نسخة واحدة.. كتاب بريطانى جديد: «يا نساء العالم.. كفاية فلاتر»
- معايير الجمال تدفع النساء إلى السعى وراء «الكمال الوهمى»
- تكلفة هوس النساء بالمظهر: أموال باهظة وصحة نفسية وجسدية فى أسوأ حالاتها
«أحب الحرية فى أن أعيش فى الجسد الذى أختاره، فى الجسد الذى يحملنى، وسمح لى بأن أحتضن، وأن أهب الحياة، وأن أسقط ثم أنهض من جديد. جسد يستحق الاحترام والحب والامتنان فى جميع مراحله».. هكذا علّقت جورجينا رودريجيز، شريكة لاعب الكرة العالمى كريستيانو رونالدو، بعد الهجوم والانتقادات التى انهالت عليها بعد نشرها صور غير مُعدّلة، خلال عطلتها الصيفية الأسبوع الماضى.
«جورجينا» قالت أيضًا، تعليقًا على تلك الانتقادات: «سيتغيّر جسدى، كما تتغيّر أجساد جميع النساء. وآمل أن يستمر فى التغيّر لسنوات طويلة، لأن ذلك يعنى أننى ما زلت أعيش».

ردود الفعل المتباينة على ما قالته واحدة من أشهر نساء السنوات الأخيرة، والتى تعد رمزًا للإثارة والجاذبية وخضعت بالفعل لعدة إجراءات تجميلية، فتحت نقاشات واسعة حول التنمّر على المظهر الجسدى، وكيف تدفع المرأة ثمن معايير الجمال غير الواقعية والضغوط المجتمعية التى تُفرض عليها. كما أثارت نقاشات حول تأثير الإعلام، وصورة الجسد، وتسويق الحميات الغذائية، وفلاتر التجميل، وعمليات نحت القوام، وثقافة «السيليكون والفيلر والبوتوكس»، وتكبير مناطق معينة بالجسم وغيرها من تقنيات التجميل الأخرى.
اتصالًا مع تلك النقاشات المستمرة حول الكمال والجسد الأنثوى المثالى، يبرُز كتاب جديد مُهم يحمل عنوان «ثمن الجمال: كيف تُحطّ معايير الجمال السامة من قدر المرأة؟ وكيف يمكننا التصدى لها؟»، الصادر عن دار نشر «هاربر كولينز»، فى مايو الماضى، وتلقى «حرف» الضوء عليه فى السطور التالية.

كتاب «ثمن الجمال: كيف تُحطّ معايير الجمال السامة من قدر المرأة؟ وكيف يمكننا التصدى لها؟» من تأليف أليكس لايت، صاحبة الكتب الأكثر مبيعًا فى «صنداى تايمز»، التى تُحلل معايير الجمال القاسية التى تُفرض على النساء، وكيف يُمكن للمرأة مقاومتها وكسر هذه الحلقة المفرغة.
وحسب ما جاء فى الكتاب، تُخبر معايير الجمال القاسية النساء بأن قيمتهن مشروطة، وأنهن لسن جيدات بما فيه الكفاية كما هن، بل يحتجن دائمًا إلى تعديلات وتحسينات ومرشحات، ويمحين أنفسهن ليصلن إلى هدف الكمال المتغير باستمرار فى عالم ملىء بالتعديلات وعمليات التجميل السريعة، والإعلانات المستمرة لأدوية إنقاص الوزن.
وتكشف المؤلفة فى الكتاب عن التكلفة الباهظة للجمال، وتُطلق نداءً مُدوّيًا للنساء جميعًا ليسيطرن على ذلك الهوس، فالمرأة ليست المشكلة أصلًا، وعليها التحرر من ضغوط معايير الجمال السائدة فى الوقت الحالى.
وتبحث أليكس لايت، فى كتابها المكون من ٢٤٠ صفحة، عن القوى الكامنة وراء واقع الجمال المُظلم الذى تعيشه النساء اليوم، من صعود التقنيات والعلاجات الجديدة التى تُسوَّق على أنها «عناية بالبشرة والجسم»، والصناعات التى تستغل مخاوف المرأة لتحقيق الربح، إلى الرسائل السامة التى تتناقلها الأجيال، حتى وصل الضغط عليها لتكون دائمًا فى ريعان الشباب، ببشرة طبيعية مُفلترة، وقوام مثالى إلى حدٍ لا يُطاق، ومن ثم تدفع النساء ثمنًا باهظًا: ماديًا وجسديًا وعاطفيًا ونفسيًا.
