التأسلم السياسى.. الأعراض.. الأسباب.. والمواجهة الحتمية
- فكرة تقبل الاختلاف تكاد تكون لا وجود لها فى عقول من تكتب عليهم الأقدار الإصابة بمرض التأسلم
- المصابون بـ«مرض التأسلم» يستهدفون المرأة دائمًا ويعتبرون كل من يقف ضد هذا الاستهداف «ديوثًا»!
- «المتأسلمون» يعتبرون أى سلطة سياسية هى طاغوت وأى شيخ يدافع عن الاستقرار من علماء السلطان
- الزى أو الملبس هو آخر شىء يمكن الحكم من خلاله على سلوك أو أخلاقيات أى إنسان
كتب الطبيب والعالم المصرى المعروف محليًا ودوليًا «أ.ش» على صفحته الشهيرة المميزة بموضوعات الفكر والثقافة بضعةَ أسطر للتنويه عن كتابٍ مهم. الكتاب قديمٌ ومنسوب لأحد إخوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذى تٌنسب إليه الوهابية. هذا الأخ كتب كتابًا ينتقد أخاه ويفند أفكاره، بل وينتقده هو شخصيًا. تمت طباعة الكتاب عدة مرات. أشار الطبيب إلى هذه الطبعات وآخرها طبعة تمت مراجعتها والإشراف على نشرها من قبل قيادة صوفية شهيرة. أراد الطبيب لفت أنظار قرائه لأهمية الكتاب الذى لم يعرف الكثيرون عنه شيئًا. إلى هنا الأمر يبدو طبيعيًا أو عاديًا. لكن المفاجأة كانت فى مجموعة كبيرة من تعليقات أصدقاء الصفحة التى تضج بالآلاف. وبعض أصحاب هذه التعليقات يسبق أسماءَهم الحرفان أ.د!

هذه التعليقات تصلح كمادة للمهتمين ببحث أحد أهم الأمراض الفكرية التى ضربت كثيرًا من عقول المصريين على الأقل فى آخر نصف قرن. مرضٌ تتلخص أعراضه فى حالة تحول وتشنج فجائية تُلم بالمصابين به وتنتقل بطريقة حديثهم ومصطلحاتهم ومفرداتهم فى بضع ثوانٍ من أناس متعلمين وربما حاصلين على دكتوراه وأستاذية فى تخصصات مختلفة إلى نسخ كربونية من مراهقين، ربما قابلَهم أحدُنا مرة واحدة على الأقل فى حياته، ممن ينتمون إلى الجماعات الدينية المتطرفة أو المتعصبة! تعليقات تشعر معها وكأن صاحبها، ذا الخمسين أو الستين عامًا أو أكثر والذى يرتدى بذة أنيقة سينييه وربما يكون محاضرًا فى الجامعة، لم يقرأ كتابًا واحدًا فى حياته، لا فى الدين ولا فى الفكر ولا حتى فى آداب الحوار والمناقشة أو فقه الاختلاف!
بعضهم بدأ بسبابٍ موجه لتلك القيادة الصوفية التى لا علاقة لها فى الأصل بمتن كتابٍ يعود لعقود سابقة، وكتبه أحد أشقاء إمام الوهابية. كان السباب قائمًا على فكرة ضمنية، أسفرت عن نفسها فى عبارات التسفيه والسخرية، أن الوهابية هى الدين الصحيح أو أنها دعوة كانت تدعو لإرجاع المسلمين لدينهم الصحيح، وأن الصوفية هى خروج عن صحيح الدين. بعضهم الآخر كان فظًا غليظَ القول للطبيب صاحب الصفحة طالبًا منه إنه «يخليه فى الطب وملوش دعوة بالحاجات اللى ميعرفش فيها!» رغم أن الطبيب لم يعلق على متن الكتاب، وإنما دعا إلى قراءته، ورغم أن الطبيب معروف بثقافته، ورغم أن البحث والتدبر لفهم صحيح الدين هو فرضٌ على المسلمين، ورغم أن أول كلمات الوحى كانت اقرأ!
