الأحد 23 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

المعلم الأول.. قواعد أحمد لطفى السيد فى الإصلاح والتجديد

حرف

- حفظ القرآن على يد «الشيخة فاطمة» فانحاز كثيرًا إلى المرأة وتعليمها وترقية أوضاعها

- نشر أفكاره ونسج من جاءوا بعده على هديها ما كتبوه وأضافوه إلى الفكر المصرى الحديث

- أعز مطلبًا وأعلى ثمنًا هو إرضاء العقول والقلوب وعقولنا وقلوبنا لا ترضى إلا بالحرية

- دخل لطفى السيد التاريخ من عدة أبواب وقُيّد فى سجل الخلود حيًا وميتًا

- أحمد لطفى السيد فشل فى الانتخابات لأنه كان يدعو إلى الديمقراطية ويرفض حكم الفرد الواحد!

فى كتابه «الإسلام والتجديد فى مصر» الذى صدر عن لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية فى العام 1935، يشير «تشارلز آدمس» إلى أن مدرسة حديثة ظهرت للإصلاح فى مصر، وهى المدرسة التى أسسها الأستاذ الإمام محمد عبده.

يميل «آدمس» إلى أن هذه المدرسة أثرت فى أجيال عديدة من بعد محمد عبده، ولم يتأثر بها رجال المؤسسات الدينية الرسمية فقط، ولكن كثير من الكتّاب والأدباء والروائيين والفلاسفة.

يرصد «تشارلز» ملامح مدرسة محمد عبده الإصلاحية. 

يقول عنها: كانت أقرب إلى حركة تسعى إلى تحرير الدين من أغلال الجمود، وتتجه إلى استكمال إصلاحات توفق بينه وبين مطالب الحياة العصرية المعقدة. 

تأسيسًا على عطاءات هذه المدرسة تعامل «آدمس» مع محمد عبده على أنه كان لمصر والإسلام نبى عهد جديد، ولم يخطئ- بالنسبة له- المؤرخون الذين وصفوه بأنه أحد مبدعى مصر الحديثة، ولا يجاوز هو الحق عندما يراه أحد مؤسسى الإسلام الحديث، وذلك لأن جهوده فى التوفيق بين أصول الإسلام وبين الآراء العلمية الغربية كان لها خطرها فى العالم الإسلامى أجمع. 

لا أختلف مع «تشارلز آدمس» فى قليل أو كثير مما ذهب إليه. 

لكن لا بد أن أضيف أن الإمام محمد عبده لم يكن هو الأستاذ المنفرد والمتفرد بالتأثير فى المجددين سواء من ينتمون إلى المدرسة الدينية أو هؤلاء العلمانيين الذين دخلوا إلى ساحة التجديد من مدارس مختلفة بعيدًا عن الدراسة الدينية الأكاديمية. 

كان هناك أستاذ آخر له نفس الأثر تقريبًا، ولا يمكن أن نتجاهل ما أحدثه من تأثير فى مسيرة الإصلاح والتجديد ليس فى الإسلام فقط، ولكن فى حركة الفكر العربى الحديث كلها. 

هذا الأستاذ هو أحمد لطفى السيد. 

يعرفه كثيرون بأنه «أستاذ الجيل»، والحق أنه «أستاذ الأجيال». 

وقبل أن نتوقف أمام أفكاره التى يمكننا التعامل معها على أنها كانت منهجًا كاملًا فى الإصلاح والتجديد بشكل عام، وليس الإصلاح الدينى فقط، فلابد أن نتوقف عند مسيرته التى هى نموذج لمسيرة أديب ومفكر وطنى من الطراز الأول.

فى فبراير من العام ١٩٦٢ صدر عن سلسلة كتاب الهلال لأحمد لطفى السيد كتابه «قصة حياتى».

كان عمر أستاذ الجيل وقتها تسعين عامًا، فهو من مواليد العام ١٨٧٢، وتوفى بعد صدور الكتاب بعام واحد فى ١٩٦٣.

فى ١٥ يناير من العام ١٩٦٢- وهو ذكرى مولده- كان الكاتب الصحفى طاهر الطناحى يزور لطفى السيد لتهنئته بعيد مولده.

ويذكر الطناحى أنه زار لطفى السيد قبل ما يقرب من ١٢ عامًا فى نفس اليوم، وسأله عن أكبر أمنياته لوطنه مصر.

قال لطفى السيد: أتمنى لمصر أمنيتين:

الأولى أن تُرفع عنها معاهدة سنة ١٩٣٦ التى أصبحت غير ذات موضوع، وأن يتحقق لها الجلاء التام، ويتوطد الاستقلال، ويصان من كل نقص وعبث وريبة، فإن مصر لن يصلح لها حال، أو يستقر فيها نظام ما دامت هذه المعاهدة قائمة.

الأمنية الثانية بالنسبة لىّ كانت أهم. 

يقول لطفى: أما الأمنية الثانية فهى أن يكون هذا العام «١٩٥٠» عام الأعمال لا عام الأقوال، وعام إصلاح لا عام نقاش وجدل، فإن الجدل والمنازعات تؤخر الشعوب، ولنتذكر ما قاله عمر بن الخطاب: إذا غضب الله على قوم سلط عليهم الجدل، ومنعهم العمل. 

هذه الأمنية فى الحقيقة ينبغى أن تكون أمنيتنا المتجددة، فلن ينصلح حالنا إلا بالعمل، بعيدًا عن الجدل والنقاش الفارغ الذى لا يفيد، وأعتقد أن لطفى السيد لو أطل علينا الآن لتجددت أمنيته بصورة أكبر، بعد أن أصبح الجدل هو اللغة الوحيدة التى نجيدها فى زمن السوشيال ميديا والتواصل الاجتماعى.

 حياة لطفى السيد مرحلة مهمة من مراحل التاريخ المصرى الحديث فى الميادين السياسية والاجتماعية والعلمية

أوحى الحديث الذى دار مع لطفى السيد لطاهر الطناحى بفكرة أن يطلب منه أن يروى له قصة حياته. 

يقول الطناحى: كنت أهدف إلى غرضين: 

الأول أن حياة لطفى السيد مرحلة مهمة من مراحل التاريخ المصرى الحديث فى الميادين السياسية والاجتماعية والعلمية، فقد أسهم فى توجيه السياسة المصرية والحياة الاجتماعية، والتربية والتعليم فى مصر توجيهًا وطنيًا وقوميًا كان له أثره العظيم فيما وصلت إليه مصر من استقلال تام وحرية كاملة وتقدم فى التعليم، وتحقيق لحرية العلم بإنشاء الجامعات. 

والثانى أن قصة حياته تقدم لهذا الجيل الحاضر صورة صادقة عن الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية فى الجيل الماضى، وتكشف عن الأحداث الكبرى التى شهدها بنفسه، وكان له فيها مساهمة واضحة، كما تقدم لنا نماذج حية عن الأدوار التى قام بها زملاؤه فى الجهاد الوطنى والخدمات العامة فى ذلك الحين.

عندما نتصفح كتاب «قصة حياتى» مع طاهر الطناحى الذى أشرف على إعداده ونشره، سنجده يبدأ بنشأة أحمد لطفى السيد فى قريته «برقين» من أعمال مديرية الدقهلية بين أهله وأسرته، وقد روى فى هذا الكتاب كيف بدأت حياته وتعليمه فى هذه القرية، وكيف انتقل منها إلى المدارس النظامية فى سن العاشرة، وكيف طوى مرحلة التعليم الابتدائى فى مدرسة المنصورة، ومرحلة التعليم الثانوى فى المدرسة الخديوية، ثم كيف قضى دراسته فى مدرسة الحقوق حتى حصل على شهادة الليسانس سنة ١٨٩٤، وكيف بدأ اشتغاله بالسياسة وهو طالب فى الحقوق، ثم كيف اشتغل بوظيفة «وكيل نيابة» فترة قصيرة من حياته، استقال بعدها، وعمل بالمحاماة فترة أقصر منها زهدته فى هذه المهنة، وصرفته إلى الجهاد السياسى، وممارسة الصحافة كرئيس لتحرير صحيفة «الجريدة». 

فى هذه الصحيفة التى عاشت من ٩ مارس سنة ١٩٠٧ إلى ٢٠ سبتمبر سنة ١٩١٤ كان له دور عظيم فى توجيه السياسة الوطنية توجيهًا جديدًا.

فى مقاله الافتتاحى بالعدد الأول من جريدة «الجريدة» كتب أحمد لطفى السيد مبشرًا بمنهجها وغايتها. 

يقول: ما الجريدة إلا صحيفة مصرية، شعارها الاعتدال الصريح، ومراميها إرشاد الأمة المصرية إلى أسباب الرقى الصحيح، والحض على الأخذ بها، وإخلاص النصح للحكومة والأمة بتبيين ما هو خير لها وأولى، تنقد أعمال الفرد وأعمال الحكومة بحرية تامة، أساسها حسن الظن من غير تعرض للموظفين والأفراد فى أشخاصهم أو أعمالهم التى لا مساس لها بجسم الكل الذى لا ينقسم وهو الأمة. 

