المحرر العام
محمد الباز

مثلث القوة.. الرئيس الفنلندى يكتب عن «عالم جديد بلا أمريكا ترامب»

حرف

- الولايات المتحدة ليست مجتمعًا حديثًا بالمعايير الأوروبية أو الآسيوية

- يجب تطوير وإحياء مؤسسات متعددة الأطراف للتعامل مع أعقد مشكلات البشرية 

بمناسبة الزيارة الأخيرة لرئيس فنلندا «ألكسندر ستوب» إلى مصر، وما تعكسه من اهتمام متزايد بدور القاهرة بوصفها دولة محورية فى منطقة شديدة الاضطراب وفاعلًا أساسيًا فى ملفات التوازن الإقليمى والأمن الدولى، تبرز أهمية إعادة قراءة الأطروحات الفكرية لـ«ستوب» حول السياسات فى النظام العالمى الراهن.

نشرت منصة «The Conversation»، خلال الأيام الأخيرة، مقالًا للكاتب مارك بيسون، يقدم خلاله قراءة نقدية لكتاب «ستوب» الأخير والمنشور مطلع العام الحالى تحت عنوان «مثلث القوة: إعادة توازن النظام العالمى الجديد».

مارك بيسون

ينطلق الكتاب من فكرة «مثلث القوة» الذى يقسّم العالم إلى ٣ كتل رئيسية: الغرب العالمى، والشرق العالمى، والجنوب العالمى، محاولًا تفسير كيف يمكن للتفاعلات بين هذه الأضلاع الثلاثة أن تعيد تشكيل موازين القوة الدولية.

كما يناقش مستقبل التعددية الدولية وإمكانية إصلاح المؤسسات العالمية، وفى مقدمتها الأمم المتحدة، فى مواجهة عالم يتجه بشكل متزايد نحو التنافس والصراع بدلًا من التعاون. 

ويقدم «ستوب» فى كتابه محاولة لفهم التحولات العميقة التى يشهدها النظام العالمى، فى ظل تصاعد التوتر بين القوى الكبرى، وتراجع فاعلية الأطر التقليدية للتعاون متعدد الأطراف، وهو ما يوضحه المقال الذى تترجمه «حرف» فى السطور التالية.

مهما أطلقنا على هذه اللحظة التاريخية الراهنة من مسميات، كتعدد الأزمات أو القطيعة أو حتى نهاية الحضارة كما نعرفها، فإن هناك اتفاقًا متزايدًا على أن ما هو على المحك بالنسبة للبشرية لم يكن يومًا بهذا القدر من الخطورة. 

وحتى فى بلد يُعد استثنائيًا من حيث الاستقرار والرفاه مثل أستراليا، فإن مجرد إدراك طبيعة المشكلات التى نواجهها وحجمها، والتوصل إلى قدر من التوافق بشأنها، يُعد إنجازًا بحد ذاته.

أما صياغة استجابات تبدو واقعية وقابلة للتصديق فهى تحدٍ من نوع مختلف تمامًا، ومع ذلك هناك من يحاول على الأقل. وليس من المستغرب فى ظل الدور الذى لعبته إدارة دونالد ترامب فى إنتاج كثير من أزماتنا المشتركة أو الفشل فى التعامل معها، سواء كانت أزمات عسكرية أو اقتصادية أو بيئية، أن نتجه إلى البحث فى أماكن أخرى عن حلول ممكنة.

ومن بين أسباب الاهتمام الكبير بالخطاب الأخير لرئيس الوزراء الكندى مارك كارنى، فى دافوس، أنه سلّط الضوء على طبيعة التحديات التى نواجهها، حتى وإن كان حريصًا على عدم تسمية مصدرها الرئيسى صراحةً.

أما زعيم قوة متوسطة أخرى، وهو رئيس فنلندا ألكسندر ستوب، فيحرص هو الآخر على عدم توجيه اللوم بشكل مباشر. لكنه يمضى أبعد من مارك كارنى فى تفكيك أوجه القصور التى يعانى منها النظام العالمى الراهن.

