أليفة رفعت.. فقه مقاومة العزلة بعالم قصصى مدهش
لا بد أن نكرر بشكل أو بآخر، أن عقد الخمسينيات من القرن العشرين، كان عقد القصة القصيرة بامتياز، رغم أنه حمل لنا بعضًا من روايات مهمة، أبرزها ثلاثية نجيب محفوظ «بين القصرين، وقصر الشوك، والسكرية»، وكذلك رواية «الأرض» لعبدالرحمن الشرقاوى، وأيضًا روايات يوسف السباعى وإحسان عبدالقدوس وغيرهم من الكتّاب والمبدعين، وفى مقابل ذلك، نشأت ظاهرة التجديد فى القصة القصيرة بدرجات ومستويات عالية، وصدرت مجموعات قصصية ما زالت تمارس فاعليتها حتى الآن، وتمد بظلها على جميع الأجيال اللاحقة.

ونريد أن نذكّر فقط، وعلى سبيل المثال بالمجموعات القصصية التالية: «أرخص ليالى» ليوسف إدريس أغسطس ١٩٥٤، «العشاق الخمسة» ليوسف الشارونى ديسمبر ١٩٥٤، «عم فرج» لنعمان عاشور ١٩٥٥، «السماء السوداء» لمحمود السعدنى، ١٩٥٥، «أكل عيش» نوفمبر ١٩٥٥ لمصطفى محمود، «مسا الخير يا جدعان» لبدر نشأت ١٩٥٦، «زهر البنفسج» لزكريا الحجاوى ١٩٥٨، «حيطان عالية» ١٩٥٨ لإدوار الخراط، وغير ذلك من مجموعات قصصية لألفريد فرج، وسعد الدين وهبة، وصبرى العسكرى، هذا عدا أن جميع المجلات الأسبوعية الأدبية والسياسية والاجتماعية، كانت تنشر تقريبًا قصة كل أسبوع: آخر ساعة والتحرير والإذاعة والجيل وصباح الخير وروزاليوسف، فضلًا عن الصحف اليومية مثل الأخبار والجمهورية والأهرام والمساء والزمان والقاهرة، أما المجلات الأدبية فكانت معنية بشكل خاص بنشر القصص القصيرة، والاهتمام بمتابعة كل القضايا المتعلقة بذلك الفن البديع، فكانت مجلة مثل «الرسالة الجديدة»، والتى كان يرأس تحريرها يوسف السباعى، تنشر أكثر من قصة فى كل عدد، وكذلك متابعة المسابقات الأدبية التى كان يقيمها نادى القصة، وتنشر تحقيقات تتعلق بهذا الفن.

ومن خلال الإنتاج القصصى الكثيف، تفجرت قضايا عديدة، وبالتالى توزعّت المناقشات حول طبيعة هذا الفن، وبالتأكيد كانت النزعات النقدية التى تنحاز للواقعية، أو الواقعية الجديدة، أو الواقعية الاشتراكية، هى التى كانت سائدة ومنتشرة، ومن الطبيعى أيضًا كانت معظم المفاهيم فى طور التأسيس والتكوين، والمعارك الجادة تعمل على أشدها، وفى عام ١٩٥٥ كان قد صدر كتاب «فى الثقافة المصرية» لمحمود أمين العالم، ود.عبدالعظيم أنيس فى بيروت، وطرح هذه القضايا بقوة، تلك القضايا التى تصدّت للمفاهيم أولًا، ثم تعرضت للنتاج الأدبى المتعدد من جهة ثانية، فى هذا السياق حدثت عدة اشتباكات حادة بين الأجيال الجديدة، والتى كان يمثلها المؤلفان الشابان: محمود العالم، ود.عبدالعظيم أنيس، ومعهما كتلة من الكتاب الجدد مثل صلاح حافظ، وفتحى غانم، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف إدريس، وغيرهم، والأجيال القديمة من ناحية أخرى، والتى كانت الأهداف الرئيسية للمعركة، وكان يمثلها بامتياز د.طه حسين، وعباس محمود العقاد، ومحمود تيمور، وتوفيق الحكيم، وغيرهم.
