فى حوار مع أساتذة أكاديمية الفنون..
ذكريات سلماوى.. ممثلة فرنسية شهيرة قالت لى: «أم كلثوم معبد يتعبد فيه الناس»
- خطة إسرائيل الأساسية هى إضعاف مراكز القوة العربية مثل مصر والسعودية
- نجيب محفوظ قال لمعترض على تسلمى «نوبل»: «أبعت أمى؟!»
فى لقاء ثقافى ممتع، استضاف المعهد العالى للنقد الفنى بأكاديمية الفنون الكاتب الكبير محمد سلماوى، أحد أبرز رموز الأدب والفكر فى مصر والعالم العربى، فى حوار اتسم بالعمق والصدق، كشف خلاله عن ملامح تجربته المتعددة، التى يصعب اختزالها فى مسار واحد.
وتحدث «سلماوى»، خلال اللقاء، عن بداياته فى عالم الأدب والمسرح، وكيف أثرت الفترة الناصرية فى تجربته، كاشفًا فى الوقت ذاته عن كواليس اختياره من قبل الكاتب الكبير نجيب محفوظ لتسلم جائزة «نوبل» نيابة عنه، إلى جانب حضوره حفل أم كلثوم الشهير فى العاصمة الفرنسية باريس.
كما استعرض رؤيته للنهوض بالثقافة، وكيف أن ذلك يتطلب «استراتيجية دولة» وليست سياسات مؤقتة تتغير بتغير الوزير، محذرًا فى الوقت ذاته من استمرار دولة الاحتلال فى تنفيذ مشروع «إسرائيل الكبرى» فى المنطقة.

فُصلت من «الأهرام» 3 مرات واُعتقلت بسبب آرائى السياسية
استهل محمد سلماوى حديثه بالإشارة إلى الصعوبة التى يواجهها حين يُطلَب منه الحديث عن سيرته، مؤكدًا أنه لم يعش حياة واحدة، بل مسارات متداخلة، فبينما يعرفه الناس كصحفى بلغ أقصى درجات المهنة بوصوله إلى منصب رئيس التحرير، هو أيضًا أديب له مشروعه الإبداعى، فضلًا عن جانب ثالث يعتبره الأهم، وهو اهتمامه بالشأن العام.
وقال «سلماوى» إن اهتمامه بالشأن العام لم يكن بدافع شخصى، بل انطلاقًا من الإيمان بالمصلحة العامة، وهو ما ترسخ لديه خلال سنوات التكوين فى الحقبة الناصرية، التى صاغت وعيه السياسى والفكرى، بعدما نشأ فى مناخ يدعو إلى القومية العربية، والتحرر من الاستعمار، ودعم حركة عدم الانحياز، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ورغم أن هذه السياسات أضرت ببعض مصالح عائلته نتيجة قرارات التأميم والمصادرة، اختار «سلماوى» الانحياز للمصلحة العامة، معتبرًا هذا القرار نقطة فاصلة فى حياته، قادته إلى خوض تجارب صعبة، منها فصله من مؤسسة «الأهرام» ٣ مرات، واعتقاله لفترة، دون أن يتراجع عن قناعاته.
وأكد أن هذا الخيار انعكس على مسيرته الصحفية والإبداعية، لتأتى أعماله الأدبية انعكاسًا طبيعيًا لهذا الفكر.
وأشار إلى بداياته، وشغفه المبكر بالأدب الإنجليزى والأجنبى، وقراءاته المتعمقة بلغاتها الأصلية، إلى جانب حبه التدريس، الذى وجد فيه متعة خاصة، ما جعله أستاذًا ناجحًا بشهادة طلابه الذين كانوا يفضلون حضور محاضراته.
غير أن هاجس «الانتماء» ظل يلاحقه، فتساءل عن جدوى تدريس أعمال مثل «شكسبير» فى مجتمع ترتفع فيه نسبة الأمية إلى ٦٦٪، وفى ظل قضايا أكثر إلحاحًا، ما دفعه إلى اتخاذ قرار التحول إلى العمل الصحفى بحثًا عن دور أكثر تأثيرًا، رغم احتفاظه بحنين دائم للحياة الأكاديمية.
وأكد أن بداياته الحقيقية فى الكتابة سبقت النشر بسنوات، موضحًا أنه نشر بعض القصص فى مجلات مثل «صباح الخير» و«الجديد»، قبل أن يصدر مجموعة قصصية كأول كتبه عام ١٩٨٣، تلاها مباشرة إصدار مسرحى.
وأضاف أنه خلال الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات كان يرى نفسه كاتبًا مسرحيًا بالأساس، إلا أن التحولات السياسية التى شهدتها مصر بعد رحيل جمال عبدالناصر ومجىء السادات، دفعته للانخراط فى الكتابة السياسية المعارضة، وهو ما انتهى باعتقاله عام ١٩٧٧، وفصله من العمل عام ١٩٨٠.