وتدعو الكاتبة النساء إلى تقبّل أجسادهن، وإعادة النظر فى نظرتهنّ لأنفسهنّ وللآخريات، ضاربة مثالًا لصورة حديثة للنجمة كاميرون دياز، استغلها صحفى فى إحدى الصحف الأمريكية كذريعة لهجوم لاذع، زاعمًا أن الممثلة تبدو «أكثر إرهاقًا من المعتاد»، وأنها «تتبنّى موضة تقبّل الذات بشكل مبالغ فيه».
والنجمة العالمية سبق أن عرّفت الموضة بأنها الظهور دون مكياج أو «بوتوكس»، وصرّحت أيضًا: «أفضّل أن أرى وجهى يتقدّم فى السن على أن أرى وجهًا لا ينتمى إلىّ»، وهو ما يميزها عن مظهر هوليوود المثالى الذى اعتدنا عليه من المشاهير.
وتعلّق المؤلفة بأنه ليس فى هذا النوع من الصحافة أى جديد، بل يبدو وكأنه عودة مباشرة إلى ثقافة التنمّر على الجسد فى التسعينيات وبداية الألفية، والتى تجسّدت فى مجلة «هيت».
ورغم أن مراقبة أجساد النساء لم تختفِ قط، بل انتقلت إلى الخفاء، أو اختفت وراء حماية الصور على الإنترنت، فإن من المقلق أن تشعر صحفية، وهى امرأة بطبيعة الحال، بالثقة الكافية للانخراط فى هذا النوع من النقد الصريح لمظهر شخص ما.
وتضيف: «يبدو أن الصحافة لم تتعلم شيئًا من قصص مشاهير نساء تدمرت صحتهن النفسية بسبب هذا النقد الموجّه إلى أجسادهن، أمثال بريتنى سبيرز وإيمى واينهاوس وغيرهما الكثير».
وتدعو «لايت» إلى إعادة نظر جذرية فى معايير الجمال غير الواقعية، مشيرة إلى أن النساء اللاتى يتقدمن فى السن تحت الأضواء، بل وجميع النساء بشكل متزايد، يواجهن مأزقًا مزدوجًا.
وتوضح ذلك بقولها: «لا توجد طريقة للتقدم فى السن بشكل صحيح. إما أن تُتهمى بالإهمال أو بالتصنّع، فإذا اتبعتِ مثال كاميرون دياز ولم تُجرى أى تغييرات على وجهكِ، ستُتهمين بالإهمال، بينما إذا اخترتِ الخضوع لعملية جراحية سيُقال لكِ إنكِ مُزيفة ومُصطنعة وقدوة سيئة».
وتنبّه إلى «ميلنا المتجدد إلى الحكم على أنفسنا، وعلى بعضنا البعض بقسوة، سواءً كان ذلك بسبب عدد التجاعيد على جباهنا أو مقاس ملابسنا، هو نتيجة مباشرة لانتشار أدوية التخسيس والنحافة السريعة».
وتضيف: «لقد سمح لنا ذلك بالتعليق بسهولة وصراحة أكبر على أجساد النساء، وعاد الوزن، على وجه الخصوص، إلى صدارة النقاشات. ومع ازدياد انتشار هذه الأدوية، لم تعد النحافة مجرد طموح، بل أصبحت أمرًا متوقعًا».


ينطبق الأمر نفسه على صناعة التجميل، وفق مؤلفة الكتاب، فكلما زاد وعدنا بمسار سريع للحصول على وجه شاب، عن طريق إجراء تعديل بسيط فى أى مركز أو عيادة، على سبيل المثال، أصبح من غير المقبول للناس التخلى عن هذه الحلول.
وتشير إلى أن كاميرون دياز، بصفتها شخصية مشهورة ثرية، تمتلك الوسائل والقدرة على الوصول إلى علاجات التجميل، لذا فمن المؤكد أنها كان ينبغى أن تستفيد منها. و«يكاد الأمر يكون أشبه بالذهول. وكأننا نتساءل: لماذا تستسلم؟!».
