام، حيث تبدو الشخصيات وكأنها تعيش حالة مستمرة من البحث عن يقين جديد بعد سقوط اليقين القديم.

ثم تأتى حرب أكتوبر ١٩٧٣ بوصفها لحظة استعادة للكرامة الوطنية والثقة المفقودة، لكن الفيلم لا يقع فى فخ الاحتفاء البطولى المباشر، بل يتعامل معها باعتبارها محطة أعادت الأمل لجيل كامل، قبل أن يواجه هذا الجيل لاحقًا أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بالاقتصاد والانفتاح والهجرة ومستقبل الهوية المصرية.

أما مرحلة الانفتاح الاقتصادى فتُعد من أهم المحاور التى يلتقطها الفيلم بذكاء، حيث يبدأ المجتمع فى التحول من منظومة قيم جماعية إلى عالم أكثر فردية واستهلاكًا، تتغير أنماط الحياة، وتتبدل الأحلام، وتظهر فجوات اجتماعية جديدة، وفى خلفية هذه التحولات يطرح الفيلم سؤالًا سياسيًا بالغ الأهمية: ماذا يحدث للمجتمع عندما تتراجع قيم العدالة الاجتماعية لصالح منطق السوق؟

يمكن اعتبار الطبقة الوسطى هى الشخصية الرئيسية الحقيقية فى «القصص»، فالفيلم لا يروى فقط حكاية أفراد، بل يوثق رحلة طبقة اجتماعية كانت لعقود طويلة العمود الفقرى للمجتمع المصرى، هذه الطبقة التى آمنت بمشروع الدولة الوطنية بعد ثورة يوليو، وشاركت فى تحمل أعباء الحروب، ثم وجدت نفسها أمام عالم جديد لم تعد فيه القيم القديمة كافية للنجاح أو الاستقرار، الأب الذى يؤدى دوره «أحمد كمال» يمثل نموذجًا لجيل كامل عاش فكرة الواجب والانضباط والانتماء، إنه شخصية تؤمن بأن العمل والالتزام هما الطريق الطبيعى للحياة، لكنه مع مرور الزمن يكتشف أن الواقع يتغير بوتيرة أسرع من قدرته على التكيف معه.

فى المقابل، تمثل الأم الذى تؤدى دورها «نيللى كريم» حالة من الاستقرار النفسى والعاطفى داخل الأسرة، وجودها ليس مجرد دور تقليدى للأم المصرية، بل يمثل فكرة الاستمرارية نفسها، ذلك الخيط الذى يحافظ على تماسك العائلة رغم العواصف الاجتماعية والسياسية المحيطة بها، أما الجيل الجديد، الذى يمثله أمير المصرى، فيعكس حالة التوتر بين الانتماء للماضى والرغبة فى تجاوز حدوده، إنه جيل يرى العالم أوسع من حدود الوطن، لكنه لا يستطيع الانفصال عنه بالكامل.

من السهل النظر إلى قصة الحب فى الفيلم باعتبارها عنصرًا رومانسيًا، لكن القراءة الأعمق تكشف عن أنها تحمل دلالات ثقافية وسياسية متعددة، فالفتاة النمساوية ليست مجرد حبيبة، بل تمثل العالم الآخر الذى بدأ يقترب من المصريين مع اتساع وسائل الاتصال والانفتاح الثقافى، إنها تجسد فكرة الغرب بوصفه حلمًا وإغراءً وسؤالًا فى الوقت نفسه، ومن هنا يصبح الحب بين الطرفين تعبيرًا عن رغبة الإنسان فى تجاوز الحدود الثقافية والجغرافية، لكنه يثير فى الوقت ذاته أسئلة معقدة حول الهوية والانتماء، هل يمكن للإنسان أن ينتمى إلى أكثر من ثقافة؟ وهل الحب قادر على تجاوز الفوارق الحضارية؟ وهل الانفتاح على الآخر يعنى التخلى عن الذات؟

الفيلم لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك هذه الأسئلة مفتوحة أمام المشاهد، ما يمنحه عمقًا فكريًا يتجاوز حدود الدراما الرومانسية التقليدية.

من أكثر الجوانب نضجًا فى الفيلم أنه لا يتعامل مع السياسة بوصفها شعارات أو خطبًا مباشرة، فلا نجد شخصيات سياسية مركزية، ولا مناقشات أيديولوجية مطولة، ومع ذلك تبدو السياسة حاضرة فى كل مشهد تقريبًا، هى موجودة فى الحرب التى تغيّر مسار الحياة، وفى القرارات الاقتصادية التى تعيد توزيع الفرص، وفى الهجرة التى تفتح آفاقًا جديدة، وفى التحولات الثقافية التى تعيد تعريف مفاهيم النجاح والانتماء، بهذا المعنى تصبح السياسة فى «القصص» أشبه بتيار خفى يتحكم فى حركة الشخصيات دون أن يظهر على السطح بصورة مباشرة، وهذه إحدى أهم سمات السينما الناضجة؛ أن تجعل المشاهد يشعر بأثر السياسة فى حياة البشر دون أن تتحول الشاشة إلى منصة للخطابة.

