الإثنين 18 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

جريمة فى باريس.. آلان ديلون يقتل حارسه الشخصى!

حرف

- رسائل منسوبة إلى القتيل تشير إلى «حفلات ماجنة» لشخصيات رفيعة المستوى

- تورط زوجة رئيس الوزراء جورج بومبيدو فى الصور الفاضحة عزز غموض القضية

- النجم الفرنسى كان مولعًا بالعنف والأسلحة والنساء وربما الرجال أيضًا

فى ستينيات القرن الماضى، عاشت باريس فى زمن تتداخل فيه حياة الترف مع البهرجة، من السيارات الرياضية و«الكازينوهات» والنوادى الليلية، إلى صعود نخبة من الممثلين والنجوم، والمجرمين الصغار ورجال العصابات الكبار، والسياسيين الفاسدين.

ومع اكتساح السينما الفرنسية فى ذلك الوقت، كان الرجل الذى يقف فى قلب كل هذا، نجمًا سينمائيًا غامضًا يُلقب بـ«أوسم رجل فى العالم» هو آلان ديلون، الذى بزغ نجمه عالميًا وهو فى الـ25 من عمره، بعد تجسيده شخصية «توم ريبلى» فى فيلم «ظهيرة أرجوانية»، الذى أدى فيه دور القاتل البارد والذكى ببراعة، وأبرز التناقض بين وجهه الوسيم الملائكى وطبيعته الإجرامية، ما جعله نموذجًا أوليًا للقاتل الساحر فى السينما.

اعتبر النقاد والجمهور على مر العقود أن «ديلون» هو أفضل من جسد هذا «القاتل الساحر»، بعد أن قدم الشخصية المقتبسة من رواية باتريشيا هايسميث «السيد ريبلى الموهوب» بشكل أيقونى لا ينسى.

ويبدو أن الحياة قد حاكت الفن، ومن خلال كتاب جديد صدر الأسبوع الماضى عن دار «هاشيت» للنشر، ويحمل عنوان «جريمة قتل فى باريس ٦٨: قصة حقيقية عن الموت والبريق»، يحاول الكاتب البريطانى إدوارد تشيشولم الإجابة عن سؤال مثير للجدل: هل كان آلان ديلون قاتلًا حقيقيًا؟!

المحتال اليوغسلافى

يأخذ كتاب «جريمة قتل فى باريس ٦٨: قصة حقيقية عن الموت والبريق» القراء إلى عالم باريس المظلم، وجريمة قتل ستيفان ماركوفيتش، الحارس الشخصى للنجم الفرنسى آلان ديلون، الذى كان يعيش بماضٍ مُريب، وميلٍ إلى صحبة السوء.

وما إن يُعثر على جثة فى ضواحى باريس، وتتضح أنها تعود لستيفان ماركوفيتش، الحارس الشخصى للنجم الفرنسى آلان ديلون، تبدأ التساؤلات فى الظهور، ويتورط «ديلون» نفسه فى الجريمة، لكن الشرطة الفرنسية تخلى سبيله بعد ذلك.

ويُعيد إدوارد تشيشولم، فى الكتاب الجديد، إحياء تلك القضية التى طواها النسيان فى الأرشيفات وملفات الشرطة، جامعًا بين الحقائق والحوارات المتخيلة والتكهنات الدقيقة، ومتنقلًا بسلاسة بين لمحات عامة عن الثقافة الفرنسية فى ستينيات القرن الماضى، سياستها وإعلامها، وقبل كل شىء جرائمها.

ويطرح «تشيشولم» على القارئ الكثير من الأسئلة المثيرة: من كان ستيفان ماركوفيتش وآلان ديلون؟ ما الذى جمعهما؟ والأهم من ذلك، ما الذى فرّق بينهما؟

ورغم أنه لا يتوصل إلى إجابات قاطعة، بغض النظر عن البحث الشامل من قبل «تشيشولم»، يقدم الكتاب رحلة أدبية زاخرة بأسلوب سردى جذاب، مع تسليط الضوء على سحر مواقع التصوير السينمائى وإثارة أفلام الجريمة.

