التراث الضائع لـ«مبدع كبير».. نص مجهول بتوقيع عبدالفتاح الجمل
- انشغل بتقديم ونشر إبداعات جيل كامل من الكتاب وتاه عن نفسه
فى عامىّ 2014 و2015، كنت أكتب مقالًا يوميًا فى جريدة «التحرير»، المقال كان يهتم بالكتابة عن أحداث ثقافية أو فكرية حدثت طوال الوقت فى العقود السابقة، ومن بين اهتمامات المقال، كانت أحداث وكتب وشخصيات ثقافية تكاد تكون مجهولة تمامًا، ولا أثر لها، حتى فى أكبر دار مهتمة بتوثيق كل ما حدث فى الحياة المصرية منذ أزمنة بعيدة.
لكن الأيادى التى عبثت فى التراث المحفوظ الذى تقتنيه دار الكتب والوثائق القومية فعلت الكثير فى إفساد بعض الموروثات والوثائق المهمة. من الممكن أن يذهب أى باحث عن موضوع ما، فى مطبوعة صدرت فى عقد الأربعينيات أو الثلاثينيات على سبيل المثال، ويجد المطبوعة فعلًا، لكنه لا يجد الموضوع الذى تم اقتصاصه وسرقته عمدًا، فضلًا عن أنه ليست كل المطبوعات مُتاحة، وهناك إجابة تكاد تكون «أكليشيه»، وهى أن «المطبوعة فى الترميم». هذه إجابة سمعتها كثيرًا، والموظف الذى يتعامل بكل رقة معذور، فهو أمام أمر واقع. هناك كتاب للكاتب الصحفى الراحل يوسف الشريف، كتب فى مقدمته أنه حدث أثناء نقل كميات من الكتب التراثية والتاريخية من باب الخلق إلى المقر الجديد فى رملة بولاق، أن الكتب كانت تنقل على عربات «الكارو»، بالتالى كانت تتطاير عشرات الكتب التى ليس لها أى بديل، وهناك كتب كثيرة لمؤلفين مهمين، ليست موجودة، وعلى رأسهم الكاتب حافظ نجيب.
المهم دائمًا كنت مهتمًا فى مقالى اليومى بذلك المجهول فى الثقافة المصرية، وكان كثيرون يهاتفوننى عن كيف أصل إلى ذلك المجهول، وكان الدكتور جابر عصفور -رحمه الله- يتصل بشكل دائم لكى يناقشنى فى معظم ما أكتب، حتى فى فترة «استوزاره» للمرة الثانية، من يونيو ٢٠١٤ حتى نهاية فبراير ٢٠١٥.
فى أحد الأيام هاتفنى وقال لى: كيف نحافظ على التراث الثقافى والفكرى من الضياع؟ فقلت له: يادكتور أنا لسانى نشف فى التخاطب مع رؤساء دار الكتب المتعاقبين لإنشاء وحدة ببلوجرافيا كاملة ووافية ودقيقة لكل الكتاب والمفكرين والمبدعين المصريين، حتى يستطيع أى باحث يريد أن يكتب عن إبراهيم أصلان أو خيرى شلبى أو عبدالحكيم قاسم أو لطيفة الزيات أو إدوار الخراط مثلًا، فيجد معلومات كافية ودقيقة عن كل منهم، أول قصة أو مقال نشر له، وأين؟ وأول كتاب للكاتب، وأول مقال نقدى كتب عنه، أى أن يجد الباحث كل ما يخدم بحثه.
لكننى وجهت بإجابات تقول بأن الدار مشغولة أكثر بكل ما يخص الترميم، وذلك أكثر أهمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الكتب، رغم أن طلبى كان بسيطًا، هو إنشاء وحدة ببيلوجرافيا، يعمل فيها بعض المتخصصين فى شئون الفهرسة، وإجراء بحوث واسعة مثلما فعل الدكتور حمدى السكوت فى إنشائه لببلوجرافيات نجيب وطه حسين، ولكننى يئست تمامًا من إقناع المسئولين بذلك.
أنصت الدكتور جابر باهتمام، وقال لى: (سيبنى يومين وهرد عليك، وبالفعل هاتفنى بعد يومين وقال لى: اسمع يا شعبان، أنا عاوز نوسع فكرة وحدة الببلوجرافيا دى، ومن الممكن إننا نعمل حاجة تحت عنوان «المركز القومى للأدب العربى»، حاجة كده زى ما فرنسا أنشأت مركز «بومبيدو»، أو زى الروس ماعملوا مع تشيكوف، وبدل ما تبقى وحدة ببيلوجرافيا، تكون الوحدة دى مكونًا جزئيًا من ذلك المركز).
قلت له: «حاجة عظيمة جدًا والله، وأضاف قائلًا: وأنت تمسك المركز، فقلت له: أنا يادكتور اقتربت من الستين من عمرى، فمش هينفع، ثم إنى أنا بالذات لا أنفع فى مثل تلك المناصب العليا، وأنا آخرى أعرف أكتب مقالًا أو كتابًا، فقال لى: طيب إيه رأيك فى الناقد فلان الفلانى؟ فقلت له على الفور: مع احترامى لذلك الناقد، فهو لا يصلح لمثل تلك المهمة، لأننا نحتاج لمثقف موسوعى ومنفتح ويدرك كثيرًا من شئون الثقافة فى الماضى، وفى الحاضر، فقال لي: طيب تقترح مين؟، قلت له: أقترح الدكتورة عزة كامل، وهى روائية وكاتبة، فقال لى: طيب سيبنى أفكر».
