The Master.. مذكرات جيت لى: رفضت أن أكون «بودى جارد» لرئيس أمريكا
- تخلى عن جنسيته الأمريكية.. ونجا من «تسونامى» المدمر فى 2004
- قلت لـ«نيكسون»: «لا أريد أن أكون حارسك الشخصى.. أبناء شعبى أهم»
أصدر النجم العالمى «جيت لى» مذكراته الشخصية بعنوان «ما وراء الحياة والموت: طريق الحرية الحقيقية»، فى 5 مايو الجارى، عن دار النشر الكبرى «بنجوين راندوم هاوس»، والتى يكشف فيها عن أسرار تراكمت على مدى 40 عامًا من مسيرته فى فنون الدفاع عن النفس، ورحلته من الفقر فى شوارع بكين إلى النجومية فى هوليوود.
وفى كتابه المكون من 288 صفحة، يتحدث أسطورة أفلام «الأكشن» والفنون القتالية عن بطولاته الرياضية، وكواليس أفلامه الشهيرة فى هوليوود، إلى جانب العديد من أسراره الخاصة، مقدمًا رؤى ثاقبة من مسيرته المهنية المتميزة، وحياته الشخصية، وفلسفته وممارسته الروحية للبحث عن معنى الحياة، ليجد فيها كل شخص الحكمة والإرشاد والقوة. قصة جيت لى أسطورية بحق، فقد وُلد فى ظروف قاسية، وشق طريقه ليصبح أصغر بطل وطنى فى فنون الدفاع عن النفس فى تاريخ الصين، وهو فى الـ12 من عمره، متفوقًا على خصوم يفوقونه حجمًا بمرتين، قبل أن يصبح أحد أوائل نجوم السينما الصينيين ذوى الشهرة العالمية، بأفلام مثل «ذات مرة فى الصين» و«البطل» و«بلا خوف»، وغيرها من الأعمال التى أعادت تعريف فنون الدفاع عن النفس للعالم الحديث.
«حرف» تستعرض فى السطور التالية أبرز ما كتبه جيت لى فى مذكراته الشخصية.


تحدث جيت لى عن زيارته للبيت الأبيض، المحطة الأخيرة لجولة فريق «الووشو» الوطنى الصينى بالولايات المتحدة، فى عام ١٩٧٤، وكان وقتها يبلغ من العمر ١١ عامًا، وحينها سأله الرئيس ريتشارد نيكسون مازحًا إن كان يرغب فى أن يكون حارسه الشخصى عندما يكبر.
كتب «لى»: «أتذكر أن الرئيس ريتشارد نيكسون كان يقف مع إحدى زميلاتى فى الفريق. وفى لحظة ما، التفت نحوى وقال: يا فتى، مهاراتك فى الكونغ فو رائعة! ما رأيك أن تصبح حارسى الشخصى عندما تكبر؟!»، فرفض الفتى العرض رفضًا قاطعًا، قائلًا: «لا، لا أريد حماية أى فرد. عندما أكبر، أريد الدفاع عن مليار مواطن صينى».
وأضاف البطل الصينى أن جوابه أذهل جميع الحاضرين فى الفعالية، حتى كسر وزير الخارجية الأمريكى آنذاك، هنرى كيسنجر، الصمت المحرج الذى ساد فى المكان بقوله مازحًا: «يا إلهى، صبى صغير يتحدث كدبلوماسى».
وبالعودة إلى بدايات جيت لى، يمكن أن نعرف سبب موقفه هذا، فالرجل لم يبدأ مسيرته كنجم سينمائى، بل كطفلٍ فقير فى الصين، باسم لى ليانجى، فى ٢٦ أبريل ١٩٦٣.