شابٌ قرر أن يتاجر فى البضاعة الوحيدة مضمونة الرواج عبر التاريخ وهى بضاعة الدين وكل ما يتعلق بها، وربما قرر ذلك لأسباب تجارية بحتة دون أن يدرك حقيقة ما قرر فعله وما يمكن أن يترتب عليه. ربما يكون هناك من أشار عليه وأغراه، أو ربما هناك من استخدمه. أقصد الشاب الذى قرر طبع تيشرتات عليها شعارات يعتقد أنها شعارات دينية بريئة. قال إنه لن يطبع آيات قرآنية أو أحاديث نبوية لأنه لن يكون منطقيًا أن يدخل أحدهم حمامًا وهو يرتدى على جسده آيات قرآنية أو نصوصًا منسوبة للنبى «صلى الله عليه وسلم». أى أن ما سينشره هو عبارة عن أسماء بعض الصحابة، وأقوال منسوبة لبعض القادة العسكريين من جيل المسلمين الأوائل، وأنه قد سأل وعرف أو حصل على فتوى دينية بجواز ذلك ولا غضاضة فى غسل التيشرتات أو الدخول بها إلى الحمام بهذه اللافتات!

إذن فالأمر كله ليس من صحيح الدين، إنما من فئة «الفكر التعبوى المسلح» ومنها عبارات كانت من فئة «بنات زمنها وظروفها السياسية والمجتمعية والتاريخية» مثل عبارات الجزية. ولو أننا سمحنا بهذا فلا مجال لأن نمنع آخرين من الحق فى القيام بنفس الشىء، فيقوم مثلًا بعض المتشيعين المتشددين بطباعة تيشرتات تسب بعض هذه الأسماء ذاتها! ونسمح مثلًا بطبع تيشرتات مسيحية- غربية يتم استيرادها أو توريدها لنا بعض الأجهزة الخارجية بالمجان مقابل هذه الخدمة الجليلة التى قرر بعضنا أن يقدمها لهم، تمجد فى الحملات الصليبية مقابل تمجيد صاحب هذه التيشرتات للفتوحات الإسلامية! وهكذا وبفكرة بسيطة جدًا نقدم لهم هذه البلاد على طبقٍ من ذهب ونحقق لهم ما فشلوا فيه لسنوات طويلة.
بعد وقف هذه المهزلة، جاء دور المصابين بنفس المرض الفكرى الذى أشرتُ إليه فى الواقعة السابقة عن ذلك الكتاب. جاءت التعليقات على هذا النمط.. «البلد دى ضد الإسلام وضد أى حاجة فيها دين.. خايفين الشباب يعرفوا تاريخهم.. خايفين من تيشرت.. البلد دى عايزة ثورة إسلامية.. مش عايزينا نعرف أبطالنا زى القينقاع.. زعلانين ليه مش الجزية فى الإسلام.. دولة علمانية .. إلخ» وتسقط من ذاكرة هؤلاء ربما أسماء مدارسهم نفسها، وما درسوه من قصص مقررة فى سنوات الدراسة، وأن مصر أكثر دولة فى المنطقة فى عدد المساجد ونسبتها لعدد السكان. دولة ربما أكثر من نصف مدارسها تحمل أسماءً غير مصرية على غرار هذه الأسماء التى أراد هذا الشاب طباعتها، وتُتهم هذه الدولة بأنها ضد الإسلام وتحارب وجود هذه الأسماء!

صحفى بجريدة قومية استباح الخوض فى أخلاق طبيبة مصرية شابة عُرفت باسم «بطلة المول».. تلك الطبيبة الشابة التى أسهمت فى مواجهة خوف وفزع وإصابة البعض جراء الحريق الذى حدث فى أحد مولات مصر منذ أيام. عبارة هذا الصحفى هى صورة طبق الأصل من خطاب أعضاء الجماعات فى واحدة من أخطر أعراض ذلك المرض الفكرى.. هذا العَرَض الذى لا يجرأون على المجاهرة به.. هو استباحة أعراض من يطلقون عليهن «الفاسقات». منذ أكثر من ثلاثة عقود سمعتها نصًا ودون مواربة من بعض طلاب الجماعات.. «دى فاسقة مش محصنة» «ولا حصانة ولا عِرض لفاسق أو فاسقة». كانت هذه ردودًا على اعتراضى على حديث هؤلاء الطلاب وقتها عن إحدى الممثلات تحديدًا.. ونحن نتحدث عن بداية التسعينيات وعن أعمال درامية كلنا نذكرها ونذكر ملابس الممثلات مثلًا. لم يكن الأمر خاصًا بالفنانات فقط، لكنه يتسع، فى عقول من تتعاظم حالتهم المرضية وتبلغ مراحل أخطر، ليشمل كل من لا تنطبق عليها المواصفات «الاستاندارد» التى يضعونها للمرأة المسلمة! فأى بنت أو سيدة لا ترتدى ما يعتقدون أنه النموذج المثالى لما يرونه هم، فهى قد تقع فى أى موقف فى نفس دائرة الاستباحة.
