المحرر العام
محمد الباز

رمضان للجميع.. كتابان يقدمان شهر الصوم لأطفال أمريكا

حرف

- «حبيبة» تقضى «رمضانها الأول» و«سامى» يطارد معنى «ليلة رمضانية»

- الكاتبة الصحفية الأمريكية آية خليل صوت بارز فى أدب الطفل المعاصر

سلطت الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية «NPR» الضوء على شهر رمضان، الذى يحييه ملايين المسلمين حول العالم الآن بالصوم والصلاة والزكاة والأعمال الصالحة، وذلك خلال حلقة خاصة من برنامجها «All Things Considered» الإخبارى الرائد والأكثر استماعًا فى فترة ما بعد الظهر فى الولايات المتحدة.

الحلقة استضافت مؤلفتيّن لكتابيّن جديديّن للأطفال عن الشهر الفضيل، هما الأمريكية من أصل مصرى آية خليل، والكندية من أصل سورى نادين بريسلى، المعروفتان بأعمالهما التى تعمل على سد الفجوة فى أدب الطفل الممثل للثقافة العربية فى الولايات المتحدة وكندا.

الكتاب الأول يحمل عنوان «Ramadan for Everyone» أو «رمضان للجميع»، الصادر عن دار «هاشيت للكتب»، والثانى بعنوان «A Ramadan Night» أو «ليلة رمضانية»، عن دار نشر «سايمون آند شوستر»، قبل أسبوعين من شهر رمضان، وتحديدًا فى 27 يناير الماضى.

فى السطور التالية، تستعرض «حرف» أبرز ما جاء فى هذين الكتابين.

رمضان للجميع

تعد الكاتبة الصحفية الأمريكية آية خليل، التى هاجرت عائلتها من مصر إلى الولايات المتحدة وهى طفلة، صوتًا بارزًا فى أدب الطفل المعاصر بالولايات المتحدة، خاصة فى تقديم قصص واقعية عن الأطفال العرب الأمريكيين، وهو ما أهلها للفوز بجائزة الكتاب العربى الأمريكى، بالإضافة إلى جوائز مرموقة أخرى.

آية خليل

ومن خلال أحدث أعمالها «رمضان للجميع»، الذى يضم بين دفتيه ٤٠ صفحة، تحاول آية خليل أن توضح ما يمثله الشهر المعظم للمسلمين فى جميع أنحاء العالم، وما يحمله من خير، من خلال قصة أختين هما «حبيبة» و«سمية». ومن خلال هذه القصة المُزيَنة برسومات جميلة، وديكورات رمضانية دافئة، تبعث المؤلفة رسالة طمأنينة، مفادها أن الإيثار والصبر، لا الكمال، هما أثمن الكنوز.

وتروى المؤلفة قصة عائلية مؤثرة، من خلال «حبيبة» التى تتعلم أهمية ممارسة التأمل والعطاء للمجتمع. وتُجسد مصممة الكتاب روح رمضان برسوماتها زاهية الألوان، التى تجمع بين وسائط فنية متنوعة، لمنزل «حبيبة»، الذى يعجّ بتحضيرات وجبات الإفطار والغداء التى تبدأ وتنتهى بها أيام الصيام، بالإضافة إلى روحانية صلاة «التراويح» فى المسجد.

ويتضمن الكتاب ملحقًا زاخرًا بمعلومات إضافية عن الصيام، هذا الركن المهم من أركان الإسلام، بالإضافة إلى تعليمات لصنع أعمال يدوية مستوحاة من رمضان. وتوضح الرسوم أن «حبيبة» وعائلتها ذوو بشرة خمرية، وتشير بعض الدلائل فى النص إلى أصولهم المصرية.

تبدأ المؤلفة كتابها قائلة: «ها قد حلّ رمضان! وفى هذا العام، ستصوم حبيبة أخيرًا طوال اليوم، كل يوم، وستُصلى جميع صلوات رمضان الخاصة (التراويح) فى المسجد، تمامًا مثل أختها الكبرى سمية».

