محمد سليمان.. الشاعر الذى ملأ السبعينيات بإبداعه المتميز
- ترك ميراثًا إبداعيًا كبيرًا يحتاج إلى قراءات نقدية جادة ومتنوعة
- ظل محمد سليمان ينشر قصائده دون ضجيج ودون إعلان عن الذات
فى أكتوبر عام 1974، حدثت أزمة قوية ومحتدمة بين وزير الثقافة يوسف السباعى شخصيًا، وبين هيئة تحرير مجلة «الكاتب» التى كانت تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وحدثت أشكال من الاستقطاب بين المثقفين والكتّاب والمبدعين، هناك فريق انحاز إلى وزير الثقافة، كما أن فريقًا آخر انحاز لهيئة تحرير المجلة التى يترأس مجلس إدارتها الناقد والكاتب أحمد عباس صالح، وكان يضم مجلس تحرير المجلة نخبة من الكتّاب المرموقين، وعلى رأسهم الكاتب صلاح عيسى، والذى كان أحد أسباب الأزمة.
فى تلك الأثناء تراشقت أقلام أدبية وفكرية متباينة ومختلفة على صفحات مجلات وصحف مثل: روزاليوسف، الطليعة، والجمهورية، ووصل التراشق إلى ذروته، وشارك وزير الثقافة بنفسه وقلمه فى تلك المعركة التى لم تكن معركة مباغتة، بل كانت معركة تم تجهيزها وتدشينها على مدى أربعة أعوام سابقة، أى منذ قرر الدكتور محمد عبدالقادر حاتم التخلص من ذلك النزق اليسارى، وإحلال أصوات أخرى، وصحافة مختلفة على شاكلة مجلتىّ: «الجديد» التى ترأس تحريرها الدكتور رشاد رشدى، و«الثقافة» التى ترأس تحريرها الدكتور عبدالعزيز الدسوقى، وبالفعل تم التضييق على المجلة، وعلى مجلس تحريرها، وحدث ما يشبه «التطفيش» العملى، وأدرك أعضاء مجلس إدارة المجلة تلك الرسالة، فتقدموا باستقالة جماعية إلى وزير الثقافة، وعلى الفور قبلها الوزير، وعلى الفور كذلك جاء الوزير باسم كبير ومحبوب وصديق للمثقفين، وهو الشاعر صلاح عبدالصبور، ولم يستطع عبدالصبور رفض المنصب فى ظل تلك الإشكاليات المعقدة التى لم يكن له فيها «ناقة ولا جمل» كما يقول الناس، وكان أول ما فعله، أن أعدّ ملفًا للفيف من الشعراء حتى يعمل على «لم الشمل» حوله، وحول المجلة التى استقر صدورها على آزمة آخرين، وضمّ الملف الشعراء: «محمد محمد الشهاوى، حسن النجار، رفعت سلام، حلمى سالم، ومحمد يوسف»، وفور نشر ذلك الملف، أصدر الشعراء: «محمد الشهاوى، حسن النجار، ومحمد يوسف» بيانًا نشرته مجلة «الطليعة» فى ديسمبر ١٩٧٤، وعلمنا فيما بعد أن ذلك البيان تمت كتابته وصياغته بمعرفة الشاعر محمد عفيفى مطر، وفى منزله، كما قال الشاعر محمد الشهاوى فى تحقيق موسع أعده الكاتب والقاص حسن عبدالموجود، ونشره فى كتابه «١١١٧ كورنيش النيل»، وتبرأ الشعراء الثلاثة من ذلك البيان الحاد الذى وجّه عبارات جارحة إلى صلاح عبدالصبور، عبارات استنكرها كثيرون، وكتبوا تعقيبات وتعليقات تشجب ذلك البيان.