ويسقط من عقل وذاكرة المصابين بهذا المرض عددٌ كبير من مبادئ الإسلام ذاتها مثل غض البصر، والتحذير الصارم من قذف المحصنات تلميحًا أو تصريحًا لدرجة أن هذا الإسلام قد ألزم وجود أربعة شهود فى حالة إثبات الزنا، وأن كلا مسئول عن رعيته بما يعنى أنك كفرد ليس لك ولاية على أى فرد آخر.. والأهم أنهم يتناسون فكرة التنوع والاختلاف فى الطباع والأمزجة والملابس وحالة الفقر والغنى والصحة والمرض.. فكرة تقبل الاختلاف تكاد تكون لا وجود لها فى عقول من تكتب عليهم الأقدار الإصابة بذلك المرض، فهم يعتقدون أن لهم حقًا مقدسًا فى تقويم الجميع تقويمًا أخلاقيًا طبقًا لما يعتقدون أنه الأخلاق!

فى عامى العدوان على غزة حدث شىءٌ ربما لم يلتفت إليه الكثيرون. حينما قامت ميليشيات الحوثى بضرب السفن فى مدخل باب المندب، مما سبب خسائر اقتصادية مباشرة وصريحة لمصر، رغم أن مصر كانت هى الدولة الوحيدة التى تواجه المؤامرة بشكل حقيقى فعلى وليس بشكل صوتى دعائى. حين حدث ذلك كان هناك مصريون على صفحات السوشيال ميديا وفى الواقع يهللون لما تقوم به هذه الميليشيات انطلاقًا مما يعتبرونه دفاعًا عن الإسلام، ومما أعتبره عَرَضًا سياسيًا صريحًا لنفس المرض. وهو المرض الذى يصيب كثيرًا من مواطنى دول الشرق الأوسط وليس مصريين فقط، وهو سبب عدم اقتناع هؤلاء مثلًا- فى حالة غير مصرية- أن ميليشيا حزب الله تعصف بالوطن اللبنانى وتمنح الاحتلال فرصًا ذهبية لتوسيع مساحة نفوذه واحتلاله هناك. وعلى خلفية الحرب الأخيرة حدث نفس الشىء.. مصريون يهللون لما تقوم به عصابات الحوثى مما أفقد مصر عشرات المليارات من الدولارات هو نصف إيرادات قناة السويس. وهم أنفسهم الذين ما إن ينتهون من تهليلهم لضرب اقتصادهم حتى ينطلقون فى شن الهجوم على الدولة المصرية لأسباب اقتصادية، ولا يرون فيما يفعلون أى أسباب للدهشة!
كل هذا الطيف الذى يبدو متباعدًا بعض الشىء، ليس إلا مجموعة من أعراضٍ تكشف الوقوع فى شرك هذا المرض. ولو أننا قمنا مثلًا بتتبع بعض من ظهر عليهم أحد الأعراض، أى ظهروا بكل تشنجهم ومفرداتهم فى أحد المشاهد السابقة، فسوف نجدهم حاضرين بقوة فى غالبية المشاهد الأخرى. لأن البصمة الوراثية لهذا المرض الفكرى واحدة مكررة وأيضًا مترابطة العناصر لا يمكن أن يُفصل أحدها عن الباقى، وكأنها برنامج ديجيتال تمت صياغته منذ سنوات طويلة ويفعل نفسه تلقائيًا بعد تمام عملية الإصابة. بعدها سيكون المصاب مجرد وسيط جسدى يقوم البرنامج بالتحكم فيما يقوله ويكتبه ويرد به، والقائمة اللغوية المباحة التى يجب عليه أن يدور فى فلكها. هذا المرض هو التأسلم السياسى.. الوقوع فى شرك خطاب أو مجموعات التأسلم السياسى. الغاية الأساسية، فى معامل صناعة الأجيال القديمة والحديثة من الفيروس ، كانت وما زالت هى السياسة. والظهور الأول ليس فى القرن العشرين كما يعتقد البعض. أسلمة السياسة وشئون الحكم والصراعات السياسية، كل ذلك بدأ مبكرًا جدًا فى تاريخ المسلمين. أسلمة السياسة فى صدر الإسلام ربما كانت تتفق مع مجريات السياسة الإقليمية حولهم. لكن ما حدث فى العصر الحديث هو المأساة. محاولة بعث الفكرة مع عدم مشابهة الظروف السياسية المحلية والدولية لما كان قائمًا قديمًا.. الدعوة الوهابية لم تكن لترى النور أو ليكون لها هذا الانتشار لولا وجود سيفٍ وجد فيها ضالتَه ومشروعَ شرعية جديدة لإقامة دولته الجديدة بحد السيف وبشرعية أفكار الإمام محمد بن عبدالوهاب.