وعندما سأل الطناحى أحمد لطفى السيد فى جلسته معه: لو عدت إلى الشباب فأى الأعمال تختار؟ 

أجاب أستاذ الجيل: أختار الصحافة، لأنى أحبها، ولأنها الأداة التى يمكن أن تحمل ما أريد أن أبلغه للجماهير، ولأنها مرآة الرأى العام، تظهر عليها صورته ولونه، وهى مقياس لدرجات الأخلاق فى الأمة، ومعرض لحياتها الذاتية والاجتماعية والثقافية والتقدمية، وترى فيها المبادئ الصالحة التى تحجب فى أدمغة المفكرين، والعواطف التى تنطوى فى الصدور، فما أصدق هذه المرآة الصافية فى تحصيل الصورة الصادقة للرأى العام، وما أبلغها فى توجيه الأمة إلى الكمالات، وإلى ما ينبغى لها من سؤدد ورقى.

لم يحصل أحمد لطفى على لقب «أستاذ الجيل» من فراغ. 

فقد كان له إسهام حركى واضح فى الجهاد ضد الإنجليز، ويروى لنا كيف جرى ذلك من خلال حديثه عن الجمعية السرية التى أسهم فى تأسيسها. 

يقول: أتممت الدراسة سنة ١٨٩٤ وحصلت على شهادة ليسانس الحقوق، فعُينت فى صيف ذلك العام أنا وجميع زملائى كتبة فى النيابة بمرتب خمسة جنيهات فى الشهر، وكان تعيينى فى هذه الوظيفة لأول مرة بالقاهرة، ثم نُقلت إلى الإسكندرية، فمكثت بها أشهرًا، عينت بعدها سكرتيرًا للأفوكاتو العمومى حسين باشا عاصم، ثم انتدبت معاونًا للنيابة فى بنى سويف، وسرنى ذلك لأنى وجدت بها صديقى عبدالعزيز فهمى باشا وكيل النيابة وقتئذ. 

فى بنى سويف بدأت الفكرة. 

يقول لطفى: أقمنا معًا- هو وعبدالعزيز فهمى- فى هذه المدينة، وكنا نفكر فى حالة مصر، وما تعانيه من الاحتلال البريطانى، وفى ذلك العام أنشأنا جمعية سرية غرضها تحرير مصر. 

كانت هذه الجمعية مؤلفة من عبدالعزيز فهمى وأحمد طلعت وحامد رضوان ومحمد بدرالدين وعبدالحليم حلمى، ولطفى السيد، وانضم إليها، كذلك، على بهجت ومحمد عبداللطيف الذى كان صيدليًا بطنطا. 

وذات يوم وكان لطفى بالقاهرة بعد تأليف الجمعية، التقى بمصطفى كامل، فقال له: الخديو عباس يعلم كل شىء عن جمعيتكم السرية وأغراضها، وأظن أنه لا تنافى بينها وبين أن تشترك معنا فى تأليف حزب وطنى تحت رياسة الخديو. 

رد عليه لطفى السيد: لا مانع عندى من ذلك. 

قابل لطفى السيد الخديو عباس، وتحدث معه عن أغراض الحزب الذى يريد تأليفه، وطلب منه الخديو أن يسافر إلى سويسرا لكى يكتسب الجنسية السويسرية، ثم يعود إلى مصر ليحرر جريدة تقاوم الاحتلال البريطانى، والسبب فى اختيار سويسرا دون أى دولة أن التجنس بجنسيتها قريب المنال، ولا يكلف الراغب فيه إلا إقامة سنة واحدة بها. 

بعد أن خرج لطفى السيد من مقابلة الخديو اجتمع مع مصطفى كامل ومعهما بعض زملائهما فى منزل محمد فريد، وألفوا الحزب الوطنى كجمعية سرية رئيسها الخديو. 

أحمد لطفى السيد فى حفل بمنزل الشاعر أحمد شوقى
أحمد لطفى السيد فى حفل بمنزل الشاعر أحمد شوقى

إلى جانب جهاده السياسى أسهم لطفى السيد فى تأسيس جامعة القاهرة، وكذلك تأسيس مجمع اللغة العربية، وأسهم بكتاباته فى جريدة «الجريدة» فى وضع أسس كثير من أصول الإصلاح فى الحياة المصرية، وهى المقالات التى تم جمعها بعد ذلك فى كتب «المنتخبات» و«التأملات فى الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع»، و«صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية فى مصر». 

فى تكوين أحمد لطفى السيد ملمح مهم توقفت عنده. 

هذا الملمح هو أحد روافد تكوينه عندما كان لا يزال طفلًا. 

يحكى هو فى كتابه «قصة حياتى» عن والده السيد باشا أبوعلى عمدة قرية «برقين» الذى كان يجيد حفظ القرآن الكريم كله، وعُرف بشخصيته المهيبة وقوة شكيمته وعدالته فى معاملته، وعطفه على أهل قريته وغيرهم. 

يقول لطفى: لما بلغت الرابعة من عمرى أدخلنى أبى كُتاب القرية، وكانت صاحبته سيدة تُدعى «الشيخة فاطمة»، فمكثت فيه ست سنوات تعلمت فيها القراءة والكتابة، وحفظت القرآن كله، وإلى هذه السيدة يرجع فضل تنشئتى الأولى فى تلك السنين. 

لا يحدثنا لطفى السيد كثيرًا عن الشيخة فاطمة، ولا عن الأثر الذى تركته فى شخصيته، ولكننا نستطيع أن نرصد هذا الأثر من انحياز أستاذ الجيل إلى المرأة، وحرصه على تعليمها وترقية أوضاعها، فكأنه كان يرد بذلك الجميل إلى السيدة الأولى التى كان لها الفضل فى تعليمه حروف القراءة والكتابة. 

حفظ لطفى السيد القرآن الكريم كاملًا، وهو لا يزال فى العاشرة من عمره، وكان طبيعيًا أن يدرس فى الأزهر، لكن هذا لم يحدث، فقد كتب له القدر طريقًا آخر. 

يقول: رغب والدى فى أن يبعثنى للدراسة فى الأزهر، وصادف فى ذلك الوقت أن جاء يتغدى عندنا إبراهيم باشا أدهم- مدير الدقهلية- فدخلت لتحيته، فسأل والدى إلى أين يبعث بى للدراسة، فأجاب والدى إلى الأزهر الشريف إن شاء الله، فأشار عليه أن يبعث بى إلى مدرسة المنصورة الابتدائية، وكانت المدرسة الحكومية الوحيدة فى الدقهلية كلها، وكان بالمدرسة قسم داخلى، فالتحقت بالسنة الثانية بامتحان، لأنى كنت عدا حفظى للقرآن الكريم أعرف قواعد الحساب الأربعة، وسورة «الفدان» من صراف بلدنا المعلم حنين، وكان يلبس جبة وقفطانًا. 

وهنا يمكن أن نتوقف عند المعلم حنين الذى ارتبط به الطفل أحمد لطفى السيد، فهو المسيحى الذى تعلم منه، ويذكر لنا- على سبيل الفكاهة- أن أحدهم سأل حنين يومًا عن رئيس الوزراء «نوبار» باشا، فقال له: قول لى يا معلم حنين.. نوبار باشا مسلم؟ فأجابه خبثًا أو بسلامة نية: نعم.. مسلم وموحد بالله. 

هذه العلاقة تركت فى نفس وروح أحمد لطفى السيد مساحة كبيرة من التسامح الدينى، جعلته ينظر إلى المصريين على أنهم مواطنون، لا على أنهم مسلمون ومسيحيون. 

كان هناك رافد مهم جدًا فى تكوين شخصية أحمد لطفى السيد، وهو الرافد الذى جاءه من علاقته بجمال الدين الأفغانى وتلميذه الشيخ محمد عبده. 

فى كتابه «قصة حياتى» يحكى لنا لطفى السيد عن علاقته بهما: 

تعرف لطفى السيد على جمال الدين الأفغانى فى صيف العام ١٨٩٣ عندما كان يزور الأستانة. 

يقول: مررت بأحد مقاهى الأستانة، فلقيت فيها بعض المصريين، وفيهم سعد زغلول بك، وكان وقتئذ قاضيًا بالاستئناف، والشيخ على يوسف، وحفنى بك ناصف، وقد تأهبوا لزيارة السيد جمال الدين الأفغانى، فصحبتهم إلى منزله. 

كان لطفى السيد يعرف طرفًا من حياة الأفغانى، لكنه لم يكن قد اجتمع به من قبل، رغم أنه كان قد ذاع صيته فى الشرق الإسلامى كمصلح دينى وفيلسوف جليل وسياسى خطير، وعلى يديه نبغت طائفة من العلماء وكبار الكتّاب فى القطر المصرى. 

يقول لطفى عن انطباعه عن الأفغانى عندما قابله: أظهر ما رأيته فيه سعة الاطلاع وقوة الحجة والإقناع، فكان يستوى فى مجلسه الطالب مثلى وأساتذته الحاضرون.

فى اليوم التالى للمقابلة أخبر لطفى سعد زغلول بأنه يريد أن يتتلمذ على يد الأفغانى، وسأله عن السبيل إلى ذلك، فأجابه: اذهب إليه واطلب منه ذلك. 

