المقال المجهول.. صفحات مطوية من مسيرة أمل دنقل
- فى مسيرة أمل هناك بعض مساحات زمنية تكاد تكون شبه مجهولة أو منسية
- أمل: لا أؤمن كثيرًا بمسألة الجوائز وتقديراتها بالنسبة للشعراء
- الأبنودى: أمل دنقل زعيم مدرسة الشعر الحديث
رغم كل ما كُتب عن الشاعر الكبير أمل دنقل، ورغم شيوع أشعاره وحواراته وكتاباته النثرية فى حياته وبعد رحيله، وهناك من يحفظها، إلا أن هناك بعض مساحات زمنية تكاد تكون شبه مجهولة، أو منسية، أو مطوية، أو غائبة فى ظل ذلك السفر النقدى الضخم الذى سطره نقاد، وباحثون، وشعراء من أصدقائه، وكل من كانوا قريبين منه ومن إبداعه الشعرى فى حياته، وما كتب عنه بعد رحيله، ليصير أمل دنقل الشاعر الضمير والموقف والفنان الملتزم بقضايا الوطن والفن فى آن واحد، وفى سبيكة شعرية واحدة، وباختصار كان «الشاعر - الضرورة»، والذى قال وكتب وأبدع ما لم يكتبه غيره، وعبّر عن أشواق وتمنيات وشغف الكثير من القراء الذين يعشقون الشعر، وهناك من يرددها كثيرًا فى جميع المناسبات الوطنية وغيرها، فهو لديه بصيرة تجعله بعيدًا عن دائرة شعراء المناسبات، ومنذ أن كتب قصيدته «كلمات سباراتاكوس الأخيرة» فى مطلع عقد الستينيات، وصار مطلعها شعارًا لكثير من المثقفين والمبدعين، ذلك المطلع الذى يقول:
المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال «لا» فى وجه من قالوا «نعم»
من علّم الإنسان تمزيق العدم
من قال «لا» .. فلم يمت
وظل روحًا عبقرية الألم!

رغم أن تلك القصيدة لم تنشر فى حينها، إلا أنها كانت متداولة بين أصدقائه ورفاقه من الشعراء الذين يقدرونه ويعرفون موقعه منذ أن جاء من بلدته فى الجنوب، إلى القاهرة التى أصبح فيها نجمًا مجددًا فى الشعر، وكذلك فى رؤيته النقدية للشعر، تلك الرؤية التى كان يعبّر عنها عندما تحتدم معركة ما، أو مناقشة واسعة تخص الشعر والفن عمومًا، وهناك شائعة تقول إن أمل دنقل لم يأخذ موقعه الأدبى، أو شهرته الإبداعية، أو قدرته على التأثير فى القراء إلا بعد أن نشر ديوانه الأول، علمًا بأن ديوانه الأول «البكاء بين يدى زرقاء اليمامة»، صدر قبل أن ينصرم عام ١٩٦٨ عن دار العودة اللبنانية، وكان أول من كتب عنه الناقد إبراهيم فتحى فى ٣ يناير بجريدة المساء، فى الوقت الذى كان كثيرون يخشون أو يتجنبون الكتابة عن أمل، واستهل إبراهيم فتحى مقاله الجسور قائلًا: «هذا ديوان جديد، ينقل إلينا ازدهار تجربة جديدة تخفق بها أوتار لم تذعن من قبل للمسات الأنامل، وقصائد تقدم صوتًا فريدًا فى صراعه مع نفسه ومنابعه ليستخلص سماته الخاصة مع مزيج لا بد أن تختلط فيه أصوات الآخرين وأصداؤهم، ويعبر هذا الصوت القوى عن وثبة شعرية تنأى عن أن يكون مجرد ديوان ممتاز بين الدواوين الكثيرة التى تقارب زمن صدورها، وتشابهت نغماتها فى مصر والعالم العربى».
كان ذلك المقال بمثابة تدشين نقدى مهم، ومن ناقد لا يعبث بكلماته، ويعرف ماذا يكتب ويقول، فى زمن كانت الأقلام تخشى بعض أشكال البطش التى كانت معروفة آنذاك، ولا بد أن نسجّل هنا أن أقلامًا كثيرة زعمت أنها كانت مهتمة بتجرية أمل دنقل منذ أن كتب أولى قصائده فى مطلع عقد الستينيات، ورافقته حتى قبيل وبعد رحيله، والحقيقة أن هذا الزعم ليس له أى أصل من الحقيقة، وكان الذى كتب عنه فى مقتبل حياته، رفيق رحلته الأولى الشاعر الصعيدى عبدالرحمن الأبنودى، وهذه هى الحقيقة الغائبة، كما أن الأبنودى نفسه، هو أول من كتب عن الشاعر عبدالرحيم منصور قبل أن يكتشفه الكاتب الصحفى لويس جريس، كما يكتب معظم كاتبى سيرة عبدالرحيم، ولكن هذا موضوع آخر سنتطرق إليه فى كتابات خاصة عن ذلك الشاعر الغنائى العذب، ولكن ما يشغلنى هنا هو كلمة الأبنودى هنا عن أمل، وسوف نسجلها لاحقًا فى هذا المقال.