فى الحالة المصرية كان الأمر جد عبث، فمصر كانت بالفعل دولة قائمة منذ عشرات القرون..دولة مستقرة رغم الاحتلالات المتعاقبة. فدعوة الوهابية وجدت أرضًا بكرًا تصلح لزراعة أفكارها، لكن مصر كانت مزروعة بالفعل منذ أزمانٍ بعيدة، مزروعة بالفكر والفكرة، والشرعية، وكل مستلزمات وجود دولة أو أمة. لم تكن فى حاجة إلى دعوة دينية جديدة أو شرعية سياسية لوجودها لأنها كانت قائمة. كانت هذه هى المشكلة.. الدعوة الوهابية وجدت قوة تصطدم بها هى قوة القبائل رغم التشرذم، وقوة هدف إرغام القبائل على الخضوع للفكرة.. فتوحيد القبائل كان هدفًا يمكنه استيعاب قوة الفكرة وقوة السيف. فى الحالة المصرية كان السؤال ما هو العدو أو القوة التى يمكن أن تتصادم معها إعادة فكرة أسلمة السياسة للوجود؟ لم يكن هناك سوى ما هو قائمٌ بالفعل من دولة ومؤسسات وفكر وثقافة وفنون وهوية قوية واضحة. وحتى تجد الفكرة العائدة للحياة بفعل فاعل فرصتَها فى البقاء على قيد الحياة والنمو، لم يكن هناك طريقٌ غير أن تتم شيطنة كل ما هو قائمٌ بالفعل، وأن يتم تصويره وصناعته أنه العدو الذى يجب أن تواجهه النسخة المستحدثة من «أسلمة السياسة». لو لم تحدث تلك الشيطنة، فلم يكن هناك مبررٌ لوجود هذه الفكرة على أرض مصر.

لم يكن لينجح كل هذا الشر فى مصر لولا تدخل قوى فعلية لإنجاحه. تدخلت هذه القوى المختلفة من أجل مصالحها التى ربما كانت متعارضة، لكنها متفقة فى وجوب الاتحاد لتكسير ذلك القائم الموجود فى مصر من قوة شعبية متماسكة، وروح قومية وفنون وعلوم وآداب ومؤسسات. «فرق تسد» كانت هى الطريقة المفضلة فى ذلك الوقت للإمبراطورية الاستعمارية الأشهر.. وجدت مصلحتها فى استخدام أصحاب الدعوة الجديدة لتنفيذ هذه الطريقة فقدمت لهم الدعم المادى والإعلامى والخططى. بعض ما كان قائمًا وقتها من مؤسسات كان قصير النظر فلم ير أكثر من تحقيق مصالح وقتية عارضة بالتساهل مع هذه الأفعى الجديدة التى اتخذت شكل فكرة تتجسد وتتعاظم وتلقى المساندة من قوى إقليمية كبرى. نقطة الإنطلاق الأولى هى الأهم. مثل الصياد الذى يلقى شباكه لأول مرة فى مكانٍ يضج بالأسماك فتلقف شباكه العدد الأضخم. هكذا بدأت جماعة البنا الانطلاقة الكبرى والأهم.. هو الذى غرس البذور السوداء وهو الذى ألقى شباك الصياد لأول مرة فجمعت شباكه آلاف من العقول البكر التى لم تكن تدرك ما هى مقبلة عليه. بعد ذلك تأتى الخطوات متتابعة وأحيانًا بقوة دفع ذاتى حتى نصل للعصر الذهبى لنشر الفيروس بين المصريين عن عمد. ذلك العصر الممتد منذ نهايات السبعينيات وحتى مواجهات ٢٠١٤م. فى ذلك العصر تحولت مصر إلى بحيرة متسعة للصيادين من قبيلة حسن الساعاتى، وتحولت المساجد والمراكز الإسلامية والجامعات والزوايا وكثيرٌ من المؤسسات الصحفية والفنية والتعليمية إلى مراكز لنشر الفيروس بين المصريين. نحن الآن نجنى ثمار نشر الفيروس فى هذا العصر الذهبى لهم الأسود القاتم لنا.