يقول لطفى: أهم ما أظن أنى انتفعت به من السيد جمال الدين الأفغانى فى تلك المدة أنه وسّع فى نفسى آفاق التفكير، وهدانى إلى أن المرء لا يستطيع أن يربى نفسه إلا إذا حاسبها آخر كل يوم على ما قدمت من عمل، وما لفظت من قول، وما خطر لها من خاطر. 

ويشير لطفى إلى أن الأفغانى كان يقدر تلميذه الشيخ محمد عبده، وإذا ذكر اسمه فى مجلسه أعرب عن احترامه له، وتقديره لذكائه وعلمه، وكان يعيب على المصريين تخاذلهم وتفرقتهم ونزاعهم وسط ما يلم بهم من الحوادث الجسام، ويردد قوله: اتفق المصريون على ألا يتفقوا. 

هذا التكوين الاستثنائى دفع أحمد لطفى السيد إلى أن يخوض العمل السياسى والفكرى بروح وثابة، فبدأ ينشر أفكاره الإصلاحية التى نسج من جاءوا بعده على هديها ما كتبوه وأضافوه إلى الفكر المصرى الحديث. 

كان لطفى السيد رائدًا فى طرح فكرة استقلال مصر كبداية لأى إصلاح. 

فخلال مسيرته سنجد لديه الأساس الأول للإصلاح، وهو أن تكون مصر دولة مستقلة تمامًا، فالاستقلال عنده هو مفتاح التقدم وسر التطور.

ففى الوقت الذى كان فيه الزعيم مصطفى كامل يجاهد لاستقلال مصر التام، إلا أنه كانت لديه نزعة عثمانية، كان يرى أن مصر يمكن أن تستقل لكن تحت راية الخلافة الإسلامية، لكن لطفى السيد كان يرى استقلال مصر بعيدًا عن أى دولة أخرى.

لنسمعه وهو يقول: إن علينا نحن المصريين أن نترك فرنسا وإنجلترا والدولة العلية، ولا نعير سياسة الخلاف أو سياسة الوفاق أى أهمية، وعلينا أن نعتمد على أنفسنا فقط فى الحصول على حقنا فى الدستور وحقنا فى الحرية.

ويضيف: ولا بد لنا من ذلك ومن عزة تربأ بنا أن نطلب من غيرنا أن يأتى ليحرر نفوسنا من الرق، وقلوبنا من عبادة القوى، كأننا نبتغى أن يأتينا الاستقلال ونحن نيام. 

ويعزز أحمد لطفى السيد هذه الرؤية بما يكتبه فى مقالاته بجريدة «الجريدة». 

فى ١٦ يناير ١٩١٣ يكتب أحمد لطفى السيد تحت عنوان «المصرية» ما يمكننا اعتباره تعريفًا كاملًا ومكتملًا لمعنى أن تكون مصريًا، وهو المعنى الذى يمكن أن يجد لدينا صدى الآن، كتب يقول: 

سُئل أحد علمائنا البلغاء فقيل له: ما المصرى؟ 

فقال: المصرى هو الذى لا يعرف له وطنًا آخر غير مصر، أما الذى له وطنان يقيم فى مصر ويتخذ له وطنًا آخر على سبيل الاحتياط، فبعيد عليه أن يكون مصريًا بمعنى الكلمة.

كان من السلف من يقول بأن أرض الإسلام وطن لكل المسلمين، وتلك قاعدة استعمارية ينفع التحدى بها كل أمة مستعمرة تطمع فى توسيع أملاكها ونشر نفوذها كل يوم فيما حواليها من البلاد، تلك قاعدة تتمشى بغاية السهولة مع العنصر القوى الذى يفتح البلاد باسم الدين، ويحب أن يكون أفراده كاسبين جميع الحقوق الوطنية فى أى قطر من الأقطار المفتوحة، ليصل بذلك إلى توحيد العناصر المختلفة فى البلاد المختلفة حتى لا تنقض أمة من الأمم المفتوحة عهدها ولا تتبرم بالسلطة العليا ولا تتطلع إلى الاستقلال بسيادتها على نفسها، أما الآن وقد أصبحت أقطار الشرق غرضًا لاستعمار الغرب، وانقطع أمل هذه الأمم الشرقية فى الاستعمار ووقفت أطماعهم عند حد المدافعة لا المهاجمة، والاحتفاظ بسلامة كل أمة فى بلادها من أن تمحى جنسيتها ويفنى وجودها، فإن أكبر مطمع لكل أمة شرقية هو الاستقلال.

أما الآن والحال كذلك فقد أصبحت هذه القاعدة لا حق لها من البقاء، لأنها لا تتمشى مع الحال الراهنة للأمم الإسلامية وأطماعها، فلم يبقَ إلا أن يحل محل هذه القاعدة المذهب الوحيد المتفق مع أطماع كل أمة شرقية لها وطن محدود، وذلك المذهب هو مذهب الوطنية.

على هذا النظر، يجب أن نقرر أن المصريين هم أهل هذا القطر المصرى الأصليون، وكل عثمانى أقام فيه على سبيل القرار واتخذه وطنًا له دون غيره من الأوطان العثمانية الأخرى، وليس هذا المذهب جديدًا، بل هو مذهب القانون المصرى من زمن طويل.

هؤلاء المصريون من حقهم أن يكون لهم الانتفاع بمصر أولًا وبالذات، وعليهم الواجبات القومية المكتوب منها فى القوانين والمفروض بالعرف، عليهم أن تكون محبتهم لها خالصة من كل إشراك، وتفانيهم فى خدمتها بعيدًا عن أى اعتبار آخر، عليهم أن تدل أقوالهم وأعمالهم على أنهم لا دار لهم إلا مصر ولا عشيرة لهم إلا المصريون، أولئك هم المصريون، إلا الذين يظنون أن مصر مستغل وقتى يستغلونه، لهم غنمه وليس عليهم غرمه، أو الذين يتمثل الوطن فى عقولهم بصورة تجارية لا يخالطها أثر من آثار العواطف القومية، أولئك يصعب على مصر أن تتخذهم أبناءها وتلقى على كواهلهم همها فى الحاضر وأطماعها فى الاستقبال.

لا يفهم مما أقول أننا ندعو إلى التفريق بين العناصر المؤلفة لكتلة السكان المصريين، بل على ضد ذلك ندعو للجامعة المصرية كما دعونا لها من قبل، ندعو الذين يتبرمون بالجنسية المصرية التى كسبوها بالإقامة فى مصر، أن لا يفروا بأحاديثهم وبأعمالهم من الانتساب إلى هذه الجنسية الشريفة، يقيمون بأجسامهم فى مصر وعقولهم وقلوبهم تتجه غالبًا خارج حدودها إلى الأوطان التى ضنت عليهم بخيرها ولفظتهم من أرضها، ندعوهم أنهم ما داموا مصريين أن يقطعوا ميولهم عما عدا مصر، لأن الوطنية- وهى حب الوطن- لا تقبل الشرك، ولأن الرقى المصرى محتاج لعقولهم الراجحة وسواعدهم القوية.

كانت رؤيته الخالدة: مصريتنا تقضى علينا أن يكون وطننا هو قبلتنا لا نوجه وجهنا شطر غيره

سيقولون: إننا بما نقرر لا نأتى بشىء جديد، ولكننا نذكر الأوليات الوطنية التى يجب أن نكون قد فرغنا من أمرها من زمان طويل، ونعم ونحن نقول ذلك مع القائلين، ولكن هذه الأوليات الوطنية لا تزال مع الأسف غير معمول بها، لدينا منها مثال شائع جدًا يدل فى عمومه على نقص إدراك الوطنية المصرية وانحطاط فى المطامع المصرية، فلو رجع كثير منّا إلى أنفسهم ونظروا فى أعماق ضمائرهم وراجعوا ما يقولون فى مجالسهم وتدبروا أعمالهم، لرأوا أن بعضنا لا يزال يحب الانتساب إلى بلاد العرب أو إلى سوريا أو إلى تركيا دون مصر، وهذا الميل يبين فى القول ويتجسم فى العمل، فمن ذا الذى يستطيع أن يسمى هذا الميل ونتائجه وفاء لمصر؟ ومن ذا الذى يستطيع من غير تسامح أن يسمى من يحبون غير مصر مصريين؟

مصريتنا تقضى علينا أن يكون وطننا هو قبلتنا لا نوجه وجهنا شطر غيره، ويسرنا أن هذه الحقيقة شائعة فى الأكثرية المصرية، لأن هذا الشيوع سيوشك أن يعم جميع المصريين من غير استثناء. 

وها هو يقول: إن أول معنى للقومية المصرية هو تحديد القومية الوطنية- نريد الوطن المصرى- والاحتفاظ بها والغيرة عليها غيرة التركى على وطنه، والإنجليزى على قوميته، لا أن نجعل أنفسنا وبلادنا على المشاع وسط ما يسمى بالجامعة الإسلامية، تلك الجامعة التى يوسع بعضهم معناها فيدخل فيها أن مصر وطن لكل مسلم.

