الأحد 12 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

المشهد البديــل.. الظهور الأول لكاهن يونانى فى موسيقى الدرون ميتال

حرف

بعد أن حقق ألبومه الأول نجاحًا كبيرًا.. تاباكيس يقدم حفلًا موسيقيًا مباشرًا فى مهرجان أمريكى هذا الصيف

ألبومه الأول يحتل مساحة فريدة بين الموسيقى الليتورجية الأرثوذكسية وموسيقى الدوم ميتال

الموسيقى كانت هوايته المفضلة طوال حياته.. وفى 2012 أنشأ قناة على يوتيوب لمشاركة تجاربه مع جمهور أوسع

يؤدى الترانيم البيزنطية ويقرأ المزامير على أنغام موسيقى «الهيب هوب»

لا أعتبر نفسى موسيقيًا موهوبًا بشكل خاص.. فأنا أفعل ما أحب وما أشعر أنه ذو معنى

أريد أن أخلق مزيجًا واسعًا من كل شىء: السماء والأرض.. الغرب والشرق.. الحاضر والماضى

 

لا يوحى مظهر ديونيسيوس تاباكيس بأنه نجم صاعد فى عالم الموسيقى التجريبية. فهو كاهن أرثوذكسى يبلغ من العمر ٥٣ عامًا، ذو لحية بيضاء طويلة، ويرتدى رداءً أسود فضفاضًا، وقد أمضى ما يقارب ثلاثة عقود فى خدمة الكنيسة نفسها فى نافبليو، اليونان. 

ومع ذلك، فقد حظى تاباكيس، خارج أسوار الكنيسة، بشعبية غير متوقعة بين عشاق موسيقى الهيبستر.

ألبومه الأول، «Paradise Metal»، عبارة عن مقطوعة موسيقية مدتها ٣٢ دقيقة، غنية بالصدى، تتألف من ترانيم بيزنطية آسرة وعزف جيتار كهربائى متذبذب، ممزوجة بإيقاعات إلكترونية نابضة، وأصوات طيور، ونغمات آلات موسيقية شعبية تقليدية. 

كما يوحى عنوانه، فهو يجمع بين المقدس والبديل- على الرغم من أنه لا يشبه موسيقى الميتال الكلاسيكية من الناحية الصوتية. بل إنه يحتل مساحة فريدة بين الموسيقى الليتورجية الأرثوذكسية «تعتمد فى الغالب على الترتيل الصوتى البشرى دون استخدام آلات موسيقية»، وموسيقى الدوم ميتال ذات النغمات المتكررة، والموسيقى المحيطة الضبابية.

صدر الألبوم لأول مرة فى ربيع العام الماضى بإصدار محدود من ١٥٠ شريط كاسيت، وسرعان ما انتشر صيته كالنار فى الهشيم عبر مدونات الموسيقى ومواقع التواصل الاجتماعى. 

وقد أسهم موقع Pitchfork الموسيقى المؤثر فى تعزيز مكانة الألبوم بمراجعة إيجابية، قائلًا: إنه يستحق أن ينتشل من غياهب النسيان، ولو من أجل ضحكة خفيفة، أو ربما لحظة إلهام.

أصبح الطلب على نسخ ألبوم «Paradise Metal» كبيرًا لدرجة أن شركتى Elhellhel وHeat Crimes اليونانيتين اللتين تعاونتا فى إصداره، تقومان بطباعته كألبوم LP «ألبوم طويل» لإعادة إصداره فى وقت لاحق من هذا الصيف.

قال «تاباكيس» فى مقابلة أجريت معه فى كنيسته، وهى معلم تاريخى يعود للقرن الخامس عشر، تكتظ جدرانها بأيقونات مذهبة، وتطل عليها صور القديسين من سقف مزخرف برسومات بديعة: «يقول الناس الكثير من الكلمات اللطيفة، وكأننى أدفع لهم مقابل ذلك». وأضاف: «لا أعتبر نفسى موسيقيًا موهوبًا بشكل خاص، فأنا فقط أفعل ما أحب، ما أشعر أنه ذو معنى».

نادرًا ما يسافر تاباكيس خارج نافبليو، ولم يسبق له أن سافر إلى خارج تركيا. لكن فى سبتمبر المقبل، سيحيى حفلًا فى مهرجان «ميكينج تايم» فى فيلادلفيا، إلى جانب فنانين بارزين فى موسيقى الروك البديل والإلكترونية مثل كيم جوردون، وثيو باريش، وبايسيب. قال ضاحكًا: «أنا فى ورطة كبيرة، فلم يسبق لى أن قدمت حفلًا موسيقيًا من قبل».