ما الذى تحتويه المادة الوراثية لهذا الفيروس؟ هذه المادة الوراثية هى قدس القداس وسر الأسرار تحتوى عددًا محددًا من المصطلحات..
التكفير الصريح أو الناعم المغلف بلغة عصرية أرستقراطية لكل من يخالف المصاب بالفيروس فى الرأى، خاصة الرأى السياسى!
الهجوم اللفظى العنيف.. قل ما تشاء فأنت تدافع عن الدين وهم علمانيون وفساق.. استعلى عليهم بالدين.. فاستعلاؤك عبادة..!
اسخر من كل الأفكار، ورد عليها بآيات قرآنية أو أحاديث منسوبة للنبى «صلى الله عليه وسلم»!
استهدف المرأة دائمًا.. واتهم كل من يعترض على هذا الاستهداف بالدياثة وأنهم ممن يحبون أن تشيع الفاحشة بين المسلمين، حتى لو احتج بأحكام الشريعة، فالرد أنهم غير مؤهلين لاستنباط الأحكام..فهذا حقٌ حصرى لنا!
استهدف أى شخصية عامة أو رمزًا من رموز المجتمع طالما لم تكن هذه الشخصية أو لم يكن هذا الرمز من جوقتنا!
الاستباحة حقٌ للمؤمنين.. استباحة الأموال والأعراض والأنفس..!

أى سلطة سياسية هى طاغوت، وأى شيخ يدافع عن الاستقرار أو طاعة ولى الأمر.. يجب مهاجمته ووصفه بأنه من علماء السلطان!
كل السلاطين جائرون إلا سلاطيننا التاريخيين مهما تخضبت سيرهم باللون الأحمر.. وفى الوقت المعاصر.. إلا السلطان الذى يكون منا أو يحكم بمشيئتنا وموافقتنا!
تاريخ المسلمين الأوائل مقدسٌ وجزء من الدين، وما سواه من تاريخ يخص مصر، فهو مرحلة كفرية منقضية لا يجوز النظر إليها إلا للتدبر.. لا ننسب أنفسنا إلى هؤلاء ولا علاقة لنا بهم!
تاريخ المسلمين الأوائل تاريخ مثالى.. كل ما حدث من اقتتالٍ كان خلافًا على وجهات نظر دينية بين أندادٍ ولا يجوز لنا التحدث عنه!
تاريخ مصر بدأ عام ٦٤٢م وكل ما سبق ذلك كفرٌ بواحٌ نبرأ منه!
كل إمام متعصب ظهر فى القرن التاسع عشر أو العشرين فهو كان يدعو إلى صحيح الدين، ويجب الدفاع عنه، وكل إمام مستنير مجتهد يؤمن بأن الفقيه ابن عصره فهو فقيهٌ مفرط يجب إهالة التراب على ما أنتجه أو كتبه!
السياسة فوق الجميع.. الوصول للحكم غاية مقدسة ليس طمعًا، بل رغبة فى هداية المسلمين وإدخالهم فى الإسلام!
لا قيمة لأى شىء يعوق دون تحقيق أهدافنا.. فالحديث عن وطن ومصالحه كفرٌ إذا ما تعارض مع أهدافٍ أعظم تحددها قيادات دينية وفكرية لا يجب أن تعرف من هى!
الرياضة والفنون من توافه الأمور أو من أدوات السلطة لإلهاء الشعب إن كان من يمارسهما من قوة مصر الناعمة الوطنية، وهما شىء عظيم ودليل على تفوق الإسلام إذا كان من يمارسهما ينتمى إلى جماعاتنا!
صفحات الرياضة والكوميكس والصفحات النسائية وطريقة توجيهها وطريقة التفاعل معها من ملحقات البصمة الوراثية للفيروس.. والباكج كامل غير قابل للتجزئة!
