الجمعة 29 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

نجاة على تكتب: هذا العدم لا يثير رهبتى

حرف

لن أنشغلَ بطيفك الذى مرَّ

سريعًا من هنا

رغم أننى فعلتُ ما يكفى

لتنظيف البيت من الأشباح

لذا سأنتشى بالقسوة

وأنا أمحو اسمك 

من كل الأساطير التى 

سأرويها عنى

وربما أتسلّى بتمزيق 

القصائد التى كتبتُها لأجلك

وسأبتهج حين أدهن حوائط 

البيت باللون الأبيض

وأنا أردّدُ فى نفسى

عبارةً قديمة:

«إن الأيقونات الكاذبة 

لا تصمدُ طويلًا أمام الزمن».

فهل تدرك أن هذا العدم 

لا يثير رهبتى حقًا؟!

القدم التى خدشْتها عيونكم

ماذا فعلتمْ بهذه القدم

الصغيرة

التى خَدشتْها عيونكم

الزجاجية

كفوا مشارطكم عنها قليلًا

لماذا تواطأتم ضدها

بكل هذه القسوة

وغرزتم على جانبيها

المسامير؟!

كأنكم تستعدون لصلبها

كى تُكفّر عن كل الخطايا

التى خططتُ لارتكابها

طَوالَ عمرى

لكنكم لم تمهلونى

كى أطلعكم على سرِّها!!

ألا تعرفون أنها

القدم التى بكى حبيبى

تحتها

ذات مرة

مستظلًا بدفئها

وقال إنها شمسه

التى لا تغيب

فلماذا لمْ أخبره بأننى 

منذ عام

وأنا غاضبة من الله

لأنه تركنى وحدى

فى أرض غريبة!!

أخفى تعاستى تحت

جلدى

وأهرب من أشباح القصائد

التى تعبر بخفة

قرب قدمى الصغيرة.

بصيرة

صرتَ تتحدث كثيرًا 

عن معنى البصيرة

ولم تعدْ تشعرُ بوخزات

الزمنِ المتلاحقة 

ولا بالشقوق التى التهمتْ 

الحوائط

فهل مُنيتَ بفقد الذاكرة

فى حياة سابقة

أو أصابك مرضُ السُكر يومًا 

فأتلف ما تبقى لديك

من خلايا المخ؟!

وإلا لماذا -إذن- تتعثّرُ

فى الطريق

إلى مقابر العائلة     

حتى إنك ضللتَ الحفرةَ

التى دفنتْ فيها أباك

والقصائد التى سقطت سهوًا

فى غفلة منك.

عشرون عامًا مرتْ 

كانت كافيةً 

لينطفئَ صوتُك

وأن تعرفَ معنى الخيبة

وأنت تتلصّصَ على حياةٍ

أصابها العطبُ.

البعيد

يقولون إنك لا تشبه أبى 

فى شىء

حتى أُفتنَ بك         

لكننى بك فُتنتُ

فلا تصوبْ عينيك

هكذا باتجاهى

كمدفعين يخترقان صدرى

فلستُ نجاة الصغيرة

حتى ترسمنى بشفتين

مثيرتين

وتعلق صورتى على

حائطك المتهاوى.

غرفُتك ضيقة فعلًا

لن تتسع لظلى حين 

أمده بالليل.

وحدى هنا أجمّع ما تبقى

من آثارك قرب نافذتى

التى أطلُ منها 

على قلبى المهزوم أمامك.

كيف تجرؤ على النوم

وبيننا محيط مشتعل

بشوقى إليك

وحدى هنا أكلمُ

صورتَك

علها تخبرك بمتاهتى.

وبأن الكأس الخامس

هو من أوهمنى سهولة

الوصول إلى جسرك!!

لكن «بروكلين» هذا بعيد

جدًّا

أريدك - فقط -أن ترانى

حين ألوّح

لك من فوقه 

بيدى المرتعشة

لتعرف أيها المجنون

كم أحبك.

الغريمة

لم تكن تلعنُها

أبدًا.

على العكس تمامًا

تراها بائسةً،

غريمتَها الجميلةَ

التى تتأملُها

على بعد سنتيمتراتٍ

بنظراتٍ حادةٍ

وتتهيأ لجولة جديدة

لاستعادة الصيـــــد الثمين.

كانت تشبهها فى

كل شىءٍ،

العينين العميقتين

الحواسِّ التى خرَّبها

الحبُّ،

الجسدِ الذى أدركه

العمى.

لكن على أيَّة حال

غريمتها

كانت أكثر براءة

منها

ولا تكتبُ

الشعرَ.

تلك الموسيقى التى تتسلل كالضوء

سأجمّع خساراتى من

فَقد الأحبة

وأكتبُ عن أسراب اليأس

التى تتوافد إلىَّ

من كل صوب وحدب

ثم أحدثكم عن وحدتى التى طالتْ

ثم أشير بيدى إلى الجدار المشقوق

الذى نقشتُ عليه

جزءًا من وجهى المنكسر

وحكايات الماضى الأليم

سأفرح -الآن- فقط 

لأنى أستمع إلى هذه الموسيقى

التى أشرقت كالشمس فى روحى

وبدتْ كالضوء المسموع

الذى يتخلل جسدى.

فبعثت فيه الحياة ثانية وأشاعتْ السلام

فى الكون كله.

الخِذلان

المدينةُ التى لم تتسعْ

لأحلامك

وظلتْ تطاردك فى كل

مكان هاجرتَ إليه

قد أطفأتْ أنوارها الليلة

مبكرًا

- على غير عادتها-

كى تسمحَ لك

بالهروب سريعًا

سوف تعبر- إذن- الجسر

وحدك

هذه المرة

ويدك ملطخةٌ

ببقايا حنانى معك

فى آخر مرة التقيتكَ

فيها

حيث جلسنا لساعات

- غير عابئين بالزمن-

فى مطعم الحىّ الذى

تتوه فيه عمدًا

كنتُ أتأمل خطوطَ كفِك

التى تؤلمك

وتوهج العينين اللتين

لا يفهم سرهما أحد

لكنهما تقولان كل شىء

تخفيه

حين تُردد اسمى بخذلان.

لذا سأقنعُ نفسى 

بأنكَ لستَ سوى 

بحارٍ بائس

لا وطن له يُحن إليه.

ربما لا تجيدُ 

قراءة الحكايات

ولا الوجوه المنكسرة

ولا القصائد التى مزجتُها

بيأس يقبعُ بروحى.

لعلك لن تفهم أبدًا

أن الكراهيةَ بدايةُ الشفاء

من الجرحِ.