دم نازح فى الممر.. عندما تكتب وأنت تحت القصف
- «دم نازح فى الممر» كتبته الشاعرة الفلسطينية «فاتنة الغرة»
«عندما تصبح الحياة معلّقة بين طلقة وقذيفة، تصبح الكتابة فعل نجاة»، عبارة لطالما تداولها المثقفون والأدباء أمام مزهريات وفناجين من القهوة وطاولات بغرف مكيفة أو أمام مشاهد درامية مختلفة، لكن هذا الكتاب «دم نازح فى الممر.. رسائل إلى لمار من مستشفى القدس» الصادر عن دار المتوسط فى 147 صفحة من القطع المتوسط للكاتبة فاتنة الغرة، والذى قُدر له أن يصل إلى يدى، لم يولد فوق مكتب هادئ، ولا على طاولة تعلوها قهوة دافئة، ولا فى غرفة تطل على شباك بحديقة يعبر منه ضوء الصباح، ولكنه وُلد وسط انفجارات ثقيلة وصرخات، بينما كانت السماء ملتهبة بكل أنواع وصنوف الصواريخ والقنابل الفتاكة، وكان القصف يطرق النوافذ، الممرات التى يسكنها النزوح تتحول إلى بيت مؤقت لأجساد مرتجفة وعيون لم تجد وقتًا للبكاء.

«دم نازح فى الممر»- والذى كتبته الشاعرة الفلسطينية «فاتنة الغرة» على هيئة رسائل تحت القصف من ممر مستشفى القدس، ليس سردًا عن الحرب، بل هو الحرب نفسها وقد لبست كلمات تمشى على قدمين، نص خرج من قلب الممر، من ذلك البلاط البارد الذى تخثرت عليه دماء الذين مرّوا من هنا، ومن أنفاس الذين احتموا تحت سقف آيل للسقوط، ومن قصص كانت تُكتب على عجل بين موجتين من قصف.
قد يعتبر البعض أن الكواليس التى تشكل هذا العمل ليست كواليس أدبية ولا فنية، لكنى أعتبرها كواليس حياة تُنتزع من بين أضراس الموت. هناك، فى مستشفى القدس، وتحديدًا تلك الزاوية التى يتجمع فيها الناجون حول جسد ينزف، وطفلة تحاول فهم معنى أن تسقط السماء، وصحفية تكتب رسائلها على ضوء هاتف يئن كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، كل ذلك ينساب فى الكتاب ليمنح القارئ شعورًا بأنه ليس أمام حكاية مكتوبة، بل أمام تجربة تُعاد أمامه بكل عريّها.

من بين جدران المستشفى التى تحوّلت إلى وطن صغير للنزوح، تنساب الحكايات كأنها تمشى على أطراف أصابعها كى لا توقظ الألم النائم فى كل حجر، فى تلك الممرات يولد المعنى الحقيقى للبطولة، ليس فى صورة مقاتل يحمل سلاحًا، بل فى أم تشدّ على يد طفلها كى لا ينفصل عن صدرها، فى شاب يهرع لحمل جسدٍ جريح دون أن يفكر إن كانت الشظية ستنتظر دوره، وفى عيون تُطارد ظلّ الحياة رغم أن رائحة البارود تغطى كل شىء.
الكتاب يفتح أبوابه برسائل لا تشبه شيئًا سوى آخر ما يمكن أن يكتبه إنسان وهو على حافة الوجود، عباراتٌ تنبض برهبة اللحظة، حيث يتجاور الخوف مع الشجاعة، وحيث يصبح كل صباحٍ امتدادًا لليلة لم تنته بعد؛ لأن القصف قرر أن يمدها قليلًا كى يختبر صبر القلوب، بين السطور نسمع وقع الصواريخ فى الخلفية، ليس كصوتٍ خارجى، بل كنبضٍ داخلى يحاول الكاتب السيطرة عليه كى لا يتسع الخوف أكثر، ثم ننتقل إلى خوفٍ أعمق، خوف فقدان الجسد. الخوف من أن يستيقظ الكاتب فيجد ذراعه غير موجودة، أو أن يفقد عينه أو أن يراه أهله فى هيئة لا تعود تمثله. إنه الخوف الذى يجعل الإنسان يبقى واقفًا، لأن التراجع معناه أن يسقط البيت خلفه، وأن تتحوّل الحكايات إلى غبار، هذا الخوف هو الوقود الذى يحرّك الأرواح ويمنح الكتاب صدقه القاسى.