ومع تولى مبارك الحكم، شهدت البلاد حالة من الهدوء النسبى، الذى ثبت لاحقًا أنه هدوء «قاتل»، ما أتاح له العودة إلى الكتابة الأدبية، خاصة القصة القصيرة والمسرح، قبل أن يتراجع حضور المسرح، فيجد فى الرواية مخرجًا إبداعيًا، مؤكدًا أن الكاتب المسرحى يظل مرتبطًا بخشبة المسرح، وإذا غاب العرض تعثرت الكتابة.
وأشار إلى أن أولى رواياته «الخرز الملون» صدرت عام ١٩٩١ بالتزامن مع حرب الخليج، وتناولت القضية الفلسطينية، تلتها أعمال بارزة مثل «أجنحة الفراشة» التى استشرفت أحداث الثورة، و«أوديب فى الطائرة» و«زهرة النار» و«السماء الثامنة».


خلال اللقاء، استعاد محمد سلماوى لحظة إلقائه كلمة نجيب محفوظ، عند تسلمه جائزة «نوبل» فى الأدب نيابة عنه، مشيرًا إلى أن «محفوظ» وصفه آنذاك بأنه «أديب معروف وكاتب مسرحى متميز لجيل تالٍ».
وكشف عن أن نجيب محفوظ تعمد اختياره ليكون ممثله فى استلام جائزة «نوبل»، رغبة منه فى مد جسر بين الأجيال، وإبراز أن مصر لا تقف عند اسم واحد، بل تمتد إلى أجيال متعاقبة من المبدعين.
وأشار إلى أن هذا الاختيار أثار تساؤلات داخل الوسط الثقافى، حتى إن الصحفى محمد الشاذلى سأل «محفوظ» عن سبب اختياره، فقال إنه رأى فى «سلماوى» الشخص المناسب لهذه المهمة.
وروى «سلماوى» موقفًا نقله له الكاتب سعيد الكفراوى، حين اعترض أحد المقربين من «محفوظ» على عدم اختياره، فرد «محفوظ» بطريقته الساخرة: «أمى أقرب لى منكما.. أأرسلها لتتسلم نوبل؟!»، فى إشارة إلى رفضه منطق المجاملات.
وأضاف أن الجدل تصاعد لدرجة أن بعض الصحفيين طرحوا فى الصحف أسماء بديلة مثل لويس عوض وثروت أباظة وثروت عكاشة، ما دفعه إلى كتابة خطاب اعتذار لـ«محفوظ» عن عدم السفر، حفاظًا عليه من الضغوط.
إلا أن رد «محفوظ» كان حاسمًا حين قال له: «إنت بتتخلى عنى؟»، وهو ما اعتبره «سلماوى» درسًا عميقًا فى التمسك بالموقف دون صدام، خاصة عندما أضاف «محفوظ»: «رئيس الجمهورية يختار من يشاء.. أما أنا فقد اخترت».
وأكد محمد سلماوى أن هذه اللحظة كانت حاسمة، إذ أدرك أن عليه قبول المهمة، فقرر السفر، ليكتشف لاحقًا من الدكتور مصطفى الفقى أن ما أثير حول تدخل الرئاسة لم يكن سوى خلافات صحفية لا علاقة لها بالدولة.
وتطرق إلى أزمة أخرى واجهته فور وصوله إلى السويد، حين طلب منه التواصل مع رئيس لجنة «نوبل» بشأن كلمة «محفوظ»، التى تضمنت إشارة صريحة إلى حق الفلسطينيين فى إقامة دولة، وهو تعبير لم يكن شائعًا آنذاك.
وأوضح أنه رفض منذ البداية أى محاولة لتغيير النص، مؤكدًا أنه يمثل الأدب العربى بأكمله، وأن حذف هذا الموقف يعد تنازلًا غير مقبول.
وأشار إلى أنه جمع الوفد الإعلامى المرافق له، الذى ضم نحو ٣٠ من كبار الصحفيين، وأبلغهم بنيته الانسحاب إذا طلب منه تعديل الكلمة، فكان موقفهم داعمًا له.
لكنه فوجئ خلال الاتصال بأن التعديل المطلوب لا يتعلق بالقضية الفلسطينية، بل بجملة «بروتوكولية» تتعلق بتوجيه الشكر، إذ أوضح رئيس اللجنة أن اختيار الفائز يتم عبر الأكاديمية السويدية وليس لجنة «نوبل».
وأضاف أنه تعامل مع الأمر بحكمة، فعدل الصياغة دون المساس بجوهر النص، ليصبح الشكر موجهًا إلى الأكاديمية السويدية ولجنة «نوبل» معًا، مع الحفاظ الكامل على مضمون كلمة نجيب محفوظ دون حذف أو تغيير فى القضايا الجوهرية.