وكما نلاحظ فى السرد السريع السالف، أن المرأة الكاتبة لم تكن بارزة على السطح، رغم أن هناك نتاجات واضحة وبديعة ظهرت كتابة فى فن القصة القصيرة آنذاك، منها إبداعات لصوفى عبدالله، وملك عبدالعزيز، ونوال السعداوى، وجاذبية صدقى، وفوزية مهران، وسعاد زهير، وأمينة السعيد، وفيكتوريا نجيب وغيرهن، ومنهن من أصدرن مجموعات قصصية كثيرة، مثل جاذبية صدقى، وصوفى عبدالله، ومنهن كاتبات أخريات نشرن قصصهن فى الدوريات، وكانت تنتظر تلك القصص أن تجتمع فى مجموعات وكتب لتضمها، وقد حدث ذلك لكثير من الكاتبات.

وفى ظل ذلك المناخ الطارد للكاتبات، حيث الحديث والنقد والجدل والاهتمام يدور دومًا حول الكتّاب والمبدعين، دون الكاتبات، ظهرت الكاتبة الشابة أليفة رفعت، ونشرت بعض قصصها فى مجلات ذلك الزمان، وكانت عائلتها المحافظة جدًا، حريصة كل الحرص على الاهتمام بتزويج ابنتها، وكانت مواهب أليفة فى الكتابة بدأت فى الظهور بكثافة، ونشرت بعض قصص، ولكن حدث الزواج كما هو معتاد ومنتظر، ولكن ذلك الزواج منع أليفة من الكتابة والنشر، لكى تنتبه لبيتها ولأسرتها، وتكون ربة بيت صالحة، وتتفرغ تمامًا لذلك البيت، وكذلك الزوج، وكأن الانتباه للبيت وللزوج وللأسرة، نقيض للكتابة وللإبداع والثقافة بشكل عام، وفكرة اقتصار البيت والأسرة على اهتمامات المرأة فقط، لم تكن قاصرة على عامة الناس العاديين فقط، بل امتدت إلى الكتاب والمثقفين كذلك.

ظلّ هذا الأمر قائمًا فى حياة أليفة رفعت لما يقرب من عقدين رغم موهبتها المتفجرة، كانت خلالهما تكتب فى صمت، وتقاوم فى صلابة، وذلك لتحافظ على جمرة الإبداع مشتعلة كل ذلك الزمن، وكان من الممكن أن تذبل كل عناصر الإبداع عندها، ولكنها عادت بقوة، وراحت تنشر إبداعها منذ مطلع عقد السبعينيات بعد تحررها من ذلك الزواج المعطل، فنشرت قصصها فى مجلات الثقافة الشهرية، والثقافة الأسبوعية، والتحرير، والزهور، والهلال، والقصة، ونشرت أول مجموعة قصصية لها فى يونيو ١٩٧٥، وعنوانها «حواء تعود لآدم»، وبحكم عمق علاقتها الوطيدة بالمترجم جيمس ديفيز، ترجم لها بعض قصص لها اختارها بعناية فائقة، وراجت تلك القصص فى أوروبا وأمريكا بشكل واسع، قبل أن تنتشر هنا فى مصر، وربما يكون رواجها بالنسبة للقارئ العربى كان معدومًا أو شبه معدوم.

كان من الذين كتبوا عنها فور صدور مجموعتها الأولى هذه، القاص الراحل يوسف الشارونى، كتب يقول عنها فى أبريل ١٩٧٦: «السيدة أليفة رفعت بدأت تنشر منذ عامين فقط، لكنها فيما يبدو كانت تمارس كتابتها منذ زمن أبعد من ذلك لأن قصصها المنشورة، وقد لفت نظرى إلى قصصها قصة كانت قد تقدمت به للنشر فى مجلة الزهور الملحقة بمجلة الهلال منذ أكثر من عام بعنوان «عالمى المجهول»، وفيها قدمت بصورة فنية ناضجة ورائعة هذا المزيج المتناقض بين الرغبة والخوف الذى يعصف بقلب إحدى الزوجات التى ارتادت هذا العالم الفانتازى الذى يضرب بجذوره فى التراث الشعبى..».