الذين أصيبوا بهذا الفيروس أصبح أمرهم مثيرًا للشفقة، لأنهم حين تدهمهم حالة تفعيل غير إرادية للفيروس، مع قراءة أى نص لا تتفق خوارزمياته الفكرية مع المادة الوراثية للفيروس، فإنهم يبدأون على الفور فى التصرف بشكلٍ قد يفاجئ بعض من يعرفهم بشكلٍ سطحى. حيث يبدأون فى التصرف بشكلٍ لا يتفق مع ظاهرهم أو طريقة ملبسهم أو مناصبهم ووظائفهم. يبدأون فى استخدام قاموس لغوى يبدو غريبًا، لكنه موجود وقابع بداخلهم طالما لما يخضعوا للعلاج طويل المدى، ولم تنسحب من عقولهم هذه المادة الوراثية العصية. ولا يمكن لها أن تنسحب إلا بطرق علاجية صعبة قد يترتب عليها حالة اهتزاز نفسى مؤقت يعقبها تلك الحالة من الطمأنينة والتصرف بشكل يتسق مع العلم والمنطق ومع هيئة كثيرين منهم.
طريقة العلاج تتضمن رحلة قراءة طويلة وعميقة وتشتمل على قوائم كبيرة مما يستحب قراءته. رحلة للأسف ربما لم يعد ممكنًا للبعض، بسبب عوامل العمر والقوى العصبية والبصرية والذهنية، القيام بها. أو لنقل إنها رحلة صعبة، لكنها ليست مستحيلة لأى إنسان.

من سيواجه نفسه ويقرر بدء رحلة العلاج الذاتى سوف يكتشف مع خطوات العلاج وعلى فترات متباعدة أى هوة سحيقة كان قد سقط فيها وأسقط عقله معه حين استسلم لاستقبال هذا الفيروس، الذى كان استقباله والترحيب به ليستقر فى خلايا العقل اختياريا بشكلٍ تام. وغالبًا كانت تتم الإصابة فى مراحل الدراسة الجامعية، وحاليًا تتم عبر صفحات السوشيال ميديا الموجه باحترافية لشرائح عمرية معينة.
فمثلًا الذين أغلظوا القول للطبيب المعروف لمجرد قيامه بالتنويه عن كتاب، سوف يكتشفون - إن خاضوا رحلة العلاج هذه- أنهم كم كانوا صغارًا وكم كانوا مختطفى العقل والقلب حين عارضوا الصدع للأمر الإلهى «اقرأ» وهم يحسبون أنهم يدافعون عن الدين!
وأن الذين غضبوا من أجل إمام الدعوة الوهابية قد نسوا ما قاله أحد الأئمة الكبار.. «رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى الآخرين خطأ يحتمل الصواب» وهى المقولة الأشهر فى أدب الاختلاف.. فأين احتمالية أن يكون أحدنا خطأ فى رؤيته للدين، وأن يقبل فكرة وجود رأى آخر مخالف. أقول هذا رغم أنه لا يمكن أن يختلف اثنان على طبيعة الرحمة والتسامح للإسلام ولكل ديانة بعث الله بها رسولًا.
وسوف يعلم الساخرون من الصوفية أن هؤلاء مسلمون منهم الصالح ومنهم من هو غير ذلك شأنهم شأن باقى المسلمين وباقى البشر.. وأن منهم بكل يقين من هم أفضل ممن سخروا منهم. وأن من أخطأ من قادة الصوفية- حسب رؤية من يسخرون منهم- عبر السنوات ربما يكون خطأهم المزعوم مغفورًا بإذن الله، فى مقابل أخطاءٍ أو خطايا- اقترفها من يزعمون أنهم أصح دينًا من الصوفيين- ربما تلقى بهم فى جهنم خالدين مثل استباحة الدماء. فكيف يدافع أحدهم عن جماعة تستبيح الدماء ثم يسخر من الصوفيين؟ ألم يقرأوا كم آية قرآنية كريمة حذرت بقوة من أن يأتى أحدنا دمًا حرامًا؟ وأن هذا الإثم- حسب القرآن الكريم- هو أعظم الآثام بعد الكفر الصريح بالله أى إنكار وجوده.