كنت قد أعطيت الدكتور جابر فكرة عن الحوارات التى كانت تدور بينى وبين الصديق الراحل دكتور محمد كامل القليوبى، وهو أحد حافظى تراث جيل الستينات المخلصين، وكان معظم أبناء الجيل يمدونه بمخطوطاتهم التى كانوا يكتبونها، للدرجة التى خصص غرفة كاملة للاحتفاظ بكل المخطوطات التى ترد له، وكنت أزوره بين الحين والآخر لكى أستمتع بالفرجة على ذلك المتحف المنزلى.
من بين حكايات القليوبى، أنه بعد وفاة الأستاذ عبدالفتاح الجمل، جمع له غالبية ما كتبه من مقالات فى الأدب والفن الشعبى والموسيقى والسينما والتراث، بالإضافة إلى نصوص سردية مجهولة، حتى وصلت إلى عشرة مجلدات، وذهب بها إلى الدكتور سمير سرحان، الذى كان يدرك قيمة المثقفين وتحمس للنشر.
وعندما خاطبوا شقيق الراحل عبدالفتاح الجمل، رفض الموافقة على النشر، وقال إنه لا يوافق على نشر ذلك «الكفر»، وكان شقيق الجمل قد رحل فى ذلك الوقت، وأبلغنى د. القليوبى أنه تواصل مع «الأستاذ عوضين» -على ما أتذكر- وقال بأنه موافق على النشر.
فى اليوم الثانى هاتفتنى العزيزة عزة كامل، وقالت لى بأن الأستاذ محمود مراد، مدير مكتب دكتور جابر عصفور، هاتفها، وحدد معها ميعادًا للقاء جابر عصفور، ولم يقل لها أزيد من ذلك.
بعدها هاتفنى الأستاذ محمود وأبلغنى بالميعاد فعلًا، وذهبت، فوجدت الدكتور جابر ينتظرنا بالفعل، كذلك الصديق العزيز حلمى النمنم الذى كان رئيسًا لدار الكتب، وبالطبع الدكتورة عزة كامل، والمستشار القانونى لوزارة الثقافة، وكذلك المستشار المالى، ودكتور محمد كامل القليوبى.
جلسنا ما يقرب من الساعتين لرسم ذلك الكيان الذى نحلم به، وأخيرًا قال دكتور عصفور: «كده إحنا اتفقنا على كل شىء ومعاكم حلمى، والمستشارين، واتصرفوا وعاوزين حاجة كويسة، وانصرفنا فرحين بمجرد السير نحو تحقيق حلم ما».
تلكأنا بعض الوقت، وكان لا بد أن نجتمع مع الأستاذ حلمى فى دار الكتب، ونكون قد وضعنا بداية ما، وكان الدكتور القليوبى هاتف الأستاذ عوضين، الوكيل الأول الذى سوف يوقع على العقود المعنية بنشر تراث عبدالفتاح الجمل، وحدد معه الميعاد الذى سنذهب فيه إلى الصديق حلمى النمنم.
وبالفعل ذهبنا، ربما فى أول مارس ٢٠١٥، وعقدنا اجتماعًا فى مكتب الأستاذ حلمى، واتفقنا على تجهيز العقود وما يستلزم النشر، ثم نستكمل ما يبقى من خطوات لاستكمال ما ناقشناه فى مكتب الدكتور جابر عصفور، وطبع ونشر ما لا يعرفه المصريون عن مبدعيهم وكتابهم، وانصرفنا ونحن فى غاية النشوى.
وأنا فى طريق العودة، هاتفنى الناشر الراحل محمد هاشم، وقال لى: يا شعب، مين الدكتور عبدالواحد النبوى؟ قلت له: معرفش يامحمد والله، ماله؟ قال لى: ده صدر قرار يبقى وزير ثقافة، قلتله: أنت بتهزر ياهاشم، ولا أنت مجنون؟، قالي: هو أنا ههزر فى حاجة زى كده، أقسم بالله إنه جه وزير، واقرا الخبر فى «اليوم السابع».
طبعًا كان كثيرون مثلى لا يعرفون الدكتور عبدالواحد النبوى، وهكذا ضاع حلمنا، ولم نتحدث عنه مع الوزير الجديد، وكذلك ضاع تراث «الجمل» مرة أخرى، حتى سعت الكاتبة الصحفية عائشة المراغى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبذلت مجهودات طيبة فى البحث عن مجهولات «الجمل» التى لا تنتهى، ونشرتها فى كتابين.
لكن مجهولات «الجمل» لا تنتهى، ومن بينها تلك السلسلة السردية التى كان يكتبها تحت عنوان «يوميات الشعب»، وتضم كتابة بعنوان «مذكرات مدرس فى الأرياف»، ننشرها فى الصفحات التالية. بدأ «الجمل» فى كتابتها من ٢٢ أكتوبر ١٩٥٩، وظل يكتبها لمدة أسابيع، لم يكتب عنها رواية، ولم يقسمها إلى فصول، ولكنها كتبت بذلك الخيال الروائى الجامح.
تحمل هذه الصفحات كثيرًا من ذلك الواقع الذى عاشه «الجمل» عندما عمل مدرسًا بعد تخرجه فى عقد الأربعينيات قبل أن يلتحق بقطار الصحافة كما يصفها موسى صبرى. ويحرص «الجمل» فى تلك اليوميات على رصد كل ملامح المدارس والمدرسين فى ذلك الوقت، ما يبعث المرء على المقارنة الحتمية بين كيف تجرى عملية التعليم فى بلادنا منذ أزمنة بعيدة حتى الآن.
لم تصدر له سوى رواية «محب»، ورواية «الخوف»، وكتاب «طواحين آمون»، وكذلك قصص «وقائع عام الفيل». ولأنه انشغل بتقديم ونشر إبداعات جيل كامل من الكتاب، تاه عن نفسه، وكل جيل الستينيات والسبعينيات يعتبرونه أيقونة كبرى من أيقونات الأدب المصرى.







