الإثنين 02 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

«مملكة سليمان».. جدل الحلم والأسطورة والواقع

حرف

فى نص يعاين عالمًا على تخوم الحلم، والأسطورة، فى الميثولوجيا الدينية، والتاريخية، تتسرب رهانات رمزية، وواقعية واعدة، فى رواية الشاعر والروائى والفنان التشكيلى المصرى أحمد الجناينى الجديدة «مملكة سليمان»، والصادرة فى القاهرة حديثًا «دار صفصافة»، محملة بخطابات لغوية تتكئ على طاقات المجاز، والحلم، والمراوحة بين الواقع، والمتخيل فى بنية سردية متناغمة، تتقاطع فيها رؤى السرد، والتشكيل، وتتعدد منظورات الحدث الروائى المتشطى فى ثنايا بنية تخييلية، تتجادل فيها خيوط السرد، وتتقاطع منذ البداية الحلمية «على عتبات حلم»، ودومًا كان النص على عتبات الحلم، والمساءلة، والتبدد، والتأمل للمصائر والأحوال، وصولًا إلى مسارات العروج، بدءًا من الفصل الثانى عشر «غريب فى مملكة سليمان.. العروج الأول»، حتى «العروج التاسع» فى مختتم الرواية، حيث الإفصاح المضمر عن إشكالية المعنى، واستحضار دلالة واقعية تتمثل فى مذكور نصى واقعى، متعين المعنى والدلالة، مكان واقعى «أتيليه القاهرة»، تعرض لمحاولة المحو. 

استهلال الحلم 

من البداية الحلمية إذن تبدأ الرواية «على عتبات حلم»، مسكونة بلغة مجازية، تؤسس للتخييل الروائى: «أشهدك أيتها المرأة التى تتوارى خلف شفيف اللون، أن اللون كان يخرج متسللًا عبر أطراف أصابعى، بينما كنت تختبئين بين البنفسج والحروف»، وكأن المسرود عنه التالى يحدث بين إغفاءة، وصحو، فيتمدد الزمن، ويتسع، باتساع الحلم ذاته، وبمرويات الواقع المتجادل معه، والمنبئ عن تحولات لا نهائية، وصولًا إلى المختتم السردى الذى يتجادل فيه الأسطورى مع الواقعى، عبر استحضار طيف «صخر بن عمير» المارد الشهير، الذى تشير كتب التفاسير إليه، فى مراد الآية الكريمة «وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا»، إذ قيل: «شيطان فى قول أكثر أهل التفسير ألقى الله شبه سليمان عليه السلام عليه، واسمه صخر بن عمير صاحب البحر، ولم يزل يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان بن داود، وتشير الكتب المفسرة إلى أن صخرًا قد جاء فى صورة النبى سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه». 

ويخرج صخر بن عمير فى مستوى الحكاية الواقعية من دلالته الأسطورية الرامزة للشر، والخديعة ليمثل البطل الضد، الذى يمكن أن يلبس أى ثوب، وبأى صيغة.

«مملكة سليمان» التى يمكن فى طبعتها الثانية أن تحذف جملة الجزء الثانى، لأن النص يمكن قراءته بمعزل عن الجزء الأول «عاريات مودليانى». 

يتناص الكاتب مع نصه السابق «عاريات مودليانى»، ويصنع تفاعلًا نصيًا معه، كما فى المقطع التالى: «تساءلتُ فى حيرة: أيها القلب الذى يسكننى.. لماذا لا تشبه دقاتك أنفاس ذاكرة امرأة كنتُ أبحث عنها بين عاريات مودليانى اللواتى هربن فى صمت ليس يشبهك؟ ورغم خجلهن من ثورتى كان تسللهنّ عبر الذاكرة يشبه كثيرًا خيط دخان امتلأت به فضاءات مرسمى لحظة تلاشيه دون ضجيج..؟.!!». 

بنية السرد

عشرون فصلًا سرديًا تشكل فى مجموعها المتن السردى لرواية «مملكة سليمان»، الآخذة مسارات سردية متعددة، تراوح بين الحلم « الفصول الأولى»، والتجارب الحياتية الخاصة «فيرا، وصان شاين»، والأخرى الموضوعية «أزمة الأتيليه»، وفصول العروج «غريب فى مملكة سليمان».

