الجمعة 01 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

دم راضية أحمد.. مختارات من أعمال الراحلة

لذة سرية.. من مجموعة «فرح العوانس» 2004

حرف

أجفان متهدلات وباردات. يختلجن بوهن كائن لقتلى، أما العيون عندما يداهمها الوعى المنبثق من الأنين والضجيج.. فتجاهد فى الالتفات والصحو للحظات فيدركها الإعياء من جديد، وتمتلئ بلوعة تبتلع أجسادهن صداها الذى يتسرب بين أحشائهن التى انتهت الآن من تمزيقها بداخل بطون كبالونات فارغة يهوى بداخلها كل صوت. أما الأيادى.. فتترنح بداخل مخيلاتهن.. لكنها فى الحقيقة لا تملك سوى السكون الظاهر الذى يحوى شرايينها وأعصابها ودماءها فأصبحت لا تعرف مكانها، وظلت خامدة بين البرزخ والحياة.. شىء واحد ظل ينبض هو تلك الدماء المنسابة التى ما زالت تحمل بعضًا من غليان وتمزق المشيمة بداخل أرحام الأمهات الراقدات فوق برك من الدماء الساخنة التى بمجرد جريانها تصطدم بأجسادهن الباردة المنهكة، فتحدث ارتجافات وارتعاشات تقشعر لها الأبدان، فترتفع فوق الأغطية هاشة وخفيفة، وتحوم أرواحها حولها وعندما تلمسها تأتى الانتفاضات والأنات والألم ثم الشرود.. هنا بقسم الولادة بالمستشفى الميرى ترقد النسوة متوحدات فى صوت الآهات والأنين، وقد اختلطت روائحهن المتشابهة برائحة الحليب المنساب من النافرة، مفعمة برائحة لحم الصغار الذى تعرض للهواء لأول مرة منذ قليل، وما زال محتفظًا برائحة دماء المشيمة، وفى اليوم الثانى كان الصغار يرقدون فى أحضان أمهاتهم عدا محاسن التى مات طفلها فور ولادته، مثلما مات صغارها جميعًا من قبل، وكان الحليب المخزون بصدرها يثقل جسدها، وأصبح ثدياها ككرتين من الحديد الساخن تحويان شرايين ممتلئة بالحليب الفوار أوشكت على الانفجار من فرط الامتلاء، وكانت أنفاسها المتقطعة التى ملأت الغرفة تكاد تنعم بالاكتمال والحرية، وهذان الثديان المنتفخان يضغطان بغلظة فوق أنفاسها التى تتردد وكفحيح خشن جعل النسوة الباقيات يملؤهن النفور تجاه هذا الجسد التعس، وكلما حاولت إحداهن اختلاس النظر إلى محاسن تراجعت العينان بمجرد اصطدامها بوجهها القبيح الذى لم يشفع لها أبدًا بنعمة الأمومة.. لكن محاسن بعد موت أطفالها واحدًا تلو الآخر أصبحت لا تعبأ بشىء، لكن ذلك الحليب الدافئ الذى اختزن بثدييها أشعل من جديد شوقها.. لكنها اكتفت بشد الغطاء فوق وجهها غارقة فى ذكريات حزينة.. يملؤها الخجل والخوف من رمى النسوة الراقدات لها بالحسد كما حدث هذا فى الماضى كثيرًا.. عندما كن يخبئن أطفالهن منها وقد قصدت ديارهن بحثًا عن الونس الذى لم تهنأ به.. عدا تلك الدغدغات المحببة لصوت الصغار وهم يلهون بداخل غرف مغلقة. راحت النسوة فى نوم عميق بعد إفراغ أثدائهن، وخيم السكون على العنبر عدا بكاء لطفل انفلتت صيحاته خافتة لم يتحرك لها جفنا أمه، وكاد الضوء المتسرب من الغرف الأخرى أن يطمس ملامح محاسن الإفريقية، وهى تهم بأخذ الصغير خلسة، فبدا وجهها فى الضوء الخفيف كقطعة من البازلت المهشم الهش، يحمله جسد من فرط الإعياء والتعاسة أصبح كشبح هزيل يفر من الوحدة.

قصدت ديارهن بحثًا عن الونس الذى لم تهنأ به.. عدا تلك الدغدغات المحببة لصوت الصغار وهم يلهون بداخل غرف مغلقة
 

مالت على الرضيع وهى تضغط بعنف وألم فوق ثديها.. حتى يتفجر ذلك الحليب المخزون سريعًا قبل استيقاظ أم الصغير، وكان الطفل يبكى بكاء مكتومًا حتى جاء ذلك الخيط الرفيع الدافئ فوق فم الطفل، فهم بلعقه، ولعق هذا الثدى الغريب والرضاعة منه.

تذكرت محاسن ليلة الأمس عندما قالت لتلك المرأة: «تجيبى أرضعهو لك يا أختى.. لكن المرأة دمدمت بكلمات نصف مسموعة وهى توارى وليدها تحت الغطاء، وقد رمقت محاسن بعينين ملؤهما الغيظ، وادعت النوم بعد أن أعطت ظهرها لمحاسن.

كاد الصغير أن ينعم بالغفو المريح لولا الاضطراب والعناء طويلًا بعد محاولات يائسة من الوليد فى التقاط تلك الحلمة الغائرة والمهملة.

بدا للوهلة الأولى مستحيلًا، وبمجرد انبثاق بعض من قطرات الحليب الذى بلل وجه الصغير استرخى جسده مستمتعًا بنشوة الدفء وتلك اللذة التى استدرجته وجعلته يلملم عزيمته ويهم من جديد لالتقاط الحلمة بكاملها، والضغط عليها بكل فكيه حتى انفتحت كل المسامات المقفلة من سنين، وجاء السائل الدافئ كنافورة، روضها الصغير بفطرة حتى شبع وغفا فى صدر محاسن، حتى داهمتها أمه بصراخ كاد أن يوقظ النسوة، غفت محاسن وهى تتحسس ثدييها اللذين لم يتوقفا بعد انسياب حليبهما، فبلل كل صدرها لكنها لم تهتم، بل غفت وقد مس قلبها سعادة سرية وهى تشم ذلك الحليب المنساب بعد أن بللت أناملها، واستغرقت فى نوم لكنه عميق وسعيد. 

كانت النساء ينصرفن بشبه احتفالية، وكانت كل واحدة تذهب بضجة وهى تحمل معها بهجة التهانى من النسوة الراقدات، وكل من فى المستشفى من أطباء وممرضات، وخاصة التمرجيات اللائى ينعمن بالنقود على سلامة الست وطفلها، وقبل توديع محاسن لعنبر الولادة أخذت تبحث عن ذلك الصغير بعينيها، لكنه كان مخبأ تحت الأغطية. وبالممر الطويل للمستشفى الميرى كان زوج محاسن يحمل فى يده كيسًا بداخله أشياء الوليد الذى رحل، ويده الأخرى اتكأت عليها محاسن، وقد وضعت يدها الأخرى فوق ثديها الذى أرضعت منه الصغير، وقد بدأ يبلل صدرها بقطرات الحليب المنسابة، وهما يمرقان فى صمت من باب المستشفى وقد مالت على زوجها هامسة، وهى تهدهد ثديها وتبتسم ابتدا يحن.