ويستكشف المؤلف، فى كتابه المكون من ٤١٦ صفحة، ما إذا كان نجم السينما الفرنسية الأكثر جاذبية فى الستينيات مذنبًا بارتكاب جريمة قتل أم لا.

يبدأ الكتاب من عام ١٩٥٨، حين عبر ستيفان ماركوفيتش، المحتال اليوغسلافى، الحدود إلى فرنسا، متلهفًا لكل الفرص التى سيقدمها له هذا العالم الجديد. لكن بعد ١٠ سنوات تقريبًا، عُثر عليه ميتًا بضواحى باريس فى ظروف غامضة، ولم يكن أقرب معارفه سوى نجم السينما آلان ديلون، الفتى الذهبى الوسيم ذى الشخصية الجذابة فى السينما الفرنسية، والذى عمل «ماركوفيتش» لديه فى وظيفة غير مستقرة ومليئة بالتوتر.

من تلك الصلة الوحيدة، تتفرع شبكة من التداعيات تجمع بين مجرمين صغار، وشخصيات اجتماعية باريسية، وزعماء عصابات، وربما حتى أولئك الذين يتبوأون أعلى مراتب النظام السياسى الفرنسى.

والأغرب من ذلك، تلك الروابط التى تربط هذه القضية بأفلام «ديلون»، بدءًا من القتل المدفوع بالحسد فى فيلم «ظهيرة أرجوانية»، وصولًا إلى القاتل المأجور الذى يحمل الفيلم اسمه «الساموراى».

فى عمل سردى واقعى بارع وسلس للغاية، يستخدم إدوارد تشيشولم بحثه المعمق والمفصل ليُدخل القارئ فى نسيج متداخل من الأحداث، غارقًا فى باريس خلال الستينيات.

زوجة رئيس الوزراء

تبدأ القصة فى عام ١٩٦٨، حين كان آلان ديلون ظاهرة ثقافية فى السينما الفرنسية، وليس مجرد نجم سينمائى فقط.

فى أحد أيام أكتوبر من هذا العام، عُثر على جثة ستيفان ماركوفيتش، وهو مجرم صغير يوغسلافى تحوّل إلى حارس شخصى، وذلك على جانب طريق فى جنوب غرب باريس، ملفوفة فى غطاء بلاستيكى.

لولا العالم غير المألوف الذى كان يعيش فيه: نجوم السينما ورجال العصابات والنخب السياسية، لربما بقيت وفاة «ماركوفيتش» مجرد هامش مروع فى سجلات الجريمة الحزينة.

«ماركوفيتش» لم يكن متشردًا، ولم يكن مجرد بلطجى، ولم يكن شخصًا مغمورًا، فقد عمل لدى آلان ديلون، الذى كان آنذاك أحد أشهر الممثلين فى أوروبا.

وعندما ظهرت رسائل تشير إلى ابتزاز وحفلات ماجنة وصور فاضحة لشخصيات رفيعة المستوى، بما فى ذلك شائعات حول زوجة رئيس الوزراء آنذاك، جورج بومبيدو، الذى أصبح رئيس فرنسا، تحولت القضية إلى حديث الساعة، وأصبحت الجريمة تُعرف باسم «قضية ماركوفيتش».

آلان ديلون لم يكن مجرد نجم سينمائى، بل ظاهرة ثقافية. جسّد الرجل ذلك النوع من البرود الذى ميّز السينما الفرنسية فى ستينيات القرن الماضى، كان باردًا، واثقًا من نفسه، يحمل فى طياته شيئًا من الخطورة. رجل بدا جماله مرتبطًا بتهديد ضمنى غريب.

وكانت حياة «ديلون» الخاصة مثل حضوره على الشاشة، غير تقليدية ومحاطة بالغموض. كان مولعًا بالعنف والأسلحة والنساء، وربما الرجال أيضًا، ومن بين معارفه بائعات هوى ورجال عصابات، من بينهم الكورسيكى فرانسوا ماركانتونى، وهو وسيط معروف بصلاته الطويلة بالجريمة المنظمة، الذى أُلقى القبض عليه لاحقًا على خلفية مقتل «ماركوفيتش»، إلا أن القضية انهارت قبل وصولها إلى المحاكمة.

