الكنز المخبوء.. لماذا يجب ألا نخاف على مصر؟
- لدينا أبطال فى اللحظة المناسبة يظهر معدنهم الحقيقى
«لم نفكر لحظة فى أنفسنا أو فى حياتنا أو حتى فى أهالينا، بل كان كل هدفنا كيف نتعامل مع هذه الكارثة، وننقذ الميناء ومدينة دمياط بالكامل دون نوم أو طعام أو شراب، وأن نعود لأولادنا مرفوعى الرأس لكى نمنحهم شرف الافتخار بنا، وهى الكلمات التى سمعتها من أبنائى الثلاثة عند عودتى بعد الحادث. بمعنى أدق كان كل منا يضع روحه على كفه، حتى إننى أثناء تبديل الشيفت فى فترة التعامل مع الحادث، توجهت إلى الغرفة الخاصة بى واغتسلت ونطقت الشهادة استعدادًا للموت، لأن الانفجار لو كان تسرب للميناء كانت أجسادنا ستتحول إلى رماد بفعل الغاز الموجود داخل السفينة».
كانت هذه بعضًا من الكلمات التى حصل عليها زميلنا محمد نصر ضمن حواره، الذى انفرد به ونشرته جريدة الدستور مع القبطان بحرى محمد عبداللطيف، قائد القاطرة البحرية «هداية»، أحد المشاركين فى عملية إطفاء الحريق الذى نشب فى سفينتين بميناء دمياط.
عبداللطيف واحد من الفريق الكبير الذى خاض معركة إنسانية ووطنية أقل ما توصف به بأنها ملحمة، لم يفكروا جميعًا إلا فى شىء واحد، وهو إنقاذ ميناء ومدينة دمياط من كارثة محققة، لو كانت- لا قدر الله- تمت؛ لخرج ميناء دمياط من الخدمة وتدمرت مدينة دمياط ومحيطها بالكامل، فالتقديرات الأولية كانت تشير إلى أن عدد الضحايا المتوقع كان ٥ آلاف قتيل، غير مئات الآلاف من المصابين، وأن محيط الانفجار كان سيصل إلى ١٥ كيلومترًا.
عبر وسائل الإعلام المختلفة، استمعنا من أبطال هذه الملحمة إلى التفاصيل الكاملة لما قاموا به، وهم على قناعة تامة بأن ما يقدمونه من أرواحهم ومستقبلهم وأسرهم ليس غاليًا أبدًا على مصر، التى هى بالنسبة لهم ليست مجرد أرض ووظائف ومصالح، ولكنها معنى أكبر من هذا كله، معنى لا يعرفه إلا من يؤمن بهذا البلد، ويعرف أنه دائمًا يستحق.
توقف كثيرون عند عبارات جاءت على لسان الأبطال، وتأملت ما قاله محمد عبداللطيف من أنه أثناء تبديل الشيفت دخل غرفته الخاصة اغتسل ونطق بالشهادة استعدادًا للموت.
الشهادة تلك القيمة الإنسانية الكبرى التى يسعى إليها المصريون من أجل بلدهم.
الشهادة من أجل الوطن.
فهم يعرفون يقينًا أن شهادتهم من أجل تراب بلدهم أمر يرضى عنه الله، وحتمًا سيجازيهم عليه خير الجزاء.
عندما عرفت أن عملية إطفاء الحريق، الذى نشب فى السفينتين وتبريدهما استمر لـ١٤ ساعة متواصلة من الساعة الرابعة عصر الأربعاء ٢٩ يوليو حتى السادسة من صباح الخميس ٣٠ يوليو، سرحت بخيالى فى مشهدين.
المشهد الأول لكتيبة الأبطال من قباطنة ومرشدين وفنيين وعمال، وهم يواصلون عملية الإطفاء والتبريد.
تخيلت ما الذى كانوا يفكرون فيه وهم يقومون بعمل كانوا يعرفون جيدًا أنهم فى أى لحظة يمكن أن يتحولوا إلى مجرد رماد يتطاير فى الهواء بمجرد انفجار الغاز.