وتضيف: «يمتلئ شهر رمضان المبارك بالزينة والتطريز والحرف اليدوية والوصفات الشهية والطقوس الدينية، ما يجعل من الصعب على حبيبة البقاء خاشعة أثناء الصلاة، أو مقاومة كنافة والدها الشهية المحشوة بالجبن والمغموسة فى القطر الحلو عند عودتها من المدرسة، لذلك تشعر حبيبة بالإحباط، فكيف لها أن تلتزم بشعائر رمضان مثل سمية؟».

الكتاب يُتيح للقارئ سواء كان صغيرًا أو كبيرًا فرصةً فريدةً لمشاهدة رمضان، من خلال قصة فتاة صغيرة تُحاول جاهدةً الصيام والصلاة. وتُضفى الرسوم التوضيحية الزاهية حيويةً على القصة، وتجذب انتباه الأطفال. وتُسلّط القصة الضوء على الدين الإسلامى، وتُركّز على مفهوم التقوى كدافع للصيام، وهدفٍ يسعى إليه المسلم. كما تُحفّز الفتاة الصغيرة على العطاء لمجتمعها.

ويحتوى الكتاب على ملحقٍ شاملٍ يتضمن مصادر، وقاموسًا للمصطلحات، ونشاطين فنيين، ومعلوماتٍ عن رمضان، وشعائره، إلى جانب الهلال والنجوم والتأمل. ويُقدّم للطفل بداية صيام صحيحة، ويُضفى لمسةً مميزة على فكرة الصيام الأول.

ويقدم قصة دافئة وعذبة عن النمو الروحى والصبر والمثابرة، حيث تتوق فتاة صغيرة للصيام طوال النهار، والصلاة فى وقت متأخر من الليل، فتتعلم دروسًا فى التأمل والخشوع خلال شهر رمضان.

فى أول أيام شهر رمضان المبارك، شهر الصلاة والتأمل، تشرق عينا «حبيبة» فرحًا بزينة العيد، وأطباق الطعام الشهية التى تملأ منزلها، وتطمح لأن تكون مثل أختها الكبرى «سمية»، فتقول: «هذا العام، سأصوم كل يوم وأسهر لصلاة التراويح». لكن مع مرور الشهر، يبدأ اليأس يساور «حبيبة»، فرغم صيامها معظم اليوم، إلا أنها تفطر مبكرًا، إذ يغريها جوعها الشديد بأطعمة مثل كنافة والدها بالجبن والقطر «شربات الحلوى».

تُشجّعها الأخت الكبرى «سمية» على الذهاب إلى المكتبة وقت الغداء. فور وصولهما إلى المدرسة، قرأت المعلمة قصة رمضانية، وفى المكتبة، شجعت أمينة المكتبة «حبيبة» بالملصقات، وتصفحت الأختان الكتب معًا.

لكن ما إن عادتا إلى المنزل، حتى أغرت «حبيبة» بكنافة «الشيف بابا» كما تناديه. وذكّرها والدها بأن الصيام يهدف إلى التقوى «لأننا نريد التقرب إلى الله». وبدأت «حبيبة» تتساءل عما يمكنها فعله أيضًا لنيل البر، لكن الفكرة تلاشت وهى تؤدى صلاة «التراويح»، وتفطر مبكرًا.

وعلى الرغم من محاولات «حبيبة» البقاء مستيقظة لصلاة «التراويح»، لكنها تغفو على وقع أصوات المسجد الهادئة، ولا يجعلها الطفل الصغير الجالس أمامها قادرة على التركيز فى الدعاء. يومًا بعد يوم، تُصارع «حبيبة» إغراءات الحلويات اللذيذة، وتغفو فى دفء المسجد ليلًا.

