سوبر كايروكى.. باند «الراغبين فى الانتحار»
- «باند» مختلف ومتمرد يستقطب الباحثين عن «صوت عالى»
«يا صهبجية.. إيه يا لالالى..
عايزين شوية.. إيه يا لالالى
حبة آهات.. على ليل..
على عين.. على ترا لاللى..»
هل تعرف هؤلاء الصهبجية عزيزى القارئ.. يمكنك بسهولة أن تعرف ذلك الآن هية مجرد إشارة إلى ذلك الرجل الآلى الذى يسكن فى جهاز الموبايل «شات جى بى تى» وسيخبرك بأنها مدرسة غنائية مصرية وأفرادها يعدون حسب المؤرخ فكرى بطرس فى كتابه «أعلام الموسيقى والغناء العربى» هم أول فرقة غنائية ظهرت فى منتصف القرن الثانى عشر واستمرت حتى عام ١٨٩٠ وجميع أفرادها «أميون».
ما لم يقله فكرى بطرس.. وذكره آخرون من بينهم سليم سحاب أنهم لم يحترفوا الغناء يومًا.. كانوا أبناء مهن شعبية مختلفة ينتهون من يومياتهم الصعبة والمرهقة فى العمل ثم تجمعهم سهرة سرعان ما يبدأ أحدهم برفع جعارته بسطر غير موزون- هم لا يعرفون الشعر- ودون أى آلات مصاحبة- أكابلا يعنى- لتنطلق المجموعة تردد ما جادت به الليالى:
«جابوا رواية من حدا الكسبانى
تغزل حمولى للطحال الضانى
ويطلعوا منها الفراخ كتلة
زى الجاموس.. يطرح بلح حيانى»
هل يمكننى ذلك الوصف المدهش لرجل مجهول من فرقة «الصهبجية» طرح الجاموس «بلح حيانى» بأنها صورة شعرية حداثية ومبتكرة؟!
إذا ما كنت تعتبر أغانى كاريوكى.. أغنية حداثية مبتكرة فأنا أيضًا يمكننى ذلك!


فى بدروم إحدى العمارات بمنطقة مصر الجديدة- التى كانت جديدة وقتها- وبالتحديد عام ١٩٥٦.. اجتمع خمسة من شباب الحلمية وما جاورها.. يفكرون فى الورطة التى وجدوا أنفسهم فيها.. زعيمهم «مايكل بشارة»، الطالب بكلية الهندسة، الذى يدرس الطيران لم يكن يتوقع أن مسئولى النادى الاجتماعى الأشهر فى مصر وقتها «هليوبوليس» يطلبهم لإقامة حفل رأس السنة..
كانوا خمسة شبان جمعتهم محبة الموسيقى الغربية، بشارة وابن خالته أسعد قلادة، الطالب بالجامعة الأمريكية، الذى يعزف الجيتار، وعازف الدرامز «أوسكار كرياتى» والإيطالى «مارسليو لينجو».
وقتها كان حليم يغنى «على قد الشوق اللى فى عيونى يا جميل سلم» ويهاجمه رواد الغناء القديم فيمازحهم بـ«بغنى قديم وأنا إيه ذنبى».. فيما يبحث عبدالوهاب عن صيغة جديدة تمنحه لقبًا جديدًا من ثوار يوليو بعد أن حصل على كل الألقاب الملكية وتنازل عنها بعد توسط «الوكالة السعودية- السفارة حاليًا- حتى لا يتم حسبانه على «العهد البائد» ومثله فعلت أم كلثوم التى أعلنتها صراحة «يا جمال يا مثال الوطنية».
وقتها ظهر فى أمريكا وأوروبا ما يعرف بموسيقى الروك آند رول.. إيقاع سريع وغناء حاد وآلات كهربائية، واشتهر فريق إنجليزى بذلك النوع اسمه «بيل هيلى».. هذا الفريق أنقذ مايكل بشارة ورفاقه الذين لم يكن لديهم أغنيات خاصة يواجهون بها أبناء الجيل الجديد فى حفل مصر الجديدة.. فكان أن أنقذهم حسب المؤرخ مصطفى أبوشامة فى دراسته البديعة عن الفريق بـ١٢ أغنية كاملة أتى بها أحد أصدقاء «روبن جبرا».