فقد «لى» والده وهو فى الثانية من عمره، وعندما كان فى الثامنة، غيّرت دورة صيفية فى مدرسة بكين للرياضة والتمارين حياته. وهناك كان مدربوه يشترون الطعام لعائلته المتعثرة بينما يعلّمونه فنون «الووشو».
فى سن المراهقة، فاز «لى» بـ٥ بطولات وطنية، وانضم إلى المنتخب الصينى الوطنى لـ«الووشو» وهو فى الـ١١ من عمره فقط، وأتقن ٥ أساليب مختلفة من هذه الرياضة القتالية، بما فى ذلك «مخلب النسر» و«قبضة السكران» و«فرس النبى».
فى عام ١٩٨٢، عندما انطلقت مسيرته السينمائية بفيلم «معبد شاولين»، اكتشف العالم نجمًا عبقريًا فى فنون الدفاع عن النفس يتمتع بسحر سينمائى.
واحتضنت هوليوود جيت لى فى أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ليهيمن على شباك التذاكر، ويجمع ثروته البالغة ٢٥٠ مليون دولار، بعد نجاح فيلم «السلاح القاتل ٤» عام ١٩٩٨، الذى حقق إيرادات بلغت ٢٨٥.٤ مليون دولار فى جميع أنحاء العالم.
وحقق فيلمه «روميو يجب أن يموت»، فى عام ٢٠٠٠، نحو ٩٢ مليون دولار، ما أثبت أن الاستديوهات مستعدة لدفع مبالغ طائلة مقابل نجوميته. لكن الأرباح الحقيقية جاءت لاحقًا، فبحلول عام ٢٠٠٧، حقق رقمًا قياسيًا كأعلى ممثل أجرًا فى فيلم صينى، حين تقاضى ١٣ مليون دولار عن فيلم «أمراء الحرب».
زادت ثروته بفضل أفلام مثل «البطل» عام ٢٠٠٢، و«المومياء: مقبرة إمبراطور التنين» فى ٢٠٠٨، إذ حققت إيرادات بلغت ١٧٧.٤ مليون دولار و٤٠٣.٤ مليون دولار على التوالى.
وبلغت إيرادات مسيرته الفنية الناجحة مجتمعةً أكثر من مليار دولار. ومع ذلك، ورغم هذه الثروة الطائلة، تكشف مذكراته عن الفراغ الذى شعر به خلف بريق الشهرة.


خصص جيت لى صفحات كثيرة فى مذكراته للحديث عن زميلته الراحلة الممثلة والمغنية الأمريكية آليا، التى توفيت فى حادث تحطم طائرة وهى فى عمر الـ٢٢ عامًا، كاشفًا عن تفاصيل لحظاتهما معًا فى فيلم «روميو يجب أن يموت»، ومساعدتها له على فهم السيناريو.
وشارك الثنائى فى فيلم الحركة الشهير «روميو يجب أن يموت»، فى عام ٢٠٠٠، وهو العمل الذى مثّل أول دور بطولة فى هوليوود لكل من فنان فنون الدفاع عن النفس الصينى، ومغنية موسيقى «الريذم أند بلوز» الأمريكية الصاعدة، ليصفها جيت لى بأنها شريكة أساسية خلال مرحلة انتقالية من حياته المهنية.
وفيلم «روميو يجب أن يموت»، المستوحى بشكلٍ فضفاض من مسرحية «روميو وجولييت» لـ«شكسبير»، ينقل قصة العائلات المتنازعة إلى أرصفة أوكلاند بولاية كاليفورنيا. وجسّد «لى» فيه شخصية «هان سينج»، ضابط شرطة سابق من هونج كونج يحقق فى جريمة قتل شقيقه، والذى يقع فى علاقة عاطفية محفوفة بالمخاطر مع «تريش أوداى»، التى لعبت دورها آليا.
وعلى الرغم من صغر سنها، إذ كانت فى الـ٢٠ من عمرها فقط آنذاك، وتخوض تجربتها التمثيلية الأولى، لعبت آليا دورًا داعمًا فى موقع التصوير، وساعدت جيت لى على فهم دقة الحوار الإنجليزى، وأداء الممثلين على الشاشة الأمريكية.
يقول «لى» فى مذكراته مسترجعًا تلك اللحظات: «كانت هذه المرة الأولى التى يمنحنى فيها الاستديو فرصةً لأداء دور البطولة. عملت آليا معى، سطرًا بسطر. تدربنا معًا لأيام على كيفية التمثيل، وكيفية بناء علاقة على الشاشة».