ولم يكن «ماركوفيتش» مجرد تابعٍ لـ«ديلون»، بل كان، بشكلٍ يكاد لا يُصدق، شبيهه، بديلًا عنه فى موقع التصوير: كان يرتدى ملابس «ديلون»، ويتردد عليه، بل ووفقًا لبعض الروايات، كانت تربطه علاقة غرامية بزوجة «ديلون»: «ناتالى». هذا التناقض الغريب بين «النجم وظله» هو سرّ جاذبية هذه القضية الدائمة.

هذا هو عالم السينما والجريمة والمؤامرات، الذى يُعيد إدوارد تشيشولم بناءه، فى كتابه «جريمة فى باريس»، موسعًا المنهج الذى طوره فى روايته الأولى «نادل فى باريس» الصادرة عام ٢٠٢٢.

الرجل ينغمس مجددًا فى الثقافة الفرنسية، مُجسدًا شخصية الإنجليزى الواعى بذاته والمتشكك فى الخارج، ساعيًا لفهم أسرار فن العيش والتعامل، لكن هذه المرة، يتناول موضوعه من منظور المؤرخ والمحقق معًا.

وبدلًا من العمل فى المطاعم الفاخرة والكتابة عن تجربته الشخصية، يقضى الآن فترات طويلة فى مكتبة أدب الشرطة والمكتبة السينمائية الفرنسية، مُطالعًا تقارير الشرطة وقصاصات الصحف ولقطات الأرشيف.

والنتيجة ليست مجرد إعادة سرد لأحداث قضية «ماركوفيتش»، بل محاولة لإعادة بناء نسيج لحظة بالغة الخصوصية: باريس فى أواخر الستينيات، التى لا تزال تحمل آثار التقشف ما بعد الحرب، ولكنها فى الوقت نفسه تتسم بشكل متزايد بالبريق والاستهلاكية وتراجع الأعراف الاجتماعية.

حفلات جنسية

إنها قصة مروعة، فالأحداث التى يسردها المؤلف استثنائية، وقد تبدو أحيانًا وكأنها من وحى الخيال، أو مُحكمة الحبكة لدرجة يصعب تصديقها، لكنها حقيقية، أبطالها جثة ملفوفة بغطاء بلاستيكى، ونجم سينمائى أسطورى، وزوجة رئيس وزراء، إلى جانب ابتزاز وعصابات وحفلات ماجنة، وجواسيس الحرب الباردة. وكشف المؤلف عن رسائل نُسبت لاحقًا إلى «ماركوفيتش»، يلمح فيها إلى أن صورًا التُقطت فى حفلات جنسية ترتادها نخبة فرنسا، بمن فيهم زوجة «بومبيدو»، كانت تُستخدم للابتزاز.

وزعم مؤيدو «بومبيدو» أن هذه الشائعات جزء من حملة تشويه مُدبرة من قِبل منافسين داخل المؤسسة «الديجولية»، وربما بمشاركة أجهزة المخابرات الفرنسية.

بينما أشار آخرون إلى أن شبكات إجرامية كانت تحاول استغلال هذه المواد لتحقيق مكاسب مالية. ولا تزال الحقيقة غامضة حتى اليوم، خاصة أن أدلة رئيسية طُعن فيها، أو فُندت، أو أُخفيت ببساطة.

ويستمتع مؤلف الكتاب بالجانب المسرحى البحت للأحداث، إذ يصف مداهمات الشرطة لشقق مشبوهة، وبحث الضباط عن صور مفقودة ربما لم تكن موجودة أصلًا، واستجوابات الفجر لأصحاب نوادٍ ليلية بدوا وكأنهم يعرفون أكثر مما كانوا مستعدين للإفصاح عنه، والعلاقة المتوترة بين المحققين والصحافة، حيث يتغذى كل طرف على تكهنات الآخر.

