شوك وحيد.. رائحة الموت والحياة

تتعدد مسارات الكتابة وتتنوع، فلا صيغة نهائية، ولا جاهزة بالنسبة لها، إنها التعبير الديمقراطى الأمثل عن التنوع الخلاق فى الفن.
وفى مساحة إبداعية غرائبية الطابع، تعتمد على الفانتازيا بالأساس تتحرك الكاتبة الروائية ابتهال الشايب فى روايتها الجديدة «شوك وحيد»، الصادرة فى القاهرة حديثًا عن دار «النسيم»، معتمدة فى بنائها على آليتى التجريد والترميز، محتفظة بنسيج واهن من الحكاية المتشظية بطول الرواية التى تبدأ من التمهيد الدرامى بمسرح الأحداث، وهو مسرح تجريدى يحوى بعض الرموز التى تحتاج إلى تفكيك، حيث ثمة مربع يسع العالم، يمثل جغرافيا الحكاية، يسكن فيه أهل المقت فى الجزء الغربى، بينما يسكن أهل النور فى الجنوب الشرقى من هذا المربع العجيب:
«مربع معلق فى الهواء بخيوط، كل خيط يمثل عمر أحد ساكنيه، فى شماله بوابات تغير واقع من يسكنه، فى الجزء الغربى منه يعيش أهل المقت، والشرقى لا يملك سوى أرض واسعة، وادٍ ضيق، وشلال، فى منتصف المربع متاهة، وحوائط متوازية، فى جنوبه أعمدة قماشية، جسم معلق غريب، وقنوات حمراء، الجنوب الشرقى منه يعيش فيه أهل النور. للمربع مدخل مظلم مجهول».

وبين أهل المقت وأهل النور حروب لا تنتهى، وتعد التوصيفات العرائبية للأجساد، وللأمكنة جزءًا من طبيعة البناء الغرائبى للحكاية: «ساكنو المربع، يملكون أجسامًا لولبية فى صدورهم، يتصلبون أحيانًا، طعامهم الهواء الأصفر. ينغلق المربع كثيرًا، النور يأتى عليه فتتغير الأشياء فيه، المربع ينتج البشر والأقدار التى نراها حولنا».
يتجلى شخوص عديدون لا يأخذون المسميات المعتادة، وإنما يصبحون جزءًا من النسق التجريدى الغرائبى المشار إليه، فهناك «الوحيد»، و«القدر العظيم»، والتماهى بينهما فى لحظة يعتقد فيها الوحيد أنه صار قدرًا عظيمًا، ويخشى من تحوله البشرى الكامل إلى إنسان، فالمكوث طويلا فى جعبة أهل المقت وملكهم الأب الذى يرتبط معه بعلاقة مركبة، يجعله يتوحد مع عالمه، وهناك «البديل» الذى يرتبط بصداقة مع «الوحيد» يعقبها نفور، ينتهى بقتله، وهناك «الشبيه»، فضلًا عن «الأب الملك»، و«الأم» بنزعتها المغايرة عن الطبيعة المعطاءة، وهناك أيضًا «البشرى الثابت» الذى يغير دفة المعركة. شخوص مركبون يحملون ملامح نفسية معقدة على الرغم من الظلال الغرائبية المحيطة بهم، وبحركتهم فى الواقع المتخيل الذى تقيمه الكاتبة.

ثمة مؤشر على العنوان الجمالى للرواية «شوك وحيد»، يأتى فى متنها السردى: «رائحة الموت خصبة، نادرة شوكة الحياة والموت، لم يجدها سوى المحظوظ، كيف وجدها البشرى الثابت، هل معرفة النور تكشف كل شىء؟».
تهدى الكاتبة روايتها إلى «كل شىء مضمر، وغائر، ودبدوبى»، فالنص يقوم على الإضمار، حيث عدم الكشف والإفصاح آلية أساسية هنا، مشكلتها الحقيقية أنها قد تتحول إلى شكل من أشكال الإلغاز الدلالى، المعطل للتلقى أحيانًا. و«غائر»، حيث تظل الكتابة باحثة عن طبقات أعمق من المعنى. تتخفى خلف سطحها الظاهرى، و«دبدوبى»، حيث روح المغامرة النزقة التى تغلف الكتابة ذاتها.
ثمة حس وجودى فى الرواية، مصبوغ بنزعة فلسفية، حيث ترى الوجودية أن الشر أصل الأشياء، وينشغل النص بالبحث عن المصائر، وتبدو إمكانية النجاة متعثرة، فالوحيد «الشخصية المركزية فى الرواية» يعلن: «لم أساعد أحدًا، كل ما فى استطاعتى امتصاص الخوف الذى بداخلهم بفمى، لكنه أزرق كالصخور، يصعب ابتلاعه، ولهذا لم ينجوا».
يعتمد النص على تكنيك الصورة السردية، حيث ثمة صورة بصرية ضافية تعتمد على تفعيل طاقات الخيال، والمجاز معًا:» «رأيتُ أهل النور عدة مرات، ساكنو الجزء الغربى يقولون إن من المستحيل تغيير واقعهم لسبب مجهول، ربما يخشون البوابات الشمالية كغالبية من فى المربع، مميزون أهل النور بأغشية شفافة ناعمة، من أعينهم تخرج، بإحكام تغطى أجسامهم التى يسيطر عليها مزيج من لونى التركواز والأخضر، عكس أهل المقت، فأغشيتهم لا تملك لونًا واضحًا، فهى ما بين البنى الباهت والرمادى، أهل النور يبتلعون الهواء الأصفر، يعيشون فى الجنوب الشرقى للمربع. لم يدخل أحد منا إلى أرضهم، لكننا سمعنا أن غرفهم بيضاء، منغمسة فى اللون الأزرق الزاهى، النور وحش لا يرحم بالنسبة إليهم، يتوسلون إليه كى لا يحرقهم».
وتعزز من تلك الصورة البصرية توظيف سردية الأشياء، اعتمادًا على الخيال أيضًا، حيث يتحول «ملقط» يخرج من العين إلى سلاح من أسلحة الحرب: «ملقط من عينى يمسك بعض القطع المعدنية الملقاة على الأرض فى هدوء، وبحدة يرشق بها وجوه رفاقى مرات متتالية».
وبعد.. ثمة رواية هنا تعج بالمقاربات التجريدية الرمزية، والخيال، بما يكشف عن كاتبة موهوبة، وحقيقية، قادرة على بناء عالم روائى، لكنها تحتاج إلى توسيع مدى هذا العالم، والاشتباك مع واقع مسكون بالمفارقات، التى تعد فى حد ذاتها خيالًا يتجاوز الغرائبى، ويتخطاه.