ولكن قبل أن نسجّل كلمة الأبنودى عنه التى كتبها فى مجلة «الشهر» التى كان يرأس تحريرها الكاتب المسرحى والقاص والسيناريست سعد الدين وهبة، كانت الكلمة فى العدد الصادر فى أغسطس ١٩٦١ ضمن عرض موسع عن شعراء قنا، وقبل أن نتطرق إلى كتابة الأبنودى، لا بد أن نستعرض معركة كانت حامية الوطيس فى ذلك الوقت، وكان الشاعر الأصغر عمرًا «محمد أمل دنقل»، له الكلمة النهائية التى حسمت المعركة، وذلك فى مقال قصير ينم عن الوعى النقدى الحاد الذى كان يتمتع به أمل منذ بواكير تجربته الشعرية، أى أنه كان يجدد فى الشعر، انطلاقًا من ذائقة إبداعية، وبصيرة نقدية، ظلتا مركز كل كتاباته الشعرية فيما بعد، تلك الكتابة التى تركت أثرًا بالغًا ومهمًا فى التجربة الشعرية المصرية والعربية.

وأصل المعركة، أو مفجرها الأول، كانت قصيدة للشاعر عبدالعليم القبانى، وهذا شاعر كان أحد أعلام الشعر فى دمنهور، ولم يكتفِ بقول الشعر فقط، ولكنه كان باحثًا جادًا ومهمًا، وأنجز عدة كتب فى غاية الأهمية حول شعراء الإسكندرية، رغم أنه ظل طوال عمره يعمل ترزيًا فى الإسكندرية، ولم تجعله هوايته ثم احترافه كتابة الشعر والأبحاث التاريخية والنقدية، أن تبعده عن ممارسة مهنته الأصلية وكانوا يصفونه بأنه «ترزى عربى»، وكان شاعرًا مجيدًا، وشارك فى معركة الحداثة الشعرية بجهود لا بأس بها، وكانت قصيدة - أصل الأزمة - «الحانة»، هى المفجر الأول للمعركة، التى نشرها فى شهر أكتوبر بمجلة «الشهر»، واستهل القصيدة قائلًا:
فى حانة متواضعة
خلف الطريق
جلس الرفاق
يتحدثون عن الحياة الضائعة
ويداعبون الذكريات الهاجعة
ويهدهدون الأمنيات الجائعة
وعلى الموائد أكئوس ملأى
وأخرى ساهمة
ترنو إلى تلك الزجاجات الموقرة اللعوب
وإلى الشفاه الظامئات إلى اللهيب
وتحس همسًا من قريب أو بعيد
همسًا يطالب بالمزيد
من هذه الجرع المريرة
ويطوّف الجرسون بالأطباق والطلب الجديد
فى بسمة مصنوعة الإشراق
فى دل بليد
والظامئون
لا يرتوون
رغم الشراب
والصاخبون
لا يهدأون
وكأن فى أعماقهم صخبًا مذاب
والبارمان خلف الخوان
كالديدبان
نظراته ... تزن الجميع.