بينهم محمد سليمان
لكن تلك المعركة لم تؤثر كثيرًا فى التعامل مع صلاح عبدالصبور، الشاعر الكبير، وليس رئيس التحرير، وكان أكثر المتعاملين معه، هم شعراء السبعينيات المحبين للشاعر الكبير، ويكنون له كل التقدير، فوجدنا عددًا من الأسماء الشعرية الطالعة، والتى برزت بقوة فى المشهد الشعرى، مثل: حسن طلب، حلمى سالم، جمال القصاص، رفعت سلام، وليد منير، أمجد ريان، عبدالمنعم رمضان، محمد سليمان، وغيرهم من الشعراء الذين لم يجدوا ألفة أو أى انتماء حقيقى لمجلتيّ: الجديد والثقافة، رغم أن بعضًا من هؤلاء الشعراء نشروا تجاربهم الأولى فى مجلة الجديد مثل: القصاص، رمضان، وحلمى سالم، لكن مجلة الكاتب ورئيس تحريرها الشاعر الكبير، احتضن الشعراء بكل الود، قبل أن يتخلّص من عبء المجلة ويذهب لكى يعمل مستشارًا ثقافيًا فى السفارة المصرية فى الهند.
فى يوليو عام ١٩٧٥، فور أن اقتنيت العدد الجديد من مجلة «الكاتب»، وكان سعرها عشرة قروش، وكنت أول ما أقرأه فى المجلة ملف الشعر، وطالعتنى فى الملف أسماء حسن طلب، نجيب سرور، محمد إبراهيم أبوسنة، محمد مهران السيد، عبدالعزيز المالح، فرانسوا باسيلى، ومحمد سليمان، وكان ذلك الاسم الأخير جديدًا بالنسبة لى، ولم أره فى زياراتى للمجلة عندما كنا نتحلق حول «صلاح عبدالصبور»، وبجوار الكاتب والناقد على شلش، بينما كنت أرى الشعراء: أمجد ريان، حلمى سالم، وليد منير، جمال القصاص، وغيرهم، وأكببت على قراءة قصيدته «السفر فى مركبة الظهيرة»، والتى يقول فى مطلعها:
«فى كل ظهيره..
يتمدد فى السأم الظل المبهم
تتكثف فى عينىّ الأيام الأرض الشجر العريان المكسو
كانت كلماتك قرطًا.. يتلألأ فى الأذنين
الحزن الأخضر صار حذاء حين تفتّح فى الوعى
وجهك كان العالم»

لفتت نظرى القصيدة ومعجمها وتراكيب فقراتها الشعرية، ورغم ذلك الأثر الذى لاحظته من رائحة محمد عفيفى مطر، إلا أننى شعرت أن صوتًا خاصًا يتشكّل على مهل بعيدًا عن الصخب والهتافات واللافتات التى كان يرفعها البعض، أو الكثير حول التقنيات والتجديد والابتكارات، قصيدة يستطيع القارئ المتذوق أن يقرأها ويعيدها إلى أصولها الاجتماعية_كما كان دأبى_ بسير وسهولة دون أى استحالة تفرضها قصائد أخرى فى ذلك الزمان، ومن ثم صار ذلك الشاعر الذى لم أره، يشغلنى، ولكننى قررت متابعته، أو أن متابعته كانت تحمل شغفًا خاصًا بالنسبة لى، حتى قرأت له قصيدة أخرى العدد أبريل ١٩٧٦ من مجلة «الكاتب»، عنوانها: «من فصول الليل والنهار»، وكانت القصيدة تتصدر الملف قبل أسماء كبيرة من الشعراء مثل: نصار عبدالله، عبدالعزيز المقالح، وغيرهم، القصيدة كانت تنقسم إلى ثلاثة فصول، وكان كل فصل ينطوى على أكثر من لوحة، وكان الشاعر أمل دنقل قد جرّب تلك الطريقة فى عدد من قصائده، ولكن هنا فى قصيدة سليمان، كان الشاعر يجرّب ويكتشف نفسه من خلال أساليب شعرية سابقة، فصوت أمل ومطر لم يطغيا على صوت الشاعر، ولكننا سنلمح صوت سليمان الخاص من خلال تقنيات ومفردات تخصّه، حتى لو استعارت ثوبًا ليس ثوبه، ونكتشف تلك الخصوصية من أول وهلة، وفى الاستهلال الذى يقول فيه:
«هو الحب منزرع فى الكراهية..
لكنك الآن تجبن.. تنسل منك العصافير
تصبح بوابة للظلام وبوابة للنهار
وزوبعة تتحلل
هو الصبح منزرع فى القتامة...
