الجنرال المؤسس.. متى تنقذ وزارة الآثار ضريح وقُبّة الفرنساوى؟
- سليمان باشا الفرنساوى مُؤسس الجيش المصرى الحديث وناظر أول مدرسة حربية
«إنّ المصريين هم خير من رأيتهم فهم يجمعون بين النشاط والقناعة والجلد على المتاعب مع انشراح النفس وتوطينها على احتمال صنوف الحرمان، ولقد رأيتهم فى معركة قونية فى 21 ديسمبر 1832 يبقون سبع ساعات متوالية فى خط النار محتفظين بشجاعة ورباطة جأش تدعوان إلى الإعجاب دون أن تختل صفوفهم أو يسرى إليهم الملل أو يبدو منهم تقصير فى واجباتهم الحربية»، شهادة سليمان باشا الفرنساوى عمرها 195 سنة تقريبًا، وهو مؤسس الجيش المصرى فى عهد محمد على باشا عن عبقرية الأداء القتالى للمصريين، وذلك عقب معركة قونية التى هزم فيها الجيش المصرى الجيش العثمانى عند مدينة قونية وأصبح الطريق مفتوحًا للأستانة قبل أن تتحالف القوى الاستعمارية لتحجيم الجيش المصرى بقيادة إبراهيم باشا بن محمد على والى مصر، والشهادة منشورة بمجلة المصور دار الهلال سنة 1941.


ولد جوزيف سيف يوم ١٤ مايو ١٧٨٨ بإحدى السفن البحرية التى كان يمتلكها والده فى مدينة ليون بفرنسا، كما يؤكد الأمير عمر طوسون فى كتابه: الجيش المصرى البرى والبحرى فى عهد محمد على، مطبعة صلاح الدين الكبرى بالإسكندرية، الطبعة الثانية سنة ١٩٣١، والتحق جوزيف سيف بالجندية وشارك فى حروب نابليون بونابرت، وظلّ يرتقى فى الرتب إلى أن وصل إلى رتبة كولونيل، ومع نهاية عهد بونابرت اضطر للخروج من الجندية؛ لكن الجندية كانت تجرى فى دمائه، فظلّ يسعى للعمل على تدريب الجيوش، فنصحه الكونت دى سيجور بالذهاب إلى مصر، وبالفعل تمكن من تحقيق مسعاه بلقاء الوالى محمد على، وعندما وصل جوزيف إلى مصر عام ١٨١٩ كان لا يزال الصراع قائمًا بين محمد على والمماليك من الصف الثانى والثالث بعد مذبحة القلعة الشهيرة عام ١٨١١ التى تخلص محمد على فيها من ٤٧٠ قائدًا من قادة المماليك، فاقترح عليه جوزيف ألا يعتمد على المماليك إذا أراد بناء جيش قوى؛ لأن المماليك مجموعة من المرتزقة الذين يُحاربون فى صف مَنْ يدفع لهم، ونصحه بالاعتماد على المصريين أولاد البلد الحقيقيين والمخلصين لبلدهم، وفى البداية رفض محمد على تجنيّد الفلاحين من الوجه البحرى أو من صعيد مصر؛ لأن الفلاحين هم الذين تعتمد عليهم الحكومة المصرية فى زراعة الأرض، ولهذا ظلّ جوزيف سيف- الذى أسلم واختار اسم سليمان الفرنساوى- يشرح فكرته للوالى محمد على، وأن فكرته تعتمد على تجنيّد شباب الفلاحين لمدة ثلاث سنوات فقط؛ وبعدها يعود هؤلاء الفلاحون إلى بيوتهم وأرضهم، ويتم تجنيّد غيرهم، وهكذا اقتنع محمد على بفكرة تجنيّد المصريين؛ ليشكلّوا أول فرقة من فرق الجيش المصرى الجديد، وبدأ سليمان الفرنساوى يشرح للوالى محمد على أنه يحتاج مكانًا واسعًا ليقوم بتدريب وتجهيز الفلاحين ونقلهم من فوضى المدنية إلى انضباط العسكرية، وخوفًا من غضب جنود المماليك قرّر محمد على إقامة أول مدرسة حربية فى أسوان عام ١٨٢٠؛ لتكون فى مأمن من غضب المماليك، وأصدر محمد على أول مرسوم بتاريخ ٢٥ جماد الأول سنة ١٢٣٧ هجرية الموافق ١٨ فبراير سنة ١٨٢٢ ميلادية بما يلى «وقد تقرّر أن يُجنّد المُجندون الجُدّد لمدة ثلاث سنوات فقط، يحصلون فى نهايتها على تذكرة مختومة، ويسمح لهم بالعودة إلى قراهم.. كل رجال الباشا، تأليف دكتور خالد فهمى، ترجمة: شريف يونس، دار الشروق بالقاهرة، الطبعة الأولى سنة ٢٠٠١، ص ١٢٧»، وأصدر محمد على ثانى مرسوم بنفس التاريخ بأن يتولى الجنرال سليمان باشا الفرنساوى تدريب جنود الجيش الجديد، بعد أن منحه لقب باشا، وعيّنه ناظرًا للمدرسة الحربية فى أسوان التى ضمّت أول خمسمائة جندى لأول مرة من المصريّين، وكان الجنرال الفرنساوى المسئول الأول عن التدريب كما يؤكد دكتور خالد فهمى: «إلا أن سيف كان المدرس الأول، وكان مسئولًا أيضًا عن تدريب كل تلاميذ المدارس العسكرية والجنود بمدرسة أسوان، ومدرسة فرشوط، وكان عليه بصفة خاصة أن يُنسّق نشاط المدارس المختلفة، بحيث ينتهى إلى تشكيل أورط كتائب جديدة من المدربين حديثًا بقيادة الخرجين الجُدّد.. كل رجال الباشا، ص ١٢٨، ١٢٩».