وأضاف «تاباكيس» أن الشخص الوحيد الآخر الذى سمعه يعزف مباشرة هى زوجته فوتينى، التى ترتب آلاته الموسيقية بانتظام وتطلب منه التوقف عن إحداث كل هذا الضجيج.

من بين مقتنيات تاباكيس الثمينة جيتار كهربائى دون دساتين «شرائح معدنية مثبتة على طول لوحة أصابع الجيتار»، وهو أمر بالغ الأهمية لصوت «بارادايس ميتال».

وأوضح «تاباكيس» أن هذه الآلة تسمح له بالانحناء إلى نغمات لا تستطيع الآلات الغربية القياسية إنتاجها والوصول إلى النغمات الدقيقة المستخدمة فى الموسيقى الليتورجية الأرثوذكسية اليونانية.

كما مزج «تاباكيس» أصوات الآلات الموسيقية التقليدية من شبه جزيرة الأناضول، مثل الزرنة «بوق على شكل جرس» والكباك كيمانى «آلة تشبه الكمان مصنوعة من قرع مجوف».

لهذه المنطقة مكانة خاصة فى قلب تاباكيس. فرغم نشأته فى بيرايوس، قرب أثينا، إلا أنه ينحدر من عائلة فرت من سميرنا، التى كانت مركزًا نابضًا بالحياة فى اليونان، والتى أصبحت الآن جزءًا من تركيا، خلال الحرب اليونانية التركية فى عشرينيات القرن الماضى. 

فى ذلك الوقت، فر مئات الآلاف من اليونانيين عبر بحر إيجة إلى وطن أجدادهم الذى لم تطأه أقدام الكثيرين منهم من قبل.

يقول «تاباكيس» متحدثًا عن طفولته: «كنا فقراء جدًا، لكننا كنا محاطين دائمًا بالموسيقى واللاجئين الذين يغنون أغانى الشرق. لطالما شعرت، فى أعماقي، أن وطنى فى الشرق».

كانت عائلته متدينة للغاية، وقد أدرك منذ المرحلة الثانوية أن مستقبله يكمن فى الكنيسة، كما ذكر تاباكيس. درس فى معهد دينى قبل انضمامه إلى كنيسة باناييا فى نافبليو، حيث يقيم منذ ما يقارب الثلاثين عامًا.

وأضاف «تاباكيس» أن الموسيقى كانت هوايته المفضلة طوال حياته، وفى عام ٢٠١٢ أنشأ قناة على يوتيوب لمشاركة تجاربه مع جمهور أوسع. 

إلى جانب مقاطع الفيديو التى يعزف فيها على جيتاره ذى الأوتار الوترية ويؤدى الترانيم البيزنطية، بدأ أيضًا بتجربة مزج أنواع موسيقية غير مألوفة، مثل قراءة المزامير على أنغام موسيقى الهيب هوب.

اكتشف نيكولاس رافائيل، مؤسس شركة التسجيلات «إلهيلهل»، موهبة تاباكيس على موقع يوتيوب أثناء بحثه عن مقطوعات موسيقية فريدة. يقول رافائيل: «دخلت إلى القناة، وقلت فى نفسى: هذا رائع. يجب أن يصدر ألبومًا».

سارت الأمور بسرعة. فبعد أسبوعين من التواصل مع تاباكيس عبر البريد الإلكترونى، جمع رافائيل مجموعة من تسجيلات يوتيوب وأرسل المزيج ليتم إنتاجه على شريط كاسيت، والذى أصدرته «إلهيلهل» بالتعاون مع «هيت كرايمز».

قال «رافائيل» إن غرابة ألبوم «بارادايس ميتال» هى سر نجاحه. وأضاف: «هناك نوع من البراءة العفوية فى أعمال الأب ديونيسيوس. لقد ابتكر شيئًا غريبًا جدًا، وروحانيًا بامتياز، لا يشبه أى شىء سبقه».

فى المقابلة، بدا «تاباكيس» مندهشًا بعض الشىء- ولكنه فى النهاية مسرور للغاية- بنجاح الألبوم. وقال إنه تأثر بالتنوع الكبير فى الأشخاص الذين تفاعلوا معه. وأضاف: «أريد فقط أن أخلق مزيجا واسعا من كل شىء: السماء والأرض، الغرب والشرق، الحاضر والماضى».