إلى بقية القصيدة التى تصف تلك الحانة السكندرية وناسها والعاملين فيها، وكل حركة فيها، قصيدة طويلة نشرت على صفحتين، وما إن تم نشرها فى ذلك حتى كانت حديث الشعراء والأدباء، وفى الشهر التالى مباشرة نوفمبر ١٩٦٠، كتب الأديب السكندرى محمد رشاد القاضى مقالًا تحت عنوان «بين مجذوب... والحانة»، وأجرى مقارنة بين قصيدة الحانة لعبدالعليم القبانى، وقصيدة أخرى للشاعر «فتحى سعيد»، وهى قصيدة «مجذوب»، التى نشرت فى عدد من مجلة «الرسالة الجديدة» بتاريخ ديسمبر ١٩٥٥، ورغم أن الحالتين متناقضتان بين الحانة التى يؤمها سكارى، وبين حلقات الذكر والتى يكون أبطالها المتصوفة، ولكن يخلص الناقد السكندرى إلى أن شاعر قصيدة «الحانة» وصف السكارى فيها، مثل المتطوحين فى قصيدة «مجذوب»، وعندما عدنا إلى تلك القصيدة للشاعر الشاب فتحى سعيد، وجدنا أن الناقد لديه قدر من الحق فيما ذهب إليه، وإن كان الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تأثر، بل أستطيع أن أؤكد أن القصيدتين تدوران فى فلك الشاعر الأعظم محمد صلاح الدين عبدالصبور، والذى اشتهر فيما بعد باسم صلاح عبدالصبور، لأنه هو الذى أرسى وكرّس لتلك اللغة الشعرية الجديدة بقوة، وأدخل إلى مجال الشعر تلك المفردات الدارجة أو شبه الدارجة، بعد أن كان الشعر مدججًا بمعجم شعرى جامد وثقيل الظل، وعلى سفح جبل صلاح عبدالصبور، لعب كل شعراء الحداثة الشعرية فى عقد الخمسينيات، مع اجتهادات خاصة لكل شاعر، وهناك كتاب للشاعر عماد عماد غزالى صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، جمع فيه مختارات من الشعر، وكتب مقدمة ضافية، لكنه لم يذكر تلك المعركة.

ويبدأ فتحى سعيد قصيدته «مجذوب.. من وحى الليلة الكبيرة مع مجاذيب السيد البدوى» قائلًا:
فى ذلك المقهى المرصع بالمناضد والأرائك والبشر
عبق الدخان الأزرق!
ما بين مجذوب ومنجذب وآخر صامت لا ينطق..
دكته أوهام الخدر.. فبدا لنا مثل الصنم!
وتلفت المجذوب منتفض العروق
وبمحجريه الغائرين تجمدت شتى الصور
فى نظرة عمياء يملؤها البكم
وعليه أسمال ثقال
من كل كوب ضم مختلف الرقع
حين اتسع!
سبعون لونًا أو تزيد..
ما بين مبيض ومحمر، وآخر أصفر
غمرته أشرطة طوال..
أو بين مزرق ومسود الحواشى أغبر
وعلى العمامة لف شال أخضر
مثل العلم.