ولا يكتفى «ستوب» بالتشخيص، بل يطرح أيضًا أفكارًا عملية حول ما يمكن فعله. ورغم أنه من الصعب تصور تبنّى هذه الأفكار فى ظل وجود دونالد ترامب فى البيت الأبيض، فإن كتابه «مثلث القوة» يذكّرنا بأن البشر، رغم ما يملكونه من قدرات عقلية لافتة، لا يزالون قادرين على ارتكاب أخطاء يصعب تصديقها.

وفى صميم تحليل ألكسندر ستوب لهشاشة النظام العالمى المتزايدة، يبرز مفهوم «مثلث القوة». ورغم أن الفكرة ليست جديدة تمامًا، فإن «ستوب» يعيد التفكير فى عدد من التصورات المألوفة ويمنحها صياغة مختلفة.

يرى «ستوب» أن العالم يتكوّن من ٣ كتل رئيسية من الدول، يُحدَّد انتماؤها فى الأساس، وإن لم يكن حصريًا، بالجغرافيا. فـ«الغرب العالمى» يضم الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب حلفائهما التقليديين مثل اليابان وكندا وأستراليا.

أما «الشرق العالمى» فتقوده الصين بدعم من روسيا، ويشمل دولًا مثل كوريا الشمالية وبيلاروسيا وإيران.

أما «الجنوب العالمى»، ورغم أنه مصطلح متداول، فإن «ستوب» يوسع نطاقه ليشمل معظم دول إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، أى ما يزيد فعليًا على نصف دول العالم وسكانه.

ورغم أن التركيز فى الفترة الأخيرة انصبّ، بشكل مفهوم، على التنافس بين الغرب والشرق، فإن «ستوب» يرى أن الجنوب يمتلك «القدرة على ترجيح الكفة». فالاتجاه الذى سيتخذه العالم فى النهاية سيتحدد وفق توازن ثلاث قوى أساسية وهى: التنافس والصراع والتعاون.

ورغم أن العالم اليوم يعجّ بقدر كبير من التنافس والصراع، فإن التعاون الحقيقى يظل نادرًا. ويرى ألكسندر ستوب أن المسئولية عن ذلك تقع جزئيًا على عاتق الغرب، نتيجة ما يسميه «خطأً مزدوجًا» بعد إعطاء الأولوية للأمن على حساب الحرية، ومنح الدول الأخرى قدرًا غير كافٍ من التأثير والقدرة على الفعل.

وينطلق «ستوب» فى تصوره لنظام دولى أكثر شمولًا من فكرة يسميها «الواقعية القائمة على القيم»، أى التمسك بالقيم الليبرالية التى جعلت من فنلندا نموذجًا للحكم الرشيد ومستويات المعيشة المرتفعة، مع العمل فى الوقت نفسه بتواضع واحترام مع الدول التى لا تتبنى هذه القيم.

أما الخروج من الرؤية الواقعية التقليدية ذات المحصلة الصفرية، التى أوصلت العالم إلى وضعه الحالى، فيتطلب- حسب «ستوب»- أن يتولى الغرب زمام المبادرة لإعادة صياغة التعددية الدولية، بحيث تصبح فعلًا فى خدمة الجميع. ويستدعى ذلك تبنّى ما يصفه بـ«سياسة خارجية كريمة»، تقوم على الاحترام المتبادل حيث «نقود بالمثال لا بالمواعظ».

ورغم أن هذه الرؤية قد تبدو مثالية إلى حد ما، فإن التعامل معها بجدية يظل ضروريًا، خاصة إذا كان البديل هو استمرار قتل النساء والأطفال فى إيران أو غزة أو لبنان.

يرى ألكسندر ستوب أن مفتاح بناء نظام دولى أكثر حيوية وفاعلية يكمن فى التراجع عن الاتجاه نحو التعددية القطبية، والعودة إلى إحياء التعددية الدولية.