يسترسل الشارونى فى قراءة قصص أليفة، وينتصر للجوانب الفيزيائية التى تطرحها القصص، وفى الحقيقة تعتبر قراءة الشارونى لقصص أليفة، قراءة إيجابية من حيث الرؤية الفنية، فهو لم يكن يصنّف الكتابة إلى يمينية ويسارية، ولم يكن مدعيًّا على وجه الإطلاق أى بطولات وهمية ذكورية، وتقريبًا هو الوحيد الذى اهتم وتابع على مدى عقود الستينيات والسبعينيات بكتابة المرأة، فقدم كتابين مرجعيين، الكتاب الأول هو «الليلة الثانية بعد الألف»، وضم هذا الكتاب الذى ضم مختارات من القصة النسائية فى مصر عام ١٩٧٥ عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وشملت المختارات قصصًا لمى زيادة، وسهير القلماوى، وعائشة عبدالرحمن، ونجيبة العسال، وهدى جاد، وصوفى عبدالله، وسعاد زهير، ولطيفة الزيات، وجاذبية صدقى، وفوزية مهران، ونوال السعداوى، وأليفة رفعت، ووفية خيرى، وإحسان كمال، ونادية كامل، وإقبال بركة، وزينب صادق، وزينب رشدى، وسكينة فؤاد وسعاد شلش، وتضمن الكتاب السيرة الذاتية لكل كاتبة، وهذا جهد يشكر للشارونى، كما أنه أصدر كتابًا آخر عنوانه: «حفيدات شهرزاد .. قراءات فى إبداعات المرأة»، تضمن قراءات فى كتابات وقصص كثير من الكاتبات، وصدر الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام ٢٠٠٩، والكتابان فى غاية الأهمية، حيث إن المادة المنشورة فيهما، لن نجدها فى أى مصادر أخرى.

وكما كتب الشارونى عن مجموعة أليفة الأولى، كتب كذلك عن مجموعتها الثانية «مَن يكون الرجل»، والتى صدرت عن سلسلة «كتاب المواهب» عام ١٩٨١، وجاء على غلافها الأخير: «أليفة رفعت كاتبة قصة متميزة، فهى تجيد التعبير الفنى النافذ، عن أشواق المرأة الفكرية والروحية، ولها طاقة كبيرة على تصوير أحاسيس المرأة المستكنة، وعواطفها المتقلبة الفوّارة، وخصوصياتها الدقيقة.. ولها شغف بالرسم للعوالم المجهولة، وتصوير المشكلات الدقيقة بين الرجل والمرأة، ثم هى تجيد تصوير الطبيعة المصرية وتحولها إلى لوحات نابضة بالحياة، وإذا كانت طبيعة حياتها وظروفها قد حجبتها فترة طويلة عن الحياة الأدبية، فإنها تحاول الآن تعويض هذا الزمن الضائع بما تكتبه من روايات وقصص ترجم بعضها إلى اللغة الإنجليزية ونشر فى بعض المجلات الأجنبية».
كما جاءت عدة تقريرات عن الكاتبة والمجموعة فى نهاية الكتاب، نقتبس أحدها كتبه الناقد مصطفى عبداللطيف السحرتى، إذ يقول: «السيدة أليفة رفعت نابغة من كتّاب القصة، وهى نجم ثاقب من نجوم الأدب القصصى بلا مراء، وهى تنزع إلى بثّ القيم الخلقية فى المجتمع، وتبدو أصالة الكاتبة وجرأتها فى أكثر من قصةلها.. والملاحظ أن الكاتبة لم تنزع إلى قصص الحب الشهوى كما يفعل الكثيرون، ولكنها ترتفع بهذا الحب وتنادى بالحب الروحى..».
وفى هذا التقرير يحاول الناقد أن يطرح وجهة نظره المعتدلة، والتى نختلف عنها، ونراها محاولة للىّ عنق القصص بطريقة ما، حيث إنه يريد أن يعطى بعض الإيحاءات الأخلاقية المحافظة والتقليدية والجامدة، والتى لم تكن الكاتبة تهتم بها أصلًا، بل إنها ضربت بها عرض الحائط، واستطاعت أن تقفز على تلك المفاهيم البالية، وفى وجهة نظرى المتواضعة، أنها رائدة كتابة الجسد بامتياز، تلك الكتابة التى راحت كاتبات كثيرات فى التسعينيات يقلدنها، وهناك من نسبن لأنفسهن ريادة ذلك المجال فى الكتابة، رغم أن الأصل كان يكمن جليًا وواضحًا فى معظم كتابات أليفة رفعت.