الفريق الذى لم يكن له اسم بعد.. قرر أن يكون اسمه «سكاى روكيتس» فى إشارة إلى طائرة حديثة ظهرت وقتها اسمها «دوجلاس سكاى روكيتس» ونجح الحفل بشكل ساحق.. لينقل الفريق إلى كازينو «الشجرة» على كورنيش النيل، ومنه إلى كازينو عابدين وأوبرج الهرم والنايل هيلتون أحدث فنادق القاهرة وقتها.
تلك كانت بداية «الروك» التى مهدت الطريق لكل الفرق الموسيقية الشابة التى أعلنت التمرد على «اللحن الرسمى» وأولها «المعاطف السوداء» التى أسسها إسماعيل الحكيم نجل الكاتب الكبير توفيق الحكيم باسم «Black coats» عام ١٩٦٢ وكان مطربها الأساسى وعازف الجيتار واستمرت حتى وفاة مؤسسها فى عام ١٩٧٨.. وكان من بين أعضائها مجدى الحسينى وعزت أبوعوف والمغنى الأسمر الشهير طلعت زين- أصبح ممثلًا مطلع الألفية الجديدة.
بعدها بخمس سنوات فقط انفجرت ثورة الطلاب فى فرنسا ومنها إلى معظم دول أوروبا وفى أمريكا أيضًا رفضًا لحرب فيتنام.

تلك الثورة الطلابية خلقت تجمعاتها أنواعًا جديدة من الموسيقى سرعان ما وصلت إلى القاهرة التى كانت تغنى مع العندليب- شارة نهاية ذلك الحلم الناصرى:
«عدى النهار
والمغربية جاية
تتخفى ورا ضهر الشجر
وعشان نتوه ف السكة
شالت من ليالينا القمر
أبدًا.. بلدنا للنهار
بتحب موال النهار».
رفض الأبنودى وبليغ وحليم ذلك الليل.. وأقسموا أن بلادنا للنهار على طريقتهم، لكن الجيل الجديد كانت له لغة أخرى وموسيقى أخرى تشبه غضبه وتمرده وحلمه الجديد.
فكان أن ظهرت فرقة «القطط الصغيرة» (Les Petits Chats) على يد وجدى فرنسيس وكان من بين عازفيها عمر خيرت وعمر خورشيد وهانى شنودة.. لينفجر بعدها نهر الفرق الغنائية المتمردة، سواء التى ظلت تغنى موسيقى غربية خالصة أو موسيقى هجينة ما بين الشكل الموسيقى الغربى والكلمات العربية أو العربية الباحثة عن «وهم العالمية» لينقضى ذلك كله مطلع ثمانينيات القرن الماضى مع ظهور مطربى «الأغنية البديلة» ليعود مجددًا مع ظاهرة «موسيقى الأندر جراوند» التى ينتمى إليها فريق كايروكى، إحدى أهم ظواهر الغناء فى صيف ٢٠٢٦.


الزميل ولاء كمال أصدر كتابًا كاملًا عن «كايروكى» يستحق أن تعايشه كما عايش هو ذلك الفريق الذى أحدث صخبًا هائلًا فى نهاية ٢٠٢٦ فى أربعمائة يوم كاملة.. الكتاب صدر عن «المصرية اللبنانية» منذ عامين ليكشف كيف يعمل هذا الفريق لينتج أغنياته التى يعتبرها البعض أغنية جيل جديد فيما يعتبرها آخرون تمثيلًا صادقًا للأغنيات «البذيئة».
رحلة «كايروكى» نفسها من أغنيات قادمة من «تحت الأرض» تندد بحكم مبارك وزمنه إلى احتفاء جيل ما بعد يناير بها إلى ارتباط شبه وثيق بـ٣٠ يونيو وصولًا إلى مشاركة مؤسسها ومطربها فى حملات الدعاية لمؤسسة حياة كريمة ليجد نفسه متهمًا بالتخلى عن «الثورة» والبحث عن «التجارة».