ويقول: إذا كان معنى الجامعة الإسلامية مقصورًا على وجوب ائتلاف بين أمة وجارتها على المعاونة المتبادلة وعلى الارتقاء، فذلك حسن مفهوم، بشرط أن يكون العقد متبادل المنفعة لا مقصورًا على أحد الطرفين دون الآخر.

ويقول أيضًا: يجب ألا نقع فى حبائل الوهم القديم الذى كان يراود أدمغتنا الوقت بعد الوقت، إذ كان يزين لنا مرة أن فرنسا ستحرر بلادنا، ومرة أن الدولة العلية ستقوى، وبحقنا عليها تسفك دماء أبطالها لتخرج الإنجليز من بلادنا، ثم هى بعد ذلك تتركنا لأنفسنا أحرارًا نتصرف كما نشاء، إن من الواجب أن نبعد بالأمة عن هذه الخيالات الكاذبة، ونوجهها إلى أن تنمى فى نفسها عقيدة الاستقلال.

كان هناك من يدعم فكرة الجامعة الإسلامية، وانتظام المسلمين جميعًا تحت خلافة، لكن لطفى السيد تنبه إلى ذلك مبكرًا، وقد تصدى لهذه الفكرة بالمنطق. 

لنقرأ ما كتبه فى «قصة حياتى»، يقول: علمنا التاريخ وطبائع البشر أنه لا شىء يجمع بين الناس إلا المنافع، فإذا تناقضت المنافع بين قلبين استحال عليهما أن يجتمعا لمجرد قرابة فى الجنسية، أو وحدة فى الدين، وإن أبلغ مثال على ذلك هو انشقاق المسلمين على أنفسهم فى خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب مما هو مشهور ومأثور، وإن أحسن ما قرأنا فى الجامعة الإسلامية هو ما ذكره الأستاذ براون فى خطبته التى ألقاها فى جامعة «كمبردج» سنة ١٩٠٣ وأبان فيها أن الجامعة الإسلامية هى خرافة ابتدعها دماغ مكاتب التيمس فى فيينا. 

قال الأستاذ براون: إنه ليس من السهل تعريف مسمى «البانيسلامزم» بعبارة تنطبق على المثل العربى المشهور «خير الكلام ما قل ودل»، ومع الأسف إننى استشرت أحد أصدقائى المسلمين فى هذا الموضوع، فعرّفنى معنى «بانيسلامزم» بلا تردد فى بضع كلمات، وهى أنها خرافة خلقها دماغ مكاتب التيمس فى فيينا. 

وفى الكتاب التذكارى الذى أصدره المجلس الأعلى للثقافة فى العام ١٩٨٦ عن أحمد لطفى السيد، يخبرنا الدكتور يحيى هويدى مقرر لجنة الفلسفة، بأن لطفى السيد فى معارضته لفكرة الجامعة الإسلامية لم يكن مدفوعًا فقط بأسباب قومية، بل كان يخشى كذلك أن الإنجليز قد يستغلونها لتقوية نفوذهم السياسى فى مصر بحجة أن انتشارها من شأنه أن يؤدى إلى قلق نفوس الأوروبيين، مما يؤدى إلى التذرع باستمرار الاحتلال، ومن الممكن أيضًا أن يؤدى انتشارها إلى الزعم بأن الإسلام دين للتعصب أو للعصبية، الأمر الذى يمكن أن يستغله الاستعمار فى تأليب عواطف إخواننا المسيحيين وفى إيذاء شعورهم، مع أن المشاهد أن الأقباط فى مصر يعيشون مع المسلمين مختلطين فى المصالح والمساكن، متكاتفين فى المزارع والأعمال، متجاورين على مقاعد المدارس، متشاركين فى الوظائف والمرافق، ولم يسمع من زمان بعيد أن المسلمين الذين أمرهم الدين بحسن المعاملة وهاج هائجهم على إخوانهم أو ما ظهروا يومًا بما يقتضيه وجود التعصب الدينى فى النفوس من الحقد الذى يقدح زنده الاشتراك فى المصالح. 

ويضيف هويدى: إن الشعار الذى رفعه لطفى السيد «مصر للمصريين» كان يعنى فيما يعنيه أن مصر للمصريين، المسلمين والأقباط معًا، هذا فضلًا عن أن ارتماء مسلمى مصر فى أحضان تركيا قد يشجع أقباطها على الارتماء فى أحضان الحبشة مثلًا. 

نحن المصريين نحب بلادنا ولا نقبل مطلقًا أن ننتسب إلى وطن غير مصر

وفى هذا يقول لطفى السيد: هل من يقول لى إن هناك قبطيًا يفضل منفعة الحبشة على منفعة مصر، أى على منفعته هو؟ وهل من يقول لى بأن مسلمًا مصريًا يفضل منفعة تركيا على منفعة مصر، أى على منفعته هو؟ لقد نزلت الأديان لمنفعة الناس، فلا يحل لنا أن نجعلها تناقض تلك المنفعة، بل يجب علينا أن نوفق بينها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. 

ويقول لطفى: إن المصرى هو الذى لا يعرف له وطنًا غير مصر، ومصريتنا تقضى علينا أن يكون وطننا هو قبلتنا لا نوجه وجهنا شطر غيره. 

ويقول أيضًا: نحن المصريين نحب بلادنا ولا نقبل مطلقًا أن ننتسب إلى وطن غير مصر مهما كانت أصولنا حجازية أو بربرية أو تركية أو شركسية أو سورية أو رومية، وإنه ليسرنا أن هذا الفهم قد أصبح عامًا فى الأمة بعد أن اعتقد الناس أن رقى مصر لا يجيئها من الخارج، بل هو نتيجة عمل أبنائها، وأن الاتكال على غير المصريين فى حل المسألة المصرية لمصلحة مصر ضرب من العبث. 

وينفى لطفى السيد تهمة التعصب عن الإسلام. 

يُحدثنا فى كتابه «قصة حياتى» عن ذلك تحت عنوان «التعصب الدينى». 

يقول: الدين الإسلامى يأمر بالتعاون والتعاضد والائتلاف بين أفراد الأمة، كما يأمر بالعدل والإحسان، ويوصى خيرًا بالمتحالفين معه من أهل الأديان الأخرى على الصور المستفيضة فى الفقه، وليس من مبادئه مطلقًا التعصب الشائن، وأهل الدين الواحد يوجد بينهم بحكم وحدة الاعتقاد حب ومعاونة، تختلف وجوه استعمالها باختلاف الصور العديدة التى تصورها لهم أفهامهم فى الدين، وأن هذه الجاذبية الدينية تماثل الجاذبية التى تولدها وحدة العنصر أو وحدة اللغة، ونظن أن الأوروبيين لم يقصدوا يومًا بالتعصب هذه الجاذبية بوجه ما، ولكنهم يقصدون بالتعصب الدينى معنى عدائيًا هو التحرش بغير المسلمين وحضارتهم، والتربص بهم فلا يبقون عليهم. 

ويضيف لطفى السيد: وهذا المعنى لا أصل له فى الدين، كما لا أصل له فى نفوس المسلمين الذين كل جنايتهم أمام أوروبا أنهم أخذوا يفكرون فى أن ترقى عقولهم بالتعليم ونفوسهم بالحرية، وأن يدفعوا بجميع الطرق السلمية كل مبدأ وقوة تعمل على الحيلولة بينهم وبين ما يشتهون من الرقى العقلى ليسابقوا غيرهم فى الحياة المدنية، وأنهم يتعلمون الآن من الأوروبيين، فكيف يمكن أن يضمروا لهم ما يتجنى به هؤلاء عليهم ليبعدوهم عن كل مدينة، وليسهلوا لأنفسهم دوام الاستفادة منهم دون أن يفيدوهم، أظن أن وجه المسألة على هذه الصورة مقلوب الوضع، وأن المسلمين هم أولى بأن يتهموا الأوروبيين بالتعصب، ولكنهم لا يريدون ولا يستطيعون. 

ويقول: التعصب الدينى شعور لا يمكن للمنصف أن يحكم بوجوده إلا بآثاره، ومن المشاهد أن الأقباط فى مصر يعيشون مع المسلمين مختلطين فى المصالح والمساكن، متكاتفين فى المزارع والأعمال، متجاورين على مقاعد المدارس متشاركين فى الوظائف والمرافق، ولم يسمع من زمان أن المسلمين الذين قد أمرهم الدين بحسن المعاملة هاج هائجهم على إخوانهم أو أظهروا يومًا بما يقتضيه وجود التعصب الدينى فى النفوس من الحقد الذى يقدح زنده الاشتراك فى المصالح. 

ويدلل لطفى السيد على نفى التعصب عنّا بقوله إن من المشاهد أن الرومى يجىء به طلب الرزق إلى مصر منفردًا، يدخل إحدى قراها البعيدة عن مراكز الحكومة فيتزلف إلى كبار أهلها فيفسحون له فى مساكنها ملجأ يأوى إليه، فلا يزال بتجارته الرابحة من بيع الزيتون والجبن بأضعاف القيمة بثمن آجل حتى يصبح ذا مال يقرضه إلى الفلاحين بالربا الفاحش، ولا يلبث على هذه الحال قليلًا من الزمان إلا هو دائن لأغلب أهل البلد ينزع ملكية أرضهم ويستخدمهم فيها عمالًا بسطاء، وكل هذا لم يحرك فى نفوسهم ذلك التعصب الدينى الموهوم. 

