الجمعة 17 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

ناصر.. المسلسل الوحيد الذى تمنيت أن أكتب غنوته.. وتحقق الحلم

حرف

فى موسم الدراما عام ٢٠٠٨، لم أكن أبحث عن شىء بعينه، كنت فقط أتابع، كعادتى، أخبار الأعمال التى تستعد للظهور فى رمضان. حتى توقفت فجأة عند خبرٍ صغير: مسلسل عن جمال عبدالناصر.لا أعرف لماذا شعرت وقتها بأن هذا العمل يخصنى، أو أننى أنتمى إليه بطريقة ما؟

حين لمحت اسم صديقى الفنان محمد حسنى ضمن الترشيحات، هاتفته فورًا مهنئًا، ثم قلت له، بنبرةٍ لم أستطع إخفاء صدقها:

أنا عمرى ما تمنيت أكتب غنوة لمسلسل أو فيلم... إلا لو اتطلب منى،

لكن المسلسل ده بالذات... كنت أتمنى يكون من نصيبى.

ضحك، كأنه يعرف شيئًا لا أعرفه، وقال:

خيرها فى غيرها... تم تكليف شاعر كبير.

أغلقت الهاتف وأنا أردد جملة محفوظة:

الحمد لله على كل حال.

لكنّ شيئًا فى داخلى ظل مفتوحًا... كنافذة لم تُغلق جيدًا.

مرّت الأيام، ثقيلة وعادية فى آنٍ واحد.

الأعمال تكتمل، الأسماء تُعلن، والسباق يقترب،

ولم يتصل أحد.

قبل رمضان بأيام قليلة، استسلمت للفكرة تمامًا.

قلت لنفسى:

ربما هذه المرة ليست لك.

وربما فى هذا الفراغ نعمة مؤجلة.

محمد فوزي

كنت فى البيت... على وضع صامت، كما أخبرت صديقى المنتج محمد فوزى حين اتصل بى فجأة.

قال:

أنا وباسل الخطيب مستنيينك فى فندق «ك».

لم أفكر كثيرًا.

باسل الخطيب

ظننتها جلسة تعارف، أو حديثًا عابرًا عن عمل قادم.

لكن حين دخلت الجناح، ورأيت الشاشات، والوجوه الجادة، أدركت أن الأمر ليس عابرًا.

قال فوزى:

كنا ناويين نكتفى بموسيقى...

بس باسل شايف إن ناصر ما ينفعش من غير غنوة.

فى تلك اللحظة، شعرت بشىء يشبه الارتطام.

فرحٌ مفاجئ...

وخوفٌ أكبر منه.

سألت فورًا، كأننى أتحسس أرضًا غير ثابتة:

مش كان فى حد بيكتب؟

قال: لا.

ثم جاءت الضربة الحقيقية:

هتكتب على لحن جاهز.

وفاضل ٣ أيام بس.

خرجت من عندهم وأنا أحمل اللحن،

وأحمل معه سؤالًا ثقيلًا:

كيف تُكتب أغنية فى ثلاثة أيام... عن رجلٍ بحجم وطن؟

وضعت الأسطوانة فى السيارة.

تركت اللحن يدور... ثم يدور... ثم يعيد نفسه،

كأنه يحاول أن يفتح بابًا مغلقًا فى داخلى.

كنت عند نهاية شارع الهرم تقريبًا،

حين حدث شىء لا يمكن تفسيره:

شعرت بأن الإسكندرية تنادينى.

ليس مجازًا...

بل نداء واضح، كأن البحر يعرف أننى سأحتاجه.

استدرت... وسافرت.

قضيت اليوم كله هناك.

أتنقل من مكان إلى آخر،

كأننى أبحث عن كلمة ضائعة،

أو عن بداية لا تريد أن تُولد.

جلست طويلًا أمام البحر.

كان الليل قد سقط تمامًا،

ولم يبقَ سوى أضواء بعيدة،

لسفنٍ لا أعرف من أين جاءت،

ولا إلى أين تمضى.

بحرٌ واسع...

وليلٌ أثقل من الأسئلة.

قلت لنفسى:

من أين أبدأ؟

كيف يمكن أن تدخل إلى سيرة رجلٍ كهذا... دون أن تنكسر؟

وقبل الفجر بقليل...

حين بدأت السماء تُجرّب أول خيطٍ من الضوء،

حدثت المعجزة الصغيرة.

لمعت الجملة.

جاءت ببساطة مدهشة،

كأنها كانت تنتظر هذا الضوء تحديدًا:

«زى النهار يا فتى... وإحنا اللى ليلنا طال...

جاى فى أوان جرحنا... والشدة ليها رجال»

عندها فقط، عرفت أن الباب قد فُتح.

بدأ عرض المسلسل.

ومع اليوم الثانى تقريبًا،

سيد حجاب

استيقظت على مانشيت صادم:

«سيد حجاب ينشر الأغانى الممنوعة عن مسلسل ناصر»

تجمدت للحظة.

لم أكن أعلم...

لم يخبرنى أحد...

أن الشاعر الكبير سيد حجاب

كان هو المكلّف بكتابة الأغانى.

اختلطت داخلى مشاعر مربكة:

دهشة... غضب...

وخوف من أن أكون، دون قصد، قد أخذت مكانًا لا يخصنى.

بعد أيام،

التقينا مصادفة فى إدارة المصنفات.

تقدمت نحوه،

وفى داخلى جملة اعتذار كاملة، جاهزة.

لكننى لم أنطق بها.

لأنه سبقنى...

واحتضننى.

وقال كلامًا بسيطًا،

لكنه أكبر من كل ما كنت أخشاه.

بارك لى... وهنأنى.

هكذا كان الكبار.

لا يخشون موهبةً جديدة،

ولا يضيقون بمساحة الضوء.

بل يتركون لنا مكانًا...

ونَفَسًا... وطريقًا أقل قسوة.