ما الذى كان يسيطر على خيالهم؟ وما الذى كان يقولونه بينهم وبين أنفسهم وهم يحاصرون النيران فى صمت؟ ماذا فعلوا عندما استبد بهم الجوع وسيطر عليهم العطش وأرهقهم التعب وأرّقتهم قلة النوم؟ هل فكروا فى زوجاتهم وأولادهم وأصدقائهم؟ هل ضعف أحدهم فى أى لحظة وتساءل عما يدفعه لأن يكون وحده شهيدًا بينما الملايين يتابعون الأخبار عبر شاشات القنوات الفضائية وعلى صفحات شبكات التواصل الاجتماعى؟
أعتقد- وطبقًا لما قالوه- أنهم لم ينشغلوا بشىء من هذا على الإطلاق، فقد كانت لديهم مهمة وطنية، كانوا يعرفون أنه عليهم إنجازها مهما كانت التضحيات التى يقدمونها، ومهما كان الثمن الذى يدفعونه، وكانوا على يقين من أنه مهما كان هذا الثمن غاليًا، فإنه لا شىء فى مقابل أن يظل بلدهم مصونًا وآمنًا ومستقرًا لا ينال منه أعداؤه مهما كانت هويتهم.. فقد أقدموا على إطفاء النيران دون أن يشغلوا أنفسهم بمن أشعلها.
المشهد الثانى كان لملايين المصريين.
لا أنكر أن القلق كان يستبد بمعظمهم، فنحن أمام عمل إرهابى، سواء قامت به دولة ما أو أقدمت عليه جماعة معينة، والكل يريد إجابة واضحة عن هوية مَن تسلل إلينا ليهدم المعبد على رءوسنا ونحن فيه آمنون، مَن الذى تجرأ وقام بهذا العمل الهجمى الذى كان يقصد به الأذى الكبير دون مراعاة لقانون أو أخلاق أو ضمير؟ وماذا يريد منا هؤلاء الذين أطلقوا مسيّرتهم علينا؟ تلك المسيّرة التى لم تكن إلا رمزًا وترجمة واضحة لشر كامن فى النفوس، أفسح له الطريق مَن يكرهون مصر ويعز عليهم أمنها واستقرارها ورغبتها فى النهوض.
نعرف جميعًا أن ما تقوم به مصر الآن يُحزن كثيرين، يُغضبهم، يجعلهم لا ينامون قريرى العين أو مستريحى البال.
فكيف لدولة واجهت الإرهاب لعدة سنوات، تحيط بها الحدود المشتعلة من كل اتجاه أن تقف على قدميها، أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة، أن تنهض اقتصاديًا، فى محاولة لإنهاء مشاكلها التى تحيط بها من كل اتجاه.
ونعرف جميعًا أن ما نحاول أن نبنيه بالنهار، هناك مَن يخطط لأن يهدمه بالليل، وما نضيفه إلى البناء الكبير، هناك مَن يتمنى أن يحذفه، فلا يبقى منه شىء على هذه الأرض، وما نحلم به لأولادنا ومستقبلنا، هناك مَن يعمل جاهدًا لتحويله إلى كابوس يطاردنا فى صحونا ومنامنا.
ورغم أن هذا حقيقى جدًا، وعليه شواهد كثيرة، ولا يحتاج إلى أدلة، فإن هناك مَن يتشككون فيه وبه، وهؤلاء كانوا فى قلب المشهد الثانى.
فبينما كان رجال المشهد الأول يعملون بجد ودأب وإخلاص لإنقاذ مصر مما يراد لها، كان هؤلاء فى المشهد الثانى يثرثرون، ينسجون سيناريوهات من خيالهم، يتبادلون الاتهامات، وينشرون ما يمكننا اعتباره هراء كاملًا، دون أن ينتبهوا أنهم بذلك يشوشرون على المهمة الأساسية، ويمنحون مَن يخطط للهدم فرصة تاريخية ليحقق ما يريد.