 

لم يكن الاستقلال ليكتمل عند أحمد لطفى السيد إلا بقضيتين أساسيتين: 

الأولى هى قضية الحرية. 

ومن أشهر ما قاله عنها: لو كنا نعيش بالخبز والماء لكانت عيشتنا راضية وفوق الراضية، لكن غذاءنا الحقيقى الذى به نحيا، ومن أجله نحب الحياة، ليس هو إشباع البطون الجائعة، بل هو غذاء طبيعى أيضًا، ولكنه كان دائمًا أرفع درجة، وأصبح اليوم أعز مطلبًا وأعلى ثمنًا، هو إرضاء العقول والقلوب، وعقولنا وقلوبنا لا ترضى إلا بالحرية.

ويقول: أعجب من الذى يظن الحياة شيئًا والحرية شيئًا آخر، ولا يريد أن يقتنع بأن الحرية هى المقوّم الأول للحياة، ولا حياة إلا بالحرية.

ويقول: إن ميل الناس إلى تحصيل الحرية أمر طبيعى، ولكن الحرية لا تكتسب قيمتها حقًا إلا بالممارسة والاستعمال، أى بعدم تعطيلها، إذ إن الحرية المعطلة عن الاستعمال تكون فى حكم المفقودة.

ويضيف لطفى السيد: الحرية كقيمة من القيم ليست فى حقيقتها إلا سلوكًا فكريًا، ينبغى أن يشيع فى أبناء الأمة كلهم، ويولّد لديهم تلك الشجاعة الأدبية التى يحتاجها الناس فى المطالبة بحقوقهم، وبخاصة إذا كانت هذه الحقوق حقوقًا عامة وليست شخصية، وهذه الحرية باعتبارها قيمة من القيم هى التى ينبغى أن يكتسبها المتعلمون من وراء تحصيلهم للعلم، لأنها هى التى تعودهم حرية الرأى والصبر على الأذى الذى ينتج دائمًا عن التمسك بالحق والذود عنه فى جميع الأحوال، وفى مواجهة كل الضغوط، وعلى هذا النحو فإن الحرية كقيمة لا تنفصل عن قوة الإرادة التى ينبغى أن يتحلى بها العلماء فى الدفاع عن رأيهم ثباتًا على المبدأ واستمساكًا بالقيم والمُثل العليا. 

ولأنه كان صحفيًا ومن أوائل من رفعوا قيمة الصحافة فى المجتمع، فإنه يهتم بالحديث عن ضرورة الحرية للصحفيين. 

يقول: الحرية باعتبارها قيمة من القيم لازمة كذلك للصحفى، وهى ألزم لهذا الأخير من أى شخص آخر، وذلك لأن الناس بطبائعهم مشغولون بأمورهم الخاصة، وبتدبير حياتهم، ورجال الصحافة هم الذين يرشدون الناس إلى أن لهم فوق وجودهم الخاص وجودًا عامًا ينبغى أن يشارك الجميع فيه ويوجّه اهتمامه إليه. الناس بطبائعهم أشتات فى الرأى، أو كما قيل الناس عند رءوسهم آراء، حتى ترشدهم الصحف كل يوم إلى أن فوق وجودهم الخاص وجودًا عامًا، وأن لهذا الوجود العام يجب أن يرقى إليه بعمل الأفراد، وعندما يعرض رجال الصحافة لذلك الوجود العام فإنهم سيجدون أنفسهم فى مسيس الحاجة إلى تلك الحرية العلمية أو إلى تلك الشجاعة الأدبية التى لا غنى عنها فى تكوين وفى تربية ما يسمى بالرأى العام.

أما القضية الثانية فهى قضية التعليم. 

يقول: وتربية الرأى العام الشجاع لا تمثل فقط الهدف الذى يجب أن يضعه رجال الصحافة نصب أعينهم، بل يجب أن تكون هدفًا لا يخطئه رجال التعليم فى تأديتهم لرسالتهم، فالتعليم يهدف أولًا وقبل كل شىء إلى الارتقاء والكمال بالأمة، أما ذلك التعليم المحدود الذى يصل بأبناء الأمة إلى مقاعد الوظيفة، ذلك التعليم الذى تصبح فيه معاهد التعليم معامل مستخدمين يدور بهم دولاب الحكومة، فلا يستحق منا الالتفات، لأن هذا هو نفس الهدف الذى وضعه المستعمر لنفسه من وراء التعليم فى بلادنا. 

ويذكر لطفى السيد أنه عندما سُئل أحد نظّار المدارس الثانوية من الإنجليز عن الهدف من التعليم فى مصر، قال: إنا نعلّم لنخرج موظفين للحكومة.

يعلّق لطفى السيد على ذلك بقوله: إن الغرض من التعليم كما هو الحال فى جميع الأمم المتمدنة هو رفع مستوى العقول المصرية والأخلاق إلى كمالها الممكن. 

ويشير لطفى السيد إلى أن التعليم إذا كان قائمًا على الحرية العلمية أو على الحرية كقيمة فإنه سيكون هو السبيل إلى الاستقلال، وهو الذى يصل بالأمة إلى السعادة، وذلك لأن التعليم الحقيقى هو التعليم المنتج. 

ويعرّف لطفى السيد التعليم الحقيقى بقوله: هو ذلك التعليم الذى يكون غرضه تقليل الفروق الموجودة بين أفراد الأمة الواحدة، وتكثير عدد المتشابهات بينهم حتى تتشابه أميالهم وآمالهم، وتتوحد مقاييس تقديرهم لما يجرى بينهم من الحوادث وتتقارب عاداتهم وأخلاقهم، فيقوى النسيج الاجتماعى لأمتهم. 

ويقول: الغرض العام من التعليم فى كل أمة هو صبغ بنيها بصبغة واحدة حتى يصبحوا بقدر الإمكان متشابهين فى الأخلاق والميول والعادات، والواجب على الأمة أن تعلّم بنيها نظريتها فى الخير والشر، وعندنا فى مصر أن مبدأ الخير والشر راجع إلى أصل الاعتقاد بأصول الدين، فعليه يجب أن يكون الدين من هذه الوجهة الأخلاقية هو قاعدة التعليم العام. 

ويقرن أحمد لطفى السيد التعليم بالجمال والفن، فيقول: علموا أبناءكم حب الجمال ونمّوا فى نفوسهم ملَكَاته، ليعلموا أن الحياة ليست جحيم الهموم، ولكن فيها لمعات من النعم، إن حب الجمال يرفع النفس إلى لذائذ أطهر طبعًا وأسعد أثرًا وأبقى فى العواطف نتيجة من كل ما عداه من لذائذ الحياة. 

وفى خلاصة، أعتقد أنها ملهمة، يحدد لطفى السيد ما تحتاجه أى أمة لتنهض.

يقول: إن غنى الأمة وسعادتها ليسا فى خصب أرضها ولا فى صفاء جوها واعتدال منطقتها، وليس بضخامة مدائنها، بل بمقدار عدد المهذبين من أبنائها، فهم الذين يبنون مجدها، وهم الذين يخلقون غناها، وإذا أعوزتها خصوبة الأرض خلقوا لأمتهم بعقولهم وعلمهم من الصناعة والتجارة والاعتماد على الذات والمخاطرة فى سبيل المنفعة ثروة تفوق الثروة الزراعية أضعافًا ومجدًا لا يطاوله المجد التليد. 

ومن بين أفكار الإصلاح والتطوير والتجديد التى طرحها أحمد لطفى السيد كان ما قاله وفعله بخصوص تعليم البنات. 

ولدينا هنا شهادة مهمة كتبها الدكتور إبراهيم مدكور فى الكتاب التذكارى الذى أصدره المجلس الأعلى للثقافة عن أحمد لطفى السيد. 

يقول مدكور: إذا كان قاسم أمين يعد صاحب الدعوة إلى تحرير المرأة المصرية، فإن لطفى السيد يعتبر بحق المؤيد الفعلى والمنفذ الحقيقى لهذه الفكرة، فهو لم يُرزق بنتًا ولكنه شمل بنات أقاربه وأصدقائه بعطفه ورعايته وشجعهن على شهود مجلسه، فعزز ابنة أخيه فى متابعة دراستها، حتى أصبحت أستاذة فى إحدى الجامعات الأمريكية، وشاءت ابنتى الكبرى أن تلتحق بكلية الطب، وخشيت عليها ثقل عبء العمل بالطب، ولم يتردد فى أن يقول لى ما دامت هى مستعدة لأن تناضل فأفسح لها الطريق، وها هى ذى به اليوم أستاذة فى طب قصر العينى، وإذا جاوزنا حياة الأقارب والأصدقاء وجدنا تعزيز لطفى السيد للفتاة فى ميدان الحياة الجامعية لا حدود له، وكان له أثره النامى على مر الزمن. 

ويضيف مدكور: قمت بالتدريس فى كلية الآداب فى جامعة فؤاد الأول عام ١٩٣٦، ولم يكن فيها إلا ثلاث فتيات وأظن أن عددهن اليوم يزيد عن الشبان. 