فالتعددية فى جوهرها تعبير مختصر عن «النظام الدولى القائم على القواعد»، بينما تعنى التعددية القطبية عالمًا تتنازع فيه قوى متعددة على مناطق النفوذ، وهو ما يصفه ستوب بـ«احتكار القلة للقوة»، حيث يفعل الأقوياء ما يشاؤون، ويُجبر الضعفاء على التكيّف مع ما يُفرض عليهم.

وتتمثل الخطوة الأولى فى هذا المسار فى الإقرار بأن «الاعتماد المتبادل بين الدول لم يعد مشكلة، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الحل». ورغم أن هذا الطرح قد يبدو شبيهًا ببعض الرؤى المتفائلة التى صاحبت بدايات العولمة، فإن «ستوب» يقدّم حجة جديرة بالتأمل ويقول فى كتابه: لسنا أمام مجرد مرحلة انتقالية، بل نخوض صراعًا حقيقيًا على شكل النظام العالمى المقبل. والطريق نحو نتيجة مستقرة ومتوازنة يمر بالضرورة عبر المؤسسات الدولية، من الأمم المتحدة إلى أطر أوسع منها، حيث يصبح من الضرورى إعادة التفكير فى مسألة العضوية وتوزيع النفوذ، حتى يُتاح لهذا التعاون الدولى الاستمرار والبقاء.

يرى ألكسندر ستوب أن العالم يعاد تشكيله بفعل قوى «هيكلية» كبرى مثل الديموجرافيا والمناخ والتكنولوجيا، وأنه يحتاج إلى تطوير أو إحياء مؤسسات متعددة الأطراف قادرة على التعامل مع أعقد المشكلات الجماعية التى واجهتها البشرية على الإطلاق.

ومن اللافت، ومن باب الإنصاف، أن «ستوب» يقدم بعض المقترحات العملية المستمدة مما يسميه «الواقعية العملية»، والخاصة بكيفية إصلاح مؤسسات دولية رئيسية، على رأسها الأمم المتحدة التى تتعرض لانتقادات متكررة.

ويأتى فى مقدمة هذه الإصلاحات ضرورة إعادة النظر فى مجلس الأمن، الذى أصبح بنية قديمة وتمثيله غير عادل إلى حد كبير. ورغم أن هذا الإصلاح ليس سهلًا بأى حال، فإن مجرد محاولة الدفع فى هذا الاتجاه قد تكون ذات قيمة فى السياق الدولى الراهن. وكما يشير «ستوب»، فإن العمل المنسق بين الدول قادر على «التأثير فى مسارات التنافس والصراع».

التأثير هو أمر طالما ادّعت الدول المتوسطة، مثل أستراليا، أنها تمتلكه، رغم أن الأدلة على ذلك تبدو شحيحة فى الوقت الراهن.

وجزء من المشكلة فى الحالة الأسترالية يعود إلى أنه لا يوجد داخل الأحزاب السياسية الرئيسية من يملك الخيال السياسى أو الحضور الفكرى الذى يتمتع به رئيس فنلندا، ألكسندر ستوب، وذلك رغم ما يبدو من محدودية الثقل الجيوسياسى لبلاده.

فى حال، وهو احتمال غير مرجّح، اطّلع صانعو السياسات أو دوائر الدفاع على كتاب «مثلث القوة»، فهناك عدد من النقاط التى قد تستحق التأمل، لأنها ذات صلة بكل الدول المتوسطة التى تحاول رسم مسارها بين القوى الأكبر منها.

إحدى هذه القوى الكبرى تمثل خطرًا واضحًا ومباشرًا على بقية العالم، وليس المقصود هنا الصين.

ويرى ألكسندر ستوب أن جزءًا من المشكلة يتمثل فى أن الولايات المتحدة «ليست مجتمعًا حديثًا بالمعايير الأوروبية أو الآسيوية». وهذا ما يساعد- حسب طرحه- على تفسير تنامى تأثير أشكال متشددة من المسيحية الإنجيلية داخل إدارة دونالد ترامب، لكنه يفسّر أيضًا غياب أنظمة كافية للرعاية الصحية والتعليم والسكن، وهو ما يعانى منه المجتمع الأمريكى بشكل خاص، وكذلك الاقتصادات النيوليبرالية، مثل اقتصاد أستراليا بشكل أوسع.