تحتاج قصة أغنيات «الأندر جراوند» فى مصر إلى قراءة منفصلة.. لكننا الآن بصدد أحدث تجارب كايروكى الصادرة فى الثالث من أغسطس الحالى باسم «سوبر نوفا» وتضم اثنتى عشرة أغنية تصدرت بها قمة «الترند» حتى إنها أزاحت لوك عمرو دياب الجديد بعد أيام قليلة من صدورها.
المشاهدات وحدها لا تكفى لتجعلنا نبحث سر ذلك الدوى الهائل لهذه التجربة التى اعتبرها البعض «فتحًا» موسيقيًا فى مواجهة هرتلة غير متوقعة لنجوم «البوب المصرى»، فيما أرى باختصار شديد أنها «صدفة متوقعة» فرضها غياب الموسيقى الرسمية عن فهم المزاج المتغير لجيل جديد فى مصر يتعدى الأربعين مليونًا من الشباب التائه، الذى يجد كل ما أمامه غامضًا بدون أى خطة واضحة للمستقبل.. فى الوقت الذى تعانى فيه الشرائح الأخرى من الأكبر سنًا من ضغوط إصلاح اقتصادى غير مفهوم، مما يجعلهم أكثر قابلية لتلقف تلك الموسيقى الحزينة والكلمات المغرقة فى البؤس التى يضمها الألبوم، وفى مقدمتها الأغنية الأفضل فى الألبوم «مت ليه»، التى رحل صاحبها الشاعر ميدو زهير منذ أربع سنوات وهو فى منتصف الأربعينات، وهو أحد أهم أبناء تيار القصيدة الجديدة فى العامية المصرية..
«وبتسالينى مت ليه
كنت بجرى عايز أوصل
وانتى كنتى بلاد بعيدة
أيوه كنتى بلاد بعيدة
أنا كنت سامعك وانتى قولتى
كفر ف بداية القصيدة
انتى ليه مقتولة منى
غصب عنى
رغم إنى..
عايزة منى.. حنان.. بحن
عايز منى.. جنان بجن
وبتسألينى.. مت ليه؟!
السواد والقتامة وطلب الموت بديلًا مريحًا هى سمة غالبة فى أغنيات ألبوم كايروكى وهى معادل أكثر انضباطًا لكلمات أغانى المهرجانات التى تتحدث عن خيانة الأصدقاء والأقربين والزمن بشكل شعبى غير منضبط أيضًا.
لماذا تنجح هذه الأغنيات إذن؟
إذا كنت تريد أن تعرف فلتسمع ذلك الفيديو الترويجى الذى أطلقته الفرقة بشكل سينمائى واستخدمت فيه محمود سعد ومحمود عزب ولتقف قليلًا عند جملة قالها أمير عيد وهو يرد على محمود سعد معرفًا نفسه:
«أنا مش ملحن عند الملحنين
ومش مؤلف عند المؤلفين
ومش مطرب عند المطربين».