وتقول الدكتورة سامية الساعاتى، أستاذة علم الاجتماع، فى الكتاب التذكارى نفسه: لا يعرف الكثيرون أن أحمد لطفى السيد كان من رواد تحرير المرأة، والداعين إلى تعليمها منذ صغرها، وإعدادها منذ نعومة أظفارها لأن تكون قبل كل شىء إنسانة حرة مستقلة، ذات مبادئ ثابتة وأخلاق حسنة. 

وعندما أصدر قاسم أمين كتابه عن تحرير المرأة، قاطعه الناس وحرّم الكبراء عليه دخول بيوتهم، وأفتى بعض العلماء بأنه خرج عن الإسلام، وكان أحمد لطفى السيد من القلائل الذين وقفوا إلى جانب قاسم أمين، وقال لطفى السيد يومها: إنه لن تمر على مصر أكثر من خمسين عامًا إلا وتكون المرأة المصرية وزيرة، وسمع الخديو عباس هذا الرأى فقال: إن لطفى السيد قد جُن، وإنه يحسن وضعه فى السراى الصفراء. 

وقبل أن تمضى خمسون عامًا على هذا الحديث، كانت المرأة المصرية قد أصبحت بالفعل وزيرة للشئون الاجتماعية. 

ما لم تذكره الدكتورة سامية الساعاتى أن أحمد لطفى السيد كان شاهدًا على تأليف قاسم أمين كتابه «تحرير المرأة». 

يقول فى «قصة حياتى»: مكثت فى جنيف سنة ١٨٩٧ أقضى الأشهر الأولى فى الدراسة وحضور بعض المحاضرات بالجامعة، وأتعلم «الشيش» فى أوقات الفراغ حتى أقبل الصيف، فجاءنى فيها الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين، وكان قاسم وقتئذ يؤلف كتابه «تحرير المرأة» فقرأ علينا فصولًا منه مدة إقامته بيننا. 

وفى «قصة حياتى» أفرد لطفى السيد مساحة لا بأس بها للحديث عن قاسم أمين، يقول عنه:

كان قاسم بك اجتماعيًا لا كبقية الاجتماعيين الذين يجعلون أدمغتهم محافظ آراء الغير، فإذا حضرتهم المناقشة أو دعتهم الكتابة إلى موضوع اجتماعى، أخذوا يسردون عليك محفوظاتهم من المؤلفين السابقين من غير أن يكون لعقلهم فى الموضوع نصيب من الرأى، لا.. لم يكن كذلك أبدًا، بل كان مفكرًا بالأصالة، نقادًا لا يستغنى عن أفكار الغير، ولكنه لا يعتنقها إلا إذا اعتقدها، وصارت له بما قام فى نفسه من الأدلة اليقينية. 

 قاسم أمين حاول أن يفك أسر المرأة التى أوقعوها فيه باسم الدين، وما هو من الدين فى شىء

بحث قاسم أمين فى المسائل الاجتماعية على العموم، فكان رأيه فيها أنها خاضعة دائمًا للقوانين الطبيعية، قوانين التحليل والتركيب، والنمو التدريجى، والانتقال، وبحث فى المسألة الاجتماعية لمصر على الخصوص، فوجد أن حلها متوقف على نظام العائلة المصرية، ووجد أن المرأة هى الأساس الأول لبناء العائلة، فأخذ يفكر كيف يرقّى المرأة المصرية، وأطال فى ذلك التفكير، وأخذ يجمع قوته وعدته ليفك هذا الإنسان الضعيف من سلاسل الأسر التى قيدته بها العادة، وليهدم هذا السجن العميق الذى حبس الاستبداد فى غياباته عقول نصف المصريين، وحجب ذلك الضوء الساطع، ضوء روح السيدة المصرية عن أن ينتشر بين سمائها الصافية وأرضها المخصبة انتشارًا يضىء للرجال طريق السعادة المنزلية، ويوصلهم من غير عناء للرجال طريق السعادة المنزلية، ويوصلهم من غير عناء إلى ذروة المجد والاستقلال. 

أجل.. ليفك أسر المرأة التى أوقعوها فيه باسم الدين، وما هو من الدين فى شىء، فالدين أسمى مما يظنون، فكتب «تحرير المرأة»، ثم قفّاه بكتاب «المرأة الجديدة»، كتبهما فهدّ ركن سجنها وأضاء لها ظلمات الحياة المنزلية والزوجية، وجعلها تحس بأنها أم الرجل لها احترامه، وأخته لها عطفه وحنانه، وزوجة لها منه محبة لذاتها واعتباره لمركزها، كما هدى لذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. 

كتب فأجاد ولم يخشَ منتقدًا، ولا لائمًا، ولم ينزله خوف الانتقاد عن فكرة من أفكاره، ولا لفظ من ألفاظه، ذلك لأنه يعتقد اعتقادًا كاملًا بصحة ما كتب ويغريه الانتقاد فى حب البلاد، بألا يعبأ بالانتقاص الذى وجّه لشخصه، بل صيّره متينًا فى رأيه، ومكينًا فى اعتقاده، مجاهرًا به فى كل يوم، حتى يوم وفاته حتى ساعة وفاته، إذ يدعو الله بقلب ملىء بالإخلاص، ونفس مستضيئة بنور الحقيقة، وقلب يذوب أسفًا على حال الشابات المصريات، بأن يكن كغيرهن من شابات الأمم الأخرى يُقدّرن العلم ويسعين لاكتسابه. 

أخذ قاسم أمين على عاتقه حمل هذا العبء الثقيل، عبء السعى بالمرأة المصرية إلى نظام العائلة، وبنظام العائلة إلى الرقى الاجتماعى المنشود، وبهذا الأخير إلى استقلال البلاد، فما علمت امرءًا خاطر بنفسه ويقف حياته لإحياء أمته. 

ومن بين القضايا المهمة التى اهتم بها أحمد لطفى السيد كانت قضية الديمقراطية. 

وهنا يمكننا أن نبدد قصة أسطورية عنه. 

فى أوراق أحمد لطفى السيد المتناثرة نقرأ واقعة واحدة بأكثر من صيغة. 

ترويها الدكتورة سامية الساعاتى بهذه الصيغة: 

دعا أحمد لطفى السيد إلى الديمقراطية ولعن حكم الفرد، ثم جاءت انتخابات الجمعية التشريعية فى العام ١٩١٣، ورشح نفسه فى بلدته، حيث أسرته وعشيرته، وتقدم للترشيح ضده رجل لا يقرأ ولا يكتب، وتوقع الناس أن يهزم الفيلسوف الكبير وأستاذ الجيل ومترجم أرسطو ذلك المنافس الجاهل. 

وإذا بهذا المنافس يثبت أنه أستاذ فى الانتخابات، فقد طاف على الناخبين يقول لهم إن لطفى السيد رجل مؤمن بالديمقراطية، ومعنى الديمقراطية أن تتساوى المرأة مع الرجل، فتتزوج المرأة أربعة رجال، كما يتزوج الرجل أربع نساء. 

وصدّق الناخبون السُذّج هذه الأكذوبة وأرسلوا وفدًا لمقابلة أحمد لطفى السيد، وسألوه: هل صحيح أنك ديمقراطى؟ وقال لطفى السيد: نعم ولى الشرف، وخرج الوفد يضرب كفًا على كف، وذهب وانتخب خصم لطفى السيد الذى لا يقرأ ولا يكتب، وهكذا سقط أكبر أديب وفيلسوف فى مصر فى الانتخابات. 

وفى صيغة ثانية للواقعة نفسها يقول الدكتور يحيى هويدى: كان لطفى السيد يفخر بأنه ذو نزعة ديمقراطية، وقد استغل منافسه فى انتخابات الجمعية التشريعية عام ١٩١٣ ذلك، فأشاع بين الناخبين أن الديمقراطية مرادفة للإلحاد، وأن لطفى السيد يفاخر دائمًا بأنه ديمقراطى، فذهب الناخبون إلى دار لطفى السيد واستوثقوا منه شخصيًا بأنه متمسك بديمقراطيته، ثم قاموا وقد استنتجوا أنه ملحد، بناء على ما لقّنهم المرشح الآخر، وكانت النتيجة لهذه الواقعة سقوط لطفى السيد فى الانتخابات. 

أما الصيغة الثالثة فصاحبها الكاتب الكبير عباس العقاد التى أوردها فى كتابه «رجال عرفتهم»، وهى صيغة يختلط فيها الهزل بالجد. 

يقول العقاد: قصة سقوط أحمد لطفى السيد فى انتخابات الجمعية التشريعية إحدى أعاجيب الدعاية الانتخابية التى تعرض لها من جراء المناداة بالحقوق الديمقراطية، إذ كان منافسه يشيع عنه أنه يطلب للمرأة الحق فى الجمع بين أزواج أربعة، لأنه يطلب لها المساواة الديمقراطية، ويسألونه: هل أنت حقًا من طلاب الديمقراطية؟ فيجيب بالتأكيد، ويعيد لهم الشرح من جديد. 

