غرائب القصص.. من دفتر الاستيلاء على الآثار المصرية
- هناك قطع مصرية نادرة موزعة الآن بين عدة متاحف خارج مصر
يصف الراحلُ العظيم د. سليم حسن فى موسوعته «مصر القديمة» هذه الواقعة قائلًا إنها «من الحوادث العظيمة فى تاريخ علم الآثار المصرية وتأسيسه فى مصر.. إذ إنها فى الواقع تكشف لنا أمورًا كثيرة عن أحوال مصر فى تلك الفترة من تاريخها، وكيف كان ينظر ولاتُها لآثارها وتراثها الخالد». هى واقعة أو قصة غريبة كانت نتيجتها الاستيلاء على قطع مصرية نادرة موزعة الآن بين عدة متاحف خارج مصر، ثم كان أحد فصولها هو تأسيس مصلحة الآثار المصرية.. وهذا هو ملخص هذه القصة كما رواها العالم الكبير د. سليم حسن.

دأب الأمير «نابليون» ابن عم الإمبراطور «نابليون» الثالث على إثارة القلق لابن عمه الإمبراطور، لذلك كان هذا الأخير ينتهز كل فرصة ممكنة ليكون هذا الأمير خارج فرنسا. ومما ساعد الإمبراطور فى ذلك هو طبيعة الأمير وحبه للسفر بكثرة إلى الخارج. فى ربيع عام ١٨٥٧م عاد الأميرُ من رحلة فى المحيط المتجمد، وبمجرد عودته طلب من ابن عمه الإمبراطور القيامَ برحلة إلى الشرق متأثرًا فى ذلك برحلة الأرشدوق «مكسمليان» النمساوى فى نهر النيل وما كان يتردد فى مجالس علية القوم عما جمعه الأرشدوق من قطع أثرية مصرية حملها معه إلى النمسا. أثار ذلك غيرة الأمير الفرنسى وأراد أن يقوم برحلة مماثلة وأن يحصل على قطع أثرية أهم من تلك التى حصل عليها الأرشدوق النمساوى.

وصل خبر هذه الرحلة- التى أزمع الأمير على القيام بها- إلى مسامع والى مصر سعيد باشا، الذى عقد العزم على أن يُظهر لسمو زائره الإمبراطورى كل مظاهر الإجلال، ومراسيم الاحترام التى يستطيع إبداءها. لذلك أرسل «سعيد» باشا إلى «مريت» الذى كان يعمل ملحقًا بمتحف اللوفر بفرنسا، وطلب منه الحضور إلى مصر فى أكتوبر ١٨٥٧م. أراد سعيد باشا أن تكون كل خطوة يخطوها الأمير- فى زيارته المنتظرة إلى مصر- ينبت فيها من الآثار ما يسر عينَ الأمير ويملأ قلبه غبطة وعجبًا!
وتوفيرًا لوقت الأمير، أمر سعيدُ باشا «مِريت» أن يصعد فى النيل ويقوم بأعمال الكشف عن الآثار قبل حضور الأمير، ثم يدفنها ثانية فى الأماكن التى سيمر بها الأمير فى رحلته. تم توفير المال اللازم لتلك الأعمال من كل من سعيد باشا والأمير نابليون. وخصص الوالى سعيد باشا يختَه لذلك، وأصدر الأوامر إلى مديرى المديريات لتقديم الأيدى العاملة اللازمة. وصل مصرَ فى نفس التوقيت الأثرى «هنريخ بركش» فطلب منه مريت مصاحبته فى أعمال التنقيب.

بدأ مريت وبركش أعمالَ التنقيب فى الجيزة وسقارة، ثم العرابة المدفونة، وطيبة، وإلفنتين. وكانت نتيجة أعمال التنقيب هذه العثور على مجموعة مميزة من التحف الأثرية، لكن الأمير لم يقم بهذه الزيارة المنتظرة. لذلك وفى فبراير ١٨٥٨م طُلب من مريت العودة إلى عمله الرسمى بمتحف اللوفر، لكنه كان يحلم بالبقاء فى مصر ورسم خطة لذلك بالفعل. بدأ تنفيذ خطته بالتواصل مع الأمير نابليون عبر سكرتيره الخاص ونقل إليه رسالة أنه لو أخّر موعد سفره لفرنسا فسيكون فى استطاعته أن يستولى للأمير من سعيد باشا على بعض الهدايا أو القطع الأثرية التى تم العثور عليها فى أعمال التنقيب. كان رد الأمير بأنه سيجيب مريت لطلبه «إذا حصل على مجموعة مميزة من المجوهرات والتماثيل الصغيرة ونماذج من الفن المصرى مع إيضاحات عن كيفية الكشف عنها».
وافق سعيدُ باشا، ورجا مريت أن ينتقى من الآثار كل ما يروق فى عين الأمير ويرضيه ويضعها تحت تصرفه دون مقابل، وفى مقابل ذلك يقوم هذا الأمير باستعمال نفوذه لتعيين مريت مأمورًا للآثار المصرية بالقطر المصرى، وقد تم له ما أراد، وبذلك خرجت مصلحة الآثار المصرية لعالم الوجود!

من أهم ما عثر عليه فريق «مريت وبركش» فى القرنة هو تابوت الملك كاموس شقيق الملك الشهير أحمس، وكلاهما أكملا على التوالى حرب التحرير. فهما ابنا الملك الشهيد سقنن رع الذى استشهد فى حرب تحرير مصر من الهكسوس منتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد تقريبًا، وابنا الملكة الشهيرة «إعح حتب».
فى تابوت الملك كاموس، كانت مومياؤه لم تُحنط بعناية لما نعرفه عن ظروف وفاته أثناء الحرب. وبمجرد فتح التابوت ذهبت المومياء هباءً لتحللها تحللًا كاملًا. كان يتدلى من ذراع الملك خنجرٌ من البرونز أو النحاس الأصفر المصقول. وقد نقشت على مقبضه ألقاب الملك. النصل برونزى عريض ومستقيم يميل للون الذهبى، والمقبض فضى كروى مطلى بالذهب ومزين بمسامير بارزة. الخنجر محفوظ الآن فى المكتبة الملكية البلجيكية. كما وجد فى التابوت أسدان يوجدان الآن بمتحف اللوفر. كما وجد فى التابوت جعران وبعض التمائم التى اختفت ولا أحد يعلم عنها شيئًا حتى الآن. ومرآة من البرونز الذهبى موجودة الآن فى متحف اللوفر.
المكان المسمى بجبانة «ذراع أبوالنجا» بالقرنة غرب الأقصر كان معلومًا لمريت قبل أعمال التنقيب هذه. فقبل ثلاث سنوات من هذه الأعمال كان مريت قد قام بشراء تابوتين لمتحف اللوفر لاثنين من الملوك المعروفين باسم «الأناتفة». وبعد سنة من هذه القصة الغريبة التى نتج عنها تدشين مصلحة الآثار المصرية، كانت مصر على موعد مع كشفٍ عظيم فى نفس المنطقة ويعود لنفس الفترة التاريخية- منتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد- حيث عثر على تابوت الملكة إعح حتب فى نفس المكان عام ١٨٥٩م.

لقد عثر عمال مريت على التابوت، فى حين كان يتولى هو شئون متحف بولاق- أول متحف وطنى للآثار فى مصر والشرق الأوسط- بصحبة عالم أثرى آخر هو «ديودور دفريا». كان الكشف عن تابوت الملكة حدثًا مهمًا جدًا لما وجد به من مجوهرات وقطع أثرية عظيمة لا تخص الملكة وحدها، بل إن معظم هذه القطع يحمل أسماء الابنين كاموس وأحمس. كما صاحب هذا الكشفَ بعضُ الأحداث الغريبة التى سجلها الأثرى «دفريا» فى أحد خطاباته الخاصة.
ملخص القصة كما وردت فى خطاب هذا الأثرى، أنه كان يعمل برفقة مريت فى متحف بولاق حين تم العثور على هذا الكنز الأثرى. تم إرسال خطاب إليهما، لكن قبل وصول الخطاب قام «مدير قنا» بفتح التابوت وشاهد ما بداخله وأعد قائمة بالمحتويات لإرسالها إلى بلاط سعيد باشا، كما شرع- مدير قنا- فى نقل المحتويات عبر النهر. انزعج مريت واستطاع الحصول على أمر وزارى بالتحرك مع دفريا نهرًا جنوبًا والاستيلاء على أى قارب يحمل آثارًا ونقلها إلى قاربهما.
بالفعل حدث اللقاء نهرًا قرب سمنود بين القاربين، وحدثت مشاجرة لفظية- أسهب دفريا فى خطابه فى وصفها- بين العمال على القارب الحكومى الذى أمر بتحريكه مدير قنا، وبين مريت. انتهت المشاجرة بنقل الكنز الأثرى إلى قارب مريت. أسرع مريت بالمجوهرات إلى الوالى سعيد باشا فى الإسكندرية، وقص عليه القصة بطريقة خلابة حتى إن سعيد باشا تغاضى عن استيلاء مريت على قارب حكومى، بل على العكس استغرق فى الضحك وشمله برعايته، وقد استعار سعيد باشا من هذا الكنز سلسلة من الذهب معلقًا فيها جعرانًا لأحب زوجاته إليه، غير أنه أعادها بعد فترة وجيزة إلى متحف بولاق.
كان الصندوق يحتوى كمية من المجوهرات ورموزًا ملكية وتعاويذ، ودقة صنع هذه المجوهرات يفوق كل الذى كان معروفًا حتى وقت الاكتشاف، وكان الذهب يقارب اثنين من الكيلوجرامات، وقطع المجوهرات صيغت بمهارة عظيمة ورصعت بأحجار صلبة. ومعظم هذه القطع يحمل اسم الملك أحمس أو اسم الملك كاموس. من بين هذه القطع جعران وسلسلة باسم أحمس. ثلاثة أساور يد وسوار ذراع أيضًا باسم أحمس. وبداخل لفائف المومياء وجدت بلطة من الذهب، وخنجر، وكلاهما باسم الملك أحمس ابن الملكة الأصغر.
أما القطع التى حملت اسم كاموس فقد كان من بينها داخل التابوت قاربان نموذجيان بمجاديف، أحدهما من الذهب، والثانى من الفضة. ومذبة وبلطة وبلط أخرى وحربة أخرى. الحربة توجد الآن فى إنجلترا.
ومن حسن حظ مصر أن هذا الكشف العظيم تم بعد واقعة الأمير نابليون، مما أبقى كثيرًا من هذه القطع فى مصر.