امتدت هذه الشراكة المهنية إلى حياتهما الشخصية أثناء مراحل إنتاج الفيلم، فقد كانا بعد أيام تصوير طويلة، يتناولان العشاء بانتظام مع عائلتيهما، ما خلق جوًا دافئًا ساعده على الاندماج بسهولة فى نظام ستديوهات هوليوود.
حقق الفيلم نجاحًا تجاريًا كبيرًا، وتجاوزت إيراداته ٩٠ مليون دولار فى شباك التذاكر، ما رسّخ مكانة جيت لى كنجم أفلام حركة مطلوب فى الغرب، خاصة مع تميّز أداؤه بالتزامه الصارم بحركات «الكونغ فو» الصينية التقليدية، بدلًا من أسلوب الحركة العام الشائع فى السينما الأمريكية آنذاك. وساعده حضوره البدنى المميز على الحصول على سلسلة متواصلة من عقود هوليوود اللاحقة.
ومع اقتراب الذكرى الـ٢٥ لرحيلها، التى توافق أغسطس المقبل، يؤكد «لى» أن تأثير آليا لا يزال ملموسًا، خاصة خلال زياراته للولايات المتحدة، حيث يذكر المعجبون اسمها باستمرار.
يقول فى مذكراته: «رغم رحيلها الجسدى، إلا أنها حاضرةٌ دائمًا فى قلوبنا. إنها دائمًا فى قلبى. أشعر دائمًا بوجودها، حيةً فى قلوب الكثيرين. بالنسبة لى، تبقى ذكريات العمل معها، ومع دى إم إكس، وأنتونى أندرسون، فصلًا بارزًا فى مسيرة مهنية طويلة قادتنى فى نهاية المطاف إلى استكشاف أعمق للحرية الشخصية والفلسفة».
وبدا مسار آليا واعدًا بنفس قدر مسار «لى»، بعد أن حجزت أدوارًا رئيسية فى أفلام مقتبسة وأجزاء لاحقة بارزة، إلا أن مسيرتها الفنية انتهت بشكل مأساوى فى أغسطس ٢٠٠١، عندما توفيت عن عمر يناهز ٢٢ عامًا، جراء حادث تحطم طائرة فى جزر البهاما.


تغير كل شىء فى ٢٦ ديسمبر ٢٠٠٤، عندما وجد جيت لى وعائلته أنفسهم عالقين فى «تسونامى» جزر المالديف المدمر، بعد أن أشعلت هذه تجربة الاقتراب من الموت تلك شرارة بحثه عن معنى أعمق للحياة، وهو ما عبر عنه بقوله: «تعلمت فنون الدفاع عن النفس، ومثّلت فى الأفلام الشهيرة، لكننى لم أجد معنى للحياة». كان جيت لى، البالغ من العمر آنذاك ٤١ عامًا، يقضى إجازته مع زوجته نينا لى تشى، وابنتيهما الصغيرتين «جين» و«جادا»، اللتين كانتا تبلغان من العمر ٤ سنوات وسنة واحدة على التوالى.
فى صباح اليوم الأول للعائلة، أرادت الفتاتان اللعب فى البحر، وكان «لى» يراقبهما عندما لاحظ أمواجًا هائلة تتدفق فى الأفق. يتذكر: «التسونامى الحقيقى لا يشبه ما نراه فى الأفلام على الإطلاق. فجأةً ودون سابق إنذار، يشتدّ المحيط، وتبدأ الأمواج بالاندفاع بقوة».
حمل جيت لى ابنته الكبرى، وطلب من جليسة الأطفال أن تحمل الصغرى، بينما غمرت المياه ركبتيه، ثم وركيه، ثم رقبته، ورفع ابنته على كتفيه لحظة اندفاع موجة أخرى فوقهما، جارفةً جليسة الأطفال وابنته البالغة من العمر عامًا واحدًا لمسافة تزيد على ٦ أمتار.
يضيف: «كنتُ أدرك تمامًا أن المسافة بين الحياة والموت لا تتجاوز ١٠ سنتيمترات بين الماء المتصاعد وشفتى». وبعد انحسار المياه، اكتشف «لى» أن ساعديه قد تمزقا بشظايا حطام الفندق.
وفى النهاية وجد جيت لى نفسه عالقًا لساعات فى ردهة غارقة بالمياه مع نحو ٢٠٠ آخرين، قلقًا على زوجته التى لا تزال مفقودة، حتى وصلت «نينا» بالقارب بعد ذلك، فحضنها وهما يذرفان الدموع وسط الأنقاض.
فى تلك الليلة، بينما كانت عائلته نائمة، جلس «لى» مستيقظًا يتأمل. يتذكر: «لقد اجتاحنى إدراكى لزوال الأشياء فجأةً كموجة غير متوقعة»، مكتشفًا أن الكارثة كانت بداية «تخليه الحقيقى عن الدنيا»، ما دفعه إلى تقليص مسيرته المهنية فى هوليوود، وتوجيه طاقته نحو العمل الخيرى.