أحمد لطفى السيد مع صديقه طه حسين
أحمد لطفى السيد مع صديقه طه حسين

ويضيف العقاد: ومما أذكره أننى ذهبت إلى مكتبه بالجريدة لمواساته فى هذه الخيبة المؤسفة، فوجدته تلقاها بصبر الحكماء وفكاهة العظة والاعتبار، وهو لا يخفى إعجابه بذلك الريفى الماكر الذى غلبه باسم الديمقراطية، ثم حضر الشيخ طه حسين وأنا عنده، وكان شابًا يلبس العمامة لا يزال، فإذا بالأستاذ يتبسط معه ويعزيه، لأن زميله فى ترجمة بعض الكتب الأستاذ محمد رمضان قد خرج بمثل هذه الهزيمة من معركة الانتخابات، وكان الشاب طه حسين كُفئًا لهذه الدعابة، فكان جوابه للأستاذ: إننى أتقبل التعزية ولكننى أرجو يا أستاذنا ألا ترفضها. 

يبدد لطفى السيد كل هذه الروايات، ويحكى الحكاية بنفسه فى كتابه «قصة حياتى»، يقول: 

فى سنة ١٩١٣ ألغى مجلس شورى القوانين وحل محله نظام الجمعية التشريعية، وكان لا بد لى من الدخول فى عضويتها لأزيد صوتًا على أصوات حزبنا فى الجمعية، فدخلت فى انتخاباتها وكان صديقى فتحى باشا زغلول يعلم أن الإنجليز أوعزوا بإسقاطى أنا وسعد زغلول باشا فى هذه الانتخابات، فأشار علىّ بألا أتقدم إليها حتى لا يذهب سعيى سدى، فقابلت مستشار الداخلية مستر جراهام، وسألته عما بلغنى فى ذلك، فأكد لى أن الانتخابات ستكون حرة، وأن الحكومة ستكون على الحياد، ولشدة ما كان عجبى حين وجدت على باب مركز السنبلاوين عربة سعيد باشا ذوالفقار، وزير المالية الجديد، وعلمت وقتئذٍ أنه لما عُيّن وزيرًا بعد أن كان مديرًا للدقهلية طُلب إليه أن يدير الانتخابات دون المدير الجديد حافظ حسن باشا الذى كانت الحكومة تعلم أنه صديقى، وعلى هذا الوضع سقطت فى الانتخابات، ولكن سعد باشا زغلول نجح بالقاهرة فى دائرتين، وأرسل إلىّ تليغرافًا يقول لى فيه: لئن سقطت فى الانتخاب، فلك عطف العقلاء. وقد أشيع أن الذى أسقطنى هو دعوتى إلى الديمقراطية التى كانت تؤول تأويلات بين الناخبين فيها خروج على الدين الإسلامى، ولكنى لا أعرف شيئًا عن هذه الشائعة التى قيل إنها شاعت بين الناخبين، كما لا أعرف سببًا لسقوطى فى الانتخابات إلا تدخل الحكومة وعملها لإسقاطى.

هذه الروح التى كان يتحرك بها أحمد لطفى السيد جعلت له نشاطًا هائلًا فى الحياة السياسية المصرية، ليس على مستوى الفكر فقط، ولكن على المستوى الحركى أيضًا، فقد كان له نشاط سياسى وفكرى هائل، استطاع من خلاله أن يكون ملهمًا لمن جاءوا بعده أو هؤلاء الذين عملوا بجواره. 

يرصد لنا أستاذ الفلسفة الدكتور عاطف العراقى، فى كتاب المجلس الأعلى للثقافة التذكارى، أثر لطفى السيد فى الثقافة المصرية. 

يقول عن ذلك: ترك لنا أحمد لطفى السيد الكثير من الكتابات والآراء والنظرات التى تم جمعها فى كتب عديدة، وقد نشرت هذه المقالات والدراسات كلها فى مصر، وصدرت لبعضها أكثر من طبعة، ولا يستغنى المثقف المعاصر سواء فى مصر أو فى غيرها من بلدان العالم شرقًا وغربًا عن الآراء التى بثها لنا أحمد لطفى السيد فى مقالاته ودراساته. 

ويضيف العراقى: كان فى إدارته للجامعة يمثل موقف المفكر الذى يهتم بالكليات والأمور العامة ويدع الجزئيات والتفصيلات جانبًا، لقد كان فى إدارته ممثلًا خير تمثيل للمفكر المتنور، واسع الأفق الذى يبتعد عن التزمت، كان ينظر إلى الجامعة على أنها مؤسسة ثقافية اجتماعية أولًا وقبل كل شىء. 

وفى التقرير الذى صدر عن المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب حينما قرر منح لطفى السيد جائزة الدولة التقديرية، نقرأ: إن لطفى السيد وضع طائفة من التقاليد السليمة، فنشّط الحياة الفكرية وقدّس حرية البحث العلمى ودافع عن استقلال الجامعة وحرص على استكمال شخصية الجامعيين طلبة وأساتذة، ذلك لأنه يؤمن بأن حياة الأمة فى تكوين صفوة ممتازة ورأى عام ناضج سليم. 

ويتوقف «العراقى» عند اهتمام لطفى السيد بالترجمة، وعند نوعية الكتب التى ركز على ترجمتها. 

يقول: يقينى أننا لو كنا واصلنا الطريق الذى سار فيه لطفى السيد لكنا قد ابتعدنا عن الانغلاق والركود الفكرى، لقد أدرك لطفى السيد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أنه لا يصح أن نغلق على أنفسنا الأبواب، بحيث لا نطلع إلا على فكرنا وتراثنا، فالفكر مكانه الآن فى الغرب، فلنتجه إلى الغرب بكل ما أوتينا من قوة وجهد، ولعل هذا يوضح أن لطفى السيد فى فكره كان أقرب إلى الغرب منه إلى التراث العربى، وهذا من جانبه يعد ميزة، ولا يعد عيبًا، لأنه أدرك بثاقب فكره أنه لا سبيل إلى التقدم إلا عن طريق الاستفادة من التراث الغربى القديم، تراث اليونان بصفة خاصة، بحيث أقبل بكل قوته الفكرية على ترجمة شوامخ التراث اليونانى. 

ويؤكد «العراقى» أن إقبال لطفى السيد على الترجمة لم يكن إهمالًا لتراثنا العربى، بل كان يدرك مدى التقدم الفكرى الذى حدث فى العصر العباسى كنتيجة مباشرة لحركة الترجمة. 

وينحاز «العراقى» إلى أن التنوير لا يمكن تصوره إلا من خلال التعرف على أفكار الأمم الأخرى، وقضية الأصالة والمعاصرة لا يمكن تصورها إلا بأن نتجه بكل قوتنا إلى الترجمة، بل إن التقدم فى جميع المجالات، أدبية وعلمية ومادية، لا يمكن أن يتحقق إلا بأن نعرف أفكار الأمم الأخرى من مشرق الدنيا إلى مغربها، وإذا كان إحياء ثقافتنا المصرية لا يمكن أن يتم إلا عن طريق الترجمة التى تعد تعبيرًا عن الانفتاح، وعن فتح النوافذ، ولا يخفى على أحد أن فتح النوافذ أفضل ألف مرة من إغلاقها بحيث لا نجد إلا هواء فاسدًا أو راكدًا. 

بناء على هذا التأسيس يرى «العراقى» أن المتتبع لكتابات لطفى السيد يجد أنه يربط بين الرجوع إلى الماضى، أى الفلاسفة القدامى، وبين النظر إلى ثقافة الأمة على أساس أنها لا تمثل الحاضر فقط، بل تمثل الربط بين الماضى والحاضر والمستقبل، ويمكن القول بأن هذه الدعوة من جانب لطفى السيد قد أثرت على بلورة أفكار كثير من المفكرين، ومن بينهم طه حسين الذى ذهب إلى القول بأن من يركز على الماضى فقط إنما هو نصف إنسان، ومن يركز على الحاضر فقط إنما هو نصف إنسان، ولا أحد يرضى لنفسه أن يكون نصف إنسان. 

ويقدم لنا «العراقى» دليلًا على أن لأفكار لطفى السيد تأثيرًا فى تشكيل وجهات نظر كثير من المفكرين المعاصرين. 

ويعود بنا إلى مقالة لطفى السيد التى نشرها فى جريدة «الجريدة» عام ١٩١٢، ويمكننا أن نجدها فى كتابه «تأملات فى الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع». 

يقول لطفى السيد: ليست أمتنا هذا الحاضر ذات الوجود المستقل عن أمتنا الماضية، ولكن الأمة كلٌ واحد غير منقسم وغير قابل للتجزئة، إنها أمة قد خلق جسمها الاجتماعى من يوم أن استقلت بهذا الوطن المحدود وكانت ذات نظام اجتماعى معروف، فصارت تنتقل فى حياتها من الصحة إلى المرض ومن المرض إلى الصحة، حتى صارت إلى ما هى عليه اليوم، فبعيد على المصريين الذين يريدون ارتقاء بلادهم أن ينجحوا فى تحقيق إرادتهم هذه إلا إذا عرفوا حقيقة أمتهم، وحقيقتها هى مجموع ماضيها وحاضرها، فليست معرفة الآثار القديمة فرعونية وعربية، ولو إلمامًا، مقتصرًا نفعها على اغتباط النفس برؤية الآثار الجميلة وتحصيل شعور العزة بذكرى ماضى مصر المجيد، بل هناك نفع أعمّ أثرًا وهو الوصول من معرفة الماضى إلى معالجة الحال حتى يتبدل به مستقبل سعيد. 

