هشام بركات.. حكاية المستشار الشهيد
سيرة العصامى.. اليتيم الذى بنى نفسه حتى وصل للقمة
ذات مرة، وفى بداية عملى الصحفى كان لدى حلم بسيط لكنه بدا لى وقتها بعيد المنال، أن أُجرى حوارًا صحفيًا مع النائب العام فى مصر، ربما لأننى مثل كثيرين من أبناء جيلى، كبرت وأنا أتابع الأفلام والمسلسلات التى كان يظهر فيها هذا اللقب مصحوبًا بهيبة خاصة، كنت أسمع عبارة «النائب العام» فتتجه مخيلتى إلى الرجل الذى تنتهى عند مكتبه أخطر القضايا، وتبدأ من قراراته فصول جديدة فى حياة أشخاص ومؤسسات، وكان اللقب وحده كافيًا ليمنح صاحبه وقارًا استثنائيًا، حتى قبل أن أعرف طبيعة عمله أو حجم مسئولياته وأنه لا يتحدث كثيرًا ولكنه يعمل أكثر.

ومع مرور السنوات، لم تعد الصورة مجرد مشهد درامى، بل فرضت المهنة نفسها فى مسار عملى وأصبح اسم النائب العام حاضرًا فى يومياتى الصحفية، بيانات تصدرها النيابة العامة، وتحقيقات تشغل الرأى العام، وقرارات بحظر النشر أو المنع من السفر أو إحالة المتهمين إلى المحاكم، شيئًا فشيئًا أدركت أن هذا المنصب ليس مجرد درجة قضائية رفيعة بل هو أحد أهم أعمدة الدولة المصرية.
فالنائب العام هو رأس النيابة العامة، والجهة التى تمثل المجتمع فى الدعوى الجنائية، وتشرف على آلاف من أعضاء النيابة فى أنحاء الجمهورية وتتابع سير التحقيقات، وتحرك الدعوى الجنائية وتراقب تنفيذ الأحكام، وتحافظ على سيادة القانون بما يجعل هذا المنصب أحد أكثر المناصب تأثيرًا فى حياة المصريين، باعتباره «محامى الشعب».
ثم جاء صباح التاسع والعشرين من يونيو عام ٢٠١٥، هذا اليوم كان ضمن الأيام الذى لا ينساها الصحفى مهما مرت السنوات، حين استيقظت القاهرة على خبر عاجل يفيد بانفجار استهدف موكب النائب العام المستشار هشام بركات أثناء توجهه إلى مقر عمله، ثم دقائق قليلة وتحول الخبر إلى متابعة مفتوحة، ثم إلى بيانات رسمية متلاحقة تتحدث عن إصابته وعن نقله إلى مستشفى «النزهة الدولى»، وعن محاولات إنقاذه، ثم جاء الخبر الذى لم يكن أحد يتمنى سماعه «استشهد النائب العام».
لا أنسى ذلك اليوم، ولا أنسى المشهد الذى تصدرته الجنازة العسكرية التى كان يتقدمها الرئيس عبدالفتاح السيسى، بينما كانت مصر كلها تدرك أن الإرهاب تجاوز كل الخطوط الحمراء بعدما استهدف أحد أبرز رموز العدالة فى الدولة، ومن ذلك الحين وبقى ذلك المشهد عالقًا فى الذاكرة لسنوات، ولم أكن أعلم أننى سأعود إليه مرة أخرى ولكن من زاوية مختلفة تمامًا.

تلقيت تكليفًا من إدارة قطاع الإنتاج الوثائقى «الوثائقية» بشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، للمشاركة فى إعداد فيلم وثائقى عن المستشار الشهيد هشام بركات، وفى اللحظة الأولى شعرت أن القدر يعيد إلىّ حلمًا قديمًا، لكن بصورة لم أتخيلها يومًا، لن أجرى حوارًا مع النائب العام بل سأعد فيلمًا عن سيرته، وسأحاول مع فريق العمل من الزملاء بقناة «الوثائقية»، أن نعيد اكتشاف رجل عرفه ملايين المصريين من خلال منصبه لكنهم لم يعرفوا شيئًا تقريبًا عن حياته قبل ذلك.