وبعد سنة ونصف تقريبًا قام الجنرال سليمان باشا الفرنساوى بجهود جبارة فى تدريب الجنود فى المدرسة الحربية الجديدة، والتى وصل قوامها خلال السنة الأولى إلى ٢٥٠٠ جندى، وبعدها انتقل الجنود إلى صحراء المنيا، حيث أراد محمد على أن يشاهد تدريبات الجنود بنفسه وعلى الطبيعة، وعندما أعجبته التدريبات أثنى على جهود ناظر المدرسة الحربية سليمان باشا الفرنساوى، وطلب منه تجهيز الجنود لاستعراض عسكرى كبير سيحضره القنصل الفرنسى والقنصل الإنجليزى معًا، وهذا ما أكده دكتور خالد فهمى: «وفى نوفمبر سنة ١٨٢٣ وبينما كان الباشا ينتظر وصول أنباء هذه القوات إلى بنى عدىّ؛ ليشرف على عملية التدريب بنفسه، ودعا القنصليّين العاميّين البريطانى والفرنسى إلى المعسكر، وكانت النتيجة أكثر من مُرضية؛ حيث أدّت القوات استعراضًا مُبهرًا، كان الباشا سعيدًا برؤيته بلا شك، وفوق ذلك لقى أداء القوات إعجاب القنصليين؛ فقال دروفيتى القنصل الفرنسى العام: (إنّها حقّقت درجة من الدقة تُشرّف الضُباط الفرنسيين المسئولين عن تدريبها)، وكتب صولت القنصل الإنجليزى العام: (فخر واحتفال بالحرب المجيدة يومًا بعد يوم) ... كل رجال الباشا، ص ١٢٧». هذه القوات المصرية كانت نواة الجيش المصرى فى حملاته العسكرية فى اليونان وتركيا والتى وصلت إلى حدود الأستانة، وقد رافق الجنرال سليمان باشا الفرنساوى قائد الجيش إبراهيم باشا، وكان مساعده الأول خلال حرب اليونان، وقد انتهت الحملة العسكرية فى حرب المورة، وبعد الحرب رجع سليمان باشا الفرنساوى إلى مصر ومعه فتاة يونانية اسمها ماريا، أسلمت وأطلق عليها اسم: مريم، وتزوجها وأنجب منها ثلاثة أولاد، ولد اسمه: إسكندر بك؛ لكنه مات صغيرًا، وابنة اسمها: نازلى هانم، تزوجت نازلى هانم الفرنساوى من محمد شريف باشا رئيس الحكومة المصرية، وأبوالدستور المصرى، وأنجبا فوقية هانم التى تزوجت من عبدالرحيم باشا صبرى وزير الزراعة التى أنجبت نازلى هانم صبرى التى تزوجت من الملك أحمد فؤاد ملك مصر والسودان، وأنجبا الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان، آخر ملوك عصر الأسرة العلوية التى انتهت بتاريخ ٢٦ يوليو ١٩٥٢.