وفى الأسبوع الأخير من رمضان، انهارت «حبيبة» أمام «سمية» التى أخبرتها أنها بخير، وأن ذكر الله «يعنى أيضًا الاهتمام بالآخرين»، وخططتا معًا للمشاركة فى مشروع خدمة لمساعدة المجتمع ورد الجميل للمحيطين. قبل نهاية الشهر، صامت «حبيبة» يومًا كاملًا، وبتشجيع من عائلتها، تأمل أن تصوم كل يوم وتواظب على الصلاة.

المميز فى كتاب «رمضان للجميع» هو أنه يجمع بين الألفة والاختلاف، حيث تواجه بطلة القصة «حبيبة» صعوبة فى قضاء رمضان «مثاليًا»، لأنه رمضانها الأول. لكن هذا شعور مألوف لأى شخص جرب شيئًا ووجده صعبًا، قبل أن تصبح قادرة على القيام بأمور أخرى تُبرز نقاط قوتها، وهو ما يؤكد قيمة فضيلة الصبر والمحاولة والاستمرار.

ليلة رمضانية

تعشق الكاتبة الكندية من أصل سورى نادين بريسلى كل ما يتعلق بشهر رمضان. وتعود أقدم ذكرياتها عن رمضان إلى أيامها وهى صغيرة فى دمشق، حيث كانت تنتظر بفارغ الصبر حلول الشهر، وكانت دائمًا ما تريد تأليف كتاب عن رمضان، يُجسّد روعة الشهر وحماسته وروحانيته وترقبه، خاصةً من منظور طفل، وفقًا لتصريحاتها فى مقابلة صحفية.

فى البداية، سألت المؤلفة الأطفال عن أكثر ما يُحبونه فى رمضان، قال الكثيرون: «الطعام»، وهذا أمرٌ طبيعى، لكن معظمهم قالوا «الليالى». كانت تلك هى الشرارة، ومن هنا بدأت قصة أحدث كتبها «ليلة رمضانية».

استمدت المؤلفة القصة من طفولتها فى دمشق، حيث تتذكر ذهابها إلى المسجد كل مساء حاملة سجادة صلاة، وملاحظة العائلات تملأ الشوارع، وكيف كان القمر يتبعها فى السماء، وأصداء السلام تستقبلها عند الباب، بالإضافة إلى سكون الصلاة، وهمسها بالدعاء فى السجود، والشعور الهادئ بالإنجاز بعد ذلك، خاصةً مع علمها بأن شيئًا حلوًا ينتظرها فى المنزل. كانت تلك الليالى واسعة وحميمية فى آنٍ واحد، وما زالت عالقة فى ذاكرتها.

تدور أحداث قصتها «ليلة رمضانية» فى سوريا، وتبدأ بمشهد «سامى» ووالده جالسين يتناولان الطعام معًا فى الخارج، حين يقول والد «سامى» إنها «ليلة رمضانية». لم يكن «سامى» متأكدًا من معنى هذه الكلمة، لكن والده لم يُجبه إجابةً جاهزة، بل حثّه، وهما يتجهان إلى صلاة «التراويح»، على البحث عن إجابته بنفسه.

سأل «سامى» الهلال، فأخبره بأن «ليالى رمضان أنوار». لم يكن «سامى» متأكدًا من أن الإجابة وافية. لكنه رأى الفوانيس الذهبية تتلألأ، والقلوب المؤمنة تضىء، والعيون تلمع مع كل خطوة يخطوها على الرصيف، ما دفعه إلى سؤال الرصيف، حيث لاحظ الخطوات المتلهفة، والشوارع المفعمة بالأمل.

قادته قدماه إلى المسجد حيث ترددت أصداء الضحكات، وعندما يسأل تُجيب الأصداء بالسلام. وهكذا تستمر رحلة «سامى» عبر الصلاة، واللعب فى الهواء الطلق، والتلذذ بالحلويات، قبل أن يعود إلى بيته الدافئ، مُدركًا فى قرارة نفسه معنى «ليلة رمضانية».