يكتب الكاتب الراحل محمد الراوى عنها عندما التقى بها فى عقد السبعينيات يقول: «يومها تكلمنا عن قصة لها نشرت فى مجلة الزهور، أثارت تلك القصة العديد من الآراء العديدة، قفزت أليفة فى هذه القصة كل الحواجز المعتادة، حاجز الخوف، حاجز الخجل، حاجز كونها أنثى تكتب، ولو نشرت قصصها فى أواخر السبعينيات لأطلق عليها النقاد أنها تكتب بالجسد حسب مقولتهم التى شاعت على الكتابة النسوية، وأنا أعتبر أن أليفة هى رائدة هذا الاتجاه الذى لم يتبلور اسمه إلا بعد سنوات»، ويستطرد الراوى قائلًا: «خلال المناقشة قالت لى بوضوح: أرجو الا يعتبرنى الآخرون كاتبة جنس»، قلت لها: الفنان والمبدع الحقيقى لا يخشى هذا الاتهام أو الشعار، إياك أن تنفى عن نفسك هذه التهمة وإلا فأنت غير جديرة بقصتك»، وفى بقية الحوار يطرح الراوى وأليفة عدة قضايا شائكة فى هذا المجال، وظل الاهتمام بأليفة رفعت اهتمامًا خاصًا، لعدد محدود من النقاد والمبدعين والكتاب، قد صدرت لها عدة مجموعات قصصية فيما بعد مثل «منظر بعيد لمنارة» عام ١٩٨٣، «صلاة حب»، و«فى موسم الياسمين»، و«كاد لى الهوى»، و«ليل الشتاء الطويل»، كما صدرت لها رواية بديعة هى «جوهرة فرعون» عام ١٩٩١ عن دار الهلال، ورحلت عام ٢٠٠١ أى منذ ربع قرن، وكانت قد ترجمت قصصها إلى عدة لغات منها الهولندية والسويدية والألمانية والفرنسية، وبالطبع سبقتها اللغة الإنجليزية.
كانت مجموعتها «مَن يكون الرجل» الأكثر جدلًا على المستوى الشفوى دون التعبير عن ذلك الجدل النقدى كتابة، تحتوى المجموعة على أربع عشرة قصة، هى «هذه ليلتى، صديقتى، محصول القطن، وتقولين من أين؟!، عالمى المجهول، ضحكة سكرة، حبيبى الذى كان، الحدوتة، من يكون الرجل، عناقيد العنب، الشرف، قمر الحارة، رقم ٢١/١٢، فى موسم الياسمين»، وتتناول القصص جميعها، جميع الهموم النسوية المعاصرة والجريئة، وذات التعبير الحاد والواضح، وقد جاءت هذه القصص من مساحة زمنية محرومة من التعبير عن الذات، وكما قال الشارونى إنها لم تكن حديثة الكتابة، لذلك جاءت الكتابة شبه معتقة وناضجة وتحمل مخزونًا فنيًا ذا دلالات اجتماعية حادة وجارحة، ولا ندعّى هنا بأن الكاتبة كانت تطرح تقنيات فنيّة فائقة أو ثورية، ولكن المفاهيم الدلالية هى التى كانت فارقة وجديدة وساطعة فى قضايا المرأة الاجتماعية والجسدية، رغم كل الأقنعة التى تسترت فيها بعض القصص، ولكن بعضها لم تستطع أن تضع أى مساحيق أو أقنعة واقية مثلما يفعل كثيرون وكثيرات.