تلعب الرواية على جدل الذاكرة والخيال، وتنهض على تضفير جانب وثائقى فى متن السرد، ومن هنا كانت الإشارات المتناثرة إلى تاريخ أتيليه القاهرة، ونشأته، من قبيل المقطع التالى: «فبعد أقل من عام من اشتعال ثورة يوليو ١٩٥٢م وبالتحديد فى مارس ١٩٥٣ وهذا المبنى حاضن أمين لتلك الجماعة التى ترأسها الفنان محمد ناجى، وراغب عياد، وصدقى الجبخانجى، وميشيل زغيب الأديب الدنماركى، وجان موسكاتيللى الكاتب الإيطالى... وآخرون.. جميعهم اجتمعوا على تفعيل فعل المثاقفة، ونشر الإبداع. لم يطفئ المبنى مصابيحه، بل ظلت قاعات العروض التشكيلية وقاعة الندوات ومناقشة الأعمال الإبداعية والموسيقى، جميعها تشتعل فيها الحياة، وهذا الجدل الذى لا تنطفئ جذوته حول الرواية والنقد، وما تمسك به ذاكرة التواصل بين المشرق العربى، وخلف المتوسط.

استمر الحراك؛ فطه حسين يلقى محاضرة، وأمل دنقل يشعل الهواء بكلماته المستحيلة، وصلاح عبدالصبور يحكى عن أحلام الفارس القديم، والناس فى بلادى، وأبوبكر خيرت يضع الموسيقى المصرية فى مؤلفات أوركسترالية؛ فيقدم السيمفونية الأولى (الثورة) عام ١٩٥٤، وافتتاحية إيزيس ١٩٥٦ والسيمفونية الثالثة فى سلم دو الكبير مصنف ٢٣ عام ١٩٥٨ فتزداد مصابيح المبنى توهجًا، ويتشكل الوعى الجمعى لأعضاء ومحبى آتيليه القاهرة ؛فشَكل الانتماء للأرض والوطن حائط صد ضد تلك الهجمات الواردة من خلف الأبيض المتوسط والمعبأة بكل أشكال التآمر والعدوان ردًا على الفعل الثورى الذى قادته ثورة يوليو المصرية الخالصة». 

يبدو الحفاظ على الذاكرة الجمعية من التآكل هاجسًا أصيلًا فى النص، كما يشير المقطع السردى السابق، ومن هنا كان تطويع الأسطورى فى خدمة الواقعى، حيث تضع الرواية السارد البطل فى مواجهة سلالة صخر بن عمير، وكل صخر بن عمير. 

تبدو المقاطع السردية عن الفنانة الصينية صان شاين دالة، ومعبرة عن إمكانية المزاوجة بين التشكيل والموسيقى، خاصة فى المشهد الدال حين تعزف صن شاين، ويرسم السارد البطل فى اللحظة ذاتها، قابضًا على روح اللحظة الإبداعية، بتنويعاتها الممتدة بين سحرى الموسيقى والتشكيل. 

تحتفى الرواية بالجذر الحضارى المصرى، حين تستعيد طرفًا من حضارتنا الخالدة، من قبيل الإحالة على نفتيس، الرفيقة الوفية للجنائز: «أنا نفتيس.. حارسة المومياوات، أنا سيدة مرسمك طالما سكنته مومياواتك». 

كان النص بحاجة فنية إلى التخلى عن الحس المقالى، والنزعة التقريرية المباشرة فى بعض المواضع، من قبيل ما ورد فى الفصل الثامن من الرواية، والذى كان تقديمه بحاجة إلى حذف الجملة الطويلة المفسرة، والاكتفاء بالعنوان الفرعى، إذ يورد الكاتب ما يلى: «الفصل الثامن

الكرة الملتهبة، والخيال الموءود الآن علينا أن ندرك أنه لن يفيد كل هذا الحراك بين المسئولين وموظفى المكاتب، فالكرة الملتهبة استقرت أمام منصة القضاء». 

وبعد.. تنطلق «مملكة سليمان»، من الأسطورة، وصولًا إلى الإسقاط على الواقع، من خلال ثلاث مدونات تشكل المكون السردى الأساسى للرواية، وتضعها فى سياقها، وعبر سردية موزعة على مسارات متعددة «حلمى/ واقعى/ أسطورى»، ويصبح التخييل الروائى مرتكزًا على آليات التخييل المجازى / الذاتى، والواقعى، والأسطورى، فى رواية تسائل الواقع، من خلال لغة نافذة للروح، وآليات جمالية تحتفى بالصورة الروائية، التى تعد أحد أهم تقنيات السرد هنا، فضلًا عن المشهدية البصرية، الناتجة من جدل التشكيل والسرد، إذ تعزز الرواية من وحدة الفنون، فى إطار سردى شفيف، وكاشف فى الآن نفسه.