هيكل أمريكا.. مذكرات بوب وودوارد: أسرار 80 سنة فى عالم السياسة والصحافة الصاخب
- المذكرات تكشف كواليس عن 9 رؤساء أمريكيين بدءًا من «نيكسون» حتى «ترامب»
- بنى شبكة معارف واسعة للحصول على الوثائق السرية
أطلق عليه الكاتب والمفكر والمؤرخ البارز محمد حسنين هيكل لقب «عميد صحافة التحقيق»، ووصفه بأنه أحد أهم رموز هذا النوع من الصحافة فى العالم، لدرجة أنه اعتمد على تحقيقاته كوثائق مهمة، واستعرض محتواها فى كتبه ومقالاته لتفسير كواليس السياسة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وحروب واشنطن، وقرارات البيت الأبيض.
إنه بوب وودوارد، الصحفى الاستقصائى الأمريكى الأشهر، الكاتب الأكثر مبيعًا فى العصر الحديث، الذى اعتبر «هيكل» تحقيقاته مرجعًا موثوقًا فى الكثير من مؤلفاته، مثل كتاب «الإمبراطورية الأمريكية»، و«مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان».

لا يوجد صحفى له تأثير وطنى عالمى أكبر من «وودوارد»، ولا مؤلف حظيت كتبه بتغطية إعلامية أوسع منه، بدءًا من «كل رجال الرئيس» إلى «حرب»، والتى كان يفاجئ القراء فيها بمعلومات وأسرار لا أحد يستطيع الوصول إليها، حتى يتساءل الجميع مع كل كتاب يصدره: كيف فعلها؟ كيف وصل إلى كل تلك الوثائق؟ كيف يحفز المصادر على الحديث معه لعقود وإمداده بكل تلك الملفات؟
أخيرًا سيحصل العالم على إجابات عن كل تلك الأسئلة، بعد أن قرر الرجل أن يكشف لأول مرة، فى مذكراته الاستثنائية وغير المسبوقة «أسرار: مذكرات صحفى»، بتفصيل دقيق عن أساليبه الصحفية، رافعًا الستار أخيرًا عن تفاصيل علاقاته بأبرز مصادره.


فى «أسرار: مذكرات صحفى»، التى انكبّ على كتابتها بجد خلال العام الماضى تقريبًا، واستغرقت مساعدته كلير ماكمولين سنوات عديدة لجمع كل الملفات التى يحتاجها من أجلها، يقدم «وودوارد» لأول مرة آراءه الشخصية حول كل شىء كما رآه فى حينه، ودوّنه فى ملاحظاته المفصلة، مع عرض تأملاته الآن وهو فى الـ٨٣ من عمره، مقدمًا للقارئ «التاريخ كما حدث بالفعل».

وتصل مذكرات الصحفى الأشهر فى العالم إلى المكتبات، خلال سبتمبر المقبل، عن دار نشر «سايمون آند شوستر» ذائعة الصيت، ويستعرض «وودوارد» فيها تفاصيل مسيرته المهنية، والتى بدأت بكشف فضيحة «ووترجيت».
ويروى «وودوارد» تفاصيل تغطيته لكواليس وخفايا ٩ رؤساء أمريكيين، بدءًا من «نيكسون» حتى «ترامب»، مع التركيز على كشف تفاصيل العمل الصحفى الاستقصائى، وطريقة تعامله مع الوثائق السرية، مسلطًا الضوء على القصص الحقيقية التى تقف وراء بعض أهم الأخبار التى هزت الرأى العام الأمريكى والعالمى.
ويشرح فى تلك المذكرات النادرة التى ستُحدث نقلة نوعية فى عالم الصحافة كيف استطاع إقناع كبار المسئولين بالاعتراف ومنحه تلك الوثائق الحساسة، بل سيشارك القواعد الذهبية التى ميزت مسيرته فى الحصول عليها، وإجراء كل تلك التحقيقات الاستقصائية التى أسرت العالم، علاوة على تفاصيل المقابلات المعمقة التى شكلت الثقافة السياسية الأمريكية، وتعد دليلًا عمليًا لفهم أساليبه، لتمثل المذكرات عودة إلى قصته كصحفى وكحالة فريدة فى عالم الصحافة.
ولن تقتصر مذكرات «وودوارد»- التى قرر أن يصدرها أخيرًا- على سرد عقود من العمل الصحفى فى واشنطن، بل يأخذ القراء إلى ما هو أبعد من تحقيقاته الاستقصائية وكتبه الشهيرة، ليُطلعهم على الحياة الصحفية الكاملة لرجل وصلت أعماله الصحفية إلى أروقة المؤسسات الحكومية، وأثّرت فى الحوار الوطنى، وشكّلت جزءًا من الثقافة الأمريكية.
وتتناول المذكرات أيضًا ما يُسمى بـ«مصادره الخالدة»، والذين توفى العديد منهم. وسبق أن صرح لموقع أكسيوس الأمريكى قائلًا: «بعض أفضل مصادرى قد رحلوا، والآن يُمكننى سرد قصصهم. تُطلق زوجتى، إلسا والش، عليهم لقب (المصادر الخالدة). لكن هذا لم يعد صحيحًا، فقد رحلوا».
اعترف وودوارد بأنه لم يخطط قط لكتابة مذكراته، لكن مع بلوغه الـ٨٣ من عمره، أدرك أنه حان الوقت. يقول: «حان الوقت لتدوين بعضٍ من أفضل تقاريرى وتفاصيل أطول علاقاتى الصحفية».
ويحتفظ أسطورة صحيفة «واشنطن بوست» بملاحظات ونصوص وملفات جميع مقابلاته مع أهم الشخصيات فى واشنطن، التى تعود إلى عهد ريتشارد نيكسون وحرب فيتنام. وتكشف مذكرات «وودوارد» الفريدة من نوعها، والتى كتبها كصحفى، النقاب عن علاقاته الصحفية التاريخية ومصادره السرية، التى امتد بعضها لعقود.
وعن دوافعه لكتابة مذكراته، قال «وودوارد» إنها «فرصة للتعمق فى عملية التغطية الصحفية بتفاصيلها»، مشيرًا إلى أنه أجرى محادثات مطولة مع رؤساء وقادة آخرين وشخصيات بارزة استمرت لساعات، لم يتسرع فى نشرها حتى الآن.
وأكد أنه يمتلك عقودًا من التسجيلات الصوتية، والنصوص المكتوبة، والملاحظات الشخصية شديدة الدقة. لذا، على عكس كتبه السابقة، التى كانت عبارة عن سرد سريع لأحداث إدارات سياسية نشطة وما زالت فى موقع السلطة، يتباطأ هذا الكتاب فى شرح كيفية تمكن «وودوارد» من إقناع القادة النافذين بالتحدث، وكيف بنى الثقة مع مصادره، وكيف تمكن من الوصول إلى المعلومات السرية.