والماء فى الصخر.. قالت لى الريح
فى البدء.. كان هلام تسيّب عند انبثاق الإشارة
هل جئت تهدم كل النواميس
قلت امرؤ يتشكل»
هكذا صار محمد سليمان هدفًا لى أتابعه وأبحث عن شعره وقصائده، تلك القصائد التى وجدت فيها ألفة مختلفة، وكان فى تلك الفترة مات الشاعر على «يونيو ١٩٧٥»، وهرع الشعراء: حلمى سالم وجمال القصاص وسيد حجاب بالكتابة عنه فى ملف صغير فى مجلة الكاتب «أكتوبر ١٩٧٥»، ورأى حسن طلب أن الملف الذى قدمته المجلة بكلمة وصورة أيقونية للشاعر، لم يعط الشاعر حقه ومكانته، ذلك الشاعر الذى لم يتجاوز اثنين وعشرين عامًا من عمره، لكنه كان موهبة متفجرة، وكتب حسن طلب تعقيبًا طويلًا فى نوفمبر ١٩٧٥ من المجلة نفسها، ورأى أن الملف لم يفعل سوى أن يعلن الشعراء عن أنفسهم، وعن ميثاقهم الشعرى الجديد، ورغم ملاحظات حسن طلب، إلا أن الشعراء اكتسبوا أرضًا جديدة، ومساحة إعلامية مستحقة، وصارت أسماؤهم تتردد فى الأروقة، واستطاعوا فيما بعد: «حلمى سالم، جمال القصاص، رفعت سلام، وحسن طلب»، أن يصدروا مجلة مستقلة فى يوليو ١٩٧٧، لكى يعبروا عن أنفسهم دون وسائط ووصايات، وكان العدد الأول من مجلة «إضاءة ٧٧»، وكان قد صدر ديوان «كائنات على قنديل الطالعة» للشاعر الراحل على يوسف قنديل «الشهير بعلى قنديل»، عن دار الثقافة الجديدة، فى نوفمبر ١٩٧٦، وكتب له مقدمة نارية الشاعر الكبير محمد عفيفى مطر.

ورغم كل ذلك، ظل محمد سليمان ينشر قصائده دون ضجيج، ودون إعلان عن الذات، ودون أى صخب أو غبار يثيره حوله، وظل هكذا حتى رحيله، فلم يبك عندما أفلتت منه جائزة الدولة التقديرية التى كان يستحقها بجدارة، ورغم ذلك أيضًا ظللت أتابعه، وأقرأ له كل ما ينشره فى المجلات، وعلمت أن الشاعر أحمد طه يعقد ندوة أسبوعية خميسية فى منزله بشبرا بجوار مستشفى «كتشنر»، والتقيت هناك عام ١٩٧٩ محمد سليمان، وحدثت تلك الكيمياء الإنسانية بينى وبينه، بعدما كنت متواصلًا ومشبعًا به على المستوى الشعرى، وصرنا أصدقاء، ولم نغب عن بعض طوال عقد الثمانينيات، إذ كان ينطوى على تلك التقاليد الفلاحية التى حملها من بلدته «مليج» منوفية، إلى القاهرة، وكان نطلق على منزله «بيت الحكماء»، رغم أنه كان مفتوحًا للجميع، كما أن الصيدلية التى كان يملكها فى حى الوايلى، كانت مزارًا دائمًا للشعراء وكتاب القصة الذين يذهبون إليه فى أى وقت، ودون سابق لإنذار، ولذلك لم يستطع أن يباشر مهنة صاحب صيدلية على الإطلاق، وأعتقد أن الصيدلية تعثّرت بعض الشىء، لأنه كان يهملها كثيرًا من الوقت لحساب الشعر والشعراء والمثقفين.