بهذه الرؤية يعتبر «العراقى» أن لطفى السيد كان سابقًا لعصره ورائدًا للفكر الحديث، فهو لم يقف عند حدود التراث الدينى كما يفهمه بعض المتزمتين، ولكنه أراد أن يتخطى هذا الفهم بحيث يضيف إلى البعد الدينى بعدًا إنسانيًا علميًا لا غنى عنه فى حضارتنا الحديثة وفى حياتنا التى نحياها. 

هناك من يعيب على لطفى السيد أنه كان منفصلًا تمامًا عن الدين، وهو ما يرفضه «العراقى» الذى يقول: لا يعنى كل هذا انفصال لطفى السيد وابتعاده عن المجال الدينى، بل إنه كمفكر مصرى مسلم تأثر فى بعض آرائه بالشيخ محمد عبده، وحاول من جانبه إقامة نوع من المزج والربط بين البعد الدينى والبعد العلمى الإنسانى العلمانى، حيث ركز فى مقالاته، سواء ما نشر منها فى كتاب «صفحات مطوية» أو فى «المنتخبات» أو فى «تأملات فى الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع»، على الجوانب الاجتماعية والإصلاحية فى الدين. 

 

لم يكن لطفى السيد مفكرًا فقط، بل معلمًا يرعى تلامذته ويؤسس شخصيات طلابه، ويمكننا أن نعود هنا إلى شهادة إبراهيم مدكور التى وثّقها فى كتاب المجلس اللأعلى للثقافة التذكارى عن لطفى السيد، وهى الشهادة التى جعلها بعضًا من ذكرياته. 

يقول إبراهيم مدكور عن أستاذه لطفى السيد: 

شاء لى القدر أن أنحو بثقافتى منحى فلسفيًا كان له شأنه فى توثيق علاقتى بلطفى السيد فيما بعد، فقد رشحت لبعثة أميرية عام ثمان وعشرين، وأخذت أعد العدة للسفر إلى إنجلترا، ولكن السياسة أبت إلا أن تلاحقنى، فألغيت بعثتى، ونقلت من لندن إلى كوم أمبو لكى أدرّس فى مدرسة ابتدائية، وأبت علىّ نفسى أن أخضع لهذا الظلم، وصممت على السفر إلى الخارج على حسابى الخاص استكمالًا لدراستى، واتجهت إلى باريس بدلًا من لندن عام تسع وعشرين، وبعد حيرة دامت بضعة أسابيع استقر رأيى على أن أتابع الدراسة الفلسفية فى السوربون. 

ولم يكد يمضى عام على إقامتى فى الخارج حتى رُد إلىّ حقى، وألحقت بالبعثات الأميرية على أيدى وزارة وفدية، وكنت أخشى أن تتبادل الكرة أيدى أخرى فتغير وزارة لاحقة ما قررته وزارة سابقة، وهنا وقف لطفى السيد موقف الوزير الفيلسوف والحكيم، وبرغم اشتراكه فى وزارة معارضة للحكم الوفدى، لم يحاول قط أن يعدو على رد حق إلى أصحابه.

وفى عام ١٩٣٥ عدت إلى القاهرة بعد إتمام دراستى، وأريد أن ألتحق بهيئة التدريس فى كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، وحظيت لأول مرة بأن ألتقى لطفى السيد فى مكتبه وهو مدير الجامعة، وهذا أول لقاء مباشر بيننا.

استقبلنى بوداعته وسماحته المألوفة وأجلسنى على مقربة منه، وأبى إلا أن يقدم لى تحية الزائر وأن يشرب معى قدحًا من القهوة، وأضاف إلى هذا أن قدّم لى سيجارة من سجائره، فاعتذرت وقلت: لست مدخنًا، وإن كنته فلن أسمح لنفسى بأن أدخن فى مجلسك. 

كان رده: سأقص عليك قصة لم أروها لأحد من قبل، فقد سافرت إلى إسطنبول خاصة لأزور جمال الدين الأفغانى وأسعد بلقائه، وقد استقبلنى كما استقبلتك اليوم، وقدّم لى القهوة، وأضاف إليها سيجارة من سجائره قائلًا: دخن.. دخن. 

ويطول بى الحديث إن عرضت مواقفه المتلاحقة طوال الثلاثين عامًا تقريبًا، إن فى الجامعة أو فى مجلس الشيوخ أو فى مجمع اللغة العربية، وأشير إلى أمرين اثنين:

أولهما أنه طلب إلىّ عام ١٩٤٦ أن أنضم إلى مجمع اللغة العربية، فقلت له أليس هذا مبكرًا بعض الشىء؟ وكان رده: البركة فى البكور، وسعدت برأيه وتوجيهاته ورياسته لجلسات المجمع ومؤتمره طوال ١٧ عامًا، وقد تحدث المجمعيون عن هذا كثيرًا ولا يزال مجال القول فيه ذا سعة، وفى وسعى أن أقرر أن لطفى السيد يعد فى مقدمة بناة مجمع اللغة العربية فى درسه وبحثه، فى جلساته ومناقشاته، فى تقاليده المجمعية التى نعتز بها اليوم.

أما الأمر الآخر فهو إعجابه الشديد بحركة الضباط الأحرار وثورة ١٩٥٢، وقد قال فيها جملته المشهورة: لأول مرة تحكم مصر بأبنائها، وعرف له رجال الثورة هذا التأييد واعتزوا به اعتزازًا كبيرًا، ويوم أن خلا مكان رئيس الجمهورية بعد اللواء محمد نجيب عُرض على لطفى السيد أن يخلفه، وأظن أن كثيرين لا يعرفون هذا العرض، وقد حدثنى عنه فى حينه، وتذاكرنا طويلًا، وكان قراره أن هؤلاء الشبان بدأوا الشوط ويجب أن يسيروا فى طريقهم إلى النهاية، وهكذا كان لطفى السيد موضوعيًا دائمًا فى نظرته إلى الأمور ولم يفكر قط فى مصلحة خاصة أو مغنم مباشر. يمكننا أن نترك هذه المذكرات جانبًا ونتوقف عند ما كتبه إبراهيم مدكور فى تأبين لطفى السيد ونشرته مجلة مجمع اللغة العربية. 

يقول مدكور: دخل لطفى السيد التاريخ من عدة أبواب، وقُيّد فى سجل الخلود حيًا وميتًا، وقف نفسه على الإصلاح والتجديد ستين عامًا أو يزيد، وهى مدة لم تتوافر لمصلحين كثيرين، قضاها يفكر ويدبّر، ويبحث ويدرس، ويدعو ويعلّم، ويطبّق وينفّذ، كان يرى أن طبيعة الأشياء تأبى الطفرة، وأن التطور سُنة أكيدة من سنن الحياة، لا يخرج عليها فرد ولا مجتمع، وكان همه أن يلائم بين الماضى والحاضر، وأن يعدهما للمستقبل، ويؤهلهما لسير الحياة الزاخر.

ويضيف: وقلّ أن نرى شيخًا اقترب من الشباب قربه، واتسع صدره للجديد مثله، ولم يكن تطوريًا فحسب، بل كان تقدميًا أيضًا، يعتقد أن الإنسانية سائرة إلى الأمام دائمًا، وأن جيل اليوم خير من جيل الأمس، وأن ثلاثة أجيال كفيلة بأن تصعد بالأمة المصرية إلى مصاف الأمم الراقية. 

ويشير «مدكور» إلى أنه على هذه الأسس قامت دعوة لطفى السيد الإصلاحية، وهى أسس كلها تفاؤل وأمل ورجاء، فدعا فى ثقة وطمأنينة، ووجّه فى لين وهوادة، وخاطب العقل قبل أن يخاطب العاطفة، ولم يبد عليه قط أنه يستعجل الخطأ، أو يكلف الأشياء ضد طباعها، أو يثيرها شعواء، ولم تسلم دعوته من النقد والمعارضة، ولكن مسلكه الهادئ خفف من غلواء ناقديه، ووضعه موضع الإجلال لدى مؤيديه ومعارضيه على السواء. 

ومن بين فضائل أحمد لطفى السيد أنه كان صاحب أثر كبير فى حياة وفكر عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين. 

وأبلغ دليل على هذا الأثر أنه بعد ثورة ١٩٥٢ تم إلغاء الألقاب، وقررت الحكومة تغريم من يستخدم الألقاب قرش صاغ حتى ينتبه فلا يكررها، ورغم ذلك كان طه حسين لا ينادى أحمد لطفى السيد إلا بالباشا، ولا يتحدث عنه إلا ويقرن اسمه بلقبه «الباشا»، وعندما نبهوا طه إلى ذلك قال: إنى مستعد أن أدفع جنيها كاملًا، لا قرشًا واحدًا، ولا أجرّد لطفى السيد باشا من لقبه. 

أما كيف كان هذا الأثر.. فأعتقد أن لهذا حديث آخر يمكن أن يطول.