الثلاثاء 25 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

ماذا يكتب العالم؟

ع الرملة.. لماذا يعشق الأمريكيون القراءة على الشاطئ؟

حرف

- روايات الصيف على أجواء المنتجعات والأماكن والأنشطة وصولًا إلى الأز ياء التى ينصح بارتدائها
تبدأ قوائم الكتب الصيفية «مناسبة وطنية لتكريم الجنود الأمريكيين الذين توفوا أثناء الخدمة» بالظهور مع حلول يوم الذكرى الأمريكى، حيث تروج لها وسائل إعلام متنوعة مثل الإذاعة الوطنية العامة «NPR»، وموقع أوبرا اليومى، ومراجعة الكتب فى صحيفة نيويورك تايمز، ومجلة فوربس، ومؤثرو منصة BookTok. 

يوصى أحدها برواية تشويق مليئة بالنميمة، ويصفها بأنها «مزيج بين رواية اللوتس الأبيض ومسلسل فتاة النميمة»، بينما يعلن آخر عن انطلاق «صيف الفتيات الأدبيات».

يعد هوس الأمريكيين بالقراءة الصيفية «التى تعتبر أحيانًا ممتعة»- أو ما يعرف بـ«كتب الشاطئ»- استراتيجية تسويقية وظاهرة ثقافية فى آن واحد، وقد بدأ قبل أكثر من ١٥٠ عامًا. 

ففى منتصف القرن التاسع عشر، أتاح النمو السريع للسفر والسياحة فى الولايات المتحدة للناشرين فرصة لإنعاش موسم النشر الذى كان بطيئًا «أى أقل ربحية».

فى ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، توجهت أعداد متزايدة من الأمريكيين المنتمين للطبقة المتوسطة إلى نيوبورت، وبار هاربور، وكيب ماى، وغيرها من وجهات الاستجمام الصيفية. 

فى ذلك الوقت، كانت القراءة الخفيفة موضع شك، إذ ربط رجال الدين والنقاد الثقافيون فى القرن التاسع عشر بين قراءة الروايات والانحطاط الجسدى والأخلاقى. 

بالنسبة للقس تى. دى ويت تالمج، وهو واعظ حيوى من بروكلين اشتهر بخطبه المؤثرة وجماهيره الغفيرة، كانت الكتب الورقية الرخيصة- من النوع الذى يباع فى عربات القطارات وأكشاك المحطات- تشكل خطرًا على الروح.

«لا تدعوا فساد المطابع وفسادها يتسلل إلى حقائبكم فى ساراتوجا أو وايت ماونتن»، هكذا نصح تالمج أتباعه فى صيف عام ١٨٧٦، واصفا الروايات الخفيفة بأنها «سم أدبى». 

وكان تالمج، الذى وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه لا يقل نفوذا وبلاغة عن القس الشهير هنرى وارد بيتشر، مصرا على رأيه: «أعتقد حقا أن هناك كمية أكبر من الكتب التافهة والضارة تقرأ بين الطبقات المثقفة فى شهرى يوليو وأغسطس أكثر مما تقرأ فى جميع شهور السنة الأخرى».

كان على الناشرين مواجهة هذا الخطاب الثقافى، وقد فعلوا ذلك بالفعل. ففى صفحات مجلات مثل «أتلانتيك مونثلى» و«هاربرز» و«سينشرى»- وهى المجلات الشهرية التى كانت تعتبر مرجعًا فى تحديد الذوق العام فى تلك الفترة، والتى وضعت معايير آداب الطبقة المتوسطة- أصبحت القراءة الصيفية الخفيفة استعراضًا أنيقًا بدلًا من كونها إغراء مرهقًا.

تم الترويج لروايات الصيف ذات الغلاف الورقى باعتبارها وسيلة مقبولة لتمضية أوقات الفراغ فى المنتجعات، أو لإضفاء جو من المرح على رحلات القطارات الطويلة. 

وبفضل حجمها العملى، كان من السهل وضعها فى حقيبة اليد أو تعليقها على الأرجوحة، كما أن حبكاتها السلسة كانت تسمح بقراءتها متى شاءوا مع انشغالهم بأنشطة صيفية أخرى. 

وقد ركزت العديد من هذه الروايات على أجواء المنتجعات التى تعلم الطبقة المتوسطة الصاعدة كيفية الاستمتاع بأوقات الفراغ الصيفية- من الأماكن التى ينصح بزيارتها، إلى الأنشطة التى يمكن ممارستها، وصولًا إلى الأزياء التى ينصح بارتدائها.

أتاحت هذه الروايات للمؤلفين الناشئين، وخاصة الكاتبات، فرصة لدخول سوق الأدب. كما جذبت اهتمام بعض أشهر مؤلفى تلك الفترة. 

فقد استخدمت لورا جين ليبى، الكاتبة الشهيرة التى اشتهرت برواياتها التى تتناول حياة الفتيات العاملات، أجواء الصيف فى نيوبورت ولينوكس ولونج برانش فى ثلاث من رواياتها. 

أما ماريون هارلاند «الاسم المستعار لمارى فيرجينيا تيرهون، التى تعد بمثابة مارثا ستيوارت فى القرن التاسع عشر»، فقد عرضت على ناشرها تشارلز سكريبنر خطة لرواية «بأفضل النوايا» «١٨٩٠».