وتعتقد المؤلفة أن السبيل الوحيد أمام النساء لاستعادة السيطرة على مفهوم الجمال هو البدء فى حساب التكلفة الحقيقية للرغبة فى الظهور بشكل معين، مشيرة إلى أن هذه المُثُل السامة تُكلّف النساء الكثير من المال والوقت والصحة النفسية.
وتضيف: «من المهم حقًا أن ننظر فى كيفية دفعنا ثمن كل هذا الجهد، لا أقصد التكلفة المالية فحسب، بل أيضًا الجهد الذهنى والوقت الذى يستغرقه منا»، مؤكدة أنها «تكلفة لا يتحملها الرجال ببساطة، وأعتقد أن هذا ما يجب أن يثير غضبنا، أو على الأقل يحفزنا على المقاومة وتحدى هذه المعايير الجائرة».
وتنصح «لايت» النساء اللواتى يشعرن بالضعف بأن «يتعمقن فى فهم الأسباب» قبل الشروع فى اتباع نظام غذائى جذرى لإنقاص الوزن أو الخضوع لعمليات تجميلية، قائلةً: «اسألى نفسكِ، هل سيجلب لكِ هذا إشباعًا أو رضا حقيقيًا، أم أنكِ تفعلين ذلك لمجرد خوفكِ من أن تبدى مختلفة عن الأخريات؟».
وتنبّه إلى ضرورة تعريف الصحة بشكل أوسع: ليس فقط من خلال مؤشر كتلة الجسم أو الأرقام على الميزان، بل أيضًا من خلال حالتنا النفسية ونظرتنا إلى العالم، مضيفة: «لقد أمضيتُ سنواتٍ أسيرةً لتدنى تقدير الذات وصورة الجسد السلبية.. لقد كان وضعًا مريعًا، وأشعر بالندم على تلك الفترة».
وتشدد على أن ما يحفزها هو «ضمان ألا ينتهى المطاف بنساءٍ أخريات إلى عيش حياةٍ أقلّ شأنًا لأنهنّ يشعرن بأنهنّ غير كافيات».
وتشير إلى أن من أهم مُحركات «ديستوبيا» الجمال الحديثة اليوم، والتى تتسبب فى شعور النساء بعدم الكفاية وبعدم الثقة فى وجههن وأجسادهن: الوهم الرقمى.
وتشرح: «يتجلى الوهم الرقمى فى صور الذكاء الاصطناعى التى لا مفر منها، وأدوات التعديل، وفلاتر وسائل التواصل الاجتماعى التى تخلق معيارًا مستحيلًا للمظهر البشرى، بالإضافة إلى انعدام الأمان المُسوّق، حيث تستفيد صناعات الصحة والتجميل بشكل مباشر من خلال إقناع الناس بأن الشيخوخة الطبيعية أو الأجسام الطبيعية عيوب تحتاج إلى تصحيح، علاوة على الإجراءات التجميلية السريرية السريعة التى تُطبع التعديل الجسدى المستمر تحت قناع الصيانة الروتينية».
وتواصل: «استغلت صناعة التجميل الجمال كسلاح وباعته للنساء، فهن يخضعن الآن لعمليات تجميل غير ضرورية، وينفقن ثروات طائلة، وتتراكم عليهن قروض ضخمة لمجرد الظهور بمظهر فُرض عليهن، لدرجة أن النساء أصبحن يشبهن بعضهن، ثم تراهن يعانين من مضاعفات مؤلمة ومروعة يندمن عليها أشد الندم فيما بعد».
وكما تقول «لايت»، لا تكتفى آلة التجميل العملاقة، التى تُدرّ مليارات الدولارات، بالرغبة فى أموال النساء فحسب، بل تزدهر على حسدهن، فمن خلال الترويج المستمر لمفهوم «الكمال» المثالى الضيق والمتغير باستمرار، تخلق هذه الصناعة ندرة مصطنعة للقيمة، وتجعل النساء يشعرن بأن التقدير المتاح محدود، فإذا تلقت امرأة أخرى مجاملة فإن ذلك يُثير حالة من الذعر الفورى لدى الأخريات، ويجعلهن يشعرن بالفشل.
وتضيف: «لقد تربت المرأة على النظر إلى كل امرأة أخرى لا كأخت، بل كمنافسة مباشرة فى مسابقة قاسية لم نطلب المشاركة فيها قط، وعندما ترى امرأة أخرى، تكون هذه الصناعة قد درّبت عقلها على مسحها ضوئيًا على الفور، وانتقادها، ومقارنة بشرتها، وشعرها وجسدها».