يُوازن الكتاب المصور، المؤلف من ٤٠ صفحة، بين النثر واللغة الشعرية، مع نقاطٍ يسهل على الأطفال الصغار التعرف عليها والتفاعل معها. ويستخدم «سامى»، وهو صبى صغير، حواس السمع والبصر والشم، ليفهم ما يقصده والده بقوله: «إنها ليلة رمضانية»، بينما يتوجهان إلى المسجد لأداء صلاة «التراويح».

وتكشف براءة الصبى الصغير، وهو يسأل القمر والرصيف والصدى والسجادة، وغيرها من الأشياء الجامدة التى تُجَسَد، عن طبقة أعمق وأكثر تأثيرًا من الإيمان والتواصل والترابط. إن الفرح الذى يُشعر به فى رمضان، من خلال الصيام طوال النهار، والصلاة طوال الليل، وإخراج الزكاة، والتواجد مع الآخرين، ليس من السهل وصفه.

نادين بريسلى

ولا يقتصر هذا الكتاب على اصطحاب القراء الأطفال فى رحلة مع «سامى» بحثًا عن إجاباته، بل يحثّ الأطفال المسلمين، والبالغين أيضًا، على محاولة وصف ارتباطهم العاطفى بهذا الشهر الفضيل. وتُضفى الرسوم التوضيحية الزاهية والجذابة، والنهاية الجميلة التى تتخللها الحلويات، لمسةً من البساطة والوضوح على اللغة، التى قد تبدو أحيانًا مُنمّقة، ما يجعلها أقرب إلى مستوى فهم الطفل، حتى يجد «سامى» إجابته مع مرور الليل، ما يُحرك القصة، مع التركيز الواضح على القيم الإسلامية لهذا الشهر الكريم.

ويفتح الكتاب نقاشات ثرية حول التقاليد العائلية الإسلامية، ومشاركة الاحتفالات أو الطقوس المهمة فى المنازل، سواء كانت دينية أو ثقافية، وملاحظة القواسم المشتركة التى غالبًا ما تربط بينها، مثل التآلف والامتنان والكرم والتواصل والفرح. وتساعد هذه المحادثات الأطفال فى إدراك تفرد التقاليد وعالميتها فى آنٍ واحد.

يظهر الكتاب أيضًا أنه بينما يُفهم رمضان غالبًا على أنه شهر صيام فقط، إلا أنه فى الحقيقة متعدد الأوجه والأبعاد، الصيام أساسى، بالطبع، لكن رمضان أيضًا يدور حول التواصل، والترابط، والروحانية، والصلاة، والكرم، وتناول الطعام معًا، وقراءة القرآن، وأفراح الطفولة الصغيرة كالسهر بعد موعد النوم. لذلك ركزت المؤلفة على تصوير رمضان كتجربة غامرة، بالإضافة على تركيزها على الأجواء والمشاعر بدلًا من الشرح، لتتيح للقراء ليس فقط التعرف على رمضان، بل الشعور به.

الكتاب تميز بشكل لافت بتصوير الأب العربى المسلم بطريقة تبعث على الدفء والمحبة والفخر، فكثيرًا ما يُختزل الآباء العرب فى الأدب إلى صور نمطية أو يُصوَّرون بمعزل عن الواقع، لكن «ليلة رمضانية» استطاع أن يعكس فى هذا الأب صورة الآباء المتفاعلين، الحنونين، المتدينين، المرحين، والحاضرين بكل جوارحهم فى عالم أطفالهم، كأب يسير بجانب طفله، يرشده برفق، ويشاركه سحر الليل.

ولأن أحداث القصة تدور ليلًا فى رمضان، يمكن أيضًا استكشاف كيف يُؤثر الليل على الحالة المزاجية فى سرد القصص، ما الذى يجعل السهر ليلًا يبدو ساحرًا؟ كيف يُعزز الظلام حواس الأطفال والكبار، أو يجعل الأماكن المألوفة تبدو مختلفة؟