كانت علامات شعرية وفكرية قد ربطت بينه وبين بعض أعضاء الندوة الشعراء، وهم: «أحمد طه، وعبدالمنعم رمضان، وعبدالمقصود عبدالكريم، ومحمد عيد إبراهيم»، وقرروا جميعًا أن يصدروا كتابًا شعريًا غير دورى لكى يحمل رؤاهم ونبضاتهم الخاصة التى تميزهم عن شعراء إضاءة، وبالفعل فى منتصف عام ١٩٨٠، صدر الديوان الأول فى سلسلة «أصوات»، للشاعر عبدالمقصود عبدالكريم، وكان عنوان الديوان «أزدحم بالممالك»، وفى ذيل الديوان قراءة نقدية للشاعر عبد المنعم رمضان، وأخرج الديوان بـ«رؤيا تشكيلية» للفنان محمود الهندى، ولم تكن قراءة عبدالمنعم رمضان، قراءة خاصة لديوان عبدالمقصود فقط، ولكنها كانت قراءة تشير إلى ملامح خاصة وجديدة تخص تلك الجماعة، وفى ديسمبر من العام نفسه، صدر ديوان «أعلن الفرح مولده» للشاعر محمد سليمان، وجاءت المقدمة التى نشرت فى آخر الديوان لا تخص الديوان، بل كانت بيانًا حادًا يهاجم الشاعر الكبير أمل دنقل، ولم يوقع أحد على تلك المقدمة التى أغضبت الكثير من الشعراء، ولكن التوقيع كان «أصوات»، وأظن أنها أحدثت بعض مشاكل داخلية بين أعضاء الجماعة ظهرت فيما بعد، لكن السلسة لم تتوقف، وصدر الديوان الثالث «الحلم ظل الوقت.. الحلم ظل المسافة» للشاعر عبدالمنعم رمضان، وجاء بعده ديوان «طور الوحشة» للشاعر محمد عيد إبراهيم، وفى الأخير صدر ديوان «لا تفارق اسمى» للشاعر أحمد طه، وأحدثت الجماعة بإصداراتها الشعرية، وبندواتها الأسبوعية، حركة جادة وحادة ذات ملامح فكرية، وقسمات نقدية مختلفة.

كان ديوان محمد سليمان الأول ما زال واقعًا تحت سطوة «أمل دنقل، ومحمد عفيفى مطر، وصلاح عبدالصبور» من زوايا مختلفة، وهذا الأمر يحتاج إلى تفصيلات نقدية، ليس مجالها تلك السطور العاجلة، ورغم تلك السطوة، سنجد أن الشاعر يسعى من أجل تخليص صوته الخاص من أى ظلال سابقة، وذلك تحقق فى ديوانه الثانى «القصائد الرمادية» الذى صدر عن دار الفصحى عام ١٩٨٣، ونقرأ أنه- أى الشاعر- استطاع أن يبلور صوته الخاص، ولم يعد يفرط فى التركيب اللغوى المعقد الذى كان شائعًا آنذاك بين الشعراء، ولم يعد كذلك يغالى فى تجسيد الصورة كأنها لوحة تشكيلية خالصة، ولكنه اقترب بطريقته الخاصة من إنسانية صلاح عبدالصبور، وراح يجسّد تجاربه الحياتية، ويستدرجها بنعومة، ونقرأ على سبيل المثال تلك الفقرات التى تنم عن ذلك:
«حاصرتنى...
كنت أعرف
مذ سكنت قدمىّ التفاصيل
مدت لى النار النار ساعد عشق
وآلمنى البحر
كنت جريحًا
وكنت جموحًا،
تقهقه تستأصل العشب،
تطوى حدود الفضاء وحد الدماء وتتنق النار،
غازلك الشجر المتبسم،
والمطر اللؤلؤ، وزنقة الماء،
غازلك العزف..»

إلى آخر القصيدة التى تجاورت فيها المفردات التى يبتكرها الشاعر، مع المفردات التى كانت شبه شائعة، بل مفروضة فى تلك المرحلة، لكننا سنجده قد تخلص تمامًا فى ديوانه الثالث «سليمان الملك»، الذى صدر عن الهيئة العامة للثقافة الجماهيرية فى أول أكتوبر عام ١٩٩٠، وراح يتخلص من موروثه القديم، ولجأ إلى الأسطورة، وتمثّل صورة النبى سليمان عندما قال فى مطلع قصيدته الأولى:
«أعطهم خبزهم
كى ترفرف فى القلب أجنحة للسلامة
يانار كونى سلامًا
وكونى إذا انطبق الصدر مفتتحًا للرحابة
أنت وحيد
وللبحر أغواره
كيف تقلع..؟
كيف تبدد فى ظلمة البحر زيتك
أعطهم خبزهم
وانحن - للعصافير والريح
لست ظلامًا
ولست سلامًا ولا صخرة تستريح عليها المياه»
هنا نرى الشاعر وقد وصل إلى بداية وصياغة وتكوين جملة شعرية سليمانية لا لبس فيها، ومن ثم جاءت كل إصداراته الشعرية التى تلت ذلك الديوان الثالث، ليصبح رافدًا وشاعرًا له خصوصية لا شك فيها على الإطلاق.