هل تعرفون ما الذى يجعلنى مطمئنًا تمامًا على مصر رغم كل ما نراه حولنا من خواء فى كثير من المجالات؟.
هؤلاء تحديدًا الذين تجردوا من كل شىء، وقرروا أن يضحوا بأنفسهم من أجل أن يبقى الجميع، هم مَن يمنحوننا الطمأنينة بأن مصر مهما جرى لها وخطط لها الأعداء إلا أنها ستظل باقية.
لا يستطيع أحد أن ينال منها، أو يُجبرها على أن تسلك طريقًا لا تريده، أو تركع أمام أحد مهما كان يملك من مال أو قوة أو نفوذ.
نسميهم «ملح الأرض».
وهم كذلك فعلًا، لكننى أزيد على ذلك وأقول إنهم ليسوا «ملح الأرض» فقط، ولكنهم أيضًا «كنز مصر المخبوء».
عندما ندخل فى متاهة المشاكل، وتحيط بنا الأزمات من كل اتجاه، وتتزايد أشكال وألوان الفساد من حولنا، وتظهر على شاشات المجال العام مظاهر الانفلات الأخلاقى والسياسى، وتزيد الجرائم التى تجعلنا نقلق على قيمنا وأخلاقياتنا، ويتراجع إنتاجنا بدرجة كبيرة، ونتحدث عن قصورات كثيرة فى مختلف مناحى حياتنا، نشعر أن كل شىء انتهى، وأننا أصبحنا على حافة الهاوية، لا نقدر على شىء لأنه لم يبق شىء.
لكننا وفى لحظة فارقة تجدنا مستيقظين، نعرف جيدًا ما يجب علينا فعله، ولا نتأخر أو نتردد فى أن ننجزه على الوجه الأكمل.
من بين الصفوف التى يعتقد الجميع أنها نائمة، مستسلمة، راكدة، لا تقوى على الحراك، لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئًا، يخرج من يؤكد أن هذا كله ليس إلا خدعة، فهذا الشعب لا يموت أبدًا، لا يستسلم أبدًا، لا يرفع الراية البيضاء أبدًا، وهو كذلك لا يعرف كلمة المستحيل أبدًا.
هل تريدون ما هو أكثر؟
أعتقد أن الربان عبدالفتاح طه، كبير المرشدين بميناء دمياط وقائد عملية إطفاء حريق السفينتين، والربان ياسر عبداللطيف، رئيس إدارة الخدمات البحرية، وإسلام الحمامى وأحمد سعد وفايز بدر ومحمد عبداللطيف، قادة القاطرات الذين كانوا معهم، لم يكونوا يدركون أن فى داخلهم كل هذه القوة التى دفعتهم لأن يخوضوا معركة بالنيابة عن مصر بكل هذه الكفاءة، وكل هذا الدأب، وكل هذه الجدية، وكل هذا الإخلاص، وكل هذه البطولة.
وجد هؤلاء الأبطال أنفسهم أمام تحدٍ كبير، فقرروا أن يكونوا على قدر المسئولية.
هذه باختصار شديد هى مصر الحقيقية التى نعرفها، ولا يمكن أن نضل طريقنا إليها مهما حدث، مهما شكك المشككون، ومهما خطط المخططون، ومهما نفذ المنفذون، فى لحظة التحدى تظهر قدرات هذا الشعب، وتبرز أمام الجميع إمكاناتهم، وهى قدرات وإمكانات كامنة ومخبوءة، تظهر فقط عندما نجد أنفسنا فى قلب معركة حقيقية.
إن هذا الشعب قديم، مر عليه الكثير من المحن، وعصرته الأزمات عصرًا، وعرّكته التجارب عركًا، وأحاطت به الضغوط من كل جانب، وقد تعلم من ذلك كله أن يفرّق بين الخطر الحقيقى والخطر المزيف، ولا تجده يتحرك بجدية إلا فى لحظات الخطر الحقيقى.