تذكر محمد سلماوى تفاصيل حفل السيدة أم كلثوم فى العاصمة الفرنسية باريس، قائلًا: «لحظة تاريخية جاءت بعد ٣ أشهر فقط من هزيمة يونيو ١٩٦٧، وسط شعور عام بالانكسار لدى المصريين والعرب، قبل أن يتحول المشهد بالكامل مع صعود أم كلثوم إلى المسرح».
وأضاف «وقفت مرتدية فستانًا أخضر، بلونه الرمزى، لتبدأ فى الغناء، فيتحول صوتها إلى تعبير عن (مصر المنتصرة)، رغم واقع الهزيمة»، مشيرًا إلى أن الحضور من العرب دخلوا فى حالة أشبه بـ(الوجد الجماعى)، حالة بين الذكر والنشوة، وكأنهم يعيشون لحظة انتصار حقيقية، لا تتكرر.
وواصل: «التأثير كان بالغًا لدرجة أن أحد الحضور صعد إلى المسرح محاولًا تقبيل قدميها، فى مشهد يعكس حجم التأثير العاطفى والروحى الذى أحدثته».
وأشار إلى أن ممثلة فرنسية شهيرة تدعى مارى لافوريه، كانت تجلس إلى جواره، علقت بدهشة قائلة: «ما يحدث ليس مجرد حفل موسيقى، بل معبد يتعبد فيه الناس، لمعنى يجسده هذا الصوت وهذه الشخصية»، وهو ما اعتبره تجليًا حقيقيًا لمعنى القوة الناعمة.
وأكمل: «هذه القوة هى التى صنعت مجد مصر عبر التاريخ، منذ الحضارة المصرية القديمة، التى لم تبن على التوسع العسكرى، بل على الفن والمعمار والفكر والفلسفة والعلم».
وأعتبر أن ما حدث فى حفل أم كلثوم كان دليلًا حيًا على قدرة القوة الناعمة على تحويل لحظة الهزيمة العسكرية إلى شعور بالانتصار واستعادة الهوية.


طرح أحد الحضور سؤالًا حول تقييم الثقافة المصرية حاليًا، وما ينقصها لاستعادة ريادتها، فى «روشتة مختصرة»، فقال محمد سلماوى إن السؤال يتجاوز فى عمقه أسئلة المستقبل، مشيرًا إلى أن فكرة «التنبؤ» موضوع رواية انتهى من كتابتها مؤخرًا، لكنها لم تُنشر بعد.
وأضاف «سلماوى» أن هذا السؤال شغل حيزًا مهمًا من مشاركته فى «الحوار الوطنى»، الذى كان عضوًا فى مجلس أمنائه، مشيرًا إلى أن دوره الأساسى ينحصر فى ملف الثقافة، بعيدًا عن القضايا الاقتصادية أو السياسية التى يتناولها آخرون.
ونبّه إلى تجربته السابقة فى لجنة إعداد الدستور، مؤكدًا أن من أبرز إنجازاته إضافة فصل مستقل للثقافة فى الدستور لأول مرة، لافتًا إلى أن أول مادة فى هذا الفصل تنص على أن «الثقافة حق لكل مواطن، وعلى الدولة ضمان هذا الحق دون تمييز بسبب القدرة المالية أو الموقع الجغرافى»، وهو مفهوم يعكس مبدأ «العدالة الثقافية» التى يجب أن تكون أساس أى مشروع نهضوى.
وأكد أنه نقل هذه الرؤية إلى «الحوار الوطنى» فى صورة استراتيجية متكاملة، معتبرًا أن نهضة الثقافة لن تتحقق إلا بوجود «استراتيجية ثقافية للدولة»، وليس مجرد «سياسات» متغيرة بتغير الوزراء.
وشدد «سلماوى» على أن هذه «الاستراتيجية» لا ينبغى أن تقتصر على وزارة الثقافة وحدها، بل يجب أن تشارك فيها كل الوزارات والمؤسسات المعنية بتشكيل وعى المواطن، مثل «التعليم» و«الشباب والرياضة» و«الإعلام» و«الأوقاف»، بحيث تعمل جميعها فى إطار موحد يهدف إلى بناء إنسان مصرى يمتلك الانتماء والانفتاح الثقافى والوعى السياسى.
ورأى أن غياب هذه الاستراتيجية هو السبب الرئيسى فى تراجع الدور الثقافى، مضيفًا: «ما يحدث حاليًا يقتصر على أنشطة متفرقة، مثل تنظيم معارض أو افتتاح مسارح، وهى جهود مهمة، لكنها لا ترقى إلى مستوى مشروع ثقافى متكامل».