ويشير «ستوب» إلى أن إدارة مجتمع يتمتع بدرجة أعلى من السعادة والانفتاح والمعرفة تمنح قادته مساحة أكبر للتفكير خارج الحدود الوطنية. وهذا المنظور، كما يراه، ضرورى إذا كان للبشرية، بكل ما تعنيه كلمة «نحن»، أن تحقق تقدمًا حقيقيًا فى مواجهة غياب الأمن الاقتصادى والجيوسياسى، خاصة البيئى.

ومن هنا تأتى أهمية تعزيز الالتزام بنمط من التعددية الدولية يكون أكثر شمولًا وفاعلية، كما يرى أن الدول المتوسطة ذات الوضع المشابه، مثل أستراليا، يجب أن تقدم دعمًا واضحًا وصريحًا لرؤية «ستوب» فى سعيه نحو نظام عالمى أكثر مساواة وقدرة على التسامح.

من دون أنظمة متعددة الأطراف قوية، تتحول كل الاتفاقات بين الدول إلى صفقات قائمة على المصلحة المباشرة فقط. فالعالم متعدد الأقطاب يقوم فى جوهره على المصلحة الذاتية. أما العالم القائم على التعددية الدولية، فيجعل من المصلحة المشتركة شكلًا من أشكال المصلحة الذاتية نفسها.

وهنا تبرز أهمية ما يسميه «السياسة الخارجية القائمة على الاحترام المتبادل» dignified foreign policy» ،وربما يكون من السذاجة توقع أن الدول، خاصة الأقوى بينها، ستستمع إلى بعضها البعض بعقل منفتح، وبقدر أكبر من التقدير لاختلافات المجتمعات والثقافات والمناطق والدول.

لكن فى الوقت الذى قد لا يرحّب فيه كثيرون فى الغرب بالأنظمة السياسية أو الأديان أو القيم الاجتماعية فى بعض دول الجنوب، فإن التحول نحو نزعات سلطوية داخل الولايات المتحدة وما يرتبط به من فساد فاضح فى إدارة دونالد ترامب، يجعل الأمر لم يعد مجرد «مشكلتهم هم»، بل أصبح مشكلتنا جميعًا.

ومن الصعب تخيّل أن أيًا من الحكومات أو قوى المعارضة سيقدّم دعمًا فعليًا، ناهيك عن اتخاذ إجراءات، لصالح الأجندة المتأنية والعملية التى يطرحها ألكسندر ستوب.

ومع ذلك، فإننا نملك فى الواقع نقاطًا مشتركة مع فنلندا أكثر مما نملكه مع الولايات المتحدة، حتى فى حال لم يكن يدير الأخيرة تحالف من النخب المالية وشبكات النفوذ المتطرفة.

حين يكون الحليف الرئيسى المفترض لنا جزءًا من المشكلة بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل، فإن تبنّى منطق يقدّم المصلحة المشتركة على حساب المصلحة الضيقة لدولة أخرى يبدو خيارًا أكثر واقعية ومنطقية.

فليس لدينا وقت لانتظار مغادرة دونالد ترامب السلطة، ولا يوجد أى ضمان بأن من سيأتى بعده سيكون أفضل بالضرورة.

ويبقى السؤال الأعمق: كيف يمكن أن نصل إلى عالم يُدير الشأن العام فيه أشخاص أكثر عقلانية ومسئولية؟ وهو التحدى الدائم الذى يواجه البشرية. نحن عادةً ما نطالب بأن نختم مثل هذه النقاشات بنبرة إيجابية، لكن عند النظر إلى النخبة الحالية من القادة العالميين، يصعب التفاؤل كثيرًا.

ومع ذلك، فإن قراءة كتاب ألكسندر ستوب قد يمنح القارئ بعض الارتياح المؤقت، حتى لو لم يكن قادرًا على تغيير العالم.