يروى بوب وودوارد، فى كتابه «أسرار: مذكرات صحفى»، قصته من الطفولة فى إلينوى إلى خدمته فى البحرية الأمريكية خلال حرب فيتنام، وصولًا إلى عمله فى صحيفة «واشنطن بوست»، حيث أسرت تقاريره مع كارل بيرنشتاين حول فضيحة «ووترجيت» العالم، وتحولت إلى كتاب «كل رجال الرئيس»، قبل أن تتحول إلى فيلم عام ١٩٧٦ يحوز على ٤ جوائز «أوسكار».
ويأخذ «وودوارد» القراء، كما لم يفعل من قبل، فى رحلة داخل كواليس تغطيته الصحفية للبيت الأبيض، والمحكمة العليا، وعمليات وكالة المخابرات المركزية «CIA»، والبنتاجون، بالإضافة إلى آرائه الشخصية حول القادة والمسئولين الذين التقاهم.
وتُعزز مذكرات «وودوارد» التزامه بإطلاع الجمهور والرأى العام على خبايا الإدارات الحكومية، من خلال تقديم وجهات نظره الشخصية حول كل ما شهده خلال مسيرته المهنية الحافلة، كما دوّنها فى ملاحظاته وتأملاته المفصلة، كاشفًا بتفصيل دقيق عن أساليبه الصحفية التى استخدمها للوصول إلى حقيقة العديد من القصص المؤثرة.
تأتى هذه المذكرات لتكمل إرث وودوارد الطويل فى اختراق كواليس البيت الأبيض والمؤسسات الأمريكية الحساسة. ويُشير النُقّاد إلى أن الكتاب يضع العقود الخمسة الماضية من التاريخ السياسى الأمريكى فى سرد متماسك وكاشف.
ويؤكد النقاد أن الكتاب يجمع أكثر من ٥ عقود من الصراعات السياسية والحروب وصنع القرار الرئاسى الأمريكى، مشيدين بتركيزه على كيفية ممارسة الصحافة، بدلًا من مجرد سرد الحقائق التاريخية، مع النظر إليه باعتباره تتويجًا بارزًا لمسيرته المهنية.
وتكشف المذكرات كيف استطاع «وودوارد» إقناع المسئولين المترددين بالكلام، ومصادره الدائمة، وتغطيته لكل رئيس أمريكى. ويحصل القراء من خلاله على نظرة نادرة على كيفية اختراق الصحفى الأشهر للمؤسسات الحكومية المغلقة.
من جهته، قال جوناثان كارب، الرئيس التنفيذى لدار النشر الأمريكية الشهيرة «سايمون آند شوستر»، الذى كان له دور بارز فى نشر كتب سياسية مهمة ومذكرات لمشاهير ورؤساء أمريكيين، واشتهر باختيار ومراجعة الكتب الناجحة: «هذه المذكرات عملٌ ضخم ورائع. قد يكون هذا أعظم إنجازات بوب وودوارد كمؤلف. لم يكن لأى صحفى تأثيرٌ أكبر منه فى تغطية تاريخنا. يضع كتاب (أسرار) السنوات الخمس والخمسين الماضية فى سياقها بطريقة آسرة وكاشفة».