فى القصة الأولى «هذه ليلتى»، تتحدث الراوية، أو بطلة القصة عن ليلة فرحها، تلك الليلة التى كان من المفترض أن تكون أبهى ليالى العمر بالنسبة لها، ولكنها كانت ليلة تعيسة بجدارة، فهى كانت مجبرة على تلك الزيجة البائسة، لأن أباها هو الذى أراد، ولأن أمها هى التى اختارت، فالعريس جاهز «من مجاميعه»، فلن يكلّف أسرتها أى شىء، وكذلك فالعريس مستور، ولن يجعل زوجته تحتاج إلى أى شىء فى حياتها المقبلة، وربما يغدق على أهلها من ماله الوفير، وكانت العروس/البطلة، تحيا الليلة فى غياب تام، وتتأمل الراقصة التى تتلوى أمامها فى كذب واضح، وتتساءل: من أين جاءت تلك الراقصة بكل هذه البهجة المزيفة؟، ومن أين يأتى كل هؤلاء الضيوف بهذه الابتسامات الخادعة، ولكن الراوية كانت تقاوم كل هذه الأكاذيب، فهربت إلى طفولتها البعيدة، طفولتها التى استطاعت أن تعيش فيها مشاعر جميلة وصادقة وحقيقية، حتى لو كانت مشاعر قافزة على عمر الطفولة، عندما كانت تلعب لعبة «عروستى»، كان كل شىء يسير على ما يرام، وكما هو يسود فى الأفراح، ولكنها كانت تهرب بخيالها وذاكرتها إلى عوالم أخرى واضحة وغامضة ومجهولة، لتصنع لنفسها عشّا آخر غير ذلك الذى ينتظرها بعد قليل، وجاءت المفاجأة عندما ذهبت إلى ذلك العش المرتقب، تكتشف أن ذلك الزوج عنيّن، ولم يعرف ماذا يفعل فى تلك الليلة السوداء.
لا نريد أن نشّرح القصة نقديًا، لأنها كانت متأثرة بالبناء التقليدى للقصة، ولكن التناقضات التى طرحتها فى القصة، وعمق التأملات هو القصة نفسها، بالتعبيرات الحادة والواضحة والدالة.
القصة التالية مباشرة، تتحدث عن علاقة غير شرعية بين امرأة وامرأة، امرأة أجبرت امرأت أخرى على تلك العلاقة، وأفسدت حياتها بأشكال مختلفة، وهذا المنحى فى الكتابة آنذاك، لم يكن معروفًا، وربما كان جديدًا واكتشافًا، ولذلك فالقصة جريئة فى أن تتحدث عن علاقة غريبة بين امرأة وامرأة أخرى، تلك العلاقات التى تناولتها فيما بعد كاتبة كويتية «عالية شعيب» فى روايتها «شقة الجبريلية»، وكذلك أفردت لها رسالة بحثية، وصدرت فى كتابها «أخت الفتنة».
أما القصة التى أثارت الجدل واسعًا وعميقًا، فهى قصة «عالمى المجهول»، عن المرأة التى راحت تتأمل أفعى تتسلق شجرة، وشعرت أن تلك الأفعى لها شكل خاص، وتحولت كل صفات الأفعى المريبة، إلى صفات حميدة، وعندما لاحظ زوجها وجود تلك الأفعى، استدعى فورًا كل الوسائل لطردها، ولكن الأفعى اختفت تمامًا، وفشلت كل الوسائل فى طردها، لتنشأ علاقة سرّية وخاصة بين المرأة والأفعى، ولا تتورع الكاتبة فى استخدام كل مفردات القاموس العاطفى فى تلك العلاقة الغريبة، تقول فى إحدى تطورات القصة: «سمعت هسيسًا خفيفًا يصدر من ركن الجدار بجوار فراشى تمامًا، فأطلت النظر إليه وظلّت عيونى مثبتة عليه لأجد الثقب يتسع بطيئًا، بطيئًا جدًا، أغمضت عينىّ وركض قلبى بالفرحة، ونبض كيانى باشتياق ولهفة، وبزغ فى نفسى أمل باللقاء، أغلقت عينىّ واستلقيت فى استسلام لما سيكون، فما عدت أبالى أيكون الحب قادمًا من عالم الهوام والزواحف، أم من عالم الجان ملوك الأرض؟.. فحتى لو كان هلاكى.. هذا الحب.. فشوقى له أكبر.. ولهفتى أقوى وأعظم».
هذه القصة الطويلة والعميقة على وجه الخصوص، تكاد تكون من عيون القصة المصرية والعربية، وإذا كنا قد نفينا عن كتابات أليفة رفعت السالفة سمة التجديد فى تقنيات القصة، فهذه القصة على وجه الخصوص، جاءت بأجمل التعبيرات والتقنيات على مستوى القصة القصيرة، واستطاعت أليفة رفعت بجميع قصصها أن تترك أثرًا لا ينمحى فى القصة المصرية والعربية.