فعل المصريون ذلك فى ٣٠ يونيو.
أدركوا أن الجماعة الإرهابية تمثل خطرًا حقيقيًا على حاضر مصر ومستقبلها، فخرجوا إلى الميادين بالملايين ليطالبوا بإسقاط حكم المرشد، ولم يهدأ لهم بال إلا بعد أن أخرجوا الجماعة من الحياة السياسية.
وفعلوا ذلك عندما وجدوا أنفسهم وجهَا لوجه أمام أكبر حرب إرهابية، يشنها عليهم من باعوا أنفسهم للشيطان، ووقفوا جنبا إلى جنب مع الجيش والشرطة لمواجهة الإرهاب والقضاء عليه، حماية لبلدهم فى معركة البقاء، فلا أحد يستطيع أن يهدم بلدًا له هؤلاء الأبناء.
وفعلوا ذلك فى ملحمة تكاتف وتلاحم وتكافل عندما تعرضنا لجائحة «كورونا»، وهى الجائحة التى وقف فيها الشعب المصرى إلى جوار بعضه البعض، فأنقذنا الله مما لحق بكثير من الشعوب التى وجدت نفسها فى مواجهة مع الوباء.
وعندما نتأمل سلوكنا الفردى، سنجد من بيننا مَن يواجه الخطر بصدر مفتوح.
شاب يقود سيارة مشتعلة فى محطة وقود ويأخذها إلى الخلاء حتى تنفجر بعيدًا عن الناس، فيموت وحده بعد أن ينقذ مئات الأرواح.
وشاب يلقى بنفسه فى ترعة لينقذ أسرة كاملة غرقت سيارتها، دون أن يلتفت إلى أن ما يفعله يمكن أن يكون فيه حتفه.
ورجل عجوز ينقض على إرهابى ويخطف منه سلاحه قبل أن ينفذ عمليته.
إننا نملك من القوة ما لا يتخيله أحد، قد تكون كامنة أو مخبؤة، لكنها تظهر فى أوقات الخطر الحقيقية التى ندركها بخبرتنا التاريخية.
فى مقابل إدراكنا الخطر الحقيقى، فإننا ندرك أيضًا الخطر الزائف.
خلال السنوات التى أعقبت ثورة ٣٠ يونيو، حاولت الجماعة الإرهابية أن تخوّف الناس.
استطاعت من خلال منصاتها الإعلامية وعملائها من الإعلاميين والمشردين أن يثيروا حالة من الخوف والفزع، وتعمدوا دعوة المواطنين إلى الخروج إلى الشوارع لمواجهة الخطر الذى يهدد الجميع، لكن المصريين الذين نعرفهم كانوا يعرفون أن هذا الخطر مزعوم وغير حقيقى، فلم يتجاوب أحد مع دعوات هذه الجماعة، ولا مع ادعادات الخادمين لها.. فهم يميزون بين ما يمكن أن يؤذى بلدهم بشكل حقيقى، وما يقال بغرض توريطهم فى هدم هذا البلد.
يتعجب كثيرون عندما يسمعوننى وأنا أتحدث بأمل وتفاؤل عن المستقبل.
فأنا لا أخاف على مصر أبدًا.
صحيح أننى أتعامل بحذر شديد مع ما يحيط بنا، لكننى أعرف أن أحدًا لن يقدر علينا، حتى لو تعرضنا لأزمات أو مشاكل، أو حاول كثيرون أن يلحقوا بنا الأذى مهما كانت درجته، فلدينا شعب حقيقى، أبناؤه أبطال حقيقيون، فى اللحظة المناسبة يظهر معدنهم الحقيقى، وإذا أردتم أن تتأكدوا من ذلك، فليس عليكم إلا أن تتأملوا مرة أخرى ما حدث فى ملحمة دمياط، التى أعتقد أنها أصبحت من معاركنا الكبيرة التى تثبت أننا نستطيع أن ننجح.. عندما نريد ذلك