ويستند الناقد الذى رصد تأثر قصيدة «الحانة»، بقصيدة «مجذوب»، إلى أن المطلعين متشابهان إلى حد نقل الحالة، كما أن وصف السكارى الذى نجده فى قصيدة «الحانة» قريب جدًا من حالة مجاذيب السيد البدوى فى قصيدة فتحى سعيد، رغم تناقض الحالتين بين السكير والمجذوب، وراح الناقد يرصد عددًا من عناصر القصيدتين لكى يرشدنا إلى أكثر من عنصر للتشابه، ولم ينتهِ الأمر عند مقال القوصى، لكننا فوجئنا بمقال جديد فى العدد الصادر بديسمبر من مجلة الشهر لأحد أعلام الإسكندرية فى الشعر، وهو الشاعر محمد عبدالمنعم الأنصارى، تحت عنوان «عبدالعليم القبانى فى قصيدة الحانة»، وتعرض للقصيدة باعتبارها دخيلة على الشاعر الكبير، لأنه كان من الممكن أن يتفادى ذلك المجال الذى لا يجيده، واعتبرها من سقط متاع الشاعر الكبير، ولكنه لم يتعرض للمقارنة بين القصيدتين، لأنه اعتبر القصيدتين «سقط متاع»، رغم أنه أردف قائلًا بأن ذلك الوصف لا ينقص من شاعرية القصيدتين.

وفى العدد الصادر من مجلة الشهر بتاريخ يناير ١٩٦١ نشرت المجلة تعقيبين طويلين لأدباء من الإسكندرية، الأول للناقد حلمى محمد بدير، تحت عنوام «رد على نقد»، وهو يرد على الناقد رشاد القاضى، نافيًا ما أورده بذلك التشابه بين القصيدتين، ونافيًا ذلك التلميح بأن ذلك التشابه يصل إلى حد السرقة، وليس معنى أن الشاعر فتحى سعيد جاء بأوصاف للمجذوب فى قصيدته السابقة فى النشر عن قصيدة الحانة، أن هناك سرقة، فالأوصاف ملك للجميع، ويكفى - من وجهة نظر بدر - أن الحالتين واضحتا الاختلاف بين المجذوب والسكير، وأوصاف التطوح وخلافه ليست حكرًا على أحد من الشعراء، مع محدده للشاعرين فى خصوصية كل منهما، وفى العدد ذاته، كتب الناقد عبدالوهاب محمد عبدالوهاب، مقالًا طويلاً عنوانه «القبانى.. وفتحى سعيد .. والشعر الجديد»، وهنا عمل عبدالوهاب جهدًا ملحوظًا فى التعقيب على كل الذين كتبوا فى شأن تلك المعركة، ونبّه إلى أن الأمر أكثر من تشابه، وأعمق من تلك الأقاويل التى تتناثر دون الانخراط فى قضية الشعر الجديد برمته، وراح يفنّد بشكل نقدى أكثر عمقًا من كل من أبدوا وجهات نظرهم، وراح يضع القصيدتين على طاولة النقد الفنى، ليخلص إلى أن كل المناخات التى يتناولها الشعر الحدث - آنذاك - مشتركة، ومتجانسة، ولذلك التشابهات واردة، وقابلة للرصد، مع احتفاظ كل شاعر من كل هؤلاء بخصوصيته وفرادته ومعجمه وأسلوبه فى بناء قصيدته.