وإذا كانت النساء منشغلات بالتنافس فيما بينهن، وتحطيم بعضهن البعض، والتهافت على شراء أحدث منتجات العناية بالبشرة ذات الخطوات العشر، أو حجز موعد حقن «الفيلر» و«البوتوكس» بدافع انعدام الثقة بالنفس، فإننا نغفل عن «المفترس الحقيقى» وهو صناعة التجميل نفسها، التى حوّلت رغبة النساء الفطرية فى التواصل إلى سلاح للعزلة، مجبرةً إياهن على إنفاق أموالهن لمجرد البقاء مُسلّحَات فى حرب ضد بنى جنسهن.
ويعد واقع هذه الصيحات التجميلية سلسلة من الخسائر المالية الفادحة، والمضاعفات الطبية الخطيرة، التى تسمع المرأة عن بريقها، لكن لا يتم التحدث بما فيه الكفاية عن أخطاء حقن «الفيلر»، وموت أنسجة الجلد نتيجة الحقن الخاطئ، وتلف الأعصاب الدائم، والالتهابات الخطيرة الناجمة عن عمليات التجميل الرخيصة والمشبوهة.
وتغرق النساء حرفيًا فى ديونٍ طائلة، ويقترضن بفائدةٍ مرتفعة، ويشترين منتجاتٍ لا يحتجنها، كل ذلك سعيًا وراء مظهرٍ سيصبح موضة قديمة بحلول الموسم المقبل، وفق «لايت»، التى تضيف: «صناعة التجميل نجحت فى إعادة تسويق معايير الجمال تلك على أنها أشكال من التمكين، ما يُبقى النساء عالقات فى دوامة لا نهاية لها».

للخروج من تلك الدوامة والنجاة منها، تنصح «لايت» المرأة، فى كتابها، بأن ترفض تلك القيمة المشروطة التى تفرضها عليها الضغوط المجتمعية.
تقول، موجهة حديثها لكل امرأة: «ادركى أن قيمتكِ لا تعتمد على الكمال الجسدى أو مواكبة أحدث الصيحات، وراجعى حساباتكِ على مواقع التواصل الاجتماعى، ألغِ متابعة الحسابات التى تروج لمقارنات ضارة، أو صور غير واقعية، أو حميات غذائية قاسية».
وتضيف: «اعيدى تعريف مفهوم العناية الذاتية، وحوّلى تركيزكِ من تغيير مظهركِ إلى الاهتمام بشعوركِ، ومارسى التعاطف الجماعى وادعمى النساء والفتيات الأخريات برفضكِ الحكم على المظاهر الجسدية أو انتقادها، بما فى ذلك جسدك أنتِ».
وتشير إلى أن المرأة عليها إدراك من هو المستفيد الحقيقى، فمن أهم التحولات النفسية التى تُعلّمها «لايت» هو «تتبع مصدر الربح». تقول: «عندما تنظرين فى المرآة وتشعرين بانعدام الثقة بسبب تجعيدة أو ثنية أوعلامات تمدد وسيلوليت أو مسام، تذكرى أن صناعة ما قد صممت هذا الشعور لبيعكِ حلًا بثمن، لذلك يجب تحويل شكوككِ الذاتية إلى غضب مُحق تجاه نظام رأسمالى مُتلاعب يُسهّل عليكِ الانسحاب منه».
ويجب أن تستعيد النساء الاستقلالية وإعادة تعريف قيمتهن، فـ«التمرد الحقيقى هو تأكيد أن قيمتكِ غير قابلة للتفاوض ومستقلة عن مظهركِ، وحماية مساحتك الذهنية بشدة، واستثمار وقتك وذكائك وطاقتك فى هوايات وعلاقات وأهداف لا علاقة لها بمظهرك»، وفق مؤلفة الكتاب. وفى النهاية تقول «لايت»: «فى عالم مثالى حقيقى سنكون جميعًا محايدين تجاه أجسادنا، لن يكون مظهر المرأة موضوعًا لكتاب أو مقال رأى، لأنه لن تكون هناك حاجة إلى خوض هذا النقاش أصلًا.. لكننا لم نصل إلى ذلك بعد».