فى أعقاب وفاة «ماركوفيتش»، وجد «ديلون» نفسه تحت مجهر التدقيق، بعد استدعائه للاستجواب، فأنكر أى تورط فى جريمة القتل، ونأى بنفسه عن أنشطة حارسه الشخصى.

وقتها تعززت صورته كممثل مشوب بالخطر، وتناوب الصحفيون بين تصويره كضحية للظروف، ورجل لم يكن قربه من العنف مجرد صدفة، مع تعزيز الغموض المحيط بالحقيقة للأسطورة.

وفى استشرافٍ لمشهدنا الإعلامى الحالى، المهووس بالصورة فوق كل شىء، أصبح «ديلون» موضع شك ومصدرًا للإثارة فى آنٍ واحد، تجسيدًا حيًا للخط الفاصل غير الواضح بين السينما والواقع، وزاد ذلك من شعبيته ونجوميته وبريقه.

ويتفنن المؤلف فى تقديم هذا العالم للقارئ فى سلسلة من الفصول القصيرة والسريعة، التى تتنقل بين المواقع ووجهات النظر المختلفة، من مركز شرطة فى «نانتير»، وملهى ليلى فى حى «بيجال»، إلى موقع تصوير، حيث يواصل «ديلون» العمل كما لو لم يحدث شىء.

التأثير أشبه بالسينما، سلسلة من اللقطات المتقطعة التى تعكس الطبيعة المجزأة للأدلة. يظهر المحققون وهم يجمعون خيوط الأحداث، والصحفيون وهم يلاحقون الشائعات، والسياسيون وهم يحاولون بهدوء احتواء الضرر. وتبدو باريس كمدينة عوالم متداخلة، حيث تتغير الحدود بين ما هو قانونى وما هو غير قانونى، وبين ما هو عام وما هو خاص، باستمرار.

يبدو الكتاب وكأنه دراسة للازدواجية والهوية، مزيج بين فيلم «ظهيرة أرجوانية» وموجة الفن الفرنسى الحديث المتمثلة فى «ديلون»، الوسيم المنعزل الغامض، وهى الصورة التى عززتها السينما ورغبة الجمهور.

وهناك لحظات يستسلم فيها المؤلف، كغيره، بسهولة مفرطة لسحر «ديلون» الآسر، وينزلق إلى حالة من الإعجاب الشديد، ويفرط فى عبارات المعجبين المبتذلة مثل: «ينتصب كالنمر. حركاته بطيئة، رشيقة، أنيقة. لا توجد كاميرات تُصوّره، ومع ذلك، فهو يُمثّل. مع ذلك، هو ديلون. الأسطورة، لا الرجل».

ورغم أن الكتاب لم يتوصل إلى روايةٍ نهائيةٍ لجريمة القتل، ولا تزال الادعاءات الأكثر إثارةً للجدل دون إثبات، لكن مع كل ما يكتنفها من غموضٍ مُستعصى، تُشكّل قضية «ماركوفيتش» تذكيرًا فى وقته بأنّ الحقيقة غالبًا لا تُكشف بقدر ما تُعاد صياغتها وتُطمس باستمرار.

وفى نهاية المطاف، يبقى الأمر مجهولًا وغير مفهوم إلى حد ما، وهى حقيقة أقرّ بها الكاتب، لكنه بذل جهدًا جبارًا فى سبيل كشفها، فقد أمضى هذا الشاب البريطانى ٣ سنوات فى البحث بين مئات الآلاف من الوثائق القديمة، ليُجمّع خيوط هذه الرواية لأشهر فضيحة فى التاريخ الفرنسى الحديث: «قضية ماركوفيتش»، محاولًا فك طلاسم علاقة الصداقة السامة بين آلان ديلون وحارسه.

وكما يشير العنوان الفرعى، هذه قصة حقيقية عن «الموت» و«البريق»، ومع ذلك، تبقى الحقيقة الكاملة، أو حتى الفعلية، مستحيلة وعصية على الوصول.