ولم يتوقف الأمر عند تلك النقطة، ولكن تدخّل الشاعر عبدالعليم القبانى نفسه، ونشر مقالًا فى عدد فبراير ١٩٦١ من مجلة الشهر عنوانه «عن مجذوب والحانة»، موضحًا بعض الأمور التى غابت عن كل هؤلاء، مندهشًا من أن قصيدته «الحانة» أثارت كل تلك الزوبعة، دون أن تفيد وجه الحقيقة، ولكنه اعتبر أن تلك المعركة هى أحد وجوه معركة الحداثة الشعرية فى مصر، وأنا شخصيًا أعتبر أنها معركة مهمة فى ذلك الوقت، لكن التكريس لمعارك أخرى كان يخوضها صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطى حجازى مع العقاد وعزيز أباظة وصالح جودت والدكتور زكى نجيب محمود الذى كان موقفه من شعر الحداثة شديد الرجعية، وكان هؤلاء الآخرون ومن شابههم، أعضاء لجنة الشعر الرسمية، وأخذت تلك المعركة صيتًا واسعًا للدرجة التى كنست كل المعارك الأخرى التى كانت تدور فى مستوى إعلامى أقل، وكان مقال عبدالعليم القبانى نفسه المتهم بالتأثر أو التلصص أو الانتحال، مفاجأة كاملة فيما ذهب إليه من ملاحظات، وأعتقد أن مواد تلك المعركة النقدية المجهولة أو المطموسة، تستحق أن تنشر فى كتاب مستقل، لأنها سوف تكشف عن ظواهر أغفلها النقد «الملاكى» لنجوم الشعر والنقد فى ذلك الوقت.
وهنا يأتى دور الشعر الشاب والطليعى، والذى بدأت خطواته تتقدم بثقة وثبات ووعى، وهو الشاعر أمل دنقل «عضو جماعة نشر الثقافة بالإسكندرية» - كما ذيل مقاله - والذى نشر فى العدد الصادر فى مارس ١٩٦١ تحت عنوان «النقد والتجريح»، أى فى مثل ذلك الشهر الجارى من خمسة وستين عامًا، وهو مقال حاد اللهجة، وأعتقد أن هذه طبيعته التى ظلت تلازمه طوال حياته، وذلك فيما يخص رؤيته الشعرية كلها، ولن نتطرق إلى مقاله، ولكننا ننشره هنا، لكى يطلّع عليه القارئ الكريم.

بالطبع كان أمل دنقل يتقدم بخطوات ثابتة، ومن ثم بدأ نجمه يبزغ بقوة، ولذلك كتب عنه رفيقه وابن محافظته الشاعر عبدالرحمن الأبنودى فى العدد الصادر فى أكتوبر عام ١٩٦١ من مجلة الشهر، نقتطف من المقال تلك الفقرة الخاصة بأمل، وهذا لم يشر إليه أحد من الباحثين - فى حدود علمى - قبل ذلك من زاعمى أنهم يعرفون أمل دنقل أكثر من أى أحد، يقول الأبنودى: «أمل دنقل.. يعتبر زعيم مدرسة الشعر الحديث بقنا، وإن كانت القاهرة قد اختطفته فى هذه الأيام، وعرفته جميع الأوساط الأدبية، وخرجت قصائده إلينا على صفحات الأهرام ومجلة (المجلة)، وأثارت أشعاره عدة مناقشات حامية حول ما وصل إليه أخيرًا من تعقيد، ولقد بدأ أمل يكتب شعرًا تقليديًا، ثم خطا للشعر الحديث وكانت أشعاره عن القرية وعن انفصال الدين عن الحياة العامة، وضياعه فى العاصمة روائع وألوانًا جديدة، وطاقات كبيرة تتفجر أذهلت الكثيرين ويزال فى القاهرة صدى قصائده (ليلة صوفية والمنبر ونانا وراحلة)، ولكننا فجأة قد رأيناه يطفر طفرات مذهلة دفن بها قصائده القديمة، وما زال الأدباء فى القاهرة عن قصائده «قلبى والعيون الخضر، ومقتل القمر، وبطاقة صغيرة، وغيرها وغيرها..».
تلك الكتابة التى كتبها شاعر كبير وشاب مثل الأبنودى، تدلّ على أن أمل دنقل كان صاحب وجود بارز ومتميز فى ذلك الوقت، وهذا ما أهلّه لكى يحصل على جائزة المجلس الأعلى للفنون والآداب - المجلس الأعلى للثقافة حاليًا - فى عام ١٩٦٢ عن قصيدة عمودية له، وكانت قد نشرتها جريدة الأهرام آنذاك، وفى حوار نشرته مجلة إبداع فى أكتوبر عام ١٩٨٣، أى بعد رحيله - وربما يكون إعادة نشر- أجرته معه الكاتبة الصحفية اعتماد عبدالعزيز، وأدرجه شقيقه أنس دنقل فى كتاب جمع كل حواراته، على غرار الكتاب الذى حررته رفيقة حياته الناقد الكبيرة عبلة الروينى، فى مجلد ضخم عنوانه «سفر أمل دنقل»، المهم قال أمل عن تلك الجائزة: «فى عام ١٩٦٢ حصلت على جائزة المجلس الأعلى للآداب والفنون للشعراء الشبان لأقل من ثلاثين عامًا، وكنت فى ذلك الوقت فى الثانية والعشرين من عمرى.. وأنا لا أؤمن كثيرًا بمسألة الجوائز وتقديراتها بالنسبة للشعراء والأدباء، فهناك عوامل أخرى كثيرة مختلفة تتحكم فى منحها، وأذكر أن فوزى بالجائزة كان عن قصيدة عمودية، وكنت أريد أن أحصل على اعتراف رسمى بأن الذين يكتبون الشعر الحديث، يستطيعون أيضًا كتابة القصيدة العمودية ردًا على الاتهام الشائع حول هذا الموضوع».
وأترك للقارئ الكريم المقال النقدى المبكر للشاعر الكبير فى ذلك الوقت، والذى يثبت لنا أن مغارة أمل دنقل العميقة والثرية، ما زالت مثيرة للدهشة.