منذ الاجتماع الأول التحضيرى للفيلم داخل «الوثائقية»، كان هناك اتفاق واضح على أن الفيلم لا ينبغى أن يكون إعادة سرد لحادث الاغتيال فقط ولا توثيقًا لواقعة يعرفها الجميع، حتى إن السؤال الذى شغلنا كان مختلفًا تمامًا «من هو هشام بركات قبل أن يصبح النائب العام؟»، كيف عاش؟ كيف نشأ؟ وكيف تشكلت شخصيته؟ وكيف استطاع أن يصل إلى واحد من أرفع المناصب القضائية فى مصر؟
كلما بدأنا البحث، اكتشفنا أن المعلومات المنشورة عن حياته الشخصية محدودة للغاية ومعظم ما يعرفه الناس يبدأ من لحظة توليه منصب النائب العام، بينما تمتد حياته المهنية والإنسانية لعقود كاملة لا يعرف عنها كثيرون شيئًا وهو ما أكدته أيضًا المادة البحثية التى أُعدت خصيصًا للفيلم، والتى أوصت بالاعتماد على أسرته بوصفها المصدر الأهم لفهم سنواته الأولى، ومن هنا بدأت الرحلة الحقيقية.
كانت الخطوة الأولى هى التواصل مع مكتب النائب العام الحالى، المستشار محمد شوقى، وما حدث حينها فاق توقعاتنا، ففور وصول الطلب لم يكتف مكتبه بالموافقة على إنتاج الفيلم، بل بدأ التنسيق مع أسرة الشهيد إيمانًا بأهمية توثيق هذه السيرة وإخراجها بصورة تليق بصاحبها.

بعد أيام قليلة، وجدنا أنفسنا نجلس داخل منزل الأسرة، هناك فقط أدركت أننا لا نبحث عن النائب العام بل نبحث عن الإنسان، استقبلتنا السيدة نجلاء وهبة زوجة الشهيد بابتسامتها الهادئة قبل أن أفاجأ بأنها شقيقة الكاتب الكبير سعد الدين وهبة، ثم جلسنا مع المستشار محمد هشام، والمستشارة مروة، والسيدة دعاء، أبناء الشهيد، الذين لم يتحدثوا عن المناصب ولا عن القضايا ولا عن السياسة، بل بدأوا بالحديث عن الأب والإنسان، عن الرجل الذى كان يطرق باب البيت بعد يوم عمل طويل، فيترك لقب «النائب العام» خارجه ويدخل إلى أسرته زوجًا وأبًا يعيش تفاصيل الحياة اليومية ببساطة شديدة.
فى تلك اللحظة، شعرت أننا اخترنا الزاوية الصحيحة للفيلم، فلم يكن هدفنا أن نقدم سيرة وظيفية أو نستعرض المناصب التى تقلدها ولا أن نعيد رواية وقائع يعرفها الجمهور، كنا نريد أن نجيب عن سؤال واحد «من كان هشام بركات.. قبل أن يصبح «المستشار هشام بركات»؟
كانت البداية فى حى السكاكينى، أحد الأحياء العريقة بالقاهرة، حيث وُلد هشام محمد زكى بركات فى الحادى والعشرين من نوفمبر عام ١٩٥٠، هناك فى شارع ابن خلدون تشكلت ملامح الطفل الذى لم يكن يعلم أحد أنه سيجلس يومًا على مقعد النائب العام، لكن أكثر ما لفت انتباهنا فى شهادات أسرته لم يكن مكان الميلاد، وإنما تلك اللحظة الفارقة التى فقد فيها والده وهو فى العاشرة من عمره، قد تبدو جملة عابرة فى سيرة ذاتية لكنها كانت مفتاحًا لفهم الشخصية كلها.

كل من تحدث عنه، من أسرته إلى زملائه وضيوف الفيلم الوثائقى، أجمع على أن اليُتم المبكر صنع داخله إحساسًا استثنائيًا بالمسئولية، لم يكن أمامه سوى طريق واحد وهو أن يعتمد على نفسه وأن ينجح وأن يعوض والدته عن سنوات حملت فيها عبء تربية أربعة أبناء وحدها.

ومن هنا، بدأنا نفهم لماذا وصفه ابنه المستشار محمد هشام بأنه «رجل عصامى» صنع نفسه بنفسه وقرر العبور بالأسرة لبر الأمان، ثم جاءت محطة الدراسة حيث التحق عام ١٩٦٩ بكلية الحقوق بجامعة عين شمس وهناك لم يتعرف فقط إلى القانون، بل تعرف أيضًا إلى رفيقة عمره، السيدة نجلاء وهبة، التى أصبحت زوجته بعد سنوات، بينما كانت مصر تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية بعد نكسة يونيو وحرب الاستنزاف، وحين تخرج عام ١٩٧٣، كان ضمن الدفعة التى عُرفت لاحقًا بـ«دفعة الحرب» ليبدأ مشواره فى النيابة العامة متزامنًا مع احتفال المصريين بانتصار أكتوبر.
وأثناء مراجعة الأرشيف، اكتشفنا مفارقة مهمة أن معظم المصريين يعرفون هشام بركات نائبًا عامًا، لكنهم لا يعرفون شيئًا تقريبًا عن أربعين عامًا قضاها داخل أروقة النيابة العامة قبل أن يصل إلى هذا المنصب.
ففى سنواته الأولى، وجد نفسه فى قلب القضايا الصعبة، فشارك فى تحقيقات أحداث ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧، ثم باشر قضية تهريب الآثار الإسلامية، وحادث قطارى المرج وشبين الكوم، وغيرها من القضايا التى صنعت خبرته، ورسخت لديه مبدأ ظل يلازمه حتى آخر يوم فى حياته بأن العدالة لا تنظر إلى الأسماء وإنما إلى الأدلة.