انتقل الحوار إلى سؤال حول رؤيته للمستقبل، فى ظل مقارنات بين أعمال أدبية تناولت المستقبل مثل «يوتوبيا» لأحمد خالد توفيق، و«باب الخروج» لعزالدين شكرى فشير، و«أجنحة الفراشة» لـ«سلماوى» نفسه.
وقال «سلماوى» إن استشراف المستقبل يبدأ بفهم دقيق للواقع، معتبرًا أن الخلل يكمن فى قراءة ما يجرى حولنا بشكل سطحى، قبل أن يضيف: «الخطة الرئيسية التى تحكم ما يجرى فى المنطقة غائبة عن الوعى العام، رغم أنها طرحت مرارًا فى السابق، قبل أن يتم التشكيك فيها وإقناع الناس بأنها مجرد (نظرية مؤامرة) أو أوهام لا أساس لها».
وأوضح أن هذه الخطة تتمثل فيما يعرف بـ«إسرائيل الكبرى»، التى تعود جذورها إلى البدايات الأولى للفكرة الصهيونية، منذ أن طرح تيودور هرتزل مشروع «الدولة اليهودية» ضمن حدود جغرافية أوسع.
وحذر من أن هذا التصور لا يزال حاضرًا فى رموز ودلالات معاصرة، مثل الشارات التى يحملها جنود الجيش الإسرائيلى، وبعض العملات الاسرائلية خاصة فئة «١٠ أجورات»، التى تتضمن خريطة تعبر عن هذا الامتداد الجغرافى.
ونبّه إلى أن مفهوم «إسرائيل الكبرى» يشمل فلسطين بالكامل، إضافة إلى مناطق تمتد إلى دول عربية مجاورة، ما يستلزم إضعاف مراكز القوة العربية الأساسية فى المنطقة، على رأسها مصر وسوريا والعراق والسعودية، متسائلًا عن التحولات التى شهدتها هذه الدول خلال السنوات الماضية.
وأضاف: «لمصر وضع خاص فى هذا السياق، فالتصور الجغرافى سالف الذكر يمتد داخل الأراضى المصرية حتى فرع رشيد من نهر النيل، مرورًا بسيناء. كما يشمل جنوب سوريا حتى ما بعد الجولان، وجنوب لبنان حتى نهر الليطانى، إلى جانب أجزاء من العراق والسعودية».
وواصل: «جنوب سوريا حتى ما بعد الجولان، وجنوب لبنان حتى نهر الليطانى، هى مناطق اقتربت منها التحركات الإسرائيلية بالفعل، خاصة فى ظل ما جرى فى سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، من توغل فى مناطق وصفت بأنها (عازلة)، مع توقع ضمها لاحقًا».
وأكمل: «تحقيق هذا المشروع يتطلب تحييد الدور المصرى»، معتبرًا أن اتفاقية «كامب ديفيد» مثلت خطوة فى هذا الاتجاه، عبر إخراج مصر من معادلة الصراع مؤقتًا، إلى حين استكمال بقية المراحل.
وأعتبر أن ما يحدث حاليًا يعكس تقدمًا فى تنفيذ هذه الخطة، التى تتكشف ملامحها يومًا بعد يوم، رغم صعوبة المشهد، مؤكدًا أن هذا التقدير لا ينبع من نزعة عاطفية أو خطاب قومى تقليدى، بل من قراءة قائمة على معطيات تاريخية.
وشدد على أن مصر ستظل العقبة الأساسية أمام اكتمال هذا المشروع، متوقعًا أن تتحول فى النهاية إلى «حائط الصد» الذى يعرقل تحقيقه، مستندًا إلى ما يراه نمطًا متكررًا فى التاريخ، حيث تعقب فترات الانكسار موجات نهوض، كما حدث بعد هزيمتى ١٩٤٨ و١٩٦٧ وصولًا إلى حرب ١٩٧٣.
ونبّه إلى مؤشرات دالة على تراجع القوة الإسرائيلية، سواء على المستوى الإعلامى أو السياسى، خاصة ما يتعلق بتحول الرأى العام العالمى ضدها، وظهور مراجعات فى مواقف بعض الحكومات.
وأضاف أن هذا التغير يتزامن مع تصاعد أصوات من داخل إسرائيل نفسها، من مؤرخين ومفكرين، مثل إيلان بابيه، ومن تيار «المؤرخين الجدد»، إلى جانب صحفيين وشخصيات عامة، تحذر من مستقبل الدولة.
وخلص إلى أن الصورة تبدو قاتمة فى ظاهرها، لكنها لا تخلو من أمل، معتبرًا أن هناك نورًا فى نهاية النفق، وأن التحولات التاريخية الكبرى قد تحمل فى طياتها فرصًا لتغير المسار فى المستقبل.