لقد لخص الرجل قصته وكشف عن سر نجاحه دون أن يدرى.. فهو مختلف باعترافهم الذى اعتبره إنكارًا ورفضًا لتجربته..
علميًا.. أمير عيد صوت محدود مهتز لا علاقة له بالطرب من قريب أو بعيد.. يغنى كلمات أقرب إلى الشعر، لكنها ليست شعرًا بالمقاييس الكلاسيكية للذين يعيشون فى زمن المتنبى وأحمد شوقى.. وهو مختلف أيضًا عن ملحمية الأبنودى وهندسة سيد حجاب وتشكيل مجدى نجيب وشعبوية أحمد فؤاد نجم.
كلمات أغنيات «أمير عيد» وفرقته يكتب أمير أغلبها.. لكنه يستعين بشعراء من أبناء تجربة قصيدة النثر فى العامية المصرية وأبرزهم فى هذا الألبوم «سوبر نوفا» مصطفى إبراهيم، الذى ارتبطت قصائده بأبناء يناير.. وميدو زهير ومحمد شافعى، والأخير هو الوحيد الذى يمارس احتراف كتابة الأغنيات بشكلها المعتاد..
ذلك الرفض.. من «الوسط الموسيقى» جعل عيد ينتج كما قال أغنية لا تبحث عن أن تكون «براند» لكنها تشبهه وتشبه حكايته.
«ولو الأيام.. غير الأيام
والدنيا غير الدنيا
انت كمان دلوقتى
زمانك واحد تانى
أو واحد تالت
أنا بكبر..
والعالم بيقولى اكبر
وأنا ساكت
بيقولى كل ده عادى
وأنا بكبر فى معادى»
هو جيل يشعر مع مصطفى إبراهيم أنه كبر فجأة.. لم يعش.. فيما يطلب منه العالم ألا يحزن أو ينتبه أو يعترض ليصل إلى ذروة مأساته
«ولقيتنى فى بحر الخايفين
تايه ووحيد
مش عارف أراجع مع نفسى
أنا مين
خايف من بكرة
وخايف اتغير»

حالة الخوف.. التى تلازمها حالة حيرة وشتات.. سمة يشعر بها الحالمون أكثر من غيرهم، لكنها سمة مشتركة للأجيال الجديدة عمومًا بعيدًا عن كونهم فقراء أو أغنياء.
ولذلك لا أجد غرابة أن يكون جمهور الساحل شريكًا فى الاحتفاء بأغنيات «كايروكى.. التى اختارت لألبومها اسمها مراوغًا: «سوبر نوفا» ومعناه باختصار «انفجار هائل للنجم قبل السقوط الأخير» فهل يشعر أمير عيد ورفاقه بأن هذه الموسيقى فى طريقها إلى «سقوط كبير»؟! أم أن المحتفين به يشعرون أن العالم من حولهم يذهب بقدميه وبجنون ساسته إلى ذلك السقوط الكبير؟!
البعض ممن تلقى الألبوم الجديد لأمير عيد اعتبر إحدى أغنياته قدحًا فى «عالم الساحل الشرير»؛ ولهذا استغرب من احتفاء الساحل به.. لكنهم أغفلوا احتفاء هؤلاء الصفوة بكل موسيقى مختلفة لمجرد الاختلاف..
«ما فيش شخصية
مفيش كاريزما
قلوب كئيبة
ووشوش مبتسمة
بس منور
والناس واقفة
تتصور».
الغريب فعلًا أنهم معًا.. العالمان بكل تناقضاتهما احتفلا على إيقاعات نفس الأغنية التى تمتدح السيارة اللادا الروسية حمالة الأسية وتذم وتسب «ترامب فاست فود»!
على كل حال.. كانت جرأة أمير عيد فى أغنياته التى بدأت منذ عام ٢٠٠٣. واستمرت لثمانية ألبومات متتالية وعشرات الحفلات التى بدأت واستمرت لسنوات بعيدًا عن أى احتفاء رسمى صنعت منه ومن فرقته «براند» مختلفًا ومتمردًا يستقطب الباحثين عن صوت «عال» فى لحظة يصمت فيها الجميع هربًا أو خوفًا من مجهول.
لم يغن عيد للرموش والعيون والنهود لم يضع إيقاعًا لاستقطاب رقصة ماضية.. لكنه يرقص أيضًا.. رقصًا هو أشبه للزار.. لا يعرف المنخرطون فيه ماذا تعنى كلمات الكودية التى تتعبد للجن الأحمر، لكنهم عندما ينتهون من رفضهم يشعرون براحة ما..
«وحدى بمشى فى كل سكة
والسكك ما بقتش سالكة
جوه منها الضلمة حالكة
رافضة مش قابلة بوصولى».