على مستوى التمثيل، يقدم أمير المصرى أداءً حساسًا وهادئًا يلتقط رومانسية جيل السبعينيات بصدق، بينما يمنح أحمد كمال الشخصية الأبوية ثقلًا دراميًا وإنسانيًا واضحًا. فى المقابل، تبدو بعض الشخصيات أقل عمقًا من غيرها، إذ يقترب أداء صبرى فواز من المساحات المألوفة التى اعتاد تقديمها، دون مفاجآت كبيرة على مستوى البناء الدرامى للشخصية. أما نيللى كريم، فبرغم حضورها القوى وقدرتها على الإمساك بالتفاصيل الشعورية، فإنها تقع نسبيًا فى مناطق أدائية سبق أن قدمتها فى أعمال سابقة، ما يقلل من عنصر الإدهاش.

ينجح الفيلم فى بناء عالميه السمعى والبصرى عبر مزج ذكى بين الأغانى الوطنية والموسيقى الشعبية والكلاسيكية، إلى جانب توظيف لقطات أرشيفية تضيف بعدًا توثيقيًا دون أن تفقد العمل شاعريته. هذا المزج لا يخدم الجو العام فقط، بل يعكس أيضًا صراع الهوية داخل الشخصيات، خاصة بين الانتماء المحلى والانفتاح على الآخر، ليصبح الصوت والصورة جزءًا من السرد لا مجرد عناصر تجميلية.

على المستوى الجمالى، يتعامل أبوبكر شوقى مع الصورة السينمائية بوصفها وعاءً للذاكرة، فالكاميرا لا تسجل الأحداث فقط، بل تستحضر روح الزمن.. الألوان والديكورات والأزياء والأغانى، حتى تفاصيل الشوارع والمنازل، كلها تعمل على إعادة بناء عالم اختفى لكنه ما زال حاضرًا فى الوعى الجمعى، وتبرز هنا أهمية تصميم الأزياء الذى قدمته ريم العدل، حيث تتحول الملابس إلى وثيقة اجتماعية تكشف عن طبيعة كل مرحلة تاريخية، وتعكس فى الوقت ذاته التحولات الفكرية والثقافية التى عاشها المجتمع.

كان من السهل أن يقع الفيلم فى فخ النوستالجيا الرومانسية للماضى، لكنه يتجنب ذلك إلى حد كبير، فهو لا يقدم الستينيات والسبعينيات باعتبارهما عصرًا ذهبيًا، ولا الثمانينيات باعتبارها لحظة سقوط كامل، بل ينظر إلى الماضى بوصفه مساحة معقدة تحتوى على الأمل والإحباط معًا، والانتصارات والانكسارات فى الوقت نفسه، هذه النظرة المتوازنة تمنح الفيلم صدقيته الفكرية، وتجعله أقرب إلى التأمل النقدى منه إلى الحنين العاطفى.

لعل الفكرة الأكثر عمقًا فى الفيلم تكمن فى احتفائه بما يمكن تسميته «الانتصارات الصغيرة»، فالتاريخ الرسمى يهتم بالحروب والمعاهدات والقرارات الكبرى، بينما يهتم «القصص» بما ينجو من كل ذلك» الحب، والأسرة، والصداقة، والحلم».

فى عالم الفيلم لا يصنع المعنى انتصارًا عسكريًا أو قرارًا سياسيًا فقط، بل تصنعه أيضًا قدرة الإنسان على الاستمرار رغم الخسارات، ولهذا يبدو العمل فى جوهره دفاعًا عن الإنسان العادى؛ ذلك الإنسان الذى لا يكتب التاريخ لكنه يتحمل نتائجه، والذى قد لا يغير العالم، لكنه ينجح أحيانًا فى الحفاظ على إنسانيته وسط عالم يتغير باستمرار.

فى النهاية، لا يبدو «القصص» فيلمًا عن الماضى بقدر ما هو فيلم عن أثر الماضى فى الحاضر، ولا عن الأحداث الكبرى بقدر ما هو عن البشر الذين عاشوا تحت ظلها، إنه عمل يحول التاريخ من مادة أرشيفية إلى تجربة شعورية حية، ويجعل من الذاكرة فعلًا للمقاومة ضد النسيان، ومن الحكاية الشخصية مدخلًا لفهم وطن بأكمله، لذلك يرسخ أبوبكر شوقى عبر هذا الفيلم رؤيته كمخرج يبحث دائمًا عن الإنسان داخل التاريخ، لا عن التاريخ ذاته.