ومن قلب هذه الممرات ينقل الكتاب حكايات الأطفال الذين أنضجتهم الحرب فكبروا قبل أوانهم، أولئك الذين فقدوا القدرة على اللعب؛ لأن أصوات الطائرات سرقت منهم الإحساس بالأمان، هناك فتاة تقف على السطح تتأمّل ما تبقّى من الطفولة، وطفل يحمل أخاه الأصغر كأنه يحمل العالم كله فوق كتفيه، وشابٌ يواجه الجنود بملامح طفولية لم تستطع الحرب محوها.
كل قصة فى هذا الكتاب تحمل وجهًا إنسانيًا يكاد القارئ يلمسه بيديه، ثمة أمّ تبحث عن ابنها بين الجرحى، وأخرى تنظر إلى السماء مبتسمة؛ لأن ابنها سيغضب إن توقفت عن الأكل، وثالثة تحاول أن تُربّت على قلبها المنكسر كى لا يسمع الجنود صوته وهو يتشقق، وثمّة أيضًا وجوه الجنود، بملامحهم التى تبدو بشرية فى بعض اللحظات، وقاسية فى لحظات أخرى، يمارسون سلطتهم كما لو أن الحرب لعبة، يرغمون شابًا على خلع ملابسه قطعة قطعة، ويهددون فتاة بأن الكلاب ستنهش جسد أمها إن لم تتكلم، إنها فصول لا تُقرأ مرتين؛ لأن الألم الذى تتركه لا يسمح بإعادة التجربة.
ومع ذلك، وسط كل هذا الخراب، يطلّ الضوء. تطلّ رائحة القهوة التى تمنح الناجين لحظة نسيان قصيرة، وتطلّ يد مجهول تمدّ فيزا بخمسة وعشرين دولارًا دون أن ينتظر كلمة شكر، وتطلّ فتاة تهدى ضحكةً صغيرة وسط الظلام وكأنها تتحدّى العالم أن ينتزع منها قدرتها على الفرح.
تطلّ غزة كما لم تُروَ من قبل، مدينةٌ تقف على حافة الفناء، لكنها تبتسم دائمًا ابتسامة من يعرف أنه سيعود مهما طال الغياب.
الكتاب ليس فقط سردًا للأحداث، بل محاولة لالتقاط اللحظة التى يتحوّل فيها الإنسان من «ضحية» إلى «شاهد»، الكاتبة هنا ليست ناقلةً للخبر، بل جزء من الحدث. تكتب بيدٍ ترتجف، وتتنفس عبر الكلمات؛ لأن الهواء فى الممر كان ناقصًا، وتعيد ترتيب الفوضى كى يفهم القارئ أن الحرب ليست أرقامًا، بل وجوه، أصوات، دموع، خطوات مرتجفة، وقصص تكبر فى الممر وتظل معلّقة حتى بعد انتهاء القصف.
فى الصفحات الأخيرة يعود الكتاب لتأملٍ عميق: ماذا يبقى من الإنسان بعد الحرب؟
تبقى الذاكرة محمولةً على الأكتاف، مثل جريح يُنقل من سريرٍ إلى آخر.
تبقى الروح متعبة، لكنها واقفة، ويبقى المكان- مهما كان ممرًا ضيقًا- وطنًا صغيرًا يؤوى الحكايات التى لم تجد مكانًا آخر لتعيش فيه.
«دم نازح فى الممر» ليس مجرد كتاب، بل شهادة زمن تخرج من بين الردم، وشريط طويل من الوجع والحنين، تدوّنه كاتبة حملت على كتفيها مسئولية أن تقول الحقيقة كما عاشتها، لا كما تُروى فى نشرات الأخبار.
إنه نصّ يدفع القارئ إلى إعادة النظر فى معنى النجاة، فى معنى البيت، فى معنى أن تكتب بينما الموت يمرّ جوارك كأنه يعرف عنوانك لكنه يؤجل زيارته قليلًا.
هذا العرض لا يختصر الكتاب، بل يمهّد لدخوله. فالكتاب الحقيقى يبدأ حين يغلق القارئ الصفحة الأخيرة ويجد نفسه ما زال فى ذلك الممر، يستمع للضحكات المختنقة، يشمّ رائحة البارود، ويرى فى البعيد طفلة تنظر إلى السماء بثباتٍ يشبه معجزة صغيرة.