وأوضح أن نجاته من الموت المحقق كانت دافعًا له لتأسيس مؤسسة «ذا وان فاونديشن» عام ٢٠٠٧، والتى جمعت أكثر من ٣٠٠ مليون دولار لإغاثة ضحايا الكوارث حول العالم، مشيرًا إلى أن عمله على تخفيف معاناة الآخرين منحه شعورًا بالرضا لم يشعر به قط من خلال صناعة الأفلام أو الفوز بالمسابقات الرياضية.
ابتعد جيت لى عن التمثيل بشكل كبير حوالى عام ٢٠١٦، موجهًا تركيزه نحو الروحانية والعمل الخيرى، فدرس «البوذية التبتية» بتعمق، والتى تشكل الآن جوهر مذكراته الجديدة، بعد أن كان قد تخلى عن جنسيته الأمريكية، وانتقل إلى سنغافورة ليعتنى بأسرته بعيدًا عن ضغوط المصورين ومتطلبات هوليوود المستمرة.
بنى «لى»، برفقة زوجته نينا لى تشى وابنتيهما، حياةً أكثر هدوءًا، وشارك فى تأسيس مدرسة لـ«التاى تشى» فى مدينة هانجتشو الصينية عام ٢٠١٣ مع جاك ما، مؤسس «على بابا». كما أسس شركة «تايجى زين» لأسلوب الحياة، جامعًا بين الحكمة القديمة وأساليب العافية الحديثة.
وافتتحت المدرسة لتعزيز الرياضة التقليدية، وتقع كجزء من تطوير أوسع فى متنزه الأراضى الرطبة، لتقديم دروس الفنون القتالية على يد تلامذة كبار الأساتذة، وذلك لدمج حكمة الفنون القتالية مع فلسفة الأعمال وإدارة الصحة العامة.


يتناول جيت لى، فى كتابه أيضًا، موضوعات مثل الصحة والمرض. يرى أن الكثيرين لا يرغبون فى الحديث عن الشيخوخة والموت لأنهما يُعتبران نذير شؤم، لكن هذه هى الحقيقة التى تُلازم جميع البشر.
يقول إنه بعد ١٠٠ عام سيرحل الجميع، الأمر يتعلق بما يمكن للمرء تعلمه وفهمه فيما وراء الحياة والموت، معتبرًا أن أى شخص ينبغى أن يركز أكثر على كل يوم، على هذه اللحظة، لحماية عائلته وأطفاله وزوجته. أيًا كان، عليه أن يبذل قصارى جهده للاستمتاع بالحياة كل يوم، بنجاح أو بخسارة، بكل ما فيها من تجارب.
هذا ما تعلمه الممثل المولود فى بكين من إصابته بفرط نشاط الغدة الدرقية، والذى كشف عن تشخيصه لأول مرة عام ٢٠١٣. يقول فى مذكراته: «نعم، أنا مريض، لكننى أشعر بالثقة لمواجهة المرض. فى البداية، حتى عندما خضعت للجراحة، كنت خائفًا. فقد عرفت أن ١ أو ٢٪ من الناس يعانون من فشل العملية الجراحية. كنت خائفًا جدًا لدرجة أننى فكرت: يا إلهى، ربما أكون ضمن الـ ١٪».
واستفاض فى شرح مخاوفه الإنسانية من الموت: «لدىّ هذه المشكلة، وأريد مشاركتها مع القراء والجماهير. جيت لى ليس شخصًا استثنائيًا. أنا مثلكم تمامًا، إنسان عادى. أعانى من مرض، وأحتاج إلى زيارة الطبيب لعلاجها»، مضيفًا: «قد يشيخ جسدى، لكن روحى تنعم بالسعادة، متقبلةً كل ما هو جميل ومؤلم. معرفة هذا أهم بكثير مما يُخيفك».
ورغم معاناته من فرط نشاط الغدة الدرقية، إلا أن شائعات وفاته على «الإنترنت» لاحقته مرارًا وتكرارًا، وفى كل مرة يظهر مازحًا ويصيح: «لم أمت بعد».