ثم جاءت فترة الثمانينيات وهى الفترة التى يمكن وصفها بأنها مرحلة النضج المهنى، حتى إنه فى تلك السنوات أصبح اسمه حاضرًا فى أخطر قضايا الرأى العام، من حادث الاعتداء على الدبلوماسيين فى القاهرة، إلى قضية القاتل المتسلسل بالمطرية، مرورًا بحادث سقوط طائرة «إير سينا»، وأحداث مدينة البعوث الإسلامية، وغيرها من الملفات التى كانت تتصدر عناوين الصحف يوميًا.

وكلما تعمقنا فى هذه القضايا ازداد اقتناعنا بأن الرجل لم يصنعه منصب النائب العام، بل صنعته أربعون سنة من العمل الهادئ بعيدًا عن الأضواء، حين قادته الأقدار إلى توليه منصب النائب العام فى يوليو ٢٠١٣ وصدر قرار بتعيينه نائبًا عامًا لجمهورية مصر العربية، اكتشفنا جانبًا آخر لا يعرفه كثيرون، أنه لم يكن منشغلًا فقط بإدارة أخطر التحقيقات فى البلاد، بل كان يحمل مشروعًا لتطوير النيابة العامة نفسها، فقد حرص على إدخال النظم التكنولوجية الحديثة، ودعم برامج تدريب أعضاء النيابة، والمساهمة فى تأسيس معهد النيابة العامة، والإشراف على انتقال مقر النائب العام إلى مقره الجديد، مؤمنًا بأن تطوير العدالة يبدأ من تطوير المؤسسة التى تحملها، وقد خصص فيلمنا الوثائقى مساحة لهذه الجوانب، لأنها تمثل جزءًا أصيلًا من إرثه المهنى.
لكن، وسط كل هذه التفاصيل، بقيت أكثر اللحظات تأثيرًا بالنسبة لى هى تلك التى لم تكن داخل المحكمة، ولا فى النيابة ولا فى أرشيف القضايا، بل كانت داخل بيت الأسرة، من زوجة تتحدث عن زوج لم تغيره المناصب وأبناء يتحدثون عن أب ظل قريبًا منهم رغم ثقل المسئولية، وزملاء يروون كيف كان باب مكتبه مفتوحًا للجميع، من أصغر موظف إلى أكبر مستشار.

فى تلك اللحظات اختفى اللقب تمامًا وبقى الإنسان، وربما لهذا السبب حرصنا أثناء كتابة المعالجة على ألا يطغى الحدث السياسى على الحكاية الإنسانية، فالفيلم لم يكن محاولة لإعادة رواية تاريخ الإرهاب فى مصر، بقدر ما كان محاولة للإجابة عن سؤال بسيط: كيف عاش هذا الرجل؟ وكيف وصل إلى ما وصل إليه؟ ولماذا بقى حاضرًا فى ذاكرة من عرفوه حتى بعد رحيله؟
استغرق إعداد الفيلم أشهرًا من البحث والقراءة، ومراجعة الصحف القديمة، والوثائق، والأحكام، وتصوير الإفادات، والتفريغات، واللقاءات، حتى أصبح لدينا شعور بأننا لا نعد فيلمًا فقط وإنما نعيد بناء سيرة كاملة قطعة بعد أخرى، سيرة الإنسان الذى عرفه المصريون فى لحظة استشهاده، ولم يعرفوا الطفل الذى نشأ فى السكاكينى، ولا الشاب الذى حمل مسئولية أسرته مبكرًا، ولا وكيل النيابة الذى قضى سنوات طويلة يتنقل بين القضايا والمحاكم، قبل أن يصبح النائب العام الشهيد فى تاريخ مصر.

حاولنا أن نكتشف الرجل الذى كان يعيش خلف اللقب مؤمنًا بأن المناصب مهما علت تبقى مرحلة فى حياة أصحابها، أما السيرة الحقيقية فهى ما يبقى فى ذاكرة الناس بعد أن يرحلوا، ولذلك فيلمنا الوثائقى «هشام بركات.. حكاية المستشار الشهيد» لم يكن بالنسبة لنا مجرد فيلم وثائقى جديد، بل رحلة إنسانية ومهنية أعادت تعريف معنى العدالة، ومعنى الواجب، ومعنى أن يظل الإنسان وفيًا لمبادئه حتى اللحظة الأخيرة من عمره.