من الآثار التى تركها سليمان باشا الفرنساوى فى منطقة مصر القديمة، قصر كبير أقامه على نهر النيل مقابل مقياس النيل، وظلّ قصر الفرنساوى موجودًا حتى عام ١٩٤٧، وبعد تهدمه بنيت على مساحة أرض القصر ثلاث مدارس لتعليم أهل المنطقة: مدرسة فؤاد جلال الإعدادية بنين، ومدرسة عمرو بن العاص الإعدادية بنات، ومدرسة مصر القديمة الابتدائية المشتركة، وبنى سليمان باشا الفرنساوى مسجدًا كبيرًا قبل وفاته بأشهر على نهر النيل، ولا يزال المسجد موجودًا باسم: مسجد الفرنساوى، وسجلت مئذنة مسجد الفرنساوى ضمن الآثار الإسلامية لقيمتها التاريخية.

مئذنة مسجد سليمان باشا الفرنساوى، مصر القديمة، القاهرة، رقم التسجيل: ٦٣١، رقم الأثر: ٥٨٩
الموقع: تقع فى ٩٦٥ شارع كورنيش النيل بحىّ مصر القديمة فى مدينة القاهرة
المنشئ: أنشأها سليمان باشا الفرنساوى خلال عصر أسرة محمد على، وذلك عام ١٢٧٧هـ/ ١٨٦٠م.
تاريخ الإنشاء: عام ١٢٧٧هـ/ ١٨٦٠م
الوصف المعمارى: تتكون العمارة الخارجية لهذه المئذنة، التى خضعت للعديد من أعمال التغيّير عبر الزمن، من قاعدة حجرية مربعة مشطوفة الأركان من الأعلى، يرتكز عليها بدن أسطوانى مُضلع مكوّن من ثمانية أضلاع.
ويشتمل هذا البدن على دورتين:
الدورة السفلية: تحتوى فى ضلعها الجنوبى على نافذة صغيرة مخصصة للتهوية والإنارة، تتخذ شكل نجمة سداسية، بينما تظهر فى ضلعها الشمالى نافذة معقودة بعقد نصف دائرى، تلى ذلك شرفة خشبية ترتكز على حطتين من المقرنصات، يُحيط بها درابزين خشبى.
الدورة العلوية: أصغر حجمًا من السفلية، وتتوج بقمة خشبية مخروطية الشكل، مضلعة بثمانية أضلاع، وتُشبه فى هيئتها رأس القلم، أما من الداخل، فيمكن الوصول إلى المئذنة عبر فتحة باب تقع فى الطرف الغربى للقاعدة، تؤدى إلى سلم داخلى ينتهى عند الشرفة الخشبية المذكورة.


بعد كل هذه الجهود التى قدّمها سليمان باشا الفرنساوى للجيش المصرى، والتى نجحت نجاحًا كبيرًا خلال ثلاث سنوات، أى بنهاية سنة ١٨٢٤ نجح فى تدريب أكثر من ٢٥ ألف جندى وضابط، تم تقسيمهم إلى ستة ألوية، كل لواء يضم من أربعة إلى خمسة كتائب عسكرية، وبعد أن شاهد محمد على الاستعراض العسكرى بنفسه فى صحراء المنيا أمر بنقل هذه الكتائب إلى القاهرة، استعدادًا لمشاركة الجيش المصرى فى إخماد ثورة اليونان ضد حكم العثمانيين، والتى عرفت باسم حرب المورة التى استمرت أربع سنوات من عام ١٨٢٤ حتى عام ١٨٢٧، وقد شهدت الدول الأوروبية بتفوق العسكرية المصرية وما حققته من انتصارات، وخوفًا من تغلغل نفوذ محمد على تدخلت الدول الأوروبية لإجبار محمد على لسحب جيوشه والعودة إلى مصر مرة أخرى، وبعد عودة الجيش إلى مصر استمر سليمان باشا الفرنساوى فى تدريب مزيد من الأعداد حتى وصل عدد الجيش المصرى عام ١٨٣٣ إلى ١٦٩ ألف جندى، وفى سنة ١٨٣٩ وصل عدد الجيش المصرى إلى ٢٣٦ ألف جندى، مِمّا استدعى محمد على أن يصدر مرسومًا بإنشاء ديوان الجهادية تكون وظيفته تنظيم أمور الجيش وتأمين احتياجاته الضرورية من طعام وشراب وأسلحة وذخائر وتنظيم رواتب الضباط والجنود، وأصدر محمد على مرسومًا بتولى سليمان باشا الفرنساوى منصب ناظر الجهادية، وقد توفى إبراهيم باشا يوم ١٠ نوفمبر سنة ١٨٤٨، واستمر الفرنساوى فى منصبه بعد وفاة محمد على فى ٢ أغسطس