النقد والتجريح.. بقلم: أمل دنقل

«حول كلمات السيد عبدالوهاب محمد عبدالوهاب»
كان من الممكن أن تكون كلمات السيد عبدالوهاب محمد عبدالوهاب فى العدد الماضى حول قصيدة «الحانة» لعبدالعليم القبانى، وقصيدة «مجذوب» لفتحى سعيد. كان من الممكن أن تكون كلمات طيبة لولا الانحراف الشاذ الذى بدا فى نهايتها فأخرجها من سياقها السليم إلى مجرد «جر شكل» إلى أشياء أخرى بعيدة عن القضية التى نحن بصددها.
فاتهامه لشعر محمد عبدالمنعم الأنصارى الحديث بأنه ليس من الشعر فى شىء أمر لا يهمنا إطلاقًا فى هذا الموقف.. وإذا كان الأنصارى أدلى برأيه فى الشعر الحديث، فالرد عليه لا يكون بالتجريح الشخصى.. لأن شعر الأنصارى شىء.. وآراءه شىء آخر.. إذ ربما لو أخذنا بهذا المقياس- مقياس إنتاج الفنان الذى يدلى برأى- لخلصنا إلى ظواهر كثيرة فى حركتنا الأدبية المعاصرة ولوجب أيضًا على السيد عبدالوهاب أن يصمت، ولا أريد أن أقع فى الخطأ نفسه الذى وقع فيه فاتهم شعره باللا شعر.
وبالرغم من كل النقاش الدائر حول هاتين القصيدتين فإننا لا نرى ما يدعو إلى هذا لأن كلتى القصيدتين بها عيب فنى واضح.. فقصيدة القبانى كان فيها حشد من النماذج والشخصيات على طريقة القصة، وحاول أن يربط بينها بإحساس واحد هو الضياع.. ولكن الشعر فى رأينا أن يكون كل نموذج من هذه النماذج قصيدة مستقلة.. ولكنه استطرد مع كل شخصية وهو فى هذا لم يتخلص من آثار الشعر العمودى، ودعك من كونه وضع أرقامًا فوق كل مقطع.. فالمفروض أن القصيدة ككل تصوير للحظة إنسانية، أما تصوير القطاع تفصيليًا فهذا هو دور القصة.
وأما قصيدة «مجذوب» فهى صورة فوتوغرافية.. مجرد صورة فوتوغرافية لم نلمح فيها أى جهد لفتحى سعيد الإنسان.. وهذه القصيدة ليست من الواقعية فى شىء.. يجب أن يفهم الذين يتشدقون باسم الواقعية أن هناك فرقًا كبيرًا دقيقًا بين الواقعية والوقائعية. وأن الوقائعية ليست من الشعر فى شىء.. ككثير من القصائد التى يكتبها الناشئون مما يسمونه الشعر الحديث.. بل كثير من القصائد التى تنشر فى المجلات الأدبية ومنها هذه القصيدة «مجذوب» التى تتسم بسطحية فى التفكير.. لا نحسد عليها.