تقع مذكرات بوب وودوارد فى حوالى ٣٨٥ صفحة، وتتضمن أبرز محاوره الكشف عن أسرار فضيحة «ووترجيت»، إذ بدأ الرجل مسيرته فى صحيفة «واشنطن بوست»، وفى عام ١٩٧٢، حقق مع زميله كارل بيرنشتاين فى فضيحة التجسس الشهيرة، وأدت تحقيقاتهما فى النهاية إلى استقالة الرئيس الأمريكى، ريتشارد نيكسون، فى سابقة هى الأولى من نوعها.
ويكشف «وودوارد» عن تفاصيل سرية عن كيفية تواصله وزميله مع مصدرهما السرى، الذى لقبه بـ«الحنجرة العميقة»، وأفاد عام ٢٠٠٥ بأنه المسئول الكبير فى مكتب التحقيقات الفيدرالى، مارك فيلت.
ويكشف أيضًا كيف طوّر تقنيات التحقيق الصحفى بالانتقال من القاعدة إلى القمة، ومنهجية العمل الاستقصائى منذ «ووترجيت». كما يوضح كيف بنى شبكة واسعة من المصادر داخل البيت الأبيض والمخابرات والجيش، رجاله الذين ساعدوه فى الحصول على معلومات مكنته من كتابة تحقيقاته الاستقصائية وكتبه البارزة، وكانوا وراء أهمّ سبقاته الصحفية. ويشرح قواعده الصارمة فى حفظ الأسرار لحماية مصادره، وكيفية إقناع المسئولين بالتحدث خارج السجلات الرسمية.
أما المحور الثالث فيختص بتغطية الرؤساء، عبر تسليط الضوء على كواليس تغطيته لقرارات حاسمة اتخذها رؤساء أمريكا، مثل التدخلات العسكرية والسياسات الخارجية، مقدمًا نظرة من الداخل على طريقة تفكير الإدارات الأمريكية المختلفة.
بينما يدور المحور الرابع حول حماية الأمن القومى مقابل حق المعرفة. ويناقش «وودوارد» فى هذا الجانب المعضلة الأخلاقية التى تواجه الصحفيين، فهو عليه الموازنة بين نشر معلومات بالغة الأهمية للرأى العام، وبين عدم الإضرار بالأمن القومى للبلاد، مقدمًا رؤية فريدة لعالم الصحافة السياسية الأمريكية، وكيف تصنع الأخبار خلف الكواليس.
بوب وودوارد ولد فى ٢٦ مارس ١٩٤٣، فى إلينوى، تخرج فى جامعة ييل عام ١٩٦٥، وخدم ٥ سنوات كضابط اتصالات فى البحرية الأمريكية قبل أن يبدأ مسيرته الصحفية فى صحيفة «مونتجمرى كاونتى سنتينل» فى ماريلاند، حيث عمل مراسلًا لمدة عام قبل انضمامه إلى صحيفة «واشنطن بوست».
عمل فى صحيفة «واشنطن بوست» منذ ١٩٧١، لمدة ٥٥ عامًا، وفاز بجائزتى «بوليتزر»، إحداهما لتغطيته فضيحة «ووترجيت» مع كارل بيرنشتاين عام ١٩٧٣، والأخرى لتغطيته هجمات ١١ سبتمبر بصفته المراسل الرئيسى عام ٢٠٠٣.
برز «وودوارد»، الذى يبلغ من العمر ٨٣ عامًا، فى سبعينيات القرن الماضى إلى جانب زميله الصحفى فى صحيفة «واشنطن بوست»، كارل بيرنشتاين، ولعب دورًا محوريًا فى كشف فضيحة ووترجيت وغيرها من الفضائح المتعلقة بإدارة «نيكسون»، والتى أدت فى نهاية المطاف إلى استقالة الرئيس.
وصف جين روبرتس، رئيس التحرير السابق لصحيفة «نيويورك تايمز»، تغطية «وودوارد» و«بيرنشتاين» لفضيحة «ووترجيت» بأنها «ربما أعظم جهد صحفى على الإطلاق».
وفى قائمتها لـ«أفضل ١٠٠ كتاب غير روائى على مر العصور»، وصفت مجلة «تايم» الأمريكية كتاب «كل رجال الرئيس» لـ«وودوارد» و«بيرنشتاين» بأنه «ربما العمل الصحفى الأكثر تأثيرًا فى التاريخ».
ألّف «وودوارد» أو شارك فى تأليف نحو ٢٤ كتابًا، ١٦ منها تصدّرت قائمة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعًا. وتُعدّ العديد من كتبه بمثابة سردٍ لأحداث الإدارات الحالية، وتتزامن مع سنوات الانتخابات.
وثّق فترات رئاسة كل من ريتشارد نيكسون وبيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما، ودونالد ترامب، الذى كتب فيه ثلاثيته «خوف» ٢٠١٨، و«غضب» الصادر عام ٢٠٢٠، والذى أثمر عن نشر ساعات من مقابلاته فى الكتاب الصوتى «أشرطة ترامب» عام ٢٠٢٣، والذى يتضمن ٨ ساعات لـ٢٠ مقابلة أجراها مع «ترامب» خلال فترة رئاسته، وصولًا إلى الكتاب الثالث «حرب» فى أكتوبر ٢٠٢٤.