سنة ١٨٤٩، وكذلك استمر الفرنساوى فى منصبه خلال فترة حكم عباس باشا الأول الذى تولى حكم مصر خلال الفترة من ٢٤ نوفمبر سنة ١٨٤٨ حتى توفى فى ١٣ يوليو ١٨٥٤، وبعدها تولى حكم مصر محمد سعيد باشا خلال الفترة من ٢٤ يوليو سنة ١٨٥٤ حتى ١٨ يناير سنة ١٨٦٣، إلا أن سليمان باشا الفرنساوى توفى يوم ١١ مارس ١٨٧٢ ودفن بمدفن خاص بحىّ مصر القديمة. وبعد سنتين شيّد المهندس المعمارى الألمانى الكبير كارل فيلهلم فون ديبيتش، الذى صمّم قصر الجزيرة فى الزمالك للإمبراطورة أوجينى، والذى أصبح الآن فندق ماريوت، ضريحًا عند نهاية الطرف الغربى لقصر سليمان باشا الفرنساوى بأمر من محمد شريف باشا زوج ابنته نازلى هانم سليمان الفرنساوى، وتمّ نقل رفات الفرنساوى إلى الضريح الحالى والذى سُمىّ فيما بعد ميدان الفرنساوى، وأصبح الشارع يحمل اسمه، شارع سليمان باشا الفرنساوى متفرع من شارع كورنيش النيل بمصر القديمة، هذا الضريح تعلوه قُبّة تُعدّ تحفة معمارية نادرة؛ لأن الضريح يتكون من حجرة مثمنة الشكل مبنية بالطوب الآجر، تعلوها قُبّة مصنوعة من الحديد الزهر المشغول والمزخرف بالورود، بتصميم معمارى يُعدّ مزيجًا من الهندسة المعمارية الإسلامية والهندسة المعمارية الأوربية، كما تُحيط بالقُبّة شرفة أخرى من الحديد الزهر المشغول والمطعمة بأشكال نباتية مُفرغة تعكس دِقّة الحرفيّين المهرة الذين قاموا بتصنيعها، ولهذا تُعدّ القُبّة إحدى القباب النادرة للعمارة الإسلامية والتى باتت مشهورة باسم قُبّة الفرنساوى، وبعد وفاة زوجته السيدة مريم الفرنساوى، أقيم لها ضريح آخر بجوار ضريح زوجها، وأحيط الضريحان بسور من الحديد الزهر المشغول والمزخرف بالورود، والمصنوع بنفس الطريقة التى صُنِعَ بها قصر الجزيرة، فندق ماريوت حاليًا، والذى صمّمه أيضًا المهندس الأمانى كارل فيلهلم فون ديبيتش؛ وأرضية قُبّة الفرنساوى وشاهد مقبرته مُغطاة بالرخام ومحفورة عليها تشكيلات فنيّة بالخط الكوفى لآيات من القرآن الكريم؛ لتضيف للقُبّة جمالية روحية، ولهذا تُعدّ القُبّة تحفة معمارية وأثرية مرّ عليها أكثر من ١٦٥ عامًا، والقانون يؤكد أنّ أى مبنى ذى طراز معمارى فريد يمرّ عليه أكثر من مائة سنة لا بد أن يُدرج ضمن المبانى الأثرية المهمة، وكان زائر الضريح والقُبّة لا بد أن يمرّ عبر مدرج رخامى مصنوع من نوع نادر من الرخام المستورد، ويؤدى المدرج الرخامى إلى رواق مكشوف يحوطه سور من الحديد الزهر المشغول والمزخرف بالورود على شكل دائرة كبيرة.

الآن تقف قُبّة الفرنساوى وتحتها ضريح الجنرال سليمان باشا الفرنساوى مُؤسس الجيش المصرى الحديث وناظر أول مدرسة حربية، الكلية الحربية الآن، يقفان فى العراء، ويعانيان من إهمال وزارة الآثار، وبعد أحداث الفوضى عام ٢٠١١ تم الاعتداء على الضريح؛ فاقتلعت مربعات الرخام النادرة، وانتزعت بعض أجزاء من السور الحديدى، وماتت السيدة أم محمد، آخر موظفة كانت مُعيّنة من قبل وزارة الآثار، وأصبح الضريح مرتعًا للكلاب الضالة، ولأولاد الليل ومدمنى المخدرات، وبات السور مقلبًا للزبالة، وبات ضريح سليمان باشا الفرنساوى بلا رعاية أو عناية، وأصبح يشكو لله صباحًا مساءً من الإهمال الشديد رغم قيمته ورمزية صاحبه، صاحب التاريخ الطويل للعسكرية الوطنية المصرية.