وهى رواية صيفية تدور أحداثها فى المنتجع الصاعد فى جزيرة ماكيناك. «حصلت من الرواية على سلفة قدرها ٦٠٠ دولار، والتى قالت لسكريبنر إنها بحاجة إليها، (لأننى أقوم بالبناء مرة أخرى، وأريد مبلغًا كبيرًا من المال جاهزًا)».

وبينما كان ناشره ينتظر روايته التالية بعد النجاح الدولى لرواية «الشارة الحمراء للشجاعة» «١٨٩٥»، وجه ستيفن كرين انتباهه إلى رواية «البنفسج الثالث» «١٨٩٧»، حيث يلتقى بطل روايته بشابة من الطبقة المخملية فى نيويورك فى منتجع صيفى.

وبينما أبدى نقاد مثل تالمج قلقهم إزاء مخاطر قراءة الروايات بين الشابات، بدأت أغلفة المجلات وإعلانات دور النشر تظهر بشكل متزايد شابات يرتدين ملابس بيضاء من الموسلين، يسترخين تحت شجرة ظليلة، أو يرتدين ملابس أنيقة على شاطئ البحر، وهن يحملن كتبا. 

فى الواقع، وكما أشار الكاتب والمحرر تشارلز دادلى وارنر فى عدد أغسطس ١٨٨٩ من مجلة هاربرز الشهرية، أصبحت رواية الصيف وقارئتها محورًا أساسيًا لهذا النوع الأدبى.

«بقدر ما تظهر الطيور،» لاحظ وارنر، «يأتى موسم روايات الصيف، ترفرف على الأكشاك، فى موكب عبر قطارات السكك الحديدية، وتملأ طاولات غرف الجلوس، بأغلفة ورقية خفيفة، مزخرفة، جذابة بألوانها وتصاميمها الخيالية، مرحبًا بها وممتنة مثل الفتيات فى ملابس الموسلين»

لم تكن القصة مهمة، كما تابع وارنر، طالما أن الرواية تأتى «مغطاة بملابس خفيفة- وخارجة من المشد، كما لو كانت»- استعارة للحرية والتحرر اللذين يقدمهما الصيف.

فى الواقع، جسدت رواية بلانش ويليس هوارد الأولى، «صيف واحد» «١٨٧٥»، التى لاقت رواجًا هائلًا، هذا النموذج الأصلى. 

تدور أحداث الرواية، التى تتناول قصة تحول العداوة إلى صداقة، فى مجتمع على ساحل ولاية مين، وتروى حكاية شابة مفعمة بالحيوية والاستقلالية، ترفض ببرود محاولات شاب للتقرب منها بعد لقاء محرج فى أمسية ممطرة «ظنها خادمة». 

ومع نهاية الصيف، يلتقيان مجددا فى بار هاربور، حيث تفصح أخيرًا عن حبها له، ويعلنان خطوبتهما.

على الرغم من أن العديد من روايات الصيف كانت عابرة كالموسم الذى احتفت به، فإنها لم تدم شعبيتها «أو على الأقل لم يتم الترويج لها» إلا لبضعة أشهر فقط. 

أما رواية «صيف واحد»، فقد ظهرت فى طبعات متتالية أو فى طبعات هدايا مصورة حتى القرن التالى. فى عام ١٨٧٦، بعد عام من نشرها الأول، طلبت مجلة «بابليشرز ويكلي» من بائعى الكتب تحديد رواياتهم الأكثر مبيعًا. 

احتلت «صيف واحد» مرتبة أدنى من رواية «جون هاليفاكس» «١٨٥٦» للكاتبة دينا مولوك كريك، التى حققت نجاحًا باهرًا، ورواية «جين آير» «١٨٤٧» للكاتبة شارلوت برونتى، ولكنها سبقت رواية «كوخ العم توم» «١٨٥٢» للكاتبة هارييت بيتشر ستو.

لقد تغيرت الحياة الأمريكية وأنماط الترفيه منذ القرن التاسع عشر، لكن القراءة الصيفية لا تزال جزءًا لا يتجزأ من ثقافة هذا الموسم. 

اليوم، توجه وفرة التوصيات على منصات مثل BookTok وBookTube وBookstagram «#SummerReading، #BeachReads» مجتمعات الكتب النابضة بالحياة نحو مجموعة واسعة ومتنوعة من الكتب الصيفية. 

تنتشر روايات الرومانسية بكثرة، وكذلك روايات الفانتازيا والخيال العلمى والإثارة. يقدم تطبيق TikTok قائمة قراءة صيفية سنوية لما يقرب من مليارى مستخدم نشط، وتسهم التوصيات الشفهية على منصات مثل Substack والبودكاست بشكل متزايد فى تشكيل تجربة القراءة الصيفية.

كما لاحظ كلايف بارنز، الناقد المعروف فى صحيفة نيويورك تايمز، فى ملحق خاص بالقراءة الصيفية فى يونيو ١٩٦٨: «القراءة الصيفية- كتمثال الحرية والأمومة- ترافقنا دائمًا». تشير نبرة بارنز إلى أنه لم يعتبر هذا تطورًا إيجابيًا. لكنّ أجيالًا من القراء الصيفيين والمؤلفين والناشرين سيخالفونه الرأى.