هذا الشاب الذى كان على وشك السير فى طريق التجارة بالدين، وقطعًا كان سيجد من يحاول استخدامه حتى ينتهى نهاية ربما لم يكن يعلمها أو يتمنى اختيارها.. لكن الله قد أنقذه من نفسه وربما يكون ذلك درسًا ليختلى بنفسه ويحاول أن يقرأ ويتعلم.. لأنه لو فعل ذلك فسوف يدرك سذاجته الأولى.. لكنها كانت سذاجة مرشحة للعب دور تخريبى فى وطنه. سوف يعلم الفارق بين التاريخ الحقيقى وبين التاريخ الضبابى الذى لا يمكن الخروج به من سياقه، وبين تاريخٍ لا علاقة لهذه الأرض به.
سوف يتعلم أن ما يسمونه فتوحًا إسلامية عسكرية قد حدثت بعد وفاة النبى «صلى الله عليه وسلم»، وأن كثيرين يرونها غزوًا واستعمارًا تمامًا كالحروب الصليبية، وبعضهم يراها فتوحًا دينية مقدسة.. تمامًا كالفارق بين من يفتخر بتاريخ أوروبا الصليبى العسكرى، وبين من يؤمن أنه لا علاقة للمسيحية بما حدث.. أى أن الأمر بشرى وسياسى وتاريخى، ويقبل عند الناس كل الأوجه وليس فعلًا دينيًا مقدسًا.. وأنه حين اختار طباعة تيشرتات تمجد هذه الفتوح أو هذه الأحداث التاريخية، فلقد اختار الانتصار لوجهة نظر ربما هو نفسه لن يقبلها لو تغير الحال وتحدثنا عن الحروب الصليبية مثلًا. أما تاريخيًا فهو سيتعلم أن لمصر تاريخًا أكثر بهاء وحضارة مما كان يريد أن يلقى بنفسه به فى أتونه. فمصر ليست دولة فقيرة تاريخيًا أو إرثًا حتى تفتش لنفسها عن أبطالٍ لا ينتمون إليها. ولدى مصر الكثير جدًا من المدارس التى تحمل هذه الأسماء لدرجة أننى أعتقد مثلًا- وأنا مصرى مسلم- أننا بحاجة لتغيير تلك الأسماء بأسماء مصرية!
إن أقبح ما فى تلك المادة الوراثية لهذا الفيروس الخطر هو ما يتعلق باستباحة أعراض الغير. لو قام أحدهم ببعض البحث فى أمهات الكتب الدينية فى هذه النقطة، فلسوف يرى نفسَه بشكل إسلامى حقيقى. الإسلام دينٌ صارم فى عدم أحقية أفراد المجتمع فى النيل من النساء مهما تكن الأسباب. وضع الإسلام قواعد ملخصها أن كل إنسان مسئول عن نفسه وعمن يعول. عشرات الوقائع تثبت ذلك يقينًا.

مفردات الحياة المعاصرة أثبتت على وجه اليقين أن الزى أو الملبس هو آخر شىء يمكن الحكم من خلاله على سلوك أو أخلاقيات أى إنسان، سواء رجلًا أو امرأة.. لكن الأفضل والأكثر اتساقًا مع تعاليم الدين الإسلامى هو عدم أحقية أحد فى الحكم الأخلاقى على أحد. هناك قانون ارتضى به الجميع وهذا القانون لا يجوز للأفراد تطبيقه على بعضهم البعض.
أخطر ما فى هذا الفيروس أنه يعمل على تعطيل الجوانب الأخلاقية والإنسانية الفطرية فى المصابين به. هذه الجوانب يتشارك فيها كل البشر لأنها من مكوناتهم تمامًا مثل الجوانب الحسية. أى أن السوفت وير الذى يعتبر جزءًا لا يتجزأ من الإنسان، شأنه شأن الهارد وير من جسد بكل مشتملاته يشمل جانبًا أخلاقيًا وإنسانيًا. يعمل هذا الفيروس تعطيل هذا الجانب الأخلاقى والإنسانى عند المصاب.. غياب هذا الجزء هو الذى يقوده لغلظة القول وفحشه أحيانًا فى مواجهة مخالفيه. وهو الذى قد يدفع طبيبًا مثلًا لرفض علاج مريض على وشك الموت لنفس السبب، لأن المريض لم يُصبْ بنفس الفيروس كطبيبه!