معارك صغيرة:
رغم أن محمد سليمان قرر أن يكون حضوره الأهم والأول شعريًا، فلم ينشئ مقالًا ولا بيانًا، ولا دراسات وأبحاث كما فعل معظمنا، وربما كلنا شعراء السبعينيات، ولكنه ترك تلك الفضيلة، أو الخاصية ليكتب نثرًا، ولكنه ليرد على آخرين، وهناك حالتان على سبيل المثال، الأولى تتعلق بمقال كتبه الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم فى فبراير ١٩٨٥، العدد الـ١٢ من مجلة إضاءة ٧٧، وكان عنوان المقال «شرعية اللغة- أحادية الأداء.. دراسة فى القصائد الرمادية»، وجاء المقال نافيًا انتساب شعر محمد سليمان إلى التجريب الشعرى لشعراء الحداثة، فيقول بعد مقدمة قصيرة عن تطور الشعرية العربية: «..منذ البداية ونحن أمام (الأنا) الوحيدة فى مواجهة (الآخرين)، (أنا) تكبر وتعبر وتزهر، والآخرون ينكفئون وينتحرون ويضيعون»، وبعد قراءة مطولة، يقول عبدالمقصود: وفى النهاية لا يسعنا أن نقول عن شاعرنا إلا ما قاله هو عن صلاح عبدالصبور فى قصيدة «تعب»:
«منذ خمسين عامًا
يحلق فوق دخان المدن
دفعته السذاجة فانساق خلف الأمانى
وها هو ذا.. مثقل بالتعب
يستظل بأعمدة الكهرباء
يحط على شجر الوهم
يحبس فى مقلتيه طيور الوطن»
وفى الأخير يطرح عبدالمقصود سؤالًا يقول: «ويصبح السؤال الذى طرحناه فى البداية: «إذا لم يكن محمد سليمان قد انضم إلى جماعة أصوات، هل كان السؤال عن موقعه سيصبح سؤالًا مهماً؟».
وبالطبع عرضت المجلة على الشاعر محمد سليمان مقال صديقه وزميله عبدالمقصود للرد عليه، وبالفعل كتب سليمان مقالًا ونشره فى العدد ذاته، عنوان «تعددية النص- محدودية القراءة..ملاحظات على قراءة عبدالمقصود عبدالكريم للقصائد الرمادية»، وأبدى سليمان كثيرًا من الملاحظات التى لا تتسع لها تلك السطور، حرصًا على عدم ابتسارها، ولكنها ملاحظات فى غاية الأهمية، تنم عن تلك المعارك التى كانت تجرى آنذاك بين الشعراء.
أما المعركة الثانية، وكانت أكثر اتساعًا عندما كتب ونشر الناقد الدكتور حامد أبوأحمد فى العدد الصادر من مجلة «أدب ونقد» فى يوليو ١٩٨٥ دراسة عنوانها «شعراء السبعينيات فى مصر، ما لهم وما عليهم»، وأفرط أبوأحمد فى النقد السلبى لشعراء السبعينيات الذين يتصدرون الساحة آنذاك، وفى المقابل أثنى على شعراء آخرون لم تندرج أسماؤهم فى أى جماعة أو شلة، ومن الواضح أنه كان بعيدًا عن التعرف القريب على تجربة هؤلاء الشعراء الجدد، وانبرى شعراؤنا فى الرد، فكتب أحمد طه، وحلمى سالم، وشاعرنا محمد سليمان الذى كتب فى العدد الصادر أكتوبر ١٩٨٥ مقالًا حادًا، بقدر ما كانت دراسة الدكتور حامد أبوأحمد حادة، وربما ظالمة.
هاتان حالتان من المعارك التى كانت شبه مفروضة على شاعرنا الراحل الكبير، الذى ترك ميراثًا إبداعيًا كبيرًا يحتاج إلى قراءات نقدية